شرع الله؟/ شوقي مسلماني



د. خطيب بدله معارض سوري قديم للنظام السوري السابق: ".. خلّونا هلّق نتابع الأخبار، صار عنّا، خزاة العين، كميّه ممتازه من الصرع والهبل والكلام الشنّيك،  مرّ معي على الفيديو، عالتيكتوك، شيخ هيئته سلفي وهّابي، على القصر العدلي بحلب، عميقول أنّ هذا القصر العدلي رح يحكم من الآن فصاعداً بشرع الله، بتعرفوا شو عمل هذا الشيخ بجمله قصيره وحده؟، الغى القوانين السوريّة السارية المفعول من سنة 1951 حتى اليوم، غيّر الدستور، قرّر دستور جديد، قوانين جديده لخّصها بعباره، إنّه هذا الشرع الإسلامي، بقى هون أنا بدّي إسأل كمان، هادا تصرّف فردي متل تصرّف زعماء إدلب؟، نحنا نسينا ما نسأله للشيخ، شلون يعني شرع الله؟، يعني قصدك تطبّق الحدود الشرعيّه بهذا القصر العدلي؟، يعني من جلد ورجم وتقطيع إيدين،  أم في عندك نسخه مخفّفه من الشرع؟، لازم الحقيقه نعرف جماعة أحمد الشرع اللي هنّي لردع العدوان وقيادة العمليّات وما بعرف  إيش، أصدروا قرار بعدم التدخّل بلباس النساء في سوريّا، هون الواحد ممكن يسأل إنه هذا القرار صدر لإرضاء أمريكا والغرب وإسرائيل فقط أم هو سياسه دائمه؟، إذا كان سياسه دائمه شو بتفسّر تدخّل المجاهدين في لباس النساء هون وهون وهون وفي القصر العدلي بحمص، أنه ما بيصير إنتو السيّدات تدخلو بدون حجاب وغيره، وأنه ممنوع صداقة الرجال والنسوان في مكان آخر؟، هلّق إنتو كنتوا عم تضحكوا علينا أم هيده تصرّفات فرديّه كمان؟، الشي اللي عم يتم تداوله الآن أنه نحنا الآن أمام مجموعه غير متجانسه من الإسلاميين المسيطرين على مفاصل الدوله السوريّه، مجموعة ردع العدوان اللي بيقودها الشيخ الجولاني أو اللي صار إسمه أحمد الشرع ليست على سويّه واحده من التفّهم والتعقّل، بيتراوح تفكيرهن بين الإعتدال والبراغماتيّه وصولاً بالتدريج إلى حدود الدعشنه، الصديق الصحفي بدر صدقي كتب مقاله زكيّه جدّا بهذا الخصوص، حكى عن هذا التباين عبيده نحّاس رئيس حركة التجديد الوطني المنبثقه أصلاً عن جماعة الإخوان المسلمين في مقابله تلفزيونيّه، أطلق على الجولاني إسم جديد، أنا بظن أنه كلّ الجماعات الإخوانيّه بتتبناه، هو القائد أحمد الشرع، القائد، المهمّ أحمد الشرع عميحاول يلعب سياسه، هادا شي طبيعي لأنه هو يمكن يكون الوحيد اللي فهمان القصّه، بيعرف إنّه اللي صار ما هو ثوره ولا جهاد ولا تحرير ولا إنتصار للأكثريّه السنيّه على الأقليّات أبداً، بيعرف هو وجماعته إنه هنّي إجوا نتيجة الحرب الطويله المستمرّه من 7 أكتوبر لليوم، ونتيجة الإنتصارات الساحقه لمحور أمريكا وإسرائيل على المحور الإيراني، وحتى على روسيا، ولذلك بتلاقي عقله لأحمد الشرع متحرّر من الأوهام وعميحاول يشدّ اللحاف باتّجاه الإعتدال ومسايرة الظروف الداخليّه والخارجيّه البالغة التعقيد والخطوره، ليش؟، لحتى يقدر يستمرّ، وعلى فكره هو عميقدّم تنازلات مو من حقّه يقدّمها أصلاً، على أمل يشيلوا إسمه وإسم تحرير الشام من القائمه، البعض بيقولوا "الآيمه"، زمان كانوا يقولوا مين بتنتخبوا؟، بيقولوا "الآيمه"، بيقصدوا "آيمة" الحزب والجماعه، أمّا الجماعات الجايه مع الشرع فعم تشتغل شغلات أقل ما يُقال فيها أنّها معيبه ومخجله وتندرج كلّها في إطار العدوان على الحريّات الشخصيّه للسوريين، بدهن يفرضوا الحجاب طبعاً رغم القرار اللي طلع إنه الحجاب مانه إجباري، وبدهن يمنعوا الإختلاط وبدهن يضربوا السياحه في سوريا من خلال محاربة اللهو والمسرح، وبمجرّد ما يوقّفوا مواطن على حاجز بتنطلق الأسئله رشّاشاً عن دينه ومذهبه، سنّي؟، درزي؟،  علوي؟، مسيحي؟، شو إنت؟، وتكسير محلاّت بيع الخمور لأبو موزه، وكلّ شوي بتطلع الجماعه الجهاديّه وبتعبّر عن فرحها بتحرير دمشق ـ الشام،  ما بيقولوا دمشق، والناس اللي مصدّقين أكذوبة التحرير". 

Shawkimoselmani1957@gmail.com


تحية الى الفنان منير كسرواني/ مي سمعان


  

هديلٌ امْ رفيفٌ ام عبيرُ  

 لَسَانِحةٌ وقدْ حَضَرَ ال" مُنير "!

 منيرُ الفنِّ اشرقَ من جَنوبٍ

   على وطنٍ  يُخاتلِهُ المَصيرُ

ومَلحَمةُ الصُّمُودٍ كتابُ عِشقٍ       

تصفّحَه الصَّغيرُ كما الكَبيرُ

ربوعٌ من نَجاوى مٍن صُداحٍ 

 قلوبٌ كَمْ تعَشَّقها السَّمير ُ

رسَالتُهُ البَسالةُ مُنتهاها

 وعَرشُ الوَحي منزله الاثير

 عقودٌ من عناقيدٍ وَجُودٍ

  وأَوْسِمةٌ تقَلَّدَها الجَديرُ

واستاذٌ تتلمذَ في نَداهُ 

 مشاهيرٌ وهدهدهمْ سَريرُ

مواهِبُ جمَّةٌ حُشِدتْ بروحٍ 

 أتمثيلٌ وقدْ شًخصَ الضَّميرُ !

فمن أدبٍ حَصيفٍ مُجتَباهُ 

 ومِن دَفقِ الأصَالةِ يَسْتعيرُ

وَمُتْحَفُهُ حَكايا غَابِراتٌ 

 وقدْ حطَّتْ رِحَالا تَستَجيرُ

تَجَمهَرَ في ملامِحِهِ شُخوصٌ             

وأسْرى في مَفاوِزٍهِ بَشيرُ

مٌشاغبَةٌ وظاهِرُها سُرورٌ 

 وباطِنُها الفَجيعَةُ والنَّذيرُ

جَنوبيٌّ رٍسَالتُهُ التَّفاني

  وَمَسرَحُهُ الفكاهَةُ والنَّفيرُ 

وكَرَّتْ سُبحةُ الإبداعِ تَتْرَى

 وظلَّ المِيرَ في المَيدانِ مِيرُ

الى "العيشيةِ" الجَذلَى  سلامٌ     

أثِيريٌّ    وتحَنانٌ    وَفير..

                       

                         ٢٠٢٦/٥/٣٠

كيف يستطيع التابع أن يفكر ويتكلم ويفعل ويتحرر ويتقدم؟/ د زهير الخويلدي



مقدمة:

يشير مفهوم "التابع" إلى الكائن الإنساني الذي يعيش في وضعية تبعية بنيوية، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو معرفية. التابع ليس مجرد شخص يتبع أوامر، بل هو من يُشكل وعيه وإرادته وممارساته من خلال علاقات قوة غير متكافئة: التابع للسلطة، للنخبة، للتقاليد، للإعلام، للنظام الاقتصادي العالمي، أو حتى للصور الذاتية المفروضة. الإشكالية الأساسية هي: كيف يتحول التابع من كائن موضوع إلى كائن فاعل؟ كيف يستعيد قدرته على التفكير الحر، والكلام المسموع، والفعل المؤثر، والتحرر الداخلي والخارجي، والتقدم نحو ذاته ونحو مجتمعه؟ هذا التحول ليس حدثاً لحظياً، بل عملية مركبة طويلة النفس تتطلب إعادة بناء الوعي، واللغة، والممارسة، في مواجهة آليات السيطرة التي تعيد إنتاج التبعية يومياً. فما ماهية التابع وإشكالية التبعية؟


أولاً: كيف يستطيع التابع أن يفكر؟

يبدأ التحرر من التفكير. التابع غالباً ما يفكر بأدوات الآخر: مفاهيم جاهزة، ثنائيات مبسطة (خير/شر، تقليد/حداثة، نجاح/فشل)، وأطر معرفية مفروضة تخدم المهيمن. ليستعيد قدرته على التفكير، يحتاج إلى "إصلاح الفكر" الذي يخرجه من الاختزال والتبسيط نحو الفكر المركب.يستطيع التابع أن يفكر حين يتعلم رؤية التعقد: أن الواقع ليس خطياً، وأن التناقضات (الفرد والجماعة، الهوية والكونية، الذاكرة والمستقبل) ليست متضادة بل حوارية. يبدأ ذلك بتفكيك الوهم الذاتي: الاعتقاد بأن التبعية قدر أو طبيعة. ثم ينتقل إلى بناء "معرفة المعرفة"، أي الوعي بكيفية تشكل أفكاره من خلال التربية، الإعلام، والسلطة.

عملياً، يتحقق ذلك عبر ممارسة الشك المنهجي تجاه الحقائق المسلم بها، وربط المعارف المجزأة (الاقتصاد بالثقافة، السياسة بالنفس، المحلي بالكوكبي). حين يرى التابع نفسه داخل شبكة علاقات معقدة وليس نقطة معزولة، يبدأ في إنتاج أفكار أصيلة تنبع من تجربته الحية لا من الخطاب المهيمن.


ثانياً: كيف يستطيع التابع أن يتكلم؟

الكلام ليس مجرد نطق، بل إنتاج خطاب مسموع يغير الواقع. التابع غالباً ما يُسكت أو يُكلم باسم الآخرين (النخبة تتحدث باسمه، الإعلام يمثله، السلطة تفسر احتجاجاته). ليتكلم، يحتاج التابع أولاً إلى استعادة لغته: لغة تجربته الخاصة، لا اللغة المستعارة أو المترجمة. هذا يتطلب بناء "فضاءات عامة مضادة" حيث يمارس التابعون الحوار فيما بينهم قبل مواجهة المهيمن. الكلام الحقيقي ينشأ من القدرة على سرد القصة الذاتية والجماعية بطريقة تعيد صياغة الهوية: من "أنا التابع" إلى "نحن الفاعلون".

يتطلب ذلك تعليماً للفهم: فهم الآخر دون استيعابه، وفهم الذات دون تمركز أناني. حين يتقن التابع فن الرواية والحجاج والاستعارة، يتحول صوته من صرخة إلى خطاب يفرض نفسه على الخارطة الرمزية للمجتمع. الكلام هنا فعل سياسي، لأنه يعيد توزيع الحساسية والرؤية في المجال العام.


ثالثاً: كيف يستطيع التابع أن يفعل؟

الفعل هو التحول من الوعي إلى الممارسة. التابع يعيش في عالم يُصمم له فيه الفعل المسموح: الاستهلاك، الانتخاب الدوري، العمل المأجور، الاحتجاج المؤطر. لكي يفعل، يحتاج إلى بناء قدرة جماعية: التنظيم الذاتي في جمعيات، شبكات، تعاونيات، ومساحات تجريبية. الفعل المؤثر يبدأ صغيراً: تغيير يوميات الحياة (الاقتصاد التضامني، التربية البديلة، الإعلام المستقل)، ثم يتوسع نحو الضغط على البنى الكبرى. الفعل يتطلب استراتيجية مركبة تجمع بين الصبر الطويل واللحظة الثورية، بين المقاومة السلبية والمبادرة الإيجابية. ينجح التابع في الفعل حين يتحول من "مفعول به" إلى "مُنتِج" لشروطه الوجودية: ينتج معرفته، ثقافته، اقتصاده، وسياسته. هذا يعني الخروج من التبعية الاقتصادية عبر الاكتفاء الذاتي النسبي، والتبعية الثقافية عبر إحياء الخيال الجماعي.


رابعاً: كيف يستطيع التابع أن يتحرر؟

التحرر ليس حدثاً سياسياً خارجياً فقط، بل عملية داخلية وخارجية متزامنة. التحرر الداخلي يبدأ بتحرير الرغبة والخيال من الأنماط المفروضة: الرغبة في الاستهلاك، الخوف من الاختلاف، الاعتماد على السلطة كأب. يتحقق التحرر عبر "التربية على التعقد": تعليم يركز على مواجهة اللايقين، احتضان التناقضات، وتطوير الذاتية المنظمة (القدرة على التنظيم الذاتي داخل الفوضى). كما يتطلب تحرراً من الأساطير: أسطورة التقدم الخطي، أسطورة الزعيم المنقذ، أسطورة الهوية الثابتة. التحرر الحقيقي جماعي: لا يتحرر فرد في مجتمع لا يزال أغلبه تابعاً. لذا، يصبح التحرر مشروعاً مشتركاً يبني تضامناً عابراً للطبقات والثقافات، ويربط بين التحرر المحلي والكوكبي (مواجهة النظام العالمي الذي يعيد إنتاج التبعية).


خامساً: كيف يستطيع التابع أن يتقدم؟

التقدم ليس تقليداً لنموذج المهيمن، بل تطوراً داخلياً نحو مزيد من التعقد المنظم والإنسانية. يتقدم التابع حين يبني نموذجاً بديلاً للحضارة: حضارة تربط بين التقدم المادي والمعنوي، بين التكنولوجيا والأخلاق، بين الهوية والانفتاح. هذا التقدم يعتمد على "الذاكرة المستقبلية": استرجاع التراث الحي (لا المتحفي) وإعادة صياغته ليخدم المستقبل. كما يتطلب تعليماً يُخرج الإنسان من التشظي نحو الوحدة المركبة: تعليم يربي على الحياة، على المسؤولية الكوكبية، وعلى القدرة على الابتكار داخل الشروط المحدودة.

التقدم الحقيقي قياسه بزيادة قدرة الأفراد والجماعات على التفكير المستقل، الفعل الخلاق، والعيش مع الآخر دون سيطرة أو انصهار. هو تقدم نحو "الأرض-وطن" حيث يصبح التابع السابق مواطناً كوكبياً فاعلاً.


خاتمة:

إن قدرة التابع على التفكير والكلام والفعل والتحرر والتقدم ليست خطاً مستقيماً، بل دائرة حوارية تكرارية: التفكير يغذي الكلام، الكلام يشجع الفعل، الفعل يعمق التحرر، والتحرر يفتح آفاقاً جديدة للتفكير. هذه العملية تتطلب تواضعاً أمام التعقد، وشجاعة أمام اللايقين، وصبراً أمام البطء التاريخي. في النهاية، ليس التابع من ينتظر التحرر من فوق، بل من يصنعه يومياً في ممارساته الصغيرة والكبيرة. حين يصبح التابعون قادة أنفسهم، ومفكرين في واقعهم، ورواة لقصتهم، ومبدعين لمستقبلهم، تتحول التبعية إلى مشاركة، والخضوع إلى إبداع، والتبعية إلى إنسانية كاملة. هذا الطريق صعب ومليء بالمخاطر والانتكاسات، لكنه الطريق الوحيد الذي يليق بالكرامة الإنسانية. التابع الذي يبدأ في التفكير الحر قد بدأ بالفعل في التحرر. فكيف يمكن التحرر من خلال الدائرة الحوارية للتغيير الجذري؟


كاتب فلسفي

إستعراضٌ لقصَّةِ "ما المشكلة " - للأطفال - للكاتبة ليلى عبد الله/ الدكتور حاتم جوعيه


مقدِّمة : تقعُ القصَّةُ في 28 صفحة من الحجم الكبير، تأليف : الكاتبة والروائيَّة المربيَّة ليلى عبد الله ، رسومات : منار نعيرات .  إصدار : مكتبة الطالب للنشر والتوزيع .

مدخل:      تتحدثُ القصةُ عن طفلٍ صغير مجتهد يمتازُ ويتحلى بجميع الميزات والمناقب الحميدة وبالأخلاق الراقية، وهو يحبُّ السفرَ كثيرا والترفيهَ عن نفسه، ولا يجبُّ أن يبقى دائما في البيت ساعات الفراغ لكي لا يصاب بالملل. والقصَّةُ صيغت ونُسجَت بأسلوب وطابع سرديٍّ وعلى  لسان هذا الطفل بطل القصَّة، وفيها القليل من الحوار المشترك ( ديالوج ).  

    تبدأ القصةُ عندما كان الطفلُ في عطلةٍ، وطيلة الوقت موجود في البيت. وأمُّه وأبوه كانا يعملان  طيلة النهار ويبقى هو لوحده داخل المنزل وللملل والوحدة.. وعندما عادا من العملِ( أبوهُ  وأمُّهُ )  في أحدِ الأيام ألحَّ الطفلُ عليهما  كي يبعثانه إلى بيت خالهِ في القرية ليغيِّرَ جوًّا ولكي يخرُجَ من الروتين اليومي الممل ..فاستحسنت أمُّهُ هذه الفكرة. ووافق أبوه أيضا على طلبه. ولكنَّ المشكلةَ ( كما يقول الطفل على لسانه):هي أن يوافق خالهُ وعائلتُه في صدد الذهابِ إليهم والمكوثِ عندهم عدة أيام  في ضيافتهم .

        وجاء الردُّ من الخالِ واسرتهِ سريعا بالإيجاب والترحاب . والجديرُ بالذكر أن ابن خال هذا الطفل ( هيثم ) في نفس جيلهِ فتحمَّسَ ورحَّبَ

بقدومه وفرخ كثيرا لهذا الأمر.. والطفل أيضا بطل القصَّة ( لم تذكر الكاتبةُ اسمه في قصتها إطلاقا ) فرح بهذه الزيارة وجهّزَ نفسه للرحلةِ المباركة والسعيدة . 

  وعلى لسانِ الطفلِ في القصَّة - حيث يقول : ( وصلتُ وكلّي فضولٌ .. وأملٌ أن أقضي أوقاتا جميلة وممتعة ) .. فاستقبلوه ( بيت خاله ) استقبالا  رائعا وضيَّفُوهُ بوجبة لذيذة.  وعاملوه أحسن معاملة وجعلوه  يشعرُ كأنهُ أحدٌ من أفراد العائلة بالضبط.

   وفي اليوم الثاني أخذتهُم زوجة خاله جولةً في سيارتها، وقد توقَّفتْ عند أحد الحوانيت واشترت لهما الحَلوى، وابتدأوا يأكلونها وهم في السيارة ..وفجأة يصرخُ هذا الطفل على ابن خاله والذي اسمه هيثم – كما ورد  ذكرهُ  بشكلٍ مفاجئ وعلى لسان الطفل - : لا  لا يا هيَثم ..! . وكان صوتُهُ  قويًّا أخافَ زوجةَ خاله وأفزعها وَظنَّت انَّ هنالك أمرا خطيرا قد حدثَ .  فاضطرّتَْ إلى إيقاف السيّارة جانبًا. وتلفَّتتْ زوجةُ خالهِ مذعورةً إلى الخلف لتسأل وتستفسر ما حدث، فأخبرها هذا الولد أن هيثم ابن خاله ( ابنها) قد رمى ورقةَ الحلوى من شبَّاك السيارة إلى الخارج وأراد هوَ أن يوقفَهُ .. وكان جواب هيثم وباستعراب واستنكار: ( ما المشكلة .. !! ) فأجابهُ مستغربا: أليست هذه مشكلة !!! .

   وفي اليوم الثاني ذهب هذا الطفل الضَّيف ( لم تذكر الكاتبةُ اسمهُ في القصة كما ذُكرَ أعلاه ) إلى النادي مع ابن خاله هيثم ، وكان يتعلَّمُ  دورة  كاراتيه.. وقبل خروجهما وذهابهما للنادي أعطتهما زوجةُ خالهِ  تفاحتين..  وخرجا من البيتِ مسرعين.. فتقطع هيثمُ الشارعَ  دون أن  ينتبهَ أو يلتفتَ يمينا ويسارا فصرخ فيه : توقَّفْ.. فردَّ عليه هيثم : ما المشكلة ثم سارا معا  وأكلَ كلٌّ منهما تفاحتهُ ( مع أنه ليس من المحبذ والصَّحيح أن يأكلا إذا كانا وقافين أو ماشيين).. وكانا يتحدثان.. وتفاجأ الولدُ بابن خالهِ هيثم عندما رمَى بقيَّة  التفاحة على الأرض فنهره : لا.. لا لا ..!! فردّ عليه هيثم : ما المشكلة ؟..فالتقط الطفلُ ( بطل القصَّة) بقيَّةَ التفاحةِ المَرميّة على الأرض.   وبعد بضعة امتار وصلا النادي فرمى بقايا التفاحتين في سلةِ المهملات، وكانت علامةُ الاستغراب باديةً على وجهِ هيثم ابن خاله . فقال الطفل بطل القصَّة هذه المرَّة: ما المشكلة !! . وبعد ذلك  دخلا قاعةَ الرياضة، وتعرَّفَ هذا الولد على أصحاب هيثم  وزملائه وشاركهُم في التدريب، وكان سعيدا  جدا بذلك . وبعد الانتهاء من التدريب خرجوا جميعا مندفعين  نحو البوّابة ( صفحة 22 ) وعند الرَّصيف توقَّفَ هذا الولد ( بطل القصَّة)  ولم يخاطر - كما جاء على لسانه - وبدل أن يرفعَ صوتهُ أمسكَ بذراع هيثم ابن خاله وشدّهُ فنظرَ إليه الأخير مستغربا وقال : " ما الامر!!؟ " وقبل أن يكملَ جملتهُ  سمعُوا صوتا مخيفا  بالقرب منهم .. فقد صدمت سيّارةٌ أحدَ اصدقائهِ وكانت فاجعة كبرى. وقد نقلوا ذلك الصديق المُصاب إلى المستشفى. ورجع هو وهيثم  بن خاله إلى البيت وهما متشحان بالحزن والأسى فاستقبلتهما أم هيثم زوجة خاله مستغربة من تأخرهما وعلاماتُ الذهول والرُّعب والحزن باديةٌ على وجههما فأخبراها بما حدثَ مع الصديق الذي صدمته السيارة لعدمِ انتباهه وهو يقطع الشارع  فحزنت الأمُّ وقالت : ( لا حول ولا قوّة إلا بالله ).. وتابعت كلامَها بجملةٍ مؤثّرةٍ  فيها تلخيص كامل لفحوى ورسالة هذه القصة حيث قالت: (هنالك أمورٌ صغيرة نظنُّها بسيطة، ولكن إذا حافظنا عليها وطبقناها ستحمينا من عواقب وخيمة ) .

   وتنتهي القصَّةُ هنا هذه النهاية شبه المفتوحة .


تحليل القصَّة :      القصَّةُ قصيرة من ناحية المسافة، ولكنها عريضةٌ  وواسعة في فحواها ومعانيها وأهدافها ورسالتها. وتوجدُ فيها جوانب وعناصر هامَّة، منها: التعليميّة والتثقيفيَّة والتربويَّة وعنصر المفاجأة  وعنصر التشويق.. ولكن ينقصها الطابعُ والجانب الفانتازي الخيالي الهام. 

   كُتِبَتْ القصَّةُ بلغةٍ أدبيةٍ جميلةٍ منمَّقةٍ وسلسة وشائقة ومفهومة، ويستطيعُ فهمَها واستيعابَ معانيها وأبعادَها حتى الطفل الصغير الذي وُضِعت وكتبت هذه القصَّةُ لأجلهِ .

          القصّةُ تعلمُ الطفلَ الأخلاقَ والمبادئَ والمثل والالتزام بالسلوكياتِ  الصحيحة والقويمة، وترشدُهُ إلى الطريق القويم، وتوضح لهُ أنَّ هنالك أمورا تبدو بسيطة وغير مُهمَّة كثيرا في حياتنا، ولكنها في الحقيقة مهمة جدا، وعدم الالتزام والتقيِّد بها قد يُسَبِّبُ وَيُؤدِّي إلى مشاكل لا تحمدُ عقباها، وإلى كوارث وخيمة أحيانا - كالطفل الذي لم يلتفتْ وينتبهْ عندما قطع الشارعَ - فصدمتهُ سيَّارةٌ وكادَ أن يلقى حتفهُ لعدم انتباههِ قبل عبور الشارع.

    هذه القصة تضمُّ وتحوي عناصر وجوانب عديدة وهامَّة، وهي :

1 – عنصر التشويق 

2 – عنصر المفاجأة .. وموجود في عدةِ مواقع ومشاهد في هذه القصَّة .

3 – البُعد الفنَّي .

4 – العُنصر الترفيهي .. والقصَّة ترفيهيَّة ومسليَّة من الدرجةِ الأولى  لكلِّ طفل.. ولجميع  مراحل الطفولة . 

5 – الجانب الأخلاقي والتربوي والتعليمي: القصّة  تعلم الانضباط الأخلاقي والالتزام بالسلوكيّات الصحيحة والقويمة في الحياة .

  وهذه القصَّة من صميم الواقع وتحدثُ دائما - أو ما يشابهها  كثيرا-  في حياتنا اليوميَّة. ولكنها  تفتقرُ إلى العنصرِ والجانب الفانتازي الخيالي الهام  جدا في بناء قصص الأطفال .

    وبكلِّ تأكيد هذه القصَّة ناجحة جدا وراقية ومميزة، لأن هنالك جوانب وعناصر هامّة جدا موجودة ومتوفّرة فيها وتهمُّ الطفل كثيرا.. وعدا هذا  فإنها تعلم الطفلَ السلوك الإيجابي والنهجَ الصحيح  في حياته، وتحثُّهُ على الالتزام بالأخلاق والسلوكيات الصحيحة .. وفي نفس الوقت هي ترفِّهُهُ وتسليهِ . وقد نجدُ بعضَ الثغرات الشكلية البسيطة التي أتت بشكل عفوي ـ مثال على ذلك ( صفحة 20 ): فبدل أن تضعَ الكاتبةُ نقطتين فوق بعض بعد القول ( : )  وضعت ثلاث نقاط بجانب بعض ( ... ) حيث قالت على لسان الطفل : ( فقلتُ أنا هذه  المَرَّة...ما المُشكلة !؟؟ )


الخاتمة :

     من ناحية البناء والمضمون تقتصرُ القصَّةُ على بضع شخصيات  فقط ( بطل القصة ووالده وأمّه وعائلة خاله وابن خاله ). ولم تذكر الكاتبةُ  إطلاقا اسمَ بطل القصَّة والمحور الرئيسي في قصتها.. وقد ذكرت اسمَ ابن خاله ( هيثم ) وأدخلتهُ بشكلٍ مفاجئ في الحوار من خلال أحدِ المشاهد في بداية القصّة.  وكما ذكرتُ سابقا القصَّة كُتبت بطابع سرديّ، وهنالك بعض اللمحات والومضات الخاطفة فيها حوار ( ديالوج ) بين شخصيات القصّة وبشكل غير مباشر ( الحوار بين الطفل  المحور والمركز .. وابن خاله هيثم ).

 وفي النهاية أقول: إنَّ الكاتبة والاديبة والروائيَّة ليلى عبد الله شقت طريقها بثقةٍ وتفاؤلٍ في مجال الادب والثقافة وحقَّقت شهرة واسعة  ونجاحا كبيرا في هذا المضمار. لقد كتبت في جميع الألوان الأدبية وتميَّزت بشكل خاص في مجال الروائية وقصص الأطفال .  نتمنَّى لها العمرَ المديد والمزيد من العطاء الأدبي والثقافي الإبداعي المتواصل .


أوراق في صندوق ـ قمر أستراليا/ شوقي مسلماني



وافقت أستراليا ضمنيّاً على جريمة الإبادة المرتَكبَة من قبل "إسرائيل" بحق شعب غزّة؟، قوانين جديدة يجري تداولها لفرضها على شعب أستراليا ومنها معاقبة كلّ من يهتف بفلسطين حرّة من البحر إلى النهر وللحدّ من حركة تنامي المظاهرات المناصرة لفلسطين ولإعتبار انتقاد الصهيونيّة أو سياسات إسرائيل عداء للسامية؟.   

..

الحكومة الأستراليّة الفيدراليّة التي ترتضي الخنوع للإباديين وتستهين في آن بالشعب الأسترالي البطل الذي ابتدع مظاهرة مليونيّة على جسر هاربر ـ هاربر بريدج ـ سيدني ـ مسؤولة، ولا أحد غيرها، عن الإساءة التي تلحق بسمعة أستراليا بين شعوب العالم. 

..

إذا كانت حكومة أنتوني البانيزي الفيدراليّة مستهترة أي ليست إنسانيّة بمستوى الإبادة التي يتعرّض لها شعب غزّة،  فإن حكومة ولاية نيو ساوث ويلز، ورأسها المدعو كريس مينس، أكثر استهتاراً وأكثر لا إنسانيّة. 

..

تظاهر شعب أستراليا أسبوعيّاً، وبعشرات الآلاف في كلّ تظاهرة،  وبالأخص في مدينة سيدني، طوال زمن الحرب الإباديّة على غزّة. شعب أستراليا حرّ وكريم. 

..

كثيرون نزلوا إلى الشوارع الأستراليّة هاتفين: "السجن للقتلة"، "اعتقِلوا بنيامين نتنياهو" و"اعتقِلوا كريس مينس". 

..

حريّة القول والتعبير والحركة ثلاثة أقانيم مقدّسة في مجتمع أستراليا المتعدّدة الثقافات، أستراليا الديمقراطيّة المكتسَبَة بنضالات مفكّرين ومثقّفين وأحزاب ونقابات وناشطين. 

..

قدّمتْ أستراليا التضحيات الجسام لتكون على ما هي عليه اليوم ديمقراطيّاً ولا لأحد أيّاً كان أن يعيدها إلى العنصريّة البغيضة، إلى  "أستراليا البيضاء". 

..

أستراليا تريد أن تتقدّم، تعشق الحريّة، شعبها لا يمثّله مخادعون لا أحاسيس فيهم مثل "كريس مينس" الذي افتخر ولا يزال إنه وقف إلى جوار رئيس دولة الكيان الصهيوني إسحق هرتزوغ رافعاً له مظلّة قد تقيه الشمس أو المطر ولكن لن تقيهما معاً مقتَ المواطنين الأستراليين وقرفهم منهما. 

..

كبير قمر أستراليا الشاسعة، كبير قمر أستراليا الواحدة. 

Shawkimoselmani1957@gmail.com


ليسوا قلّة/ شوقي مسلماني



أمّا الطريف فهم أعداء حزب الله الذي ينكرون عليه أو له أي فضيلة وأي مقاومة وأي التزام بقضيّة فلسطين وشعبها المقهور قولاً وعملاً، ودفعَ ثمن مبدئيّتة خيرة أبطاله المجاهدين وقياداته وعلى رأسهم الشهيد الأسمى السيّد حسن نصرالله.  

أعداء الحزب إيّاهم فجأة صاروا يعدّدون إنجازاته السابقة ويغدقون عليها من تعظيمهم إلى حدّ وصفها بالإعجاز، ولكن سرعان ما يأخذون بالنواح واللّطم على صدورهم ويقيمون الدنيا ويقعدونها ويشنّعون على حزب الله إنّه بسبب سياساته الفاشلة وحرب الإسناد فرّط بكلّ الإنجازات العظيمة السابقة التي في حينها كم ذاتهم شكّكوا بها وسخروا منها. 

هي ألاعيب وبهلوانيّات وتبدّلات جلود وتغيّر ألوان بتلوّن نفوس،  فقط يريدون تعميق الجرح، وللأسف ليسوا قلّة أولئك الذين يتكلّمون العربيّة ترجمةً عن العبريّة، ولكن أيضاً ليسوا قلّة أولئك الذين يعرفون. 

Shawkimoselmani1957@gmail.com


لا .. لبُكاءِ الأجنحةِ/ د عدنان الظاهر



الغائبُ ليلا

كانَ الغائبُ تجسيدَ النفسِ المقتولةِ صبْرا 

ينتظرُ الزائرَ يُحصي هَمْساً في الصدرِ

ويُكفكفُ ما خلّفَ دمعٌ في موقِ القهرِ

أبكي والمُقلةُ قرحى يقظى

تسألُ مَنْ مرَّ ولم يترُكْ أَثَراً في طيفِ 

للباقي يحثو أحجاراً تَرَكتْ بيتا

تسألُ أشباحاً أنْ تبكي شمعَ الدمعةِ في النارِ 

أَبكي ..

لا أندمُ أنّي في أوجِ الليلِ وحيدُ

أبكي وسأبكي 

حتّى لو طالَ الليلُ وفارَ النورُ بعينِ التنّورِ 

أبكي الطبْعَ الصِرفَ على نهجِ الماشي للأهلِ

لوّحتُ ولم أبلغْ حدَّ الشوقِ الرابضِ في صُلْبِ التوقِ

جدّدتُ مرامَ الجُهدِ القاسي

أسعى للضربِ على أوتارِ العهدِ المنسي

أنفي ما قالَ الضوءُ لشاراتِ المدَّ على خطِّ اللونِ

للجسدِ الماشي بين النجمِ وقُطبِ الدربِ 

يستجدي طِبّاً في حُزنِ الكُحْلِ

فالصبُّ وَلوعُ

مُلتاعٌ محروقُ الصدرِ ..

سافرْ ... لا تبكِ

أُفُقاً يستجدي ناراً في الشمعِ

أبكي رغمَ الفَرَحِ الطاغي حُزنا 

وأنوحُ كما ناحتْ أطواقُ حمامِ الأشواقِ

شَدْوَ العالقِ بينَ الصحوِ وغُصنِ الزيتونِ

ما ذرفتْ عيناهُ تمائمَ أعناقِ المسجونِ

لا تحزنْ في ساعِ وداعِ

ردّدْ ما قالَ المفجوعُ لأقمارِ الأقدارِ

جاءتْ تُبحِرُ بينَ الماءِ وذرّاتِ البيداءِ

حَمَلتْ للنائي في عقدِ الصدرِ نتوءا

أخفاهُ في ثوب الذِكرى خوفا

لا تحزنْ ... حالتْ ألوانُ الذِكرى

مالتْ .. إبكِ .. إبكِ.

الدكتور عدنان الظاهر


ورقة في صندوق ـ يا حيف/ شوقي مسلماني



قالت أنباء أنّه "في وقت تتواصل الضغوط الأميركية - السعوديّة على السلطة اللبنانيّة للمضي في تنفيذ قرار نزع سلاح المقاومة من دون أي تقدير للعواقب أكّدت مصادر مطّلعة أنّ قائد الجيش العماد رودولف هيكل الذي هاله ما سمعه من الوفد الأميركي الذي زار لبنان قد أبلغ "من يهمّه الأمر" بأنه يفضّل الإستقالة من قيادة المؤسّسة العسكريّة  إذا كان هناك من يريد أن تُسفك دماء لبنانيين على يد الجيش". 

وفي الإغتراب يوجد للأسف من يُحرّضون لسفك دماء لبنانيين على أيدي لبنانيين، كأنّهم لم يتعلّموا من حرب سنة 1975 المشؤومة والتي حصدت مئات آلاف الشهداء والجرحى والمعوقين والمخطوفين ولا أثر لهم بعدُ، عدا التدمير والتهجير على مدى 15 سنة عجاف اجتاحت الأخضر واليابس في لبنان الأخضر.  

في الإغتراب من يتحدّثون عن الإسلام وعن السماحة وعن الرسول محمّد ولا شيء فيهم منهم، ويتحدّثون عن المسيحيّة وعن الفادي أو المخلّص وعن المحبّة ولا شيء فيهم منهم أيضاً. 

في الإغتراب للأسف من يقول عن الحرب الأهليّة اللبنانيّة: "تنذكر ما تنعاد"، ويقول من خلف الظهر "تنعاد، تنعاد"!. 

في الإغتراب من يجب أن يُقال له: "عيب، ويا حيف". 

Shawkimoselmani1957@gmail.com


طابور الحرية/ بن يونس ماجن

     


                

                                                        الى 25 دولة عربية

                                                        و450 مليون عربي

                                                       و2 مليار مسلم 



لن نقف الا في طابور الحرية

لا مجد لمن يتخلى عن الركب ويدعي الحيادية


لا وقت للتسلية

هذا موعدكم اليوم فتأهبوا للتضحية


تأبطوا بنادقكم

واحرقوا أعلام العبودية


ألم تتعبوا من ضيق العزلة

وحصار الظلم يسوقكم الى الهاوية؟


اما زلتم في الحضيض تتمرغون في رماد العنقاء

ام عجزتم عن النهوض والتوعية؟


في أي عصر تعيشون؟

من يطلق سراح الأمة العربية


لقد فقدتم حاسة النخوة

وصرتم كالاغنام  بين  الذئاب الوحشية


هل فيكم عاقل رشيد واحد

يسمع النداء ويلبيه بعزيمته القوية


أين أنتم يا سادتنا الكرام

يا أصحاب العروش والعمائم واللحى والالقاب المكيافيلية


أما آن  الأوان أن تستيقظوا من سباتكم السرمدي

وتنفضوا عنكم غبار الذل والهوان و التبعية


حين تسقط الأقنعة وتبتسم المرآة في وجه الطغاة والخونة

 يسأل الأسير المضطهد أفيضوا علي من جرعة الكرامة البشرية


ثمة خرافة العصر: هذا شعب مختار وذاك شعب محتار

انهم مجرد نفايات بطقوس تلمودية وقرابين صهيونية


القدس وغزة والمسجد الأقصى تحت نار الأوباش الغزاة      

من فيكم يملك الشجاعة  ويتصدى لمرتكبي جريمة الابادة الجماعية 


وحين تكتب الحرية على شاهدة قبرها:

هنا ترقد الأميرة المغصوبة التي فقدت تاجها من أجل الانسانية


من المحيط الى الخليج العربي

أين راحت العقول الواعية؟


ماذا أصابكم ، لا داعي للانكار لقد تحولتم 

 الى كائنات هائمة ورقية


أين عزة النفس والكرامة؟

صرتم مثل ذوي الاحتاجات الخاصة والاعاقة الذهنية


تدفعون الجزية "لعم سام"

ولم ترسلوا ولو رغيف خبزا لغزة وللأهالي الفلسطينية


 ما رأيكم في الذين ينسفون ويفككون الهوية العربية

ويحولونها الى ماسونية صهيونية ؟


باسم التسامح المزيف 

يروجون العلمانية والتطبيع والقيم الغربية

فلسفة الذكاء/ الدكتورة: بهيّة الطشم


" إثنان لا حدود لهما : الكون وغباء الانسان."

هي المقولة الشهيرة لمبتكر قانون النسبية أينشتاين.

تدور حياتنا بأكملها حول ثنائية محورية  في الوجود الانساني ألا وهي : الذكاء والغباء؛ تماماً كما يشكل عنوان الخير والشر أساس الحياة الأخلاقية.

لم يكن بدٌ من تحديد عام وشامل بمفهوم الذكاء استناداً الى أبرز المقاربات حِيال ابن العقل العارف؛ فالذكاء هو أهم صفة ايجابية للعقل البشري الذي يتركز في الدماغ؛ ويقوم على توظيف القدرة التفكيرية واستثمارها أفضل استثمار في تطوير الحياة الانسانية.

تتصدّر الحكمة الأدوار المركزية لوظائف العقل العارف....فهي ميزان الصواب والخطأ ....وبها ترتبط جودة الذّهن.

ويقف الغباء على الطرف النقيض من الذكاء....فالغباء يرادف الحمق وهو حليف الشر وبالأحرى هو مرتع الآثام والأضرار...

ولعل أهم نماذج الغباء تتكرس في شخصيات: المجرم؛ المنافق ؛ الثرثار؛ مسلوب الشخصية أو من عنده تبعية عمياء...والعاهرة..

الى آخره...

وفي هذا السياق ...لا بدّ من الإشارة الى انّ الدهاء يضاهي الغباء في مبلغ الشرور...

فالدهاء هو استخدام الطاقة التفكيرية للعقل بطريقة سلبية ولإيذاء الآخرين.


وفي ما يلي أهم النقاط التي ترتكز عليها الاستراتيجية الفلسفية في مقاربة موضوع الذكاء وفق اختبار بهيّة للذكاء:


١.التسرّع في الاقوال والأفعال هو أهم سبب للأخطاء( بتصرّفي عن ديكارت)

من لا يتسرع يمتلك نسبة من الذكاء


٢.إحكام السيطرة على الانفعالات والأقوال...( لا تكن اسيراً لأي موقف؛ أو شخص في العالم) ( بتصرفي عن اسبينوزا)

٣.تفعيل amygdala( منطقة صغيرة في الدماغ مسؤولة عن سرعة البديهة)وذلك لتجنّب الوقوع في الاخطاء...

٤.الابتعاد في تبني المواقف عن شخص فشل ٣ مرات في اي موضوع.

٥.المبالغة في تمجيد الأمور السطحية والتماهي فيها ( اكل؛ شراب؛ إدمان في التسوق) الانغماس والتطرف في الرغبات من أشكال وألوان الغباء...

٦.المازوخية ( تعذيب النفس لأجل الآخر) غباء عارم

٧.اتقان فن المسافة في العلاقات أهم عنصر من عناصر الذكاء العاطفي والاجتماعي.

٨.الغضب المتمركز في الشخصية الانفعالية هو عدو النجاح في كافة الشؤون.

٩.الانسجام النفسي الخالي من العُقد النفسية يعكس شخصية ذكية.

١٠.الثرثرة  وكثرة الكلام والنميمة من علامات الغباء.

١١ .العنف اللفظي والجسدي ...شكل من أشكال الغباء.

١٣.ماهية الدينامية في العلاقات مع الآخرين تكشف مستوى الذكاء والغباء عند الآخرين

١٤. إتقان مهارة التواصل  نوع من انواع الذكاء

١٥. التفاؤل المعتدل  من ضروب الذكاء والعكس صحيح لخلق فرص بوجه التحدّيات.

١٦.  الانسان الغبي لا يطوّر نفسه او إمكانياته ولا طريقه حياته والعكس صحيح...

١٧.الثقة بالنفس وقدراتها واستثمار امكاناتها....ذكاء خلاّق...

١٨.إبداء الابوخية أو epoche (  وهو مصطلح الماني) عدم التعليق الشفهي أو المشاركه فيه والتبني....للأسباب والنتائج 

في العديد من الأمور والمواقف الحساسة  إنجاز يُحاكي الذكاء.

١٩.الافراط والتفريط في كل الأمور يتحالفان والغباء...

٢٠.استخدام الطبقة السطحية والانتقالية فقط دون العميقة من الشخصية مع الآخرين هو ذكاء وتعزيز للحصانة النفسية.


وفي الختام، نقول (اسلوب الانسان) في الحياة واستناداً لعالم النفس آدلر الذي يعتمده الانسان في كافة شؤون حياته يكشف النقاب عن مستوى ذكاء أو غباء الشخص...

وكل ما نفعله في حياتنا سواء من ايجابيات أو سلبيات هو تأكيد لمعالم شخصيتنا .

نظرية العقد الاجتماعي بين المقاربة الكلاسيكية في الأزمنة الحديثة والتعديلات في الفلسفة السياسية والقانونية المعاصرة/ د زهير الخويلدي

 


مقدمة


تُمثل نظرية العقد الاجتماعي أحد أبرز الأطر الفلسفية والسياسية التي شكلت الفكر الحديث والمعاصر. تنطلق هذه النظرية من فكرة أساسية مفادها أن الشرعية السياسية تنشأ من اتفاق حر وواعٍ بين الأفراد، يتنازلون بموجبه عن جزء من حريتهم الطبيعية مقابل ضمان الأمن، الحقوق، والمصلحة العامة. بينما تركز النسخة الكلاسيكية (هوبز، لوك، روسو) على التأسيس التاريخي أو الافتراضي للدولة، تطورت النظرية في العصر الحديث (من القرن العشرين فصاعداً) لتواجه تحديات جديدة:

العدالة في المجتمعات متعددة الثقافات، اللامساواة الاقتصادية، حقوق الأجيال المقبلة، العولمة ال، والثورة التكنولوجية. لقد أصبحت النظرية الحديثة أكثر تجريداً وتحليلياً، معتمدة على أدوات الفلسفة التحليلية، علم الاقتصاد، وعلم الاجتماع، ومبتعدة جزئياً عن السرد التاريخي نحو "العقد الافتراضي" أو "التوافق المعقول". فما الفرق بين العقد الاجتماعي في نسخته الكلاسيكية وهو نفسه في نسخة معاصرة؟ وهل يكفي هذا التطوير لكي يحل مشاكل مابعد الحداثة السياسية والاجتماعية الاقتصادية أم يحتاج الى تثوير وتطعيم؟


الفصل الأول: أصول النظرية الكلاسيكية وانتقالها إلى الحداثة


بدأت النظرية الكلاسيكية كرد فعل على حروب أوروبا الدينية والصراعات السياسية في القرنين السابع عشر والثامن عشر. توماس هوبز (1588-1679) صوّر حالة الطبيعة كـ"حرب الجميع ضد الجميع"، حيث يسود الخوف والفوضى. يتنازل الأفراد عن حريتهم كلها للسيادة المطلقة (الليفياثان) مقابل الأمن. العقد هنا دفاعي وواقعي.

جون لوك (1632-1704) اعتبر حالة الطبيعة أكثر سلمية، لكنها غير مستقرة بسبب غياب الحكم. يحتفظ الأفراد بحقوقهم الطبيعية (الحياة، الحرية، الملكية)، والعقد ينشئ حكومة محدودة السلطة، يحق للشعب الثورة عليها إذا انتهكت الحقوق.

جان جاك روسو (1712-1778) رأى أن حالة الطبيعة طيبة، لكن المجتمع يفسدها. العقد يولد "الإرادة العامة" التي تعبر عن المصلحة المشتركة، ويؤسس للحرية المدنية الحقيقية.

انتقلت النظرية في القرن العشرين من هذه السرديات إلى التحليل الافتراضي. أصبح العقد أداة فكرية لتبرير المبادئ العادلة وليس وصفاً تاريخياً. هذا التحول جاء كرد على فشل الدول الشمولية، وصعود الديمقراطية الليبرالية، وأزمات اللامساواة.


الفصل الثاني: جون راولز وإعادة إحياء النظرية الحديثة

يُعتبر جون راولز (1921-2002) في كتابه نظرية العدالة (1971) المهندس الرئيسي للنظرية الحديثة. يقدم راولز "الوضع الأصلي" كتجربة فكرية: يتخيل أفراد خلف "ستار الجهالة"  لا يعرفون موقعهم الاجتماعي، طبقتهم، جنسهم، مواهبهم، أو معتقداتهم. في هذا الوضع، يختارون مبادئ العدالة بطريقة عادلة.


ينتج عن ذلك مبدآن أساسيان:

مبدأ المساواة في الحريات الأساسية: يجب أن يحصل كل فرد على أكبر قدر من الحريات المتوافقة مع الحريات نفسها للآخرين.

مبدأ الفرق : يُسمح باللامساواة الاقتصادية والاجتماعية فقط إذا كانت تفيد الأقل حظاً في المجتمع.

هذا العقد ليس تاريخياً بل أخلاقياً وإجرائياً. يجمع راولز بين الليبرالية (الحريات) والعدالة الاجتماعية (الاهتمام بالضعفاء). في كتابه اللاحق الليبرالية السياسية (1993)، يعدل راولز النظرية لتكون "سياسية" لا "شاملة"، أي قابلة للتوافق في مجتمعات تعددية ثقافياً ودينياً من خلال "التوافق المتداخل".


الفصل الثالث: التحديات والتطورات المعاصرة


 روبرت نوزيك والنقد الليبرالي اليميني

في الفوضى، الدولة، والأيتوبيا (1974)، يرفض نوزيك مبدأ راولز الثاني، معتبراً أن أي إعادة توزيع للثروة تنتهك حقوق الملكية الناتجة عن الاكتساب العادل. العقد عنده محدود: الدولة "الحد الادنى" تقتصر على الحماية والأمن والإنفاذ القانوني. أي تدخل أكبر يُعد اغتصاباً.


النسوية والنقد متعدد الثقافات

انتقدت كارول باتمان وغيرها النظرية التقليدية لأنها تفترض "ذاتاً" ذكورياً مستقلًا، وتغفل العلاقات الرعائية والأسرية. كما طالب منظرو ما بعد الاستعمار والثقافات غير الغربية بتوسيع العقد ليشمل الاعتراف بالهويات والحقوق الجماعية.


العقد العالمي والأجيال المقبلة

مع العولمة، طرحت أفكار مثل "العقد الكوني" (ديفيد هيلد) أو "العقد بين الأجيال" لمواجهة التغير المناخي. كيف يمكن لعقد بين أحياء اليوم أن يلزم الأجيال القادمة؟ هنا تظهر الحاجة إلى مبادئ الاستدامة والعدالة البيئية كجزء لا يتجزأ من العقد الحديث


 الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا

في عصر الذكاء الاصطناعي، يطرح العقد الاجتماعي أسئلة جديدة: من هم "الأطراف" في العقد؟ هل تشمل الآلات أو الكيانات الرقمية؟ كيف نضمن العدالة في عالم يسيطر فيه الخوارزميات على الفرص والمعلومات؟


الفصل الرابع: قوة نظرية العقد الاجتماعي الحديثة ومحدودياتها


القوى:

توفر إطاراً أخلاقياً عقلانياً لتبرير المؤسسات الديمقراطية.

تسمح بالنقد المستمر للدولة والمجتمع.

تدعم الاستقرار من خلال الشرعية القائمة على التوافق لا على القوة أو التقليد فقط.

مرنة وقابلة للتكيف مع التحولات (من الدولة القومية إلى الحوكمة العالمية).


المحدوديات:

تعتمد على افتراضات فردانية قد تتجاهل الروابط الاجتماعية السابقة (اللغة، الثقافة، التاريخ).

صعوبة تطبيق "حجاب الجهل" في الواقع.

قد تبرر نظاماً ليبرالياً غربياً دون الاعتراف الكافي بتنوع الحضارات.

في عصر ما بعد الحقيقة والاستقطاب، يصعب تحقيق "التوافق المعقول".


خاتمة

تظل نظرية العقد الاجتماعي الحديثة أداة حية وقوية لفهم وتحسين التنظيم السياسي. لم تعد مجرد قصة تأسيس الدولة، بل أصبحت منهجية للتفكير في العدالة، الشرعية، والتعايش في عالم معقد. في عصرنا، تحتاج النظرية إلى توسع أكبر: دمج البعد البيئي، الرقمي، والعالمي، مع الحفاظ على جوهرها الأخلاقي المتمثل في كرامة الفرد والمصلحة المشتركة. إن نجاح المجتمعات المعاصرة مرهون بقدرتها على إعادة صياغة "العقد" بشكل مستمر، بحيث يبقى عادلاً وشاملاً ومستجيباً لتحديات الزمن. هذا التجديد المستمر هو ما يجعل نظرية العقد الاجتماعي الحديثة ليست مجرد تراث فلسفي، بل مشروعاً سياسياً وأخلاقياً مفتوحاً على المستقبل. فهل يمكن لنظرية الاعتراف أن تصلح ما أفسدته نظرية تبرير الفوارق؟


كاتب فلسفي

رَذَاذُ مَطَرٍ وَحُبٍّ/ عباس علي مراد



عَلَى سُفُوحِ الْقَلْبِ

تَنْبُتُ، تَتَفَتَّحُ أَزْهَارُ الشَّوْقِ

عَلَى كَفِّ الْأَمَاكِنِ

تُغَازِلُ حُمْرَةُ تُرَابِكِ عَيْتَرُونَ

رَذَاذُ مَطَرٍ وَحُبٍّ

قُبَلٌ مِنَ الْحَنِينِ

«يَا حَادِيَ الْعِيسِ»

تَرَاتِيلُ صَدَاهَا يَتَرَدَّدُ

فَوْقَ هِضَابٍ

بَيْنَ أَوْدِيَةٍ

تَحْفَظُ وُجُوهَ نَاسِهَا وَحُرَّاسِهَا

وَهَمَسَاتِ الرِّيحِ

آذَانٌ تَسْتَرِقُ سَمْعًا

عُيُونٌ تُمْعِنُ النَّظَرَ

فِي ذٰلِكَ الْمَدَى

الْأَبِيِّ الصَّامِدِ كَصَخْرَةِ الْعُنْفُوَانِ

كَالتِّينِ

وَالزَّيْتُونِ

يَرْشَحُ مِنْهُ زَيْتُ الْعَطَاءِ

نُورُ السَّمَاءِ يَبْرُقُ

فُصُولٌ مِنَ الْحُبِّ

تَتَوَالَى..

تُعَانِقُ جِهَاتِ الْجَنُوبِ الْأَرْبَعَةَ

وَنَحْلَةٌ تَعُودُ لِلْقَفِيرِ

تَعْصِرُ الْأَرِيجَ بَلْسَمًا

لِجِرَاحِ الذِّكْرَيَاتِ



ِاللهم اجعلنا مسروقين لا سارقين/ فراس حج محمد


للكاتب إبراهيم نصر الله الكثير من "البكّايات"، وهذا مصطلح مستعار من صديقي حسن عبادي حتى لا أتهم بأنني سارق، وسطوت على أفكار الأصدقاء ولغتهم. مناسبة هذا الحديث ما نشرته "شبكة أخبار الأدب المقدسية" لصاحبها الصديق خليل العسلي تحت عنوان "الروائي إبراهيم نصر الله وفيلم فلسطين 36 وحقوق المؤلف"، وقد انزلق للدفاع عن صديقه الكاتب نصر الله في المعركة التي أثارها شخصياً حول الادعاء بسرقة أصحاب فيلم "فلسطين 36" من روايته "زمن الخيول البيضاء"، في هذه المادة القصيرة يحاول صاحب الموقع أن يظهر نوعاً من الموضوعية، لكن اللغة فاضحة وكاشفة، وهذا ليس ذماً لصديقي العسلي الذي أحترمه مثقفاً وناشراً، لكنه توصيف لانحياز متسرع في ما أرى.

وبناء على ما هو مكتوب في ذلك البيان، لا إشارة واضحة ترقى لمستوى الدليل لتأثر أصحاب الفيلم بالرواية، فقصص النكبة واحدة، وتكاد تتشابه، بل تتطابق، حتى قصة "المتعلم الوحيد"، هذا النوع من القصص مغرٍ لأنه يحمل إشارات وسيميائيات متعددة اجتماعية وسياسية وثقافية، ويصلح للسرد والحبكة والمقولات المتعددة، لذلك فإنه رائج جداً، بل إنه غدا موتيفاً (محروقاً) في السينما العربية وفي الأدب العربي كله، وغدا يناظره في الحالة الفلسطينية موتيف "الناجي الوحيد"، وقد وجد في روايات كثيرة، حتى قبل أن يكتشفه السرد الفلسطيني، فالناجي الوحيد كالمتعلم الوحيد فيه شحنة دراماتيكية عالية تجعله بؤرة سردية متوترة جداً، وكلاهما يصلحان للسينما وللرواية، وأصبحا متداولين بكثرة، حتى غدا ينطبق عليها قول المثل: "وين ما ضربت الأقرع بسيل دمه"، فالاتكاء على هذا لا شيء فيه، ولا يعد دليل إدانة من أيّ نوع.

وجاء البيان كذلك على أمر اطلاع "آن ماري جاسر" مخرجة وكاتبة فيلم "فلسطين 36" على الرواية، ويحاصرها كاتب البيان، فبعد أن نفى عنها تمكنها بالعربية واستبعاد أن تكون قد قرأتها بهذه اللغة، يفطن أن الرواية ترجمت إلى الإنجليزية، بمعنى أنه يعيد الكرة إلى ملعب المخرجة، ويتهمها، متساوقاً مع "أوهام المكتب النصراوي"، صحيح أن بيان شبكة أخبار البلد بدا كأنه موضوعي- كما أشرت أعلاه- إلا أنه استخدم أسلوب المعتزلة في تفنيد الحجج ونقض كل حجة ممكنة باحتمال بديلٍ آخر ممكن يرفعه إلى مقام الدليل على التورط. إنه الانحياز ليس أكثر.

وفي دليل ثالث عجيب تسوقه شبكة أخبار البلد في بيانها الذي نسبته للمحرر الثقافي، هكذا دون اسم، تستند على الاسم، فاسم القرية الذي كان في رواية نصر الله "الهادية" أصبح في الفيلم "البسمة"، وهذا دليل من وجهة نظر المحرر الثقافي النحرير بوجود "هذا التناغم في الاسمين يصدر، للوهلة الأولى، عن جذر واحد قوامه السكينة!"، ولا أدري لماذا وضعت علامة التعجب في نهاية الجملة، هل اعتبروا ذلك لقية وأمراً عجيباً لتستحق هذا التأثر الشديد، ودليلاً لا مفرّ من الاعتراف به.

أرأيتم مدى الانحياز العلني، وليّ عنق اللغة لتتساوق وأوهام نصر الله؟ فهل يعقل أن نذهب هذا المذهب الساذج في التفسير لنثبت الشبهة، هذه اللفظة التي وضعها بيان الشبكة بين قوسين؟

إن مسألة التأثر أمر وارد بكثـرة بين الناس عموماً، حكايات وقصصاً، وشعراً وأفكاراً، وكثيراً ما لاحظتها في ما أكتبه من شعر وسرد، والأدلة على ذلك كثيـرة عندي وعند غيـري، وليست مسألة جديدة، وتتعدى حدود الثقافة الواحدة لتوجد بين الثقافات، ومعروفة عربياً عند الأقدمين، وأوردها النقد القديم في أعلى تصوراتها بعبارة "وقع الحافر على الحافر"، ولا يعنون بها التشابه، بل التطابق الكامل بين نصين، ويوردون مثالا لذلك قول طرفة بن العبد في معلقته: "وقوفاً بها صحبي عليّ مطيّهم، يقولون لا تهلك أسىً وتجلّدِ"، إنه البيت نفسه الوارد في معلقة امرئ القيس: "وقوفاً بها صحبي عليّ مطيّهم، يقولون لا تهلك أسىً وتجمّل"، ولولا القافية لكانا بيتاً واحداً، وعلى الرغم من تفسيرات النقاد لهذا التشابه إلا أنهم لم ينفوا أن يصدر كل منهما من تجربته الخاصة، وتشابه التجارب يعطي أدباً متشابهاً بل متطابقاً، أعيد قول ذلك وقد سبقني في قوله أساتذة ونقاد كثيرون.

إن الحالة الفلسطينية حالة غاصّة بالتكرار من لدن النكبة حتى أحداث الإبادة الجماعية، وتصرفات الناس، في النـزوح، وفي البحث عن مأوى، وفي الأكل، وفي قضاء الحاجة، وفي أشياء كثيـرة، والأخبار قبل الأدب يغص بها، فهل إذا تناولها أحدهم يكون سارقاً، وأين حقوق الملكية في هذا كله؟ إن الأحداث منجز إنساني عام يغرف منها كل من أراد الكتابة، لكنّ المعوّل عليه هو زاوية النظر، وطريقة المعالجة الخاصة التي لا تجدها في الخبـر أو في المرويات التاريخية، وهذا يلزمه أكثر من مجرد التشابه الظاهريّ، ليخضع المنجزان المقصودان إلى عملية تحليل دقيقة يتم فيها الكشف عن هذا التشابه، ولا بد من أن يقوم بهذه العملية نقاد متخصصون بارعون، متجرّدون من الحب والكره والمصلحة، ويصدرون بياناً مفصلاً في ختام عملية التحليل والمقارنة، بعدئذٍ سيكون رأي تلك اللجنة ملزماً للطرفين، وعليهم أداء ما يترتب عليهم من حقوق أو واجبات؛ فإن لم تثبت التهمة يلزم المدعي حقاً لازماً بالاعتذار للمتهمين، وتعويضهم لأنه قد شوّه سمعتهم وعملهم، وتاريخهم الإبداعي.

حالة نصر الله ليست الوحيدة ولن تكون الأخيرة، وهو من جملة ما يتلبّس الأدباء من وهم السيطرة على ما يكتبون، ورغبتهم في امتلاكه وتطويعه لهم وحدهم، وكأنه أصبح لهم بمجرد أن مرّ في نهر "سردياتهم"، هل السبق في الكتابة عن التاريخ يعطي شرعية للكاتب لامتلاك حق إعادة سرده؟ هل يحق لمن كتب لأول مرة عن "السيد البدوي" مثلاً أن يحاكم كل من كتب بعده عن السيد البدوي، على الرغم من أنه كاتب أول للحكاية، ومنقذها من ركام النسيان والإهمال؟ هل يحق له أن يقول إنها حكايتي وسرديتي وروايتي فلا تقربوا منها، وكل من تمتد يده إليها فهو سارق ويستحق قطع يده، على الرغم من أنه لا حد في سرقة الأدب، كما قال الفرزدق: "خير السرقة ما لا تقطع فيه اليد" ويقصد السرقات الشعرية، إذ كان كثيراً ما يُغير على أشعار الشعراء، فيسرق منها ما يستحسنه، وخاصة صغار الشعراء الذين لم يُسمع بهم، ولم يكن لهم صيت ذائع.

إضافة إلى كل ما سبق فإن التجربة لدى الكاتب- أي كاتب- هي تجربة ممتدة، ومتشعبة، تأتيه من مصادر محتلفة، أولها حياته وما يمر به، وثانياً ما يسمع عنه، ويحدث أمامه، وثالثها ما يقرأ عنه في الكتب، ورابعاً ما يتأمله ويستطيع الوصول إليه بنفسه بالبحث الذهني المجرّد، فيختـزن كل ذلك في "لاوعيه"، وكل تلك التجارب تساهم في صنعه وصناعته الأدبية والمعرفية، وهذه الفكرة مدار أصحاب نظرية التناص الذين يرددون مقولة: "ما الأسد إلا مجموعة خراف مهضومة"، ولا يوجد كاتب غير متأثر بآخرين، حتى نصر الله نفسه، فكيف يحق لنفسه "سرقة الخبر التاريخي" ليصوغه سرداً روائياً ثم يصطفيه- احتكاراً- لنفسه، مانعاً الآخرين من الاقتراب منه؟ أي بلاهة في هذا المنطق كله؟

وثمّة أمر غريب جداً في هذه المسألة، وهي لماذا البيان صادر عن "مكتب نصر الله"؟ ومتى كان له مكتب يصدر البيانات؟ وبصفتي أحد المتابعين له، لم أكن ألاحظ أن له "مكتباً" يصدر عنه بيانات صحفية وإعلامية ولأول مرة يحدث ذلك على حسب علمي، فلماذا هذه الطريقة الملتوية والتهويل؟ وكأن الأمر سيصبح أكبـر دلالة وهو صادر عن "مكتب إبراهيم نصر الله"؟ كأنه مكتب رئيس وزارة مثلاً. إنه نكتة سمجة ليس لها أي معنى.

يبدو أن إبراهيم نصر الله اشتاق لأن يكون "محور الساعة" لتدق حيثما أراد لها أن تدق، ليس طمعاً في الشهرة، فليس محتاجاً لها بكل تأكيد، وقد طبقت شهرته الآفاق شرقاً ومغرباً، لكنه، اشتاق لأن يدخل معمعة المعارك الأدبية، لكنه دخلها وقد خانه "موظفو مكتبه" الوهميون هذه المرة، ولعله يبحث عن تعويض ماليّ من وزارة الثقافة الفلسطينية التي لن تتعامل مع شكواه بالنسيان والإهمال، كما فعلت مخرجة الفيلم، وقد أحسنت صنعاً بفعلها، فوزارتنا رغماً عن أزمتنا المالية الحادة، ستوفر لنصر الله تعويضاً يرضيه ويُغنيه، ليسارع "مكتبه" لإصدار بيان بأنْ تمت تسوية الأمر مع وزارة الثقافة، وبهذا تكون الوزارة الفلسطينية أمّاً رؤوما حنوناً عطوفاً تمسح دموع الكاتب الذي اختنق بها، وشهق بمرارتها، وهو يظن أن أحدهم قد سرق لعبته المفضلة، لعبة السرد، لا أحدَ- ساعتئذ- سيقول إن الكاتب الكبير قد مارس الابتزاز على مؤسسة حكومية كاملة، وأجبـرهم لما لديه من "سلطة الكاتب الكبير" على الاعتـراف بذنب لم يقترفه أحد، وجريمة- إن صحت- لم يرتكبها أيّ شخص، فما بالكم وهو يفبرك التهمة ليلبسها آخرون ويحملوا أوزارها كاملة على ظهورهم، فبئس ما سيصنعون لو حدث ذلك وتم لنصر الله ما أراده، إن كان هذا فعلاً ما يفكّر فيه.

وبغضّ النظر عما سيحدث، تبقى مسألة مثل هذه ضرباً من التوقع، لا دليل على النفي، كما لا دليل على الإثبات، لكنها في نهاية المطاف توفر لنا جميعاً فرصة أن نكتب وندلي بدلونا في مسألة صارت (ترنداً) تتـردد بين الفينة والأخرى، وخاصة مع الروايات التاريخية والواقعية فلسطينية وعربية، وصارت ظاهرة تستدعي البحث والتقصي والدراسة المنهجية، فقد شهدتُ شيئاً من ذلك مع رواية "ياسين" لأحمد أبو سليم وادّعاء الكاتبة "بديعة النعيمي" بأن (أبو سليم)- رحمه الله- سرق من روايتها "عندما تزهر البنادق"، وصارت معمعة، لم يكن فيها أحد منتصر سوى الكتابة ذاتها.

وأخيـرا أقول: لماذا لا ينظر الكاتب- نصر الله وغيـره- إلى أن أدبه المسروق يستحق السرقة، فالناس لا تسرق الأمر التافه الهيّن، إنما تسرق الجواهر والماس والتحف النادرة، فما على الروائي إبراهيم نصر الله وكل ضحايا السرقات الأدبية- إن ثبتت صحتها- إلا أن يفرحوا، فعندهم ما ترنو إليه العين، فيغافلهم الآخرون، ويسرقونهم، ويا لفرحة السّرّاق أيضاً إن هم استطاعوا أن يخفوا تلك السرقات ويغرّبوها عن الكاتب نفسه، وإلا "لا فيهم ولا في سرقاتهم"، كما كانت تقول جدتي- رحمها الله رحمة واسعة.

 

المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين شرعية التنظيم وإشكالية التوريث السياسي/ الدكتور حسن العاصي



باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا


شكّل المؤتمر العام الثامن لحركة فتح الذي انعقد يوم 14 أيار/مايو 2026 بشكل متزامن في رام الله، غزة، القاهرة وبيروت، بمشاركة أكثر من 2500 عضواً، محطة سياسية وتنظيمية بالغة الأهمية في المشهد الفلسطيني، ليس فقط لأنه جمع آلاف الكوادر والقيادات من مختلف أماكن التواجد الفلسطيني، بل لأنه أفرز قيادة جديدة عبر انتخاب أعضاء اللجنة المركزية والمجلس الثوري عبر الاقتراع السري. هذا المؤتمر جاء في لحظة حرجة تتسم بتراجع الثقة الشعبية بالحركة، واستمرار الانقسام الداخلي، وتزايد الضغوط الإقليمية والدولية على القيادة الفلسطينية.

انتخاب اللجنة المركزية، وهي الهيئة الأعلى في صنع القرار داخل فتح، حمل دلالات تتجاوز البعد التنظيمي، إذ أعاد ترتيب موازين القوى بين التيارات المختلفة، وأدخل أسماء جديدة إلى دائرة القيادة، من بينها ياسر عباس نجل الرئيس محمود عباس، الأمر الذي أثار نقاشًا واسعًا حول مستقبل الحركة وإشكالية التوريث السياسي. في هذا السياق، بدا المؤتمر وكأنه ساحة اختبار لمدى قدرة فتح على تجديد نفسها، وإعادة بناء شرعيتها الداخلية، في وقت تتصاعد فيه الأسئلة حول الخلافة بعد الرئيس، وحول طبيعة الدور الذي ستلعبه اللجنة المركزية في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

بهذا المعنى، يمكن النظر إلى مؤتمر فتح الأخير باعتباره أكثر من مجرد استحقاق تنظيمي؛ إنه انعكاس لصراع داخلي على القيادة، ومحاولة لإعادة إنتاج الشرعية في ظل غياب الانتخابات العامة، وهو ما يجعل نتائجه محط أنظار الداخل الفلسطيني كما الأطراف الإقليمية والدولية

نتج عن المؤتمر انتخاب 18 عضوًا للجنة المركزية و80 عضوًا للمجلس الثوري. إن فوز ياسر عباس، نجل الرئيس الفلسطيني محمود عباس، بعضوية اللجنة المركزية لحركة فتح أثار جدلاً واسعًا حول مسألة "التوريث السياسي" ومستقبل القيادة داخل الحركة، خاصة مع تقدم الرئيس في السن واحتدام النقاش حول خلافته. النتائج الأولية أظهرت أن ياسر عباس أصبح عضوًا في أعلى هيئة قيادية للحركة، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات عن النفوذ العائلي داخل فتح.

في لحظة مشحونة بالرمزية والجدل، فاز ياسر عباس، ياسر عباس (64 عامًا)، رجل أعمال يقيم معظم الوقت في كندا، وابن الرئيس الفلسطيني محمود عباس بعضوية اللجنة المركزية بعد أن كان ممثلًا خاصًا للرئيس منذ خمس سنوات. وبذلك دخل نجل الرئيس إلى قلب المعادلة السياسية عبر فوزه بعضوية اللجنة المركزية لحركة فتح.

هذا الحدث ليس مجرد تفصيل عابر في سجل المؤتمرات التنظيمية، بل هو زلزال سياسي يفتح أبواب الأسئلة على مصراعيها: هل نحن أمام بداية توريث منظم للسلطة داخل الحركة؟ أم أن الأمر يعكس محاولة لإعادة إنتاج القيادة بوجوه جديدة تحمل دماءً مختلفة ولكنها مرتبطة بالبيت الرئاسي؟

إن دخول ابن الرئيس إلى أعلى هيئة قيادية في فتح يثير عاصفة من الدلالات: من الخلفيات الاقتصادية والسياسية التي تحيط به، إلى الملابسات التي رافقت انتخابه، وصولًا إلى ما يمكن أن يعنيه هذا التطور لمستقبل الحركة والسلطة الفلسطينية. إنها لحظة تتجاوز الشخص لتطرح سؤالًا عن طبيعة النظام السياسي الفلسطيني: هل هو في طور التحول إلى نموذج عائلي مغلق، أم أنه يسعى إلى إعادة ترتيب أوراقه في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية؟


الخلفيات والدلالات السياسية لصعود ياسر عباس

إن دخول ياسر عباس إلى اللجنة المركزية لحركة فتح لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق التاريخي والتنظيمي للحركة، ولا عن طبيعة النظام السياسي الفلسطيني الذي يقوده والده منذ أكثر من عقدين. فالرجل، المعروف أساسًا كرجل أعمال يملك شركات في المقاولات والتأمين والعقارات، لم يكن حاضرًا في الصفوف الأولى للحركة، لكنه ظهر تدريجيًا عبر تكليفات خاصة من الرئيس، مثل متابعة ملف لبنان باسم منظمة التحرير الفلسطينية، ثم مرافقة والده في لقاءات دولية مع قادة مثل فلاديمير بوتين وعبد الفتاح السيسي.

هذا الصعود يثير أسئلة جوهرية حول طبيعة الشرعية داخل فتح: هل هي شرعية نضالية تستند إلى تاريخ طويل من الكفاح، أم أنها تتحول إلى شرعية عائلية مرتبطة بالبيت الرئاسي؟ الأرقام التي رافقت المؤتمر الثامن للحركة تكشف أن ياسر عباس لم يكن ضمن الأسماء الأكثر حصولًا على الأصوات، مقارنة مثلًا بمروان البرغوثي الذي حصد ما يقارب 1900 صوت، أو ماجد فرج الذي جاء ثانيًا. ومع ذلك، فإن مجرد دخوله إلى اللجنة المركزية، وهي أعلى هيئة قيادية في فتح، يمثل تغييرًا في قواعد اللعبة.

من الناحية السياسية، يمكن القول إن هذا التطور يعكس محاولة لإعادة ترتيب البيت الداخلي استعدادًا لمرحلة ما بعد محمود عباس. فالحركة، التي تواجه تحديات داخلية من الانقسام مع حماس، وخارجية من انسداد أفق التسوية، تبدو وكأنها تفتح الباب أمام وجوه جديدة، لكنها وجوه مرتبطة مباشرة بالرئيس نفسه. وهذا يطرح دلالات خطيرة: هل نحن أمام بداية توريث منظم للسلطة داخل فتح، على غرار ما شهدته أنظمة عربية أخرى؟ أم أن الأمر مجرد محاولة لإدخال شخصية اقتصادية–إدارية يمكن أن تضيف خبرة مختلفة إلى القيادة؟

الأرقام الاقتصادية المرتبطة بياسر عباس تضيف طبقة أخرى من الجدل. فالرجل يُقدّر أنه يملك ثروة بملايين الدولارات من شركاته في فلسطين وخارجها، وهو ما يثير تساؤلات حول تداخل المال والسياسة داخل الحركة. هذا التداخل قد يُنظر إليه كعامل قوة، لكنه أيضًا يفتح الباب أمام انتقادات تتعلق بالشفافية والشرعية الشعبية.

إن دخول ابن الرئيس إلى اللجنة المركزية ليس مجرد حدث تنظيمي، بل هو مؤشر على تحول عميق في طبيعة القيادة داخل فتح: من الشرعية النضالية إلى الشرعية العائلية–الاقتصادية. هذه الخطوة تحمل دلالات على أن الحركة تستعد لمرحلة ما بعد محمود عباس، لكنها تفعل ذلك بطريقة قد تُعمّق الانقسامات الداخلية وتثير جدلًا واسعًا حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني.


الملابسات والدلالات العميقة لدخول ياسر عباس

إن دخول ياسر عباس إلى اللجنة المركزية لحركة فتح لا يمكن عزله عن الملابسات التنظيمية والسياسية التي أحاطت بالمؤتمر الثامن للحركة. فقد جاء هذا المؤتمر في لحظة حرجة، حيث تعاني فتح من تراجع شعبيتها في الشارع الفلسطيني، وتواجه تحديات داخلية من الانقسام مع حماس، إضافة إلى ضغوط خارجية مرتبطة بانسداد أفق التسوية مع إسرائيل. في هذا السياق، بدا إدخال ابن الرئيس إلى أعلى هيئة قيادية وكأنه رسالة مزدوجة: من جهة، محاولة لتثبيت نفوذ البيت الرئاسي داخل الحركة، ومن جهة أخرى، إشارة إلى أن القيادة تستعد لمرحلة ما بعد محمود عباس عبر إدخال وجوه جديدة.

الأرقام التي رافقت الانتخابات الداخلية تكشف أن ياسر عباس لم يكن ضمن الأسماء الأكثر حصولًا على الأصوات، مقارنة بمروان البرغوثي الذي تصدر النتائج، أو ماجد فرج الذي جاء ثانيًا. ومع ذلك، فإن مجرد دخوله إلى اللجنة المركزية، رغم محدودية رصيده النضالي، يعكس وزنًا سياسيًا خاصًا مستمدًا من موقع والده. هذه المفارقة تفتح الباب أمام جدل واسع حول طبيعة الشرعية داخل فتح: هل هي شرعية نضالية تستند إلى تاريخ طويل من الكفاح، أم أنها تتحول تدريجيًا إلى شرعية عائلية–اقتصادية؟

من الناحية الاقتصادية، ياسر عباس ليس شخصية عادية؛ فهو رجل أعمال يملك شركات في المقاولات والتأمين والعقارات، وتُقدّر ثروته بملايين الدولارات. هذا البعد الاقتصادي يضيف طبقة جديدة من الجدل، إذ يثير تساؤلات حول تداخل المال والسياسة داخل الحركة، وحول ما إذا كان إدخاله إلى القيادة يعكس رغبة في الاستفادة من خبرته الإدارية والمالية، أم أنه مجرد خطوة لتعزيز نفوذ العائلة.

الملابسات أيضًا تكشف عن توازنات داخلية معقدة: فبينما صعدت أسماء مثل البرغوثي والزبيدي، وهما رمزان للشرعية النضالية، دخل ياسر عباس كوجه جديد مثير للجدل، ما يعكس محاولة لخلق توازن بين جيل الداخل والحرس الجديد المرتبط بالرئيس. هذا التوازن قد يُنظر إليه كخطوة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، لكنه أيضًا قد يُعمّق الانقسامات ويثير مخاوف من توريث منظم للسلطة.

إن دلالات هذا الحدث تتجاوز الشخص لتطرح سؤالًا عن مستقبل النظام السياسي الفلسطيني: هل نحن أمام إعادة إنتاج للقيادة على أسس عائلية واقتصادية، أم أن فتح تسعى إلى إدخال وجوه جديدة لمواجهة التحديات المقبلة؟ في كل الأحوال، دخول ابن الرئيس إلى اللجنة المركزية يمثل لحظة فارقة في تاريخ الحركة، لحظة تحمل في طياتها احتمالات متناقضة بين التجديد والانغلاق، بين الإصلاح والتوريث، وبين الشرعية الشعبية والشرعية العائلية.


الخلافة بعد محمود عباس

في سياق البحث عن هوية القيادة الفلسطينية بعد محمود عباس، يبرز اسم ياسر عباس كأحد العناصر المثيرة للجدل. انتخابه في اللجنة المركزية لحركة فتح خلال المؤتمر الثامن منح حضوره السياسي وزنًا جديدًا، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام نقاش واسع حول طبيعة الخلافة داخل الحركة، وما إذا كان هذا الصعود يعكس مسارًا نحو توريث السلطة أم مجرد إعادة توزيع للأدوار القيادية.

من الناحية التحليلية، ياسر عباس لا يمتلك رصيدًا نضاليًا أو تنظيميًا يوازي منافسيه داخل فتح، إذ يُعرف أساسًا كرجل أعمال عاش سنوات طويلة خارج فلسطين، ما يجعله أقرب إلى صورة "الابن المقرّب من الرئيس" أكثر من كونه قائدًا ميدانيًا. هذا البعد يضعف من شرعيته الشعبية، خاصة في ظل تراجع ثقة الجمهور بالحركة، ويجعل أي محاولة لتقديمه كخليفة مباشرة لوالده محفوفة بالاعتراضات. ومع ذلك، فإن إدخاله إلى اللجنة المركزية يرسّخ موقعه داخل البنية التنظيمية، ويمنحه منصة يمكن أن تُستخدم لاحقًا في معركة الخلافة.

الجدل حوله يتجاوز شخصه ليعكس أزمة أعمق في فتح: هل ستظل الحركة أسيرة النفوذ العائلي والأمني، أم ستتجه نحو إصلاح داخلي يفتح المجال أمام قيادات ذات رمزية نضالية مثل مروان البرغوثي، أو شخصيات إدارية وأمنية مثل حسين الشيخ وجبريل الرجوب وماجد فرج. في هذا السياق، يصبح ياسر عباس رمزًا لصراع أوسع بين تيارات متباينة: تيار يسعى إلى تكريس النفوذ العائلي، وتيار آخر يطالب بتجديد القيادة وإعادة بناء الشرعية الشعبية.

المستقبل إذن مفتوح على سيناريوهات متعددة. قد يُفرض ياسر عباس كخليفة بفضل قربه العائلي من الرئيس، لكن هذا الخيار سيواجه تحديات داخلية وخارجية كبيرة، وقد يؤدي إلى مزيد من الانقسامات. في المقابل، قد تبرز شخصية أخرى أكثر قبولًا شعبيًا وتنظيميًا لتقود فتح في مرحلة ما بعد عباس، وهو ما سيحدد ملامح السلطة الفلسطينية في السنوات المقبلة.


فتح أمام اختبار الشرعية والتجديد

إن المؤتمر الثامن لحركة فتح لم يكن مجرد مناسبة انتخابية داخلية، بل لحظة كاشفة عن طبيعة الأزمة التي تعيشها الحركة والنظام السياسي الفلسطيني برمته. فبينما سعت فتح إلى إظهار صورة التنظيم القادر على تجديد نفسه عبر الاقتراع السري وإعادة ترتيب البيت الداخلي، فإن إدخال ياسر عباس إلى اللجنة المركزية فجّر جدلًا واسعًا حول معنى الشرعية في هذه المرحلة: هل هي شرعية نضالية تستند إلى تاريخ طويل من الكفاح، أم أنها تتحول تدريجيًا إلى شرعية عائلية–اقتصادية مرتبطة بالبيت الرئاسي؟

هذه المفارقة تجعل نتائج المؤتمر الثامن محط أنظار الداخل والخارج معًا. داخليًا، يواجه التنظيم تحديًا في استعادة ثقة الشارع الفلسطيني الذي يرى في غياب الانتخابات العامة أزمة شرعية ممتدة. وخارجيًا، تتابع الأطراف الإقليمية والدولية هذه التحولات بدقة، لأنها تدرك أن مستقبل القيادة الفلسطينية سيؤثر مباشرة على مسار القضية الفلسطينية برمتها.

إن دخول ابن الرئيس إلى أعلى هيئة قيادية في فتح ليس مجرد حدث تنظيمي، بل هو مؤشر على طبيعة المرحلة المقبلة: مرحلة تتأرجح بين التجديد والانغلاق، بين الإصلاح والتوريث، وبين البحث عن شرعية شعبية حقيقية أو الاكتفاء بشرعية تنظيمية مغلقة. بهذا المعنى، يمكن القول إن المؤتمر الثامن وضع فتح أمام اختبار تاريخي؛ إما أن تنجح في إعادة بناء شرعيتها على أسس ديمقراطية وتشاركية، أو أن تغرق في جدل التوريث الذي قد يُعمّق الانقسامات ويضعف موقعها في مواجهة التحديات الوطنية والإقليمية.

إنها لحظة فارقة، لحظة تُلزم فتح بأن تحدد مسارها بوضوح، لأن ما جرى في المؤتمر الثامن لن يُقرأ إلا كإشارة إلى طبيعة المستقبل الفلسطيني، بين شرعية التنظيم وإشكالية التوريث السياسي


مستقبل حركة فتح في ضوء نتائج المؤتمر

إن نتائج المؤتمر الثامن لحركة فتح لا تقتصر على إعادة توزيع المقاعد داخل اللجنة المركزية، بل تحمل انعكاسات أعمق على علاقة الحركة بالمجتمع الفلسطيني وبالبيئة الإقليمية المحيطة. فمن الناحية الاجتماعية، يواجه التنظيم تحديًا في استعادة ثقة جيل الشباب الذي يشعر بالاغتراب عن البنية التقليدية للحركة، وهو ما يجعل إدخال وجوه جديدة مثل ليلى غنام وزكريا الزبيدي اختبارًا لقدرة فتح على مخاطبة شرائح اجتماعية مختلفة. أما على المستوى الإقليمي، فإن بروز أسماء مرتبطة مباشرة بالرئيس، مثل ياسر عباس، يضع الحركة تحت مجهر الدول العربية والداعمين الدوليين الذين يراقبون مدى جدية فتح في الإصلاح الداخلي مقابل تكريس النفوذ العائلي. وعلى الصعيد المؤسسي، فإن المؤتمر كشف عن حاجة ملحّة لإعادة تعريف العلاقة بين اللجنة المركزية والمجلس الثوري، بحيث لا تبقى مجرد هياكل شكلية، بل تتحول إلى أدوات فاعلة لإنتاج سياسات جديدة قادرة على مواجهة الانقسام الفلسطيني وإعادة بناء الشرعية الوطنية.

بهذا المعنى، مستقبل فتح بعد المؤتمر الثامن لن يُحسم فقط داخل أروقة القيادة، بل في قدرتها على إعادة وصل ما انقطع مع المجتمع، ومعالجة التوازن بين النفوذ العائلي والشرعية الشعبية، وتقديم نموذج مؤسسي قادر على الصمود أمام الضغوط الداخلية والخارجية. 

سعيد نفاع… حين تتحوّل الذاكرة إلى شكلٍ من أشكال المقاومة/ د. فاروق غانم خدّاج

 


 

ليس كل كاتب يكتب الأدب بوصفه خيارًا جماليًا مستقلًا، فبعض الكتّاب ينخرطون في الكتابة لأنّها تتحول إلى وسيلة لفهم العالم ومقاومته في آنٍ واحد. وفي هذا السياق، يبرز الكاتب الفلسطيني سعيد نفاع بوصفه أحد الأصوات التي انشغلت بسؤال الهوية والذاكرة داخل السياق الفلسطيني في أراضي الـ48، حيث تتداخل السياسة بالثقافة، ويصبح النص جزءًا من معركة الوجود الرمزي.

لا تظهر الكتابة عنده كفعل جمالي منفصل عن الواقع، بل كامتداد له، ومحاولة لحماية الذاكرة من التآكل، وصون اللغة من التحول إلى أثر هامشي داخل سياق سياسي واجتماعي شديد التعقيد.

وُلد في قرية بيت جن في الجليل الأعلى عام 1953، ودرس الحقوق في جامعة تل أبيب، وعمل محاميًا، ثم خاض تجربة العمل السياسي نائبًا في الكنيست عن التجمع الوطني الديمقراطي. غير أنّ هذه المسيرة لا تُقرأ بوصفها انتقالًا بين وظائف متتابعة، بل بوصفها تشكّلًا تدريجيًا لمشروع فكري وثقافي يربط بين القانون والسياسة والكتابة في إطار سؤال الهوية والانتماء.

الذاكرة بوصفها مشروعًا ثقافيًا

في كتابه «العرب الدروز والحركة الوطنية الفلسطينية حتى الـ48»، يقدّم نفاع قراءة تاريخية لموقع الدروز العرب داخل السياق الوطني الفلسطيني، في محاولة لإعادة التفكير في تموضعهم ضمن الإطار العربي العام، في مقابل قراءات أخرى سعت إلى عزلهم أو التعامل معهم بوصفهم حالة منفصلة.

ويقدّم هذا العمل قراءة نقدية للسرديات التاريخية حول هذا المكوّن، انطلاقًا من أن التاريخ ليس معطى ثابتًا، بل مجال مفتوح لإعادة التفسير وإعادة بناء العلاقة بين الجماعة وذاكرتها. ويأتي هذا الكتاب ضمن مسار أوسع عند نفاع يقوم على التعامل مع الذاكرة بوصفها مساحة إنتاج للهوية لا مجرد سجلّ للماضي.

حين تتحول الكتابة إلى تكثيف للوجود

في تجربته القصصية، يعتمد نفاع على القصة القصيرة والقصة القصيرة جدًا بوصفها شكلًا سرديًا قائمًا على التكثيف والاختزال. إذ تميل نصوصه إلى بناء دلالة مركّزة تُنتج من خلال الاقتصاد اللغوي بقدر ما تُنتج من خلال الإيحاء والفراغات بين الجمل.

في هذا السياق، تتحول اللغة إلى مساحة دلالية مفتوحة، حيث لا يكتمل المعنى داخل النص فقط، بل يتشكّل أيضًا عبر ما يُترك غير مُصرّح به، وما يُستنتج من السياق أكثر مما يُقال مباشرة.

وقد تناولت دراسات نقدية هذا النمط من الكتابة، من بينها دراسة للباحثة إيمان مصاروة، التي رأت في القصة القصيرة جدًا عند نفاع شكلًا سرديًا مستقلًا يقوم على الاقتصاد اللغوي، ويمنح القارئ دورًا مباشرًا في إنتاج الدلالة، من خلال تعدد مستويات التأويل.

نصوص تُبنى على الإيحاء

تتميّز نصوص نفاع القصيرة بقدرتها على تحويل التفاصيل اليومية إلى إشارات رمزية، حيث تتداخل عناصر الواقع مع دلالات أعمق تتصل بالذاكرة والانتماء والغياب.

ولا يقوم هذا الأسلوب على تقليص المعنى، بل على تكثيفه داخل بنية لغوية تعتمد على التلميح بقدر اعتمادها على التصريح، وعلى الأثر بقدر اعتمادها على السرد المباشر.

ومن هنا يمكن قراءة تجربته بوصفها اشتغالًا على علاقة اللغة بالصمت، حيث لا يتولّد المعنى من الكلمات وحدها، بل من التوتر بين ما يُقال وما يُترك خارج القول.

بين الأدب والتوثيق

إلى جانب إنتاجه الأدبي، يقدّم نفاع مشروعًا توثيقيًا يتجلى في كتابه «الأطر التنظيمية الأدبية في الـ48»، الذي يتناول تاريخ المؤسسات والاتحادات الأدبية الفلسطينية داخل أراضي 1948 في سياق اجتماعي وسياسي متشابك.

ويُقرأ هذا العمل بوصفه محاولة لحفظ جانب من الذاكرة الثقافية الفلسطينية داخل الداخل، وتوثيق مسارات تشكّل الحقل الأدبي الفلسطيني في ظروف استثنائية، حيث تتقاطع الثقافة مع السياسة والمجتمع في آنٍ واحد.

بهذا المعنى، يتحول الكاتب من منتج للنصوص إلى فاعل في حفظ الذاكرة الثقافية، ومن ممارس للكتابة إلى شاهد على تشكّلها التاريخي.

المثقف في منطقة التوتر

يمتلك نفاع خلفية قانونية وسياسية إلى جانب نشاطه الأدبي والثقافي، وقد شكّلت تجربة الاعتقال محطة مؤثرة في مسيرته. غير أنّ اللافت في تجربته أنه لم يحوّل الكتابة إلى خطاب سياسي مباشر، بل حافظ على مسافة بين الفكرة والصياغة لصالح لغة رمزية مكثفة.

ويكتب من داخل المشهد الثقافي الفلسطيني في أراضي الـ48، وفي الوقت نفسه من منطقة تتقاطع فيها أسئلة الفرد والجماعة، والذاكرة بوصفها واقعًا والذاكرة بوصفها سؤالًا مفتوحًا.

بين درويش وكنفاني… اختلاف في مقاربة الذاكرة

عند مقارنته بتجارب فلسطينية بارزة، يمكن ملاحظة اختلاف واضح في مقاربة الذاكرة بين ثلاثة مسارات أدبية مختلفة.

ففي تجربة محمود درويش، تتخذ الذاكرة طابعًا شعريًا رمزيًا واسع الأفق، بينما ترتبط في تجربة غسان كنفاني بالسرد المباشر والمواجهة السياسية في أعماله الروائية.

أما عند نفاع، فتظهر الذاكرة في صيغة مكثفة ومجزأة، تقوم على الإيحاء أكثر من التصريح، وعلى الأثر أكثر من الحكاية المكتملة، ما يمنح تجربته خصوصيتها داخل المشهد الأدبي الفلسطيني.

الهوية وسؤال الانتماء

في كتاباته المتعلقة بالدروز الفلسطينيين، يقترب نفاع من ملف شديد الحساسية يتصل بسؤال الهوية داخل سياق تاريخي وسياسي معقّد. غير أنّ مقاربته لا تقوم على العزل أو الإقصاء، بل على إعادة التفكير في موقع هذا المكوّن داخل الإطار العربي الأوسع، وعلى فهم العلاقة بين الانتماء الديني والانتماء الثقافي والقومي ضمن سياقه التاريخي.

خاتمة

يبدو سعيد نفاع كاتبًا يشتغل على الذاكرة بوصفها مادة حيّة قابلة للتشكّل، لا بوصفها أرشيفًا مغلقًا. وفي نصوصه الأدبية والتوثيقية، تتجاور أسئلة الهوية والتاريخ واللغة في محاولة مستمرة لإبقاء المعنى مفتوحًا أمام الزمن.

وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى تجربته بوصفها مساهمة في إعادة تعريف دور الكاتب: ليس فقط بوصفه راوياً، بل بوصفه فاعلًا في حفظ الذاكرة وإعادة إنتاجها داخل سياق يتغير باستمرار.

*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني



إشارة بإصبع اْلإتّهام/ شوقي مسلماني



ينسى إنّ المقاومة حقّقت تحرير أرضنا في جنوب لبنان والبقاع الغربي سنة 2000، وهي التي كانت محتلّة منذ سنة 1978، وينسى أنّها صدَّت الهجوم الصهيوني في حرب تمّوز 2006 والتي جرى توصيفها لضخامتها أنّها الحرب الإسرائيليّة ـ العربيّة الخامسة وينسى إنّ الحرب التي يشنّها الصهاينة الآن ـ والحرب مستمرّة منذ طوفان الأقصى ـ طوفان صحوة الضمير على مستوى العالم ـ نخوضها ضمن إمكانيّات ـ ومنذ متى لم تكن قوّة "الإستكبار" أشدّ  بما لا يُقاس عديداً مُدجَّجاً بالعنف إلى الأسنان. 

الحرب كرّ وفرّ، جولات، إخفاقات ونجاحات، ضدّ طبقة "أبستين ـ أبشتاين ـ القابضة على خناق العالم ـ ما يُقلِق ترامب في حربه على إيران إنّه يتوسّل مزيداً من القوى عوناً من بريطانيا، من فرنسا، المانيا.. إلخ، وأمله فاشل حتى اللحظة بجيش عربي، وربّما معه كوردي وأذري.. إلخ، لغزو برّي ـ هذا عين دليل ضعفه ـ بل عين دليل عجزه عن تحقيق مبتغاه على الرغم من الفارق الهائل في الإمكانيّات ـ فضلاً عن همجيّته ـ فضلاً عن استكباره ـ فضلاً عن اختلال عقله وعقول المحيطين به حتى يظنّوا، وهم "قراصنة" متوحّشون، يستبدّون بثروات تريليونيّة ـ أنّهم بكبسة زرّ يمكن إطفاء الشمس. نعم العين تقاوم المخرز. وفي خضمّ معركة صدّ العدوان الأميركي ـ الصهيوني على المنطقة لا أمل بغير وضع حدّ لهذه الأنياب الفالتة من كلّ عقال. 

ماذا نقول بمتغوّل تابع هو الصهيوني قائلاً علناً: "لي لبنانكم ولي سوريّتكم وأردنكم وأجزاء من عراقكم وأجزاء من سعوديّتكم إلى كلّ فلسطين إلى كلّ سيناء إلى بعيداً 35 كلم من القاهرة العاصمة المصريّة ذاتها؟، وماذا نقول له وهو يقول: "أنتم عماليق"، ومكتوب عليكم الإبادة مع دوابّكم ـ ألسنا في "جينوسايد"؟ ـ إبادة؟. 

الحرب المفروضة هي غزوة إمبرياليّة ضدّ  جنوب غرب آسيا ـ مستمرّة منذ نهاية الحرب العالميّة الأولى، وأرست لها قاعدة عسكريّة ضخمة باتّساع فلسطين المحتلّة بعد ارتكاب مجازر وتشريد الفلسطييين ـ "دياسبورا" ـ عذاب  حياة المخيّمات والمطر وألواح الزينكو ـ وهم أبناء الأرض، أبناء أرضهم منذ كانوا قبل آلاف السنين، لم يبرحوها، ظلّوا فيها بحلوها ومرّها، بإخفاقاتهم ونجاحاتهم وتحوّلاتهم الإجتماعيّة والثقافيّة والدينيّة وعلى كلّ الصعد ـ  والكلام ها هنا ليس أيّ كلام بل خرائط جينيّة وأركيولوجيا وحفريات وعلوم آثار.  

الغرب الإمبريالي يرمي  المنطقة ككلّ إلى البحر، ويأتينا مستسلم ويقول لمن لا يريد أن يستسلم، لمن لا يريد أن يموت راكعاً، لمن يواجه لكرامته بشجاعته ـ ماذا الإنسان إذا لم يكن شجاعاً ـ متمنياً في آن لو وحوش البحر تلتهمه: "لا تبتلّ بالماء"!.  

كلفة الأرض ذاتها كلفة الحريّة، كلفة الحياة الكريمة، دائماً باهضة، فيما العبد هو سيّان العبوديّة والحريّة، وكلّ ما سبق فقط إشارة بإصبع الإتّهام إلى المتماهين، على هذا النحو أو ذاك ، من المحيط إلى الخليج، مع معسكر ترامب ـ نتنياهو. 

Shawkimoselmani1957@gmail.com 


التغيرات الجذرية في الطبيعة الكونية والمستجدات الأساسية في الوضع البشري، مقاربة كوسمو-أنثروبولوجية/ د زهير الخويلدي



مقدمة


تُمثل الكوسمو-أنثروبولوجيا مقاربة فلسفية وعلمية متكاملة تنظر إلى الإنسان ليس ككائن منفصل عن الكون، بل كتعبير حي وواعٍ عن ديناميكيات الكون ذاته. في هذا السياق، يصبح الإنسان "كوناً يعي نفسه"، كما عبر عن ذلك كارل ساغان، حيث تتشابك مسيرة الكون المادية والفيزيائية مع تطور الوعي البشري والثقافي. هذه المقاربة تتجاوز الثنائيات التقليدية بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، لتكشف عن تفاعل جدلي عميق بين التغيرات الجذرية في بنية الكون وبين المستجدات الأساسية في الوضع البشري.تشهد عصرنا الحالي تحولات جذرية على مستويين مترابطين: الأول كوني، يتعلق بإعادة صياغة فهمنا للكون منذ الانفجار العظيم وحتى مصيره المحتمل؛ والثاني بشري، يتمثل في انتقال الإنسان من كائن أرضي محدود إلى فاعل كوني قادر على التدخل في قوانين الطبيعة وتعديلها. تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف هذين البعدين وتقاطعاتهما، مع التركيز على الآثار الوجودية والإبستمولوجية والأنطولوجية لهذه التغيرات. فماهي المقاربة الكوسمو-أنثربولوجية؟ وكيف أحدث تغيرات جدرية في الكون؟ ولماذا وقعت مستجدات في الوضع البشري؟ وبأي شكل تعاملت معها المعرفة العلمية التطبيقية؟


الفصل الأول: التغيرات الجذرية في الطبيعة الكونية


 من الكون الثابت إلى الكون المتوسع الديناميكي


كان الكون في التصورات القديمة (الأرسطية والبطليموسية) نظاماً أبدياً ثابتاً، مرتباً في أفلاك مثالية. أحدثت ثورة كوبرنيكوس وغاليليو ونيوتن نقلة أولى، ثم جاءت نظرية النسبية العامة لأينشتاين لتكشف عن كون منحنٍ وديناميكي. إلا أن الاكتشاف الأكثر جذرية جاء مع الانفجار العظيم، الذي يضع بداية الكون قبل نحو 13.8 مليار سنة في حالة من الكثافة والحرارة اللانهائية.


اليوم، يتوسع الكون بتسارع متزايد بفعل الطاقة المظلمة التي تشكل نحو 68% من محتواه الطاقي. هذا التوسع يقود إلى سيناريو "التجميد الكبير"، حيث يبرد الكون تدريجياً ويتلاشى فيه كل النشاط. هذا التحول يغير جذرياً مفهوم الزمن والأبدية: الكون لم يعد أبدياً في شكله الحالي، بل هو كيان تاريخي له بداية ونهاية محتملة.


الغموض الكوني: المادة المظلمة والطاقة المظلمة


يشكل المرئي من الكون (النجوم والمجرات والغازات) نسبة ضئيلة لا تتجاوز 5%. أما المادة المظلمة (27%) فهي غير مرئية وتتفاعل فقط جاذبياً، بينما الطاقة المظلمة تُسرّع التوسع. هذا الجهل الشامل يُدخل عنصراً أساسياً جديداً في الطبيعة الكونية: الغموض ليس نقصاً معرفياً مؤقتاً، بل خاصية أنطولوجية أساسية. يصبح الكون مكاناً غير قابل للإدراك الكامل، مما يتحدى النزعة الإنسانية التي كانت تفترض إمكانية السيطرة المعرفية الكاملة.


ميكانيكا الكم والتحدي للعقلانية الكلاسيكية


أدخلت ميكانيكا الكم مفاهيم مثل التراكب، التشابك، والانهيار الاحتمالي لدالة الموجة. هذه المفاهيم تنسف فكرة السببية الخطية والواقع المستقل عن المراقب. ظاهرة التشابك، على سبيل المثال، تربط بين جسيمين على مسافات شاسعة بطريقة تتحدى مفهوم المكان والزمان ككيانين مطلقين. لذلك يتجلى التناقض الأعمق في عدم التوفيق بين النسبية العامة (التي تصف الجاذبية على المقاييس الكبيرة) وميكانيكا الكم (على المقاييس الصغيرة). محاولات التوحيد مثل نظرية الأوتار أو الجاذبية الكمومية الحلقية تشير إلى أن الكون قد يكون في جوهره متعدد الأبعاد أو معلوماتياً.


الكون المتعدد والتضخم الأبدي


تقترح نظريات التضخم الكوني أن كوننا مجرد فقاعة واحدة ضمن بحر من الأكوان المتعددة. في هذا الإطار، تكون الثوابت الفيزيائية التي تسمح بوجود الحياة نتيجة صدفة محلية ضمن احتماليات هائلة. هذا يحول وجودنا من "مركزية" إلى "هامشية احتمالية"، مما يعمق الشعور بالتواضع الكوني.


الثقوب السوداء والمعلومات كجوهر الكون


أظهرت أعمال ستيفن هوكينغ أن الثقوب السوداء تبخر ببطء، مما أثار مفارقة المعلومات. يشير هذا إلى أن المعلومات قد تكون أساسية أكثر من المادة، وأن الكون قد يكون في النهاية نظاماً حوسبياً أو معلوماتياً. هذا التحول يربط بين الفيزياء والمعلوماتية، ويفتح الباب لتصورات جديدة عن الواقع كـ"محاكاة" أو كيان معلوماتي.


الفصل الثاني: المستجدات الأساسية في الوضع البشري


 عصر الأنثروبوسين: الإنسان كقوة كوكبية


انتقل الإنسان من كائن يتكيف مع البيئة إلى قوة جيولوجية تشكل الكوكب نفسه. تغير المناخ، تدمير التنوع البيولوجي، التلوث النووي والكيميائي، كلها دلائل على أن النشاط البشري أصبح ذا تأثير مقارن بالعمليات الطبيعية الكبرى. هذا يفرض مسؤولية كونية جديدة: الإنسان لم يعد ضيفاً على الأرض بل مهندساً لمصيرها.


الثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي


يمثل الذكاء الاصطناعي نقلة نوعية تجاوزت الثورة الصناعية. من الآلات التي تحل محل العضلات إلى الأنظمة التي تحاكي وتتفوق على الذكاء البشري في مجالات متعددة. هذا يعيد تعريف ما هو "بشري": الوعي، الإبداع، العواطف، والقرار الأخلاقي أصبحت قابلة للمحاكاة أو التوزيع. يظهر مفهوم "الإنسان الإله" كإنسان يمتلك قدرات إلهية تقريباً من خلال التكنولوجيا


الاندماج السيبراني وإعادة تصميم الجسد


من خلال تقنيات مثل كريسبر لتحرير الجينوم، نيورالينك للوصل بين الدماغ والحاسوب، وتقنيات الطول العمر، أصبح الجسد البشري مشروعاً قابلاً للتصميم. لم يعد الموت أو المرض أو حتى الحدود البيولوجية قدراً محتوماً. هذا يفتح آفاقاً للإنسان ما بعد البشري، حيث يندمج البيولوجي بالرقمي والاصطناعي.


 الاستعمار الفضائي وتحول الهوية الكونية


مع مشاريع استكشاف المريخ والقواعد القمرية والأقمار الصناعية الضخمة، يتحول الإنسان إلى كائن متعدد الكواكب. هذا ليس مجرد توسع جغرافي، بل تحول وجودي: الهوية البشرية لم تعد مرتبطة بالأرض فقط. يصبح السؤال: هل سيؤدي هذا إلى حضارة كونية موحدة أم إلى انقسامات جديدة بين "الأرضيين" و"الفضائيين"؟


 أزمة المعنى والتحولات الثقافية


تراجعت الأديان التقليدية في العديد من المجتمعات، وصعدت نزعات عدمية أو براغماتية. في المقابل، ظهرت حركات مثل النظرة طويلة الأمد التي تهتم بمستقبل البشرية على المقاييس الكونية. يبحث الإنسان عن معنى جديد في كون هائل وغير مبالٍ، مما يجعل الفلسفة والفن والروحانية المعاصرة ساحات لإعادة صياغة الوجود.


الفصل الثالث: التقاطعات الكوسمو-أنثروبولوجية والآثار المتداخلة


تكشف المقاربة الكوسمو-أنثروبولوجية عن مرآة متبادلة: التغيرات الكونية تنعكس في الوضع البشري، والعكس صحيح. فالتوسع الكوني يوازي العولمة والسيولة الثقافية؛ والاحتمالية الكمومية تتوازى مع عدم اليقين الاجتماعي والاقتصادي؛ والغموض الكوني يعكس حدود المعرفة البشرية رغم التقدم التكنولوجي. لقد أصبح الإنسان عاملاً كونياً محتملاً: الهندسة الجينية والذكاء الاصطناعي والطاقة النووية قد تؤثر يوماً على مقاييس كونية. في الوقت نفسه، يفرض الكون قيوداً على الطموح البشري (مثل سرعة الضوء، أو الطاقة المطلوبة للسفر بين النجوم). هذا الجدل يولد توتراً وجودياً خصباً: تواضع أمام عظمة الكون، وطموح لتجاوز الحدود. من منظور تاريخي، كل ثورة كونية (كوبرنيك، داروين، الكم) أنزلت الإنسان عن عرش المركزية، مما أنتج أزمات معنى لكنها فتحت أيضاً إمكانيات جديدة للحرية والإبداع. في عصرنا، يجتمع هذا مع قدرة غير مسبوقة على الفعل، مما يجعل الإنسان في مفترق طرق: إما الارتقاء إلى حضارة كونية مستدامة، أو السقوط في مخاطر وجودية ناتجة عن سوء استخدام القوى الجديدة.


خاتمة:


تمثل التغيرات الجذرية في الطبيعة الكونية والمستجدات في الوضع البشري نقطة تحول تاريخية. لم يعد بإمكان الإنسان النظر إلى الكون كخلفية سلبية، ولا إلى نفسه ككائن منفصل. الكوسمو-أنثروبولوجيا تدعو إلى وعي متكامل يجمع بين التواضع العميق أمام غموض الكون وبين المسؤولية الأخلاقية تجاه مستقبله. المستقبل ليس محتوماً. يعتمد على قدرتنا على تطوير أخلاقيات كونية، ومؤسسات عالمية قادرة على إدارة المخاطر، وثقافة تُعلي من قيمة الوعي والاستدامة طويلة الأمد. في النهاية، قد يكون الإنسان الطريقة النادرة التي يستمر بها الكون في استكشاف نفسه، أو مجرد حلقة عابرة في قصة أكبر بكثير. الاختيار، الآن، بين أيدينا. فكيف ينبغي علينا أن ننتقل نحو بناء وعي كوني جديد؟


كاتب فلسفي