للحديث تتمّة/ شوقي مسلماني



أبناء الطبقة الوسطى هم الأكثر "قلقاً"، يطمحون ليكونوا أبناء طبقة "أعلى" أو "أرقى"  ويخافون أن تتردّى أحوالهم "فينقلبون" ليكونوا أبناء طبقات أدنى، الطبقة الوسطى هي الأكثر تذبذباً وذاتها العمود الفقري لإستقرار أيّ مجتمع، وكلّما اتّسع نطاقها كلّما زاد الإستقرار، وكلّما انخفض زاد التوتّر، ومعروف إنّ الإستقرار هو أهم ثروات أيّ مجتمع.  

ثروة الإستقرار أهم من "بخّور" العصور القديمة وأهم من "صناعة النفط" في عصورنا الحاضرة، أقول ذلك لكي أُقارب حال الطلبة العرب الذين درسوا في البلاد الإشتراكيّة والإتّحاد السوفياتي ورجعوا أطباء وفيزيائيين.. إلخ ليعملوا في أوطانهم الأمّ أو في بلاد "الغرب" وصاروا بعد ارتقائهم إجتماعيّاً أكثر عداء للإشتراكيّة ـ كما أشار د. هادي عيد ـ وصار ميلهم لجمع المال وللتدافع في سبيل الوصول إلى أي منصب أو وظيفة في أي مؤسّسة أو حكومة ولو على حساب اعتقادهم "السابق"، كما صاروا الأكثر تبريراً خصوصاً لخياراتهم الفكريّة "الجديدة". 

ومن عوامل انهيار الإتّحاد السوفياتي ـ من جهة ثانية ـ في حربه الباردة أنّه واجه بشرف أكثر فيما واجهت أميركا بقلّة شرف تماماً، ولذلك يُقال إنّه ليس من الضروري فوز المحترف، قد يسحقه من يغشّ تحت الطاولة. 

ومع رفع الغطاء الذهبي عن العملة الأميركيّة، ومع إعلان "البترو دولار"،  وبعد الإتفاقيّات التجاريّة المشبوهة مثل "غات" وحريّة التجارة وغيرهما،  إضافة إلى ما سمي "حرب النجوم"، نام الإتّحاد السوفياتي على حرير، بتعبير محمّد حسنين هيكل، ليصحو على كابوس. 

Shawkimoselmani1957@gmail.com


المدخل الضروري لخلق المفاهيم الفلسفية المواكبة واختراع نسق فلسفي متكامل وبلورة موقف فلسفي راهن/ د زهير الخويلدي



مقدمة:

في زمن يتسم بالتسارع التقني، والأزمات البيئية، والتحولات الاجتماعية الجذرية، والتفكك الثقافي، يواجه الفيلسوف تحدياً وجودياً: كيف يخلق مفاهيم فلسفية قادرة على مواكبة الواقع المتغير، ويبني نسقاً فلسفياً متكاملاً يربط بين المستويات المختلفة للوجود، ويبلور موقفاً فلسفياً راهناً يقدم إجابات حية على أسئلة العصر؟ المدخل الضروري لهذا المشروع الفلسفي ليس الرجوع المباشر إلى التراث وحده، ولا الاستسلام للعلم أو التقنية، بل هو الانغماس النقدي الواعي في الواقع المعاصر مع الاحتفاظ بمسافة تأملية. هذا المدخل يجمع بين الالتزام بالحاضر والقدرة على تجاوزه، بين التحليل الدقيق والرؤية الشمولية. إنه يبدأ من "الخبرة المعيشة" للإنسان المعاصر كبوابة أولى، ثم ينتقل إلى نقد الشروط التي أنتجت هذه الخبرة، فإعادة بناء المفاهيم، وأخيراً صياغة نسق متكامل وموقف راهن. في عصر يتسم بتسارع التحولات الرقمية والبيئية والوجودية، لم تعد الفلسفة قادرة على الاكتفاء بتفسير العالم أو نقد التراث فقط. أصبحت مطالبة باختراع مفاهيم جديدة تواكب واقعاً يتجاوز التصنيفات التقليدية، وبناء أنساق متكاملة تمنح معنى للتجربة المعاصرة، وبلورة مواقف راهنة تتجاوز الوصف إلى الالتزام الوجودي. السؤال عن "المدخل الضروري" يتجاوز البحث عن منهج تقني، ليصل إلى جوهر العمل الفلسفي نفسه: كيف يولد الفكر الجديد؟ ومن أين يبدأ؟

الإجابة تكمن في نقطة التقاء الوعي الفردي بالأزمة التاريخية، أي في مواجهة "الواقع المتفجر" الذي يفرض نفسه على الذات بكل تناقضاته. هذا المدخل ليس اختيارياً، بل ضرورياً لأي فلسفة قادرة على أن تكون "راهنة" حقاً. ففيم تتجلى أزمة الفلسفة اليوم ومن أين يأتي إلحاح الاختراع؟ وما المدخل الضروري لخلق المفاهيم الفلسفية المواكبة واختراع نسق فلسفي متكامل وبلورة موقف فلسفي راهن؟


التشخيص الأولي: الواقع كمدخل أولي

يبدأ المدخل الضروري بتشخيص دقيق وعميق للواقع المعاصر بكل تعقيده وغرابته. لا يمكن خلق مفاهيم مواكبة دون الغوص في التحولات الجذرية: سيطرة الخوارزميات على الوعي، تلاشي الحدود بين الافتراضي والحقيقي، أزمة المناخ ككشف للتمركز على الذات، صعود الذكاء الاصطناعي كتحدٍ لمفهوم الوعي، وانهيار السرديات الكبرى مع استمرار العنف الهوياتي والاقتصادي.يبدأ المدخل الضروري بـ"الالتفات إلى الواقع" بكل تناقضاته وتعقيداته. لا يمكن خلق مفاهيم مواكبة دون فهم عميق للتحولات التي يعيشها الإنسان اليوم: سيطرة التقنية الرقمية، أزمة المناخ، تحولات الهوية في عصر العولمة، انهيار السرديات الكبرى، وانتشار القلق الوجودي رغم الوفرة المادية. هذا الوعي ليس وصفاً سطحياً، بل هو تأمل ظاهرة "الوجود في العالم" المعاصر. يجب على الفيلسوف أن يعيش هذا الواقع من الداخل — من خلال التجربة الشخصية والملاحظة الدقيقة — ثم يبتعد عنه مسافة كافية ليراه بوضوح. هنا تكمن الضرورة المنهجية: الجمع بين "الانغماس" (للصدق) و"الغربة" (للنقد). بدون هذا المدخل، تبقى المفاهيم الفلسفية إما تكراراً للماضي أو ألعاباً لغوية بعيدة عن الحياة.

هذا التشخيص ليس جمع معلومات، بل "تجربة وجودية" للواقع كما يظهر في يومياتنا: الشعور بالتسارع، القلق من اللامعنى رغم الوفرة، والغرابة أمام تقنيات تُعيد تشكيل الذات. هنا يلتقي الفيلسوف مع الفنان والعالم والمواطن العادي. المدخل إذن هو "الاندهاش المقلق" أمام عالم لم تعد فيه المفاهيم القديمة (الذات، الحرية، الطبيعة، الحقيقة) كافية. بدون هذا الاندهاش، يبقى العمل الفلسفي تكراراً أو أكاديمية فارغة.


ثانياً: نقد الشروط التاريخية والمعرفية

بعد الوعي بالواقع، ينتقل المدخل إلى مرحلة النقد الجذري. يجب تفكيك الافتراضات الكامنة وراء الواقع المعاصر: ما هي الرؤى الميتافيزيقية الخفية التي تحكم التقنية؟ كيف أنتجت الحداثة والرأسمالية والعولمة هذا الشكل من الوجود؟ ما هي الحدود التي وصلت إليها العلوم والفلسفات السابقة؟

هذا النقد ليس سلبياً بل بناءً. إنه يشبه " الفينومينولوجيا " في عودتها إلى "الأشياء ذاتها"، مع إضافة بعد تاريخي يدرك أن الواقع نتاج عمليات تاريخية. من خلال هذا النقد، يتم الكشف عن الثغرات والتناقضات التي تسمح باختراع مفاهيم جديدة. على سبيل المثال، بدلاً من مفهوم "الحرية" التقليدي، قد ينشأ مفهوم "الحرية في عصر الخوارزميات" الذي يأخذ بعين الاعتبار السيطرة الرقمية على الاختيارات. فكيف تمثل العودة إلى التجربة الحية أساس الفينومينولوجيا لوصف الظواهر؟

يُشكل الالتزام بالتجربة الحية – بمعناها الفينومينولوجي العميق – المدخل المنهجي الأساسي. يجب على الفيلسوف أن يصف "الأشياء ذاتها" كما تظهر في الوعي، قبل أي بناء نظري. هذا يعني وصف كيف يعيش الإنسان المعاصر علاقته بالشاشة، بالبيانات، بالمناخ المتغير، بالآخر الرقمي، وبالموت في عصر الخلود الافتراضي. من هذه الوصف الدقيق تنبثق المفاهيم الجديدة. على سبيل المثال، بدلاً من الحديث عن "الذات" بالمعنى الكانطي، قد يحتاج العصر إلى مفهوم "الذات المتشابكة" أو "الذات المشفرة" التي تتكون من تدفق البيانات والعلاقات غير المرئية. الاختراع المفاهيمي هنا ليس لعبة لغوية، بل ضرورة لتسمية ما لم يُسمَ بعد. يتطلب ذلك حساسية ظاهرية عالية، وقدرة على التقاط "الإحساسات" الجديدة التي يولدها العالم الرقمي-البيئي.


النقد الجذري والتجاوز: تحرير الفكر من الأطر القديمة

لا يمكن بناء نسق متكامل دون نقد جذري للأطر الموروثة. المدخل يتضمن "تفكيكاً" للمفاهيم التقليدية التي أصبحت عاجزة: هل ما زالت "الموضوعية" صالحة في عصر الصناديق السوداء للذكاء الاصطناعي؟ هل تنفع "الأخلاق الكانطية" في مواجهة خوارزميات تُشكل الرغبات؟ هذا النقد ليس هدماً، بل تحريراً يفتح المجال للاختراع. يجب أن يجمع بين الوعي التاريخي (فهم كيف وصلنا إلى هنا) والتوجه المستقبلي (كيف نعيش في ما هو آتٍ). هنا يظهر دور "الخيال الفلسفي" كقدرة على تخيل إمكانيات وجودية جديدة، مثل "الإيكولوجيا الداكنة" أو "الأنطولوجيا الرقمية" أو "الأخلاق ما بعد الإنسانية".


خلق المفاهيم الفلسفية المواكبة

يتمثل المدخل في عملية إبداعية مزدوجة: التحليل الدقيق والتخيل الرؤيوي. التحليل: تفكيك المفاهيم القديمة وإعادة صياغتها وفق الشروط الجديدة. مفهوم "الذات" مثلاً يتحول من كيان ثابت إلى "ذات سائلة" في عصر التواصل الرقمي.

التخيل: ابتكار مفاهيم جديدة تماماً تستجيب للواقع. مثل مفاهيم تتعلق بـ"الوجود الافتراضي"، أو "الأخلاق ما بعد الإنسانية"، أو "الزمن المضغوط".

هذه المفاهيم يجب أن تكون دقيقة (غير غامضة)، مرنة (قابلة للتطور)، ومرتبطة بالتجربة المعيشة (غير مجردة تماماً). المدخل الضروري هنا هو "التوازن بين الجذور والابتكار": الاستفادة من التراث دون الوقوع في الأسر، والتجديد دون فقدان العمق.

بناء النسق: التماسك والانفتاح

لا تكفي المفاهيم المتناثرة؛ يجب أن تندمج في نسق متكامل يربط بين الميتافيزيقيا، والمعرفة، والأخلاق، والسياسة، والجمال. المدخل الضروري لهذا البناء هو الرؤية الشمولية المتجذرة في الجزئي. يبدأ النسق من نقطة مركزية — مثل مفهوم "الوجود في عصر التقنية" — ثم يتفرع إلى فروع مترابطة. يجب أن يكون النسق: داخلي الترابط: كل جزء يدعم الآخر ويستمد منه.

مفتوحاً: قابل للتعديل مع تغير الواقع.

عملياً: يقدم إرشاداً للحياة وليس مجرد بناء نظري.

هذا النسق ليس نظاماً مغلقاً كالأنساق الكلاسيكية، بل هو "نسق ديناميكي" يعترف بتعقيد العالم ويحتفظ بقدرة على التطور.

اختراع نسق فلسفي متكامل يتطلب انتقالاً من المفهوم المفرد إلى البنية المترابطة. المدخل هنا هو البحث عن "العلاقات الخفية" بين الظواهر: كيف ترتبط أزمة المناخ بأزمة المعنى؟ وكيف يعكس الذكاء الاصطناعي تحولاً في مفهوم الروح؟ النسق الجيد ليس مغلقاً كالأنساق الهيغلية التقليدية، بل "متكامل مفتوح": يمتلك تماسكاً داخلياً قوياً (علاقات منطقية ووجودية بين المفاهيم)، وفي الوقت نفسه يبقى قابلاً للتعديل والتوسع أمام الواقع المتغير. يعتمد على مبادئ أساسية (مثل التشابك، التسارع، أو الغرابة) ثم يبني عليها نظرية في المعرفة، الأخلاق، السياسة، والجمال. التوازن بين العمق والشمول هو التحدي الأكبر.


بلورة الموقف: الالتزام الوجودي

بلورة موقف فلسفي راهن تتطلب انتقالاً من النظر إلى الفعل. الموقف ليس رأياً محايداً، بل "وقوفاً" أمام العصر بكل مسؤولية. يعني ذلك اختياراً وجودياً: رفض الاستسلام للتقنية أو الهرب إلى الماضي، والسعي بدلاً من ذلك نحو "مقاومة إبداعية" تولد أشكال حياة جديدة. هذا الموقف يتكون عبر ثلاث لحظات: الوعي الكامل بالأزمة (لا تنكر).

الرفض الخلاق للحلول السطحية (لا استسلام).

الاقتراح الإيجابي لطريقة وجود أصيلة (نعم إبداعية).

يصبح الفيلسوف هنا شاهداً ومشاركاً في الوقت نفسه: يفكر من داخل الزمن، لا من خارجه.


الشروط الشخصية والثقافية للمدخل

يتطلب هذا المدخل شروطاً شخصية: شجاعة فكرية، صبر تأملي، وانفتاحاً على التخصصات الأخرى (العلوم، الفن، التكنولوجيا). كما يحتاج إلى سياق ثقافي يسمح بالحرية النسبية، رغم أن الفلسفة الحقيقية غالباً ما تنشأ في مواجهة القيود. القراءة الواسعة للتراث مع القدرة على نسيانه في اللحظة المناسبة هي مهارة أساسية.

الموقف الفلسفي الراهن هو النتيجة النهائية لهذا المدخل. إنه ليس رأياً شخصياً عابراً، بل موقف وجودي ملتزم يجيب على أسئلة العصر: ما هي الطريقة الأصيلة للعيش اليوم؟ كيف نحافظ على الإنسانية في مواجهة الآلة؟ ما هي المسؤولية تجاه الأجيال القادمة؟

يتميز هذا الموقف بالشجاعة والتواضع معاً: الشجاعة في مواجهة الواقع كما هو، والتواضع في الاعتراف بمحدودية المعرفة. هو موقف "ملتزم غير دوغمائي"، يدعو إلى العمل دون وعد بالخلاص النهائي.


التحديات والشروط الضرورية لنجاح هذا المدخل

يتطلب هذا المدخل من الفيلسوف صفات معينة: معرفة واسعة بالتراث والعلوم المعاصرة، حساسية أدبية وفنية، قدرة على التأمل العميق، وشجاعة مواجهة النقد. كما يتطلب استقلالية فكرية بعيداً عن السلطة الأكاديمية أو السياسية.

التحدي الأكبر هو الحفاظ على التوازن: بين المواكبة والعمق، بين النقد والإبداع، بين الجزئي والكلي. إذا نجح الفيلسوف في هذا، يصبح قادراً على تقديم فلسفة حية تؤثر في الواقع بدلاً من الاكتفاء بوصفه.


خاتمة:

المدخل الضروري لخلق المفاهيم الفلسفية المواكبة، واختراع نسق متكامل، وبلورة موقف راهن، هو الانغماس النقدي الواعي في الواقع المعاصر مع الحفاظ على مسافة تأملية. هذا المدخل يجعل الفلسفة نشاطاً حيوياً وليس أكاديمياً محضاً. في عصر يفتقر إلى المعاني العميقة، تكمن أهمية هذا المدخل في قدرته على إعادة إحياء دور الفلسفة كمرشد للوجود الإنساني. من يسلك هذا الطريق لا يقدم حلولاً جاهزة، بل يفتح آفاقاً جديدة للتفكير والعيش، مساهماً في تشكيل مستقبل أكثر وعياً وإنسانية. الفلسفة الحقيقية هي دائماً فلسفة راهنة، تنبثق من قلب عصرها لتجاوزه نحو إمكانيات أسمى. هكذا يجب مواجهة الواقع المعاصر مواجهة وجودية صادقة وعميقة، انطلاقاً من التجربة الحية، مروراً بالنقد الجذري، وانتهاءً بالالتزام الإبداعي. ليس هذا المدخل خطوة أولى تُنجز مرة واحدة، بل ممارسة مستمرة تتجدد مع كل تحول في العالم. الفلسفة التي تستحق عصرنا هي تلك التي لا تكتفي بوصف الأزمة، بل تخترع أدوات فهم ووجود جديدة داخلها. من يدخل من هذا الباب يساهم لا في بناء منظومة فكرية فقط، بل في تشكيل إمكانية حياة أكثر أصالة وإنسانية في زمن يهدد فيه كل شيء بأن يصبح آلياً أو فارغاً. هذا المدخل دعوة دائمة للعودة إلى السؤال الأول: ما الذي يستحق أن نفكر فيه اليوم، بكل جدية وجرأة؟ الإجابة تكمن في الشروع نفسه. فكيف تهتم الفلسفة في زمن التقنية بالذات السائلة من جهة المنطلق والهدف ممارسة مستمرة؟


كاتب فلسفي

العود الأبدي لنيتشه */ الدكتور عدنان الظاهر

  


لتيسير الدخول في مبحث ( العود الأبدي ) للفيلسوف الألماني نيتشه أضع أكثر ما فيه أهميةً في فقرتين ثمَّ أناقشهما كلاًّ على حِدة :

1 ــ نهائية القوى الكونية

2 ــ لا نهائية الزمان. الزمان دائرة مغلقة. دورات الكون

1 ــ من حق قارئ نيتشه أنْ يتساءل وبإلحاح : ما كان قصد نيتشه بالقوى الكونية وما طبيعتها وأين مكانها. هل هي قوى    

Hegel

هيكل المثالية الروحية العليا أو قوى ماركس المادية أم قوى أخرى لا علاقة لها بقوى هذا ولا بقوى ذاك ؟ المعروف لحد اليوم أنْ قوانين نيوتن في الحركة والتجاذب والتنافرهي أساس ثبات توازن هذا الكون الجبّار الذي لا بداية له ولا نهاية فإذا اختلّت هذه القوانين لسبب ما نجهله سيختل الكون بكل ما فيه وسيصطدم الكل بالكل وتنشأ إشعاعات وحرارة هائلة جداً ينصهر فيها الكل بالكل وتتحول إلى غازات وأبخرة وتنشأ عناصر ومركبات جديدة غيرتلك التي عرفها الإنسان. قد يكون سبب إختلال قوانين نيوتن هو الفرق الكبير بين سرعة تمدد الفضاء الهائل وسرعة تمدد الأكوان الصلبة السابحة في هذا الفضاء فتفقد هذه القوانين قوتها ويحصل الإضطراب العظيم وانصهار الكون وتحوله إلى غازات وأبخرة تدور في الفضاء بقوة زخم دورانها الأول حيث الكل يدور حول نفسه وحول غيره ويتطاير إلى كتل غازية كبيرة وصغيرة تبرد بمرور الزمن [ ملايين أو ربما مليارات السنين ] متحولةً إلى كواكب ونجوم وشموس وأقمار وثقوب سود أو غير سود أو أنْ يتخذ الكون أشكالاً أخرى جديدة وأوضاعاً جديدة تنجم عنها قوانين فيزيائية جديدة تنظم علاقاتها ببعضها وسرعات دورانها حول نفسها وحول غيرها وقد ينشأ نوع من الحياة العضوية البدائية بعد مليارات السنين على بعض هذه التشكيلات الجديدة. هذا التصور ممكن فهل حصل سابقاً وكم مرةً حصل ومتى يحصل مرة أخرى ؟ هكذا أفهم دورات الكون وقوى الكون المرتبطة بمادة الكون الأبدية فقوى نيتشة الكونية المتناهية لا وجود لها في الكون. تكلم نيتشه عن العود الأبدي لكأنه تكلم عن عودة الإنسان الأبدية كما تكلمت عنها ديانات وشعوب أخرى تحت إسم تناسخ الأرواح كالمجوسية التي تأثر نيتشه بنبيها زرادشت وكتب فيه كتاباً ضخماً معروفاً بعنوان { هكذا تكلم زرادشت }. حسب نظرية العود الأبدي هذه يعود الإنسان نفسه مرات ومرات يعود كما كان قبل دورة الكون وعليه فلا مجال للحزن واليأس. مسألة مضحكة في أنَّ نيتشه يخلط العضوي ( الإنسان ) بالمادي ( باقي الكون ) جاعلاً الكل يعود بشكل ثابت إلى بالضبط ما كان عليهِ قبل الدورة الكونية فمن يقبل هذا الكلام ؟ هل أعود أنا بعد مليارات السنين إلى ما أنا كائنٌ فيه اليوم ؟ إنه تناسخ الأرواح المجوسي بشكل مشوّه ومضطرب والفوق خيالي. إنه نوع من جنّة عدن الخالدة في الإسلام. إنها عُشبة كلكامش حيث الحياة الخالدة لا يطالها موت. عندما قلتُ في مقالة سابقة عن نيتشه وموقفه من الإشتراكية إنه سطحي وسخيف إحتجَّ صديق عزيز عاشق لهذا الفيلسوف فلمزني بخفّة ورشاقة وساق رأيَ كاتبٍ آخرَ شديد الإعجاب بهذا الرجل. لا تقارن ما أقول يا صديق بما قال غيري فلكلِ رأيه وقناعاته واجتهاداته الخاصة وثقافته وعلمه. هكذا سقطت مقولة نيتشه حول ( تناهي قوى الكون ) وعودة الإنسان مراتٍ ومرات إلى ما كان عليه قبل دورة الكون.

2 ــ لا نهائية الزمان . الزمان دائرة مُغلقة. دورات الكون

الشرط الثاني لتحقق مقولة أو نظرية العود الأبدي هو ( أنْ يكون الزمان غيرَمتناهٍ، أي أنْ تظلَّ هذه القوة تمارس فعلها بلا إنقطاع. فإذا توافرت اللانهاية للزمان، فلا بُدَّ أنْ تُستنفد الإمكانيات التي تُتاح لهذه القوة المحدودة، وبهذا تأتي حالة تماثل تماماً حالة أخرى تكررت من قبلُ، وعندئذٍ تتلو عنها كل الحوادث كما وقعت من قبلُ تماماً ، ويكون الكونُ قد أتمَّ دورةً من دوراته، وتظل هذه الدورات تتكرر إلى الأبد خلال الزمان اللامتناهي، كلٌّ منها مماثلة للأخرى في كل صغيرةٍ وكبيرة / الصفحة 141 .. المصدر ).

لامني صديقي العزيز عاشق نيتشه عندما قلت عنه { نيتشه } إنه رجلُ جامد مع الثبات وضد التحولات في الحياة وها هو { نيتشه } يُثبّت صدق ما قد قلتُ فيه .. كيف ؟ من فمه أُدينه فهو الذي قال [ ... ويكونُ الكونُ قد أتمَّ دورةً من دوراته وتظل هذه الدورات تتكرر إلى الأبد خلال الزمان اللامتناهي، كلٌّ منها مماثلة للأخرى في كل صغيرة وكبيرة ]. ما عمر كل دورة من هذه الدورات وهل سبق وأنْ دار هذا الكون وكم مرةً قد دار ومتى يدور في المرة القادمة ؟ ثمَّ .. كيف يدور الكون دورة كاملة ويعود بالتمام إلى ما كان عليه قبل هذه الدورة : كل دورة مماثلة للأخرى في كل صغيرة وكبيرة. وقال نيتشه في كتابه " هكذا تكلم زرادشت / حاشية الصفحة 140 .. المصدر " [[ سأعودُ مع هذه الشمس وهذه الأرض وهذا النسر وهذا الثعبان ــ لا إلى حياة جديدة، أو حياة أفضل، أو حياة تقرب من هذه، سأعودُ أبداً  إلى نفس هذه الحياة في كل صغيرة وكبيرة منها، لكي أعودَ مرة أخرى إلى العود الأبدي لكل الأشياء ]]. كيف نفهم هذا الكلام وهو واضح كل الوضوح ؟ يدور الكون الذي لا حدودَ له دورة كاملة والفيلسوف نيتشه يعود إلى نفس هذه الحياة في كل صغيرة وكبيرة منها ! ما الذي يجعل الكون لا يتغير وهو يدور دورة كاملة لا أحد يعرف كم تستغرق من الزمن كأنه ثور يُدير ناعوراً معصوب العينين يكرر نفس الدورات على حساب قوته بالطبع فكل دورة تستهلك طاقة يفقدها هذا الثور المسكين لينفذَّ أمراً لا مصلحة له فيه كإدارة مطحنة أو رفع الماء من النهر. الكون الذي يراه نيتشه هو غير الكون الحقيقي الدائم الحركة والتغيّر عالم لا يفهم قوانيه ولا غرابة فإنه وعلى حد علمي لم يذكر العالم نيوتن ولم يذكر قوانينه تماماً كما تجاهل ماركس ولم يناقش فلسفته ولم يذكر اسمه في كل ما كتب ! ما هكذا تورد الإبل يا هر نيتشه !

الزمان ! هل الزمان لا نهائي وهل يتحرك في دائرة مُغلقة ؟

موضوعة الزمان مسألة جدلية لم تُحل بعد وسوف لن تُحل كما أعتقد. وجهة نظري قد تبدو متطرفة وغريبة وغير مألوفة مفادها أنْ لا وجودَ لشئ إسمه زمان لا كان ولن يكون. الكون الهائل هذا موجود لا بداية له ولا نهاية وإذا كان موجوداً أبداً فما حاجته لمعيار يؤرّخ بداية لا وجود لها ؟ أكيد كان الكون متخذاً تشكيلات أخرى ليست بالضرورة تشبه مكوناته الحالية من مجرات ونجوم وكواكب وإشعاعات وثقوب وباقي المكونات وأكيد سيتغير تحت ظروف قاهرة وسيتشكل على أسس جديدة ووفق قوانين جديدة تتحكم بشروط ثباته وتوازنه. فهل التغيّرات الكونية الهائلة بحاجة إلى ما يقيس ويضبط تأريخ حدوثها ونهايته ؟ وإذا افترضنا وجود كائنات حية أخرى على سطح أحد مكونات هذا الكون أكثر أو أقل تطوراً من الإنسان الأرضي فهل عندها مقاييس زمنية وهل هي نفسها مقاييس إنسان الأرض الراهنة ؟ تصوري لهذا الأمر كما يلي : إذا افترضتُ وجود زمن فإنه عنصر محايد صنعه إنسان عبقري ليضبط به أمور دنياه وإنه يتحرك على خط مستقيم لا يتأثر بدوران الكون ودوران مكوناته حول بعضها أي أنه ليس دائرياً كما إدعى نيتشه ومحال أنْ يكون دائرة مُغلقة فالكون فضاء مفتوح لا إنغلاقَ فيه أبداً. بهذا الكلام تنهار إحدى ركيزتي نظرية نيتشه حول ( العود الأبدي ) المبنية على أساس لا نهائية الزمن ! لا نهائية زمن لا وجودَ له أصلاً.

أختم مقالي هذا بكلمة حق أقولها في نيتشة إنه إذا يستحق الذكر إنما يستحقه في قوله { فاثقلُ قيدٍ للنفس هو الزمان الذي انقضى، أي الماضي. الصفحة 144 المصدر }

*

نيتشه بقلم الدكتور فؤاد زكريا. دار المعارف بمصر. الطبعة الثانية بدون تأريخ. فكرة العود الأبدي الصفحات 138 ـــ 147. 


عن البرقاوي في شذرات اللقيط/ فراس حج محمد


في واحد من المراسلات بيني وبين الدكتور أحمد نسيم البرقاوي على إثر مقال نقديّ أعجب به، يرسل لي هذه الرسالة: "صديقي فراس العزيز: قرأت بمتعة كبيرة مقالتك الرائعة جداً، ونقدك العميق، وعندي بأن مصطلحك: التفخيم النقدي مصطلح يجب أن يدخل التداول في النقد، لأن التفخيم النقدي ليس سوى نوع من الكتابة هدفها التبرج بمنقود ذي شهرة، تبرج ناتج عن شهوة حضور دون أن يمتلك شروط الحضور". وبعدها تبادلنا أطراف الحديث- تلفونياً- حول الشعر، هذا الكائن الغامض الذي لا يبرح حاضراً في كل حوار، أتينا في نهاية الحوار على كتابه "شذرات اللقيط" (2018) هذا الكتاب المتضخم، الكبير، المقارب من (470) صفحة شعرية، ديوان موسوعي يعيد طرح الكثير من الأسئلة حول علاقة الشعر بالفلسفة هذه العلاقة القديمة جداً والشائكة جداً، إلى درجة أنني أحياناً أتصور أن الشاعر مهما كان منهجه وفكره إنما هو فيلسوف أفكاراً ولغة، لأنه ينشئ المعاني الثقال، ويصوغ اللغة التي يخلقها من سياق اللغة المعتادة المعجمية كأنها ليست هي، لتفاجئ المتلقي بالدهشة، وتكسر لديه أفق التوقع، وبهذا الحد الأوليّ المهم يلتقي الفيلسوف بالشاعر.

لا شك في أن ثمة تهيباً من نوع ما أن تقرأ لفيلسوف شعراً، وهذا ما عبّرت عنه بلغة مواربة خلال هذه المكالمة مع الدكتور البرقاوي عندما أتينا على الحديث عن الكتاب، لكنني تشجّعت، لا سيما وأن لي تجربة نقدية مع شعره، فسبق أن حللت قصيدة "براءة" وبيّنت كيف وظّف قصة سيدنا يوسف في هذا النص، وتجربة قراءة مع كتابه "نهد الأرض" وأفادتني عندما كتبت مقالة حول "النجمة السداسية" هذا التراث الكنعاني المسروق، وقد أحببت العملين حبّاً جماً، فكانا سبباً في هذه المعرفة التي أعتز بها.

إذاً، فأمر الفلسفة مختلف مع البرقاوي، لأكتشف بعد متعة من القراءة أنه فيلسوف يُنضج الشعر بنار الفلسفة، وليس يُطعم نار الشعر فلسفة خاصة، بمعنى آخر، لا يستطيع القارئ- أو أنا على الأقل- أن يفصل بين ما هو شعري وبين ما هو فلسفي، فكل الأفكار فلسفية صيغت بقالب شعري، فيعيد إلى الذهن مثلاً فلاسفة شعراء وأولهم وأهمهم في هذا السياق أبو العلاء المعري، ومن يتأمل تجربة المعري الشعرية ويقارنها بتجربة المتنبي مثلاً، فكلاهما قد عالج الفلسفة، إلا أن المتنبي كان "أستاذ فلسفة" ناقل فلسفة، وليس فيلسوفاً، ويُطْعِم شعره أفكاراً فلسفية، لذلك تجد فلسفة الآخرين- فلسفة أرسطو- حاضرة في شعره على سبيل التثاقف والمعرفة، وهذا ما أكدته فيما كتبته تحت عنوان "المتنبي تحت ضوء الفلسفة". (عود الند: العدد الفصلي 19: شتاء 2021)، أما المعري فقد أنضج شعره بنار الفلسفة، أي أنه أنتج فلسفته شعراً، كما هو البرقاوي تماماً.

هذا ما جعل البرقاوي يعالج مسائل الوجود الأوليّ منذ خلق آدم عليه السلام، وربما قبل ذلك، ويطرح مواضيع الحب والحياة ومآل المصير الإنساني الذي عبّر عنه في غير هذا الكتاب بمؤلفه "كوميديا الوجود الإنساني"، كما أن شعره مليء بالطرح الفلسفي وبالأسئلة، وبالشك، والعبثية، والعدمية، حتى ليبدو لي أن هذا الديوان الضخم يصلح لإنشاء معجم فلسفيّ، فكل لفظ من ألفاظه الأساسية- غير المساعدة- هي مفاهيم فلسفية.

هل يعني أن تلك النصوص ذهنية خالصة؟ من المؤكد أن الذهنية تغلب على هذه النصوص، لكنها ذهنية الشاعر الفيلسوف لا ذهنية الفيلسوف المحض، فلا تجد في هذه النصوص أن المعنى بعيد أو غامض أو محتاج إلى تفسير، إنما هو معنى عقلي مبسّط شعرياً، يستطيع المرء أن يفهمه، وبذلك يكون البرقاوي قد طوّع الشعر لخدمة المعنى الفلسفي، فصار المعنى أقرب إلى المتلقي العربي، ففي نص بعنوان "الحياة" يقول:

أنا لا أسكن الحياة كوخاً

حتى أغادره إلى العدم

ولست كهفاً تسكنني الحياة

حتى تفرّ من حناياي

أنا الحياة

فهذه الأسطر على بساطتها المعجمية إلا أن لها معنى فلسفياً عميقاً، يلخص الحياة ذاتها المتكونة في ذات الشاعر، وكل ذات فيها حياة فإنها حكماً تأخذ حكم الشاعر ذاته، فكل حيّ هو الحياة. هذه الفكرة هي التي تجعل الحياة ذات معنى شخصي لكلّ فرد فينا، لذلك كانت الحياة دائماً فردية والحكم عليها فردياً، وفي الدين، كما في الفلسفة، البدء فردي، والمآل فردي أيضاً؛  فـ"كل نفس بما كسبت رهينة" و"لا تزر وازرة وزر أخرى"، ولعل هذه هي الفكرة المركزية التي أنشأ عليها البرقاوي فلسفته "أنطولوجيا الذات". وعدا المعنى ففي هذه الأسطر القليلة المجتزأة من نص طويل تظهر الألفاظ ذات المنحى الفلسفي: الحياة، والكهف، والعدم، والكوخ المستعار من مارتن هايدغر.

ومثل هذا المقطع نصوص كثيرة، ولا يحتاج المتلقي أن يكون دارس فلسفة أو مشتغلاً بالفلسفة أو فيلسوفاً ليفهم معنى هذا الشعر، لذلك عندي قناعة أن الفلسفة الحقيقية لدى الفيلسوف هي المعنى المجرد الذهني الواضح المتجسد في الواقع والوقائع، لا تلك المتسلسلات اللغوية الغامضة التي ترهق الذهن، وشرحت ذلك مسبقاً في إحدى رسائلي المنشورة في كتاب الرسائل "الثرثرات المحببة". "رسالة 12/10/2018: وأخيراً تعرفت إلى نيتشه".

إلا أن البرقاوي يدرك هذه الحساسية في التلقي، فبعد أن يسهب في التناول الفلسفي بهذه الهيأة من الشعر، يعرّج على النقاد، ليخرج من الدائرة الفلسفية إلى نصّ بدا لي غريباً عن هذه الموسوعة الفكرية الزاخرة بالمعرفة المجسدة، ليفتح معجماً آخر ليرجم النقاد، بلغة هجائية قاسية، فلم يعترف لهم بأي دور، ولم يذكر لهم أية محمدة، وكأنه يعيد مرة أخرى إلى الواجهة العلاقة المريبة بين المبدعين- والشعراء على وجه التحديد- وبين النقاد، فلم أجد شاعراً أو روائياً مدح ناقداً في كتابته وشعره، ولا أريد أن أذكر أمثلة، فقد سبق أن أشرت إلى هذه المسألة بإسهاب في مقالة بعنوان "سلطة الناقد من النابغة الذبياني حتى إدوارد سعيد"، ويكفي هنا أن يرى المرء صورتهم في نص البرقاوي ، فالنقاد جاهلون، لا يفهمون النص، ويظلون يقتاتون على السطحيات ويتابعون التناص والعتبات، ولا يستطيعون الوصول إلى أعماق النص وكنه المعنى الذي أراده الشاعر.

إن البرقاوي في هذا النص يركل النقاد، ويطردهم من حديقته ليظل هو خالق المعنى المحلق وسيد الكلمات، وتقترب لغته من الهجاء، بل إنها هي الهجاء بعينه، كأن بينه وبين النقاد ثأراً قديماً، وقبل أن يسأل المرء نفسه عن سبب هذا الموقف، فلا بد من إجالة النظر في هذه القصيدة التي احتلت في الديوان (5) صفحات، بواقع (387) كلمة، بثلاثة مقاطع رئيسية، الأول جاء وصفاً عاماً وحكما قاطعاً سلبياً ضد النقاد، ووظف فيه الأفعال الماضية المنتهية المستقرة الحاملة للمعنى الثابت، بينما في المقطع الثاني، مقطع طويل ممتد، يتحدث فيه عن النقاد؛ يقسمه إلى عدة أقسام يغلب عليه غلبة مطلقة الأفعال المضارعة المسندة إلى واو الجماعة، ومع الأفعال المضارعة تحضر مجموعة كبيرة من المشتقات الواصفة أو العاملة التي حلت محل الأفعال المضارعة مع تأكيد أصل المعنى واستقراره. وفي المقطع الثالث الذي يتحدث فيه بضمير هو عن نفسه غالباً بصفته "شاعراً فيلسوفاً" أو "فيلسوفاً شاعراً" مستخدماً الأفعال المضارعة المسندة إلى ضمير الغائب بالإضافة إلى مجموعة من المشتقات، وقد جاء هذا المقطع القاطع في دلالته وصياغته قصيراً، كما هو المقطع الأول، وكلا المقطعين قاطعان في الحكم، فلا شكّ، ولا أسئلة، إنما جاء المقطع الأخير مادحاً الذات مدحاً واضحاً كأنها كل الوجود أو تماهت مع هذا الوجود.

هذه التركيبة الذهنية اللغوية التي يتحكم في بنائها الفكر الفلسفي المنظّم والمحكم، إلا أنها لم تعالج الموضوع برمته فلسفياً، فكما أن الشعر قرين الفلسفة، فإن النقد ابن للفلسفة كذلك ويعمل مع الفلسفة جنباً إلى جنب، فلا ناقد دون حسّ فلسفي ودون نظرة فلسفية، ولا يعقل أن يكون هناك نقد خال من الفلسفة، بل إن الفلسفة هي نوع من النقد أيضاً لأنها تحاول أن تهدم المستقرّ لتبني غيره، هذه فكرة تناولناها معاً في أحد حواراتنا كذلك، فكيف يطرد البرقاوي الفيلسوف النقاد من جنته، كما طرد أفلاطون الشعراء من جمهوريته؟ أم أن البرقاوي الشاعر هو من طرد النقاد من جنّة المعنى فأصيب على نحو طارئ بانفصام في شخصيته المعرفية، ليمارس هذه السلطة ضد النقاد فيرى فيهم ما رآه؟

أظن أن المسألة تتعلق بالتلقي، فمن يعرف البرقاوي لا يعرفه شاعراً، إنما يعرفه فيلسوفاً، وإنتاجه الفكري متمحور حول الفكر والفلسفة، فلذلك تتشكل دائرة معارفه في هذا الوسط الأكاديمي الفلسفي، فهو عميد "بيت الفلسفة" في الفجيرة، ويرأس تحرير مجلة البيت المسماة باسم "بيت الفلسفة" منذ عددها الأول الصادر في يناير/ كانون الثاني 2022، ومؤلفاته فلسفية، وهذه مسألة ليست لها علاقة بجودة الشعر ورداءته، إنما قد يكون الشاعر "كنزاً مخبوءاً" في أصداف الفلسفة، فتجني عليه شاعراً وتضيع شاعريته وبصمته الشعرية جرّاء ذلك، علماً أن من يحمل بِطِّيختين بيد واحدة فإن الخطر سينال الاثنتين، إلا إذا أفلح بإدخال إحداهما في الأخرى كما صنع البرقاوي، فاحتال للأمر فجعل الفلسفة شعراً، فربح الفلسفة وإن خسره النقاد والمتلقين شاعراً، لكنه لم يخسر أن يكون فيلسوفاً شاعراً، وليس شاعراً متفلسفاً.

أضف إلى ذلك أن للبرقاوي ثلاثة كتب ذات طابع فلسفي في عناوينها: لعبة الحياة، والأنا وشذرات اللقيط، وظلت مرسلة من التصنيف الشعري، وإن صيغت صياغة النص الشعري، ما يؤكد ما ذهبت إليه في البداية عن طبيعة نص البرقاوي أنه نص أنضجته الفلسفة فاحتوته واستوعبته، ولذلك لم يتم تناول الفيلسوف نقدياً بصفته شاعراً حسب ما أعلم، فجاء نصه في "هجاء النقاد" بهذه الحدة، فهل قضى الفيلسوف على الشاعر- ليس فيه- وإنما في التلقي النقدي؟

إن البرقاوي ليس الوحيد في تجاهله نقدياً وإنما كثيرون من أمثاله الذين عرفوا بغير الشعر وإن أنتجوه وكتبوه، إلا أن حضورهم في السياق الثقافي ليس حضوراً شعرياً، فالعقاد والرافعي وطه حسين كتبوا الشعر لكن لم يطغ الشعر على تجاربهم الأدبية سوى العقاد الذي كان أبرزهم شاعراً، لكنه في نهاية أمره محسوب على زمرة الدارسين والنقاد وليس على الشعراء، إن هذا التجاهل لا يدفع الشاعر بأن يهاجم النقاد هذا الهجوم غير المبرّر.

والآن، فلنتجاوز معاً هذه المسألة إلى ما أشار إليه البرقاوي نفسه في نص النقاد: "فاخْتَالوا في العتبات مَرَحاً"، لأقف رغماً عنه عند "عتبة العنوان"، فلا أريد أن أخيّب ظن البرقاوي "السيئ" في النقاد؛ ولذلك سأفكك المعنى في هذا التركيب اللافت والمحرّض على التوغل فيه؛ "شذرات اللقيط".

سبق لي أن ناقشت مصطلح الشذرة الفلسفية في غير مكان، وهي في هذا السياق كما يعرفها الباحث محمد صلاح أبو شتلة: "فقرات من جمل، على شكل مقطوعات صغيرة، ومقتصدة جدّاً في استعمال الكلمات، غير أنها ليست بالهينة والسّهلة، فإنها تنشبُ مخالبها عميقاً وتعُض وتنهش. ولا يمكن إلا حملها محمل الجد، رغم أن أكثر من واحد من أصحابها أوْصَونا بمعاملتهم بشيء من الهزل". وهي عنده كذلك "تمتاز بالقِصر ومصابة بمتلازمة القزمية". لكن على ما يبدو فإن أول ما أراد البرقاوي تحطيمه هذا المفهوم، كما قال في أحد لقاءاته التلفزيونية؛ إن أول عمله هو تحطيم المفاهيم السابقة ليصنع مفهومه الخاص، ولأنه لا يكتب تنظيراً نقدياً في هذا الكتاب إلا أنه يجسد المفهوم في النصوص، فجاءت نصوص الكتاب بين الومضة الشعرية المؤلفة من سطرين إلى النص المطول الذي يتجاوز صفحات طويلة، كنص النقاد نفسه، وأذكر على سبيل المثال كذلك نصوص: "أنا، احتراق، ماذا لو، كينونة، إلى أبي آدم"، وغيرها الكثير، فهذه النصوص تجاوزت معهود كتابة الشذرة عند نيتشه على سبيل المثال، فجاء النص طويلاً غير مرهق أيضاً، وسهلاً، مع تخليه عن المفهوم القديم للشذرة، وكأنه يدفع النقاد إلى اشتقاق أو اجتراح مفهوم جديد للشذرة يتخلَّوْن فيه عن "شرط القصر والتكثيف".

وينتبه الباحث أبو شتلة إلى موضوع طول النص، فيرى أن الشذرة قد تكون طويلة "غير أنه [نص] بُتر وقُظم بشكل غير منتظم من كذا موضع". ولا أرى أن هذا التوصيف ينطبق على شذرات البرقاوي الطويلة في هذا الكتاب؛ فهي ليست نصوصاً مجتزأة من كتبه، ليعيد توليفها على نهج مختلف، لذلك فإن مسألة التعاريف المفاهيمية تبعاً لاشتغال الفلسفة على الذهنيات تبدو مهمة للغاية، وعليه يمكن أن أصوغ هذا التعريف للشذرة البرقاوية على هذا النحو: "نص مستقل بفكرته، يعالج موضوعه من زاوية فلسفية محددة، يبتكر شكله الخاص، وأدواته الخاصة، ولا يلتزم بشكل ما أو بأسلوب معين ورد عند السابقين".

وعليه، يغدو شرط القصر غير لازم هنا، لأن القطعة الشعرية أو النثرية لو تمددت على عدة صفحات- كما هو الحال في الأمثلة المذكورة أعلاه- وهي تعالج فكرة محددة وخاصة، تبقى داخلة في مفهوم الشذرة الفلسفية، لأنها بعيدة عن الثرثرة، حتى وهي تستخدم تكرار الأسلوب على سبيل المثال كما في نص بعنوان "ما يغري" إذ كرر الأسلوب (15) مرة لينفتح المعنى في كل مرة على أفق جديد، ليشكل كل سطر من هذه السطور شذرة صالحة للاجتزاء والتمثل بعيداً عن النص كله، فمثلاً تستطيع أن تكتفي بهذين السطرين أو بأحدهما:

ليس في الحياة ما يغري سوى الحبّ

ليس في الحب ما يغري سوى المتعة

ومن الملاحظ في هذا النص أن تلك الأسطر الخمسة عشر لم ترتبط بحرف العطف، بمعنى أن الفكرة مؤسسة في عقل الفيلسوف أن يشكل كل سطر شذرة مستقلة بذاتها، لأن كل سطر يكثّف معنى خاصاً ليس شرطاً أن يرتبط تركيبياً أو معنوياً بما سبقه وبما بعده على الرغم من أنه جزء من نص طويل، وهذا أيضا ما يجسّد عملياً البعد عن الثرثرة في الكتابة.

وأما اللقيط فهو الفيلسوف ذاته، الشاعر نفسه، أحمد نسيم البرقاوي، يقول في نصٍّ له هذا العنوان "اللقيط":

أنا اللقيط

رُميتُ

على قارعة الوجود

طويلاً بقيتُ مرمياً على قارعة الوجود

لا يدٌ مُدَّتْ لِيَدي

ولا امرأة حاولت ضَمِّي

حتى الشيطان حدّق في عيني ومضى.

طويلاً بقيتُ مرمياً على قارعة الوجود

إلى أَنْ مرَّتْ بِيَ اللغةُ

فَاحْتَضَنتْنِي

وراحتْ تُرضِعُني من ألفِ نهد ونهد.

في هذه الشذرة ثمة معنى وجوديّ لحياته، يسنده إلى "الصدفة" فقد رُمي على قارعة الوجود، فلا أحد اعترف به أو اهتم به حتى الشيطان نفسه الذي هو موكل بإغواء ابن آدم- في الرواية الدينية- حدّق في عينيه ومضى، إذاً هو "لقيط" ليس له امتدادات شرعية، هكذا وجد نفسه في هذه الحياة لا يربطه بها شيء سوى أنه أجبر على أن يكون فيها، مفتقراً لمن يمد له يده، في هذا التصور يلجأ الفيلسوف إلى اللغة، فتحتضنه وترعاه، وهكذا يأخذ اللقيط/ البرقاوي معناه الوجودي من هذه اللغة، بمعنى آخر، لا أحد يعطيك شرعية الوجود الحقيقي لا أب ولا أم ولا عشيرة ولا امرأة، ما يعطيك شرعية أن تكون هو أن تكتب، وأن توجد ذاتك وتعلن عنها وعن آرائها بالكتابة، وهذا المعنى نفسه الذي أكده خلال لقائه التلفزيوني مع أحمد الزين في برنامج روافد، وعليه؛ فإن الكتابة تكتسب أهمية موازية، وهي خطيرة، ولولا أنها كذلك لم تكن الكتابة هي مهمة الله قبل البشر، كما طرحتُ ذلك أيضاً في واحد من النصوص.

تمتد معه الفكرة، فكرة أنه لقيط عندما ينكر آباءه الفلاسفة والشعراء فيقتلهم جميعاً، أو كما قال لا يمكثون طويلاً معه يبدّلهم كل حين وحين، لأنه يريد أن يكون حرّاً وخاصاً واستثنائياً، وبذلك يعبّئ للفظ اللقيط معنى آخر؛ ليغدو مفهوماً فلسفيّاً لا معنى شعريّا فقط؛ "فهو الفرد الحر غير المرتبط بشيء يقيده، فلا ينتمي لأحد"، فكل انتماء هو قيد في الحقيقة، فعندما يكون بلا عشيرة، وبلا آباء شعريين وفلاسفة، فإنه سيكون أقدر على "صناعة ذاته" ولذلك من الطبيعي أن يصدر ديوانه "الأنا" وكتابه "أنطولوجيا الذات"، وما بثه هنا في هذا الكتاب ليشكل جماع فلسفة البرقاوي الخاصة بأنه فيلسوف "الذات الوجودية"، ليضع بصمته الفكرية والفلسفية إلى جانب فلاسفة كبار كفلاسفة اللامعقول وفلاسفة العقل أو العدمية أو غير ذلك، ويلخص كل هذه الفلسفة الخاصة به التي حاولت أن أفسرها في قوله:

وهبت الثوار سيوف القول والمصابيح

وحكمة العقلِ المُقَاتِلِ

قَتَلْتُ كُل آبَائِي عِنْدَ الفَجْرِ

ولوحتُ لَهُم بالوداع باسماً

وكتبت سفر الذات والأنا وأناشيد اللقيط.

على أية حال، كانت رحلتي في القراءة مع كتاب "شذرات اللقيط" رحلة ممتعة، فلم أقرأ كتاباً شعرياً عادياً، ولا كتاب فلسفة طلسمياً، ولا كتاب تنظيرٍ للوجود متعباً، لكنني قرأت كتاباً له من الشعر نصيب كما له من الفلسفة أنصبة، وله من التنظير شرط صحة وقبول، وعليه فالقراءة في هذا الكتاب كأنك تقرأ كتاب الحياة كلها، والمعرفة جميعها، وبالتالي فأنت في صُلب معمعة الوجود بأجمعه أو بكليّته.

استراليا:الصحافة الموضوعية وحدود حرية التعبير/ عباس علي مراد



إن اكثر ما تتجنبه المؤسسات الاعلامية والاعلاميين  ان يكونوا هم الخبر، الأسبوع الماضي لم يكن هذا حال مؤسسة القناة التاسعة الإخبارية الاسترالية، والتي تملك محطة تلفزيون القناة التاسعة، وعدة جرائد ابرزها ذي سدني مورننغ هيراالد وذي فيننشال رفيو في سدني والأيج في ملبورن، وكانت حتى وقت قريب تملك عدة إذاعات ابرزها إذاعة توجي بي ون في سدني و3دبليو في ملبورن قبل ان تبيعهما.

بدأت القصة عندما أجرى الصحافي  الشهير كارل ستيفانوفيتش والذي يعمل في المؤسسة منذ عقدين من الزمن ويقدم البرنامج الصباحي المعروف اليوم "توداي"  وبأجرقدره 2.8 مليون دولار سنوياً.

أجرى ستيفانوفيتش  مقابلة مع تومي روبرتسن المتطرف البريطاني المعادي للمسلمين والمهاجرين  والآسيويين، وهو عنصري بشكل عام، لكنه أشدّ عداءً للإسلام، ولا يفوّت أي فرصة لربط جميع المسلمين بالإرهاب والجرائم الجنسية.

تدرج تومي روبنسون في صفوف مشجعي كرة القدم الإنجليز سيئي السمعة. ومدان بعدة جرائم تشمل إداناته الجنائية الاحتيال والعنف والاعتداء الجنسي.

ستيفانوفيتش أجرى مقابلته مع روبرتسن على منصة البودكاست الإخبارية الخاصة به، والتي  والتي كان قد أنشأها في شباط الماضي بعد ان حصل على اذن من القناة التاسعة.

بدأ ستيفانوفيتش العمل على البودكاست الخاص به، كان كل شيء طبيعي ويستضيف شخصيات منها المثيرة للجدل كولين هانسون 

وغيرها بالاضافة الى شخصيات أخرى كرئيس الوزراء، ولكن القشة التي قسمت ظهر بعير العلاقات مع القناة التاسعة هي المقابلة التي اجراها مع روبرتسن.

المشكلة لم تكن بالاستضافة بحد ذاتها، لكنها كانت بالطريقة التي تصرف ستيفانوفيتش أو الشاب المرح كما كان يسميه البعض، الذي يطرح أسئلة على القادة  والضيوف بطريقة يصعب عليهم التملص منها.

 لم يتدخل ستيفانوفيتش في طرح اسىلة تعارض توجه تومي، لا بل انه بعد انتهاء المقابلة عانقه وأبدى اعجابه به.

 القناة التاسعة وبعد عدة ساعات من وضع المقابلة على موقعها،عادت وحذفتها بعد ان بدأت الأمور تتفاعل على المستوى الوطني، وسارعت القناة لوضع حد  للمشكلة، ومنعاً للتأويل حتى لا تتدهور سمعتها مع المعلنين والمجتمع، وتبرأت من المقابلة وقالت إنها لم تبث من استديوهاتها بل من موقع ستيفانوفيتش الخاص وبعد 24 ساعة انهت العقد مع ستيفانوفيتش.

لم تعطي القناة الفرصة  لستيفانوفيتش لتوديع جمهوره على شاشة التلفزيون في القناة التاسعة:  وبررت الأمر بقولها أن الشركة لا تستطيع استعادته بعد ابتعاده الشديد عن معايير الصحافة الموضوعية. ولأنه "لم يعد من الممكن له الاستمرار في تقديم برنامج "توداي" في نفس وقت تقديم البودكاست المستقل الخاص به."

ستيفانوفيتش في مقطع فيديو مصُوّر قال: "لم تسنح لي الفرصة لأشكر جمهوري على مدى 21 عامًا رائعة، لذا أشكركم على دعمكم لي في السراء والضراء. لكم مني جزيل الشكر والمحبة."

برّر ستيفانوفيتش رحيله بتقييد حرية التعبير لديه. وأضاف "أنا حر!". حرٌّ من المنبه الطاغية الذي يوقضني الرابعة فجراً، بكل تأكيد. حرٌّ في إنتاج البودكاست."

وقال: "حرية التعبير هنا وفي جميع أنحاء العالم هي جوهر هذا البرنامج". «لستم مضطرين للاستماع إلى برنامجي. أنتم تملكون زمام الأمور. أنتم أذكياء بما يكفي لتكوين آرائكم الخاصة."

 القناة التاسعة ردّت على هذا الادعاء قائلة: "حماية حرية التعبير هي جوهر عمل القناة. لدينا تاريخ حافل في إجراء مقابلات مع شخصيات مثيرة للجدل، والصحفيون ملزمون بطرح أسئلة صعبة".

 لكن  ستيفانوفيتش خلال مقابلته مع روبرتسن لم يتبع هذا الأسلوب، ويصف  صحافي بارز آخر في القناة التاسعة إن حلقات البودكاست كانت "سطحية للغاية» و"لم يطرح أي أسئلة صعبة، كان الأمر مثيرًا للشفقة. لقد نفّر الجميع في المجتمع الأسترالي".

وعلق هيو ريمينتون هو محرر الشؤون الوطنية في القناة العاشرة على ما حصل، وقال :"كان من الممكن أن تجعل كل هذه الأمور مقابلة روبنسون رائعة، تليق بذكاء ستيفانوفيتش ومهارته الكبيرتين. لكن بدلاً من ذلك، رأينا كارل يقول لهذا الرجل "أحبك".

رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي وفي أعقاب الجدل الذي أثير حول مقابلة كارل ستيفانوفيتش مع تومي روبنسون الشخصية اليمينية المتطرفة في المملكة المتحدة ، حذّر من أن الصحافيين يُخاطرون بالخروج "أكثر فأكثر عن المألوف في النقاش السياسي السائد". وألمح رئيس الوزراء إلى رحيل ستيفانوفيتش المفاجئ مُحذّراً من أن الخوض في تلك المساحات المُتطرفة "قد يكون له تأثير".

رئيس وزراء ولاية نيو ساوث ويلز، كريس مينز قال  رداً على سؤال حول انفصال ستيفانوفيتش عن القناة التاسعة: "أنا معجب بكارل".

بولين هانسون زعيمة حزب أمة واحدة العنصري انتهزت الفرصة وسارعت الى وضع المقابلة على صفحتها ودافعت عن ستيفانوفيتش، لا بل عرضت عليه وظيفة كمستشار لها. وكذلك فعل روبرتسون ووضع المقابلة على مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة به.

وتعليقاً على ما حصل حذر مايك بورغس رئيس جهاز الأمن الأسترالي (آزيو)  هذا الأسبوع قائلاً: "إن نموذج الإثارة الإعلامية السائد هذه الأيام يُؤجج الغضب، وهناك ارتباط مباشر بين الغضب واللغة، واللغة الحادة، والتوتر المتصاعد، والعنف."

وأَضاف بورغس لطالما أعجبت بكارل، واستمتعت بنجاحه.أما  إذا كان الآن يسعى لترويج أفكار العنصريين والمجرمين ونظريات المؤامرة، فأتمنى له الفشل."

وكانت هناك آراء أخرى تراوحت بين التأييد والشجب لمواقف ستيفانوفيتش وتحوله نحو اليمين، ولكن الملفت ان توجه ستيفانوفيتش المادي لعب دوراً في تحولة الإعلامي لجهة اليمين، وكما يشير المحلل الإعلامي تيم بوروز من موقع مامبريلا، فإن الأموال في مجال التعليق السياسي المستقل تتركز في أقصى اليمين.

ونعود للصحافي البارز في القناة التاسعة مجدداً والذي يصف ستيفانوفيتش "إنه ليس أول رجل أبيض في منتصف العمر يصبح غاضباً وجشعاً. إنه نرجسي. سيسحرك لفترة كافية فقط، حتى يتمكن من رؤية انعكاس صورته في عينيك."

أخيراً، مما تقدم نرى أن البعض يقدم المصلحة الشخصية والمادية وعلى حساب المصلحة الوطنية، وهنا يبرز دور المؤسسات الإعلامية المسؤولة كالقناة التاسعة التي قدمت المصلحة الوطنية والتناغم الاجتماعي على المردود المادي ونسبة المشاهدين حرصاً الصحافة الموضوعية.

ختاماً، نتمنى أن يدرك  بعض صيصان الإعلام العربي في أستراليا حجم المسؤولية، ووقف بث سمومهم "العفنة"( تعيبر المعفنين هذا إستعمله صوص مريض نفسياً وطائفياً يدعي أنه إعلامي) كما تعابيرهم التي يستعملونها لوصف الآخرين.

 نعم، هناك حرية لحدود التعبير أولاً واخيراً، والموضوعية هي المقياس. 

سدني


الأمة العربية الإسلامية بين الاضطهاد الخارج الصهيوامبريالي والإجهاض الداخلي لمشاريع التنمية والاستقلال الذاتي/ د زهير الخويلدي



مقدمة


الأمة العربية الإسلامية، بتاريخها الحضاري العريق ومواردها البشرية والطبيعية الوفيرة، هي واحدة من أبرز الكيانات الثقافية والسياسية في العالم المعاصر. ومع ذلك، تواجه واقعاً معقداً من التحديات الهيكلية يعيق تقدمها ويُولد شعوراً واسعاً بالظلم والاضطهاد. تقترح هذه الدراسة أن هذا الواقع ينبع من عاملين أساسيين: أولهما ضغوط خارجية مرتبطة بتوازنات القوى الدولية والصراعات الإقليمية، وثانيهما فشل داخلي في تحقيق تنمية مستدامة وتعويل على الذات في معظم الأقطار العربية. تعتمد المقاربة على تحليل تكاملي يجمع بين الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية والمؤسساتية والثقافية، دون الاكتفاء بسرد الشكاوى أو البحث عن كبش فداء وحيد. فالاضطهاد الحقيقي، إن وُجد، ليس قدراً محتوماً بل نتاج تفاعل بين عوامل خارجية وداخلية، والخروج منه يتطلب تشخيصاً صادقاً وإرادة إصلاحية جذرية. فما أسباب الاضطهاد الخارجي والافشال الداخلي؟ وما السبيل الى الرد والتصدي؟ وهل يمكن تحقيق التحرر والتنمية؟


أولاً: الضغوط الخارجية والاستعمار الجديد

شهدت المنطقة العربية، بعد مرحلة الاستعمار التقليدي في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، تحولاً نحو أشكال أحدث من التدخل الخارجي. يُعبّر بعض الخطابات عن هذا بـ"المد الصهيوامبريالي"، مشيرة إلى التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والدعم العسكري والاقتصادي المستمر لهذه الأخيرة، والتأثير على توازنات المنطقة.

 يُرى هذا التحالف كعامل يُعيق السيادة العربية، خاصة في سياق الصراع العربي-الإسرائيلي الذي استنزف موارد هائلة وأدى إلى حروب متكررة ونزاعات حدودية. أدى الصراع إلى تكاليف اقتصادية باهظة، سواء مباشرة (الإنفاق العسكري) أو غير مباشرة (فقدان فرص التعاون الإقليمي، وتأثير على التجارة والاستثمار). كما ساهمت التدخلات الخارجية في بعض الصراعات (مثل العراق، ليبيا، وسوريا) في تفكيك بنى الدولة وإعادة رسم خرائط النفوذ.

ومع ذلك، يجب التمييز بين التأثير الحقيقي لهذه الضغوط وبين تحميلها مسؤولية كل الإخفاقات. فالقوى الدولية تستغل الضعف الداخلي، لكنها لا تخلقه دائماً. الاعتماد المفرط على نظرية "المؤامرة الخارجية" قد يُعيق القدرة على الإصلاح الذاتي، إذ يحول التركيز من بناء القدرات الداخلية إلى الانتظار أو المقاومة السلبية.


ثانياً: إجهاض تجارب التنمية والتعويل على الذات

العامل الداخلي هو الأكثر أهمية في تفسير الواقع العربي المعاصر. بعد الاستقلال، شهدت معظم الأقطار العربية تجارب تنموية طموحة مستوحاة من الناصرية والبعثية والاشتراكية العربية. ركزت هذه التجارب على التصنيع بالإحلال محل الواردات، التأميم، الإصلاح الزراعي، والدولة المركزية القوية. في مصر الناصرية، والعراق وسوريا البعثية، والجزائر، وليبيا، حققت بعض الإنجازات في التعليم والصحة والبنية التحتية. لكن هذه التجارب غالباً ما أجهضت بسبب:

الطابع الاستبدادي والمركزي: أدى تركيز السلطة إلى فساد، محسوبية، وغياب المساءلة. أصبحت الدولة صاحبة الاقتصاد الأكبر، مما أضعف القطاع الخاص الحر وأنتج اقتصاداً ريعياً غير تنافسي.

الفشل في بناء مؤسسات حديثة: أشارت تقارير التنمية البشرية العربية المتتالية إلى ثلاثة عجوز رئيسية: العجز في المعرفة، تمكين المرأة، والحريات. ظلت أنظمة التعليم تركز على التلقين بدلاً من الابتكار، والاقتصادات تعاني من ضعف الاندماج العالمي والتنويع.

العوامل المؤسساتية التاريخية: يشير الباحثون مثل تيمور كوران إلى أن بعض العناصر في التراث القانوني والمؤسسي (مثل قانون الميراث، غياب مفهوم الشركة الحديثة، والأوقاف) ساهمت في صعوبة تراكم رأس المال وتطوير المجتمع المدني على المدى الطويل.

الصراعات الداخلية والطائفية: أدت الانقسامات إلى حروب أهلية وإهدار موارد (سوريا، اليمن، ليبيا، العراق)، مما حوّل الطاقات من التنمية إلى البقاء.

نتج عن ذلك اقتصادات تعتمد على الريع النفطي في بعض الدول، أو على المساعدات والديون في أخرى، مع بطالة مرتفعة بين الشباب، وهجرة الأدمغة، وفجوة واسعة بين الطبقات. أصبحت المنطقة الأكثر عدم مساواة في بعض المؤشرات، مع استمرار الفقر المدقع في مناطق النزاع.


ثالثاً: التفاعل بين العاملين الخارجي والداخلي

لا يعمل العاملان بشكل منفصل. الضغوط الخارجية (الصراعات، العقوبات، التدخلات) تُفاقم الضعف الداخلي، بينما الاستبداد والفساد الداخلي يدعوان إلى التدخل الخارجي أو يجعلانه ممكناً. على سبيل المثال، أدى الفشل في بناء دول مؤسساتية قوية إلى ظهور جماعات مسلحة غير حكومية، مما أعطى ذريعة للتدخلات الإقليمية والدولية.


كما أن الخطاب الذي يركز حصرياً على "الصهيوامبريالية" قد يُستغل داخلياً لتبرير القمع والفشل في الإصلاح، فيتحول إلى أداة للحفاظ على الوضع القائم بدلاً من تغييره.


رابعاً: آفاق الخروج من دائرة الاضطهاد

لتحقيق الاستقلال الحقيقي والتنمية المستدامة، يجب على الأمة العربية الإسلامية:

إصلاح الحكم: بناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية، فصل السلطات، مكافحة الفساد، واحترام الحريات.

ثورة معرفية وتربوية: الاستثمار في التعليم النوعي، البحث العلمي، والابتكار لكسر التبعية الاقتصادية.

تنويع اقتصادي وتعاون إقليمي: تجاوز الريعية نحو اقتصاد منتج، وتعزيز التكامل العربي الحقيقي (سوق مشتركة، تنسيق دفاعي وتنموي).

توازن في السياسة الخارجية: التعامل مع القوى الدولية من موقع قوة داخلية، لا من ضعف يولّد التبعية.

تجديد الفكر الإسلامي: استلهام قيم العدل والاجتهاد والعمل لمواجهة تحديات العصر، بدلاً من الجمود أو الردود العاطفية.


خاتمة

الأمة العربية الإسلامية ليست "مضطهدة" بشكل مطلق بفعل قوى خارجية وحدها، بل هي أمة تواجه تحديات متراكمة من الاستبداد الداخلي والضغوط الخارجية. إجهاض تجارب التنمية السابقة لم يكن نتيجة مؤامرة عالمية فقط، بل أيضاً بسبب أخطاء استراتيجية ومؤسساتية داخلية. الخروج من هذا الواقع يتطلب شجاعة في النقد الذاتي، وإرادة سياسية للإصلاح الجذري، وبناء قدرات ذاتية حقيقية. إن الاستقلال الحقيقي ليس رفضاً للعالم الخارجي، بل قدرة على التفاعل معه من موقع الكرامة والقوة. والأمل يكمن في طاقات الشباب العربي، وفي إمكانية تجديد حضاري يعيد للأمة دورها التاريخي كمساهمة في تقدم البشرية، لا كضحية دائمة للتاريخ. هذا المشروع ممكن، لكنه يبدأ بالصدق مع النفس قبل اتهام الآخرين. فهل يساعد تحويل اقتصاديات الريع العربي الاسلامي على تحقيق بدائل تنموية عادلة مستدامة؟


كاتب فلسفي

مصير التفكير الفلسفي في ظل الثورة الرقمية، مقاربة معاصرة/ د زهير الخويلدي



مقدمة:


تشكل الثورة الرقمية، بما فيها الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية وشبكات التواصل الاجتماعي والواقع الافتراضي، أعمق تحول حضاري شهدته البشرية منذ اختراع الكتابة أو الطباعة. لم تعد هذه الثورة مجرد أداة تقنية تسهل الحياة، بل أصبحت بيئة وجودية جديدة تشكل الوعي البشري، وتعيد صياغة علاقة الإنسان بنفسه، بالآخر، وبالعالم. في هذا السياق، يطرح السؤال عن مصير التفكير الفلسفي نفسه إشكالية مركزية: هل يموت الفلسفة كتأمل بطيء وعميق أمام سرعة الخوارزميات، أم تتحول إلى شكل جديد يعيد اكتشاف ذاته داخل هذا العالم الرقمي؟

التفكير الفلسفي، بجوهره، هو تأمل حر في الوجود والمعرفة والقيم، يعتمد على البطء والشك والحوار الداخلي. أما الثورة الرقمية فتفرض منطق السرعة والكمية والتدفق المستمر. هذا التناقض ليس عرضياً، بل جوهرياً، ويستدعي إعادة النظر في مفهوم "التفكير" ذاته. فكيف حصل التحول الجذري في أفق التفكير؟


التأثيرات المعرفية: من المعرفة إلى تدفق البيانات

أحد أبرز التحولات يمس الإبستمولوجيا. في العصور التقليدية، كانت المعرفة مرتبطة بالتجربة الشخصية، بالذاكرة، والتأمل. أما اليوم، فأصبحت المعرفة متاحة فوراً عبر محركات البحث والذكاء الاصطناعي التوليدي. هذا التوفر الهائل يولد "وهم المعرفة": يشعر الفرد بأنه يعرف كل شيء بينما هو يمسك فقط بسطح الأمور. النتيجة هي أزمة انتباه عميقة. الفلسفة تتطلب تركيزاً طويلاً، بينما يعيد التصميم الرقمي (الإشعارات، التمرير اللانهائي، خوارزميات التوصية) تهيئة الدماغ على الانتباه المشتت. يصبح التفكير الفلسفي، الذي يحتاج إلى صمت داخلي، صعباً في بيئة صاخبة رقمياً. لم يعد السؤال "ما الحقيقة؟" بل "ما الذي يظهر أولاً في نتائج البحث؟" أو "ما الذي يحقق أكبر تفاعل؟".

كما أن الذكاء الاصطناعي يقدم نموذجاً جديداً للمعرفة: معرفة إحصائية، احتمالية، غير مفهومة تماماً حتى لمطوريها (الصناديق السوداء). هذا يتحدى الفهم الفلسفي التقليدي للعقل كقدرة على الإدراك الواعي والمنطقي. هل يمكن لفيلسوف أن يتنافس مع نموذج لغوي يعالج ملايين النصوص في ثوانٍ؟ أم أن دوره يتحول إلى مراقبة نقدية لهذه الآلات، واستكشاف حدودها؟


التحولات الأنطولوجية: الواقع والافتراضي

في الميتافيزيقا، تطرح الثورة الرقمية أسئلة جذرية حول طبيعة الوجود. ما معنى "الواقع" حين يصبح الافتراضي قابلاً للتجربة بنفس الحدة العاطفية أو أكثر؟ الهويات الرقمية (الأفاتار، الحسابات، البيانات الشخصية) تخلق "أنا" متعددة ومشتتة. يعيش الفرد في عدة عوالم متزامنة: جسدي حقيقي، وآخر رقمي يستمر في النمو حتى أثناء نومه. هذا يعيد صياغة مفهوم "الذات". لم تعد الذات كياناً مترابطاً كما عند ديكارت أو كانط، بل شبكة من البيانات المتدفقة، قابلة للتعديل والتتبع والتلاعب. الخصوصية لم تعد مجرد حق، بل أصبحت وهماً في عصر التعقب الشامل. الفيلسوف المعاصر مدعو إلى التفكير في "أنطولوجيا البيانات": ما هي طبيعة الكيان الذي يتكون من سجلات رقمية أكثر مما يتكون من ذاكرة حية؟

كذلك، يثير الذكاء الاصطناعي أسئلة حول الوعي. إذا استطاعت الآلات محاكاة التفكير، بل والإبداع، فهل يظل الوعي امتيازاً بشرياً؟ أم أن الوعي مجرد ظاهرة ناشئة عن تعقيد كافٍ، سواء في الدماغ أو في الشبكات العصبية؟ هنا يجد الفكر الفلسفي نفسه أمام إمكانية "نهاية الإنسان" كمركز للمعنى، أو تحول نحو ما بعد الإنسانية حيث يندمج البشري مع الرقمي.


الآفاق الأخلاقية والسياسية: فلسفة في عصر الخوارزميات

تمتد التأثيرات إلى الأخلاق. لم تعد الأخلاق مسألة قرار فردي، بل تتدخل فيها الخوارزميات التي تحدد ما نراه، ومن نلتقيه، وحتى ما نرغب فيه. ينشأ "أخلاق خوارزمي" يعتمد على التحسين والكفاءة أكثر منه على الحكمة أو الفضيلة. مسألة الحرية أصبحت إشكالية: كيف نحافظ على حرية الإرادة في بيئة تتنبأ بسلوكياتنا بدقة متزايدة؟ الرأسمالية الرقمية تحول الانتباه إلى سلعة، فتصبح الفلسفة نفسها – إذا لم تتكيف – مهمشة أمام محتوى سريع الاستهلاك. على المستوى السياسي، يعيد الرقمي تشكيل مفهوم "الفضاء العام". المنتديات الرقمية ليست أغورا يونانية، بل فضاءات قطبية، مليئة بالفقاعات الإيديولوجية والمعلومات المضللة. الفيلسوف مدعو هنا إلى نقد "سلطة الخوارزمية" كشكل جديد من أشكال السلطة، أكثر نعومة واختراقاً من السلطة التقليدية.


مصير الفلسفة: انقراض أم تحول جذري؟


يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات لمصير التفكير الفلسفي:

الأول (الانهيار): يصبح التفكير الفلسفي ترفاً نخبوياً في عالم يسوده الذكاء الاصطناعي. يفقد دوره كمرشد للحياة لأن الآلات تقدم إجابات أسرع، وتلبي الاحتياجات النفسية عبر تطبيقات الرفقة الافتراضية. الفلسفة تتحول إلى هواية أثرية لقلة من المتخصصين.

الثاني (التكيف السطحي): تتحول الفلسفة إلى "فلسفة رقمية" تقتصر على التعليق على التقنيات الجديدة (أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، خصوصية البيانات) دون أن تمس جذور الوجود. هنا تفقد الفلسفة عمقها التأملي وتصبح أداة خدمية للتقنية.

الثالث (النهضة التحويلية): وهو السيناريو الأكثر إثارة. تعيد الفلسفة اكتشاف ذاتها كممارسة مقاومة للمنطق الرقمي. تؤكد على البطء مقابل السرعة، والتأمل مقابل التدفق، والشك الجذري مقابل الثقة الخوارزمية. يمكن للفيلسوف أن يصبح "مفكراً هجيناً" يجمع بين التقليد الفلسفي والفهم العميق للتقنية، ليس ليحتفل بها أو يرفضها، بل ليستكشف إمكانيات الوجود الإنساني داخلها وخارجها.

في هذا السيناريو، تعود الفلسفة إلى أصولها السقراطية: ليست معرفة، بل طريقة في الحياة. ربما تظهر ممارسات جديدة مثل "التأمل الرقمي" أو "الفلسفة في الواقع الافتراضي" أو نقد وجودي للبيانات الكبيرة. يمكن للفكر الفلسفي أن يقدم "علاجاً" للقلق الوجودي الرقمي: الشعور بالعدمية أمام لا نهائية المحتوى، والوحدة رغم الاتصال.


خاتمة:

 الثورة الرقمية لا تقتل التفكير الفلسفي بالضرورة، بل تكشف عن هشاشته وتدفعه نحو تجديد جذري. المصير ليس محتوماً بالفناء، بل بالتحول. الفيلسوف المعاصر ليس من يهرب من التقنية، ولا من يستسلم لها، بل من يفكر في الشروط التي تسمح للإنسان بالبقاء إنساناً داخل عالم يصبح أكثر آلية.في النهاية، يظل السؤال الفلسفي الأعمق: ما الذي يستحق أن نفكر فيه ببطء، في زمن يدفعنا نحو التفكير السريع؟ الإجابة ليست تقنية، بل وجودية. الفلسفة التي تنجو هي تلك القادرة على الحفاظ على الدهشة أمام الوجود، حتى حين يبدو هذا الوجود مشفراً في سلاسل من الأصفار والآحاد. هذا التحدي يمثل فرصة تاريخية: إما أن تذبل الفلسفة في صمت الشاشات، أو أن تولد من جديد، أكثر عمقاً وجرأة، في قلب العاصفة الرقمية. فكيف يمكن أن نتجه نحو فلسفة ما بعد الرقمية؟


كاتب فلسفي

الانطلاقة لترسيخ العلاقة/ مصطفى منيغ


جعلت من قاعة المركز الثقافي بتطوان مكان إقامة حفلها الأول المدشنة به بداية إنزال فقرات برنامجها العام الذي سطرته لما تبقى من سنة 2026 ، لتنبه من يحتاج إلى تنبيه أن حمعية اتحاد مهنيي إصلاح السيارات بتطوان لهم نصيبهم من الثقافة ذات البعد الأدبي بكل تفرعاته ، ولا ينأى بها المحيط التقني عن تذوق جمال نثر مغلف بفكر مبدع أو تركيبة قصيدة سابحة في تموجات التعبير الفلسفي ارتكازا على خيال معوض الواقع المعاش بآخر أكثر رحابة وحرية وإبداء لإرادة غير خاضعة لقياس مولد الخوف والتهرب من قولها صريحة أن الحق حق أحب من أحب وكره مَن كره ، أو مسرحية مؤلفة بأسلوب يلامس ما يرغب في حدوثه كل حر عاشق للعزة والكرامة ، وبهذا تكون الجمعية بالمنتسبين اليها ممدودة أياديها للانسجام في الحقل الثقافي الحقيقي النقي ، فنجحت الفكرة وامتلأت القاعة بالمتتبعين المهتمين المدعوين كل منهم باسمه الخاص تدقيقا في ضبط الانضباط نفسه على غرار ما تعودت هذه الفئة المحترمة من الالتزام بضبط الدقة حتى إن عاود المحرك حركته على أيديهم المتعودة على الاصلاح شكلا ومضمونا  كانت المذكورة حاضرة بقوة ، ما مكن الجمعية من تقديم فقرات حفلها القيم في جو من الهدوء والانسجام المثالي والإصغاء الكلي لما نطق به الناطقون المكلفون بإلقاء الكلمات الرسمية للجمعية ، مباشرة بعد التبرك بآيات من الذكر الحكيم ، والوقوف إجلالاً لتحية العلم رمز امة ودولة ، حيث تقدم رئيس الجمعية الأستاذ محمد بلالي ( وهو أحد مثقفي المجال وخبير لدى المحاكم ، وبارز في محيطه التقني المتجدد باستمرار ومتتبع جيد للطارئ في عالم السيارات على الصعيد الدولي) بالكلمة التالية :


"شرَفٌ لي الوقوف أمامَكُم في هذا اليوم المُبَارَكِ ، ونحن نحتفلُ مِن خلالِهِ بانطلاق ِتَنْفِيذِ برامج جمعيهِ مهنيي إصلاح السيارات بتطوان ، لما تبقَّي من سنة 2026 ، وأمل وثيق يغمرنا أن نكون في مستوى الوصول لما نطمح إليه كجمعية مهنية قاعدة تأسيسها مرتكزة على تعاون مثمر يجمعنا كلنا والسلطات المعنية وعلى رأسها السيد العامل ، يحقق تنظيم هذا القطاع الهام وتخصيص ما يضمن له الاستقرار في أمكنة خاصة ، نعلم أن الدولة بقيادة عاهلنا الكريم جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده ، مقبلة على إلحاق المعنيين المشتغلين في حقل إصلاح السيارات بجميع تخصصاتهم بها ، عنوان تقدم مثَّل مطمحَ هذه الطبقة منذ سنين ، ما دام أمرهم يحتاج لفضاء متوفر على شروط العمل بما يلزم من رحابة واستيعاب يد عاملة مقبلة متى تهيأت الظروف الملائمة لاستقبالها ، ولنا اليقين أن السلطات على مختلف مستوياتها التنفيذية واعية أن القطاع في حاجة ماسة لما يؤهله أكثر قياماً بواجبه ، تجاه متطلباته الملحة ، المرتبطة بتقنية السيارات المتطورة يوماً بعد يوم ، وبخاصة في بلدنا العزيزة ، حيث بلغت هذه الصناعة درجة من النمو ما يشدنا إلي تكثيف الجهود والتفكير المبكر في التلقين والتدريب على معالجة كل المستجدات في هذا الإطار ، لذا الجمعية تفكر منذ الآن في فتح قنوات اتصال وتواصل ، مع العاملين في هذا الحقل ، وبخاصة تلك الشركات العملاقة عبر العالم ، وكذا الجمعيات القريبة من انشغالات جمعيتنا ، لتبادل المعلومات التقنية والخبرات ، وتنظيم زيارات متبادلة بهدف الاطلاع عن كثب وقوفا على مبتكرات تخص المهنة ، أو البحث عن استثمارات تعزز مشاركتنا المستقبلية الملبية طموحاتنا قياما بدورنا الفعال في نهضة وطننا ، وفق ما يسعى إليه ملكنا محمد السادس حفظه الله ، وجعلنا من خدامه الأوفياء الساهرين معه وكلنا استعداد للدفاع عن وحدتنا الترابية بأغلى ما نملك ، وبالمناسبة  نعلنها رغبة أكيدة في إجراء لقاء مباشر مع السيد عامل صاحب الجلالة على إقليم تطوان للتحاور معه ، حول مشروع تسعى الجمعية إلي انجازه ، لما في ذلك الخير العميم للقطاع والعاملين فيه ، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ".


... ويأتي دور رئيس اللجنة المنظمة للحفل السيد أحمد مرون ، المعروف بكفاءته التقنية وارتباطه الوثيق بجل العاملين في حقل إصلاح السيارات ليس محليا بل وطنيا الخبير الأوثق والمدقق الأصدق والمحقق الأحق لكل مرتبط بهذه الصناعة أكان مصدرها الشرق او الغرب ليدلي بالكلمة التالية :


"هُنَاكَ مَوَاقِفٌ تَتَضَمَّنُهَا مَسِيرَةِ الإنسَانِ تَزِيدُهُ شُعُوراً بِالعِزَّةِ والافْتِخاَرِ ، مِنْهَا مَا تَتَعَلَّقُ بِتَأْسِيسِ أَمْرٍ جَاعِلٍ التًّضًامُنَ الايجَابِي بَيْنَ جَمَاعَةٍ ، مَيَّالَةٍ لِنَفْسِ الاتِّجَاهِ ، رَاغِبَةٍ فِي تَحْقِيقِ نَفْسٍ الهَدَفِ ، طَامِحَةٍ في الوُصُولِ لِنَفْسِ النَّتِيجَةِ القَائِمِ عَلَيْهَا حَقُّهَا فِي التَطَوُّرِ وَالنَّجَاحِ دَاخِلَ مَيْدَانٍ كَبُرَتْ وَسَطَهُ وَكَبُرَ مَعَهَا ألاَ وَهُوَ مَيْدَانُ إِصْلاَحِ السِّياَرَات ، مَهْمَا شَمِلَ مِنْ تَخَصُّصَاتٍ ، لِذَا وَمَعَ هَذَا المَوْقِفِ نُؤَرِّخُ اِنْطِلاَقاً مِنْ هَذَا اليَوْم المَشْهُود لِمِيلاَدِ إِتِّحَادِ مِهْنِيِّي إِصْلاَحِ السِّيَارَاتِ بتطوان ، عَازِمِينَ عَلَى جَعْلِ هَذَا الاتِّحَاد وِعَاءَ نَشْرَبُ مِنْهُ قِيَمَ التَّعَاوُنِ المُثْمِرِ مِنْ جِهَةٍ والتَّطَلُّعِ لِلتَعَلُّم ِأَكْثَرَ ، مَا دَامَ الحَقْل التِّقْنِي يَشْهَدُ تَحَوُّلاَتٍ مُهِمَّةٍ ، بِوَاسِطَةِ ابْتِكَارَاتٍ تَغْزُوا العَالَمَ ، مِنَ المَفْرُوضِ أَنْ نَكُونَ مُلِمِّينَ بِهَا ، قَادِرِين عَلَى مُعَالَجَتِهَا كُلَّمَا عُرِضَتْ عَلَيْنَا ، وَلَنْ يَتَأَتَّى لَنَا ذَلِكَ إلاَّ باخْتِيَارِ نَهْجِ التَعَلُّمِ المُسْتَمِرِّ ، وَالتَّدْرِيبِ عَلَى الجَدِيدِ ، مَهْمَا تَوَفَّرَ لَدَيْنَا . سنكون في هذه الجمعية على كلمة واحدة ، لِنُعْطِي المَثَلَ الحَيَّ ، أَنَّنَا كَجَمِيعِ المَجَالاَتِ ، نَسْعَى إلَى مُوَاكَبَةِ العَصْرِ ، بِمَا يُنَاسِبُهُ مِنْ خَدَمَاتٍ نَحْنُ قَادِرُونَ عَلَى تَقْدِيمِهَا عَلَى الوَجْهِ الأَكْمَلِ .


 وَفَّقَنَا اللهُ لِمَا فِيهِ الخَيْرَ ، تَابِعِينَ مُؤَيِّدِينَ طَائِعِينَ لِمَن يَسْهَرُ عَلَى انجازه في هذا المَيْدَان وَسِوَاهُ مِنْ مَيَادِين صَاحِبِ الجَلاَلَةِ المَلِكِ مُحَمَّدٍ السَّادِسِ نَصَرَهُ الله ، والسَّلاَمُ عَلَيْكم ورحمة الله تعالَى وبَرَكَاتُه ".


.... أخيراً يأتي دور السيد عبد اللطيف السوسي ، عضو اللجنة المنظمة ونائب الكاتب العام للجمعية وصاحب أعلى تكوين في ميدان ترميم هياكل السيارات  ساقه لغاية البرازيل في أمريكا الجنوبية ، والمتعامل في هذا الإطار مع زبناء أخرهم من فنلندا الواقعة في شمال القارة الأوربية ، الذي ساق سيارته العتيقة قاطعا دولاً أوربية ليصل إلى قرية "أزلا" حيث يتوفر السيد عبد اللطيف على ورشة يزاول من خلالها ممارسة فنه بإتقان عز نظيره ، لتكون كلمته على النحو التالي :


"سعادتي اليوم ، من نوعٍ خاص وأنا أقفُ مُخاطِباً نخبة المسؤولين وأعضاء جمعية تأسست بأهداف عز نظيرها ورؤية مستقبلية تستحق التمعُّن لاستنتاج أهمية من تمسك بمفاهيمها وأبعادها ،  أدركَ أنه سائر على الطريق القويم المؤدية للتطور والتقدم والنجاح ، وسط مهنة لها مكانتها في عصر حديث ، الجُلّ فيه يسعَى للوصول بسرعةٍ ربحا للوقت ، وتوفيراً للطاقة ، وجعل الحياة أقل تعباً عما كانت ، حينما يتعلق الأمر التمتع بالكماليات كالضروريات على حد سواء


هذه الجمعية ليست مقتصرة على تعارف المنتسبين اليها بعضهم ببعض ، ولكن للدراسة والاجتهاد والتمكن المستمر من مستجدات المهنة ، وما قد تصل إليه من ابتكارات تخصُّ أدقَّ ما في السيارات على اختلاف أحجامها ، والعلامات التجارية المنتسبة اليها ، والمتطورة من حيث آليات الكترونية تتعرض للتجديد إتباعاً والمفروض أخذ العلم بها وما تتضمنه حتى نعالج المعروض منها علينا للإصلاح ، متى تعرَّضت للتوقُّف عن خَللٍ اعترضَ عملَها العادي ، طبعا من بيننا من لهم المعرفة الواسعة والإمكانات التقنية الكفيلة بتحقيق توازن ما بين الموجود والمطلوب وجوده ، ومع ذلك الجمعية تتطلع ليشمل المذكور كل أعضائها دون استثناء ، وعلى المتمكنين من تجربةِ أكسبتهم الخبرة في الميدان العمل على وضع لبنة أولى لنقل هذه الخبرة وفق برنامج تدريبي مدروس متوفر له كل شروط النجاح ، ومنها التطوع والتحلي بقيم خدمة الصالح العام بما في ذلك من خدمة صالح هذا الوطن . ولنا اليقين وبحماس مسؤول ، ورغبة أكيدة ، وطموح مشروع ، أننا في هذه الجمعية سنصل لما ننشده من ضمان حقوقنا المهنية من جهة ، وتطوير ما نحن قادمون على تطويره من علاقات مثمرة مع جهات لها نفس الأهداف ، أينما تواجدت داخل أو خارج المملكة المغربية .


شخصيا لن ابخل بالمشاركة في طرح الخبرة ، لينالَ مِن ايجابياتها مَن يرغبُ في ذلك ، تلك الخبرة التي اكتسبتها عبر سنوات طوال وبخاصة في دولة البرازيل بأمريكا الجنوبية .


أملي إيجاد مَن يصغى لمطالبنا العادلة ، ويضع يده في أيدينا لنتقدم في هذه المهنة ، ودوما إلى الأمام ، محققين ما يعمل صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله ، لجعل هذا المجال على غرار غيره من المجالات ، في مستوى طموحات الشعب المغربي ، المعبِّرِ دوماً عن التشبث بأهداب العرش العلوي المجيد .والسلام عليكم ورحمة الله ." 


... وتأتي الفقرة الحاسمة من تأطير مصطفى منيغ نزولاً لرغبة الجمعية في مشاركته احتفاءها ابتهاجاً بانطلاق نشاط برنامج يتضمن ما يُدخل الحماس النبيل لكل أعضائها أكثر وأزيد ، واستعدادهم التلقائي لإنجاح أهداف جمعيتهم الموقرة ، المتضمنة الدفاع عن مصالحهم جملة وتفصيلا ، ومما ذكره مصطفى منيغ مختصراً فى خطابه المباشر لأعلى سلطة في الإقليم السيد العامل (المحافظ) مذكرا إياه أن ما تقدم له خزينة الدولة من أجرة عالية مستخلصة أساساً من عرق الشعب تجعل منه خادماً لمصلحة هذا الشعب هنا في تطوان ، بفتح ليس فقط أبواب مكتبه  بل عقله لاستيعاب ، أن المرحلة ليست مرحلة التربع على الكراسي الوتيرة والتمتع بالهواء المكيف والانزواء مع قضايا لا ولن تساهم في ضمان استقرار الأمن الاجتماعي ، بقدر ما تبحث عن تغطية فشل كالحاصل في شأن "تطوان العاصمة الثقافية لحوض البحر الأبيض المتوسط " ، ولن يخسر ذاك العامل للإقليم شيئا لو انتبه قياماً بواجبة لأعضاء هذه الجمعية البالغة وأعضائها نضج التحضُّر ، الواعية بما لها وما عليها ، المحرومة من أحق حقوقها ، لن يخسر شيئا إن اجتمع بها واستمع لمطالبها ، وكلها عادلة ومشروعة ، بل سيربح الكثير ، ومن هذا الكثير معرفة أن ألاف المركبات المتحركة في تطوان مدينة وافي تحمل لبصمات إصلاح أعضاء هذه الجمعية لها ، وهم في حاجة لإصلاح حالهم ، لقد منحوا للدولة كل شيء تكفلوا بأنفسهم تربيةً وتثقيفاً ، أقاموا أوراش يحصلون منها على قوت يومهم وذويهم والأكثر من هذا يعطون الدولة ما يقدرون وما لا يقدرون عليه من الضرائب ، ألا يستحقون من الدولة بواسطة ممثلها في هذا الإقليم جلسة لدقائق بحثاً عن حلول كلها قابلة للتطبيق وبيسر ؟؟؟.


... وفي جو من التفاهم وتبادل الإعجاب بما قيل ، انتهى الحفل بتناول كؤوس الشاي وحلويات وتبادل التحايا من القلوب ألي القلوب . 

فارسُ الشِّعرِ والأدبِ وعُملاق الكلمةِ يَترَجَّلُ عن صَهْوَةِ جَوَادِهِ/ الدكتور حاتم جوعيه



   - كلمة ُ حقٍّ  يجبُ أن  تقال  - 

(  في الذكرى السنويَّة على وفاة الشاعر والأديب الكبير المرحوم  الدكتور جمال قعوار  )  

              

      الشَّاعرُ  والأديبُ الكبيرُ  والمُعلِّمُ  والإنسانُ  - خالدُ  الذكر - الدكتور " جمال قعوار " - رئيس رابطة الكتاب والأدباء العرب  في الداخل -  من أوائل الشُّعراءِ  والأدباءِ المحلِّيِّين  وعلى امتدادِ العالم العربي  مستوًى  فنيًّا وإبداعًا وتجديدًا ... وفي طليعةِ الجَهابذةِ والضليعين في اللغةِ العربيَّةِ محليًّا ... بل هو الاوَّلُ  دونَ مُنازع ٍ  . كتبَ في حياتِهِ الطويلةِ والعريضةِ الكثيرَ من القصائد الشِّعريَّة  والأعمالِ الأدبيَّة  المُمَيَّزةَ  والرَّوائع  الخالدة   .  هو  من أهمِّ   الفرسان   والرُّوَّاد  الذين   ساهمُوا   في  دعم   وتطوير  مسيرةِ   الشِّعر والأدبِ المحلِّي - على مدارِ ستين سنة  ونيِّف . لقد  دَرَّسَ موضوعَ اللغةِ العربيَّةِ  والأدبِ  العربي  في أكثر من  كليَّةٍ  وجامعةٍ ، وتخرَّجَ على  يديهِ  الكثيرونَ ، ومنهم الآن  :  الشَّاعر والاديب والمُدَرِّس والمُحاضر ... إلخ . كانَ يهتمُّ  كثيرًا بالكتَّابِ والشُّعراءِ الشَّبابِ والمُبتدئين  ويأخذ ُ بأيدِيهم  ويرعَاهُم وَيُصَحِّحُ لهم ما يكتبون، ويقدِّمُ لهم النصائحَ الهامَّة  بكلِّ  تواضع ٍ  ومَحَبَّةٍ  وإخلاص  .      وهنالكَ العديدُ من الإصداراتِ الأدبيَّةِ  والدواوين الشِّعريَّةِ   لِكُتَّابنا  وشعرائِنا  المحلِّيِّين  خَرَجت  للنور بعدَ  مُراجعاتِهِ   لها وتصحيحها  من   قبلهِ ... وقدَّمَ  بقلمِهِ  أيضًا  بعضَ الإصدارات  والدواوين  الشِّعريَّة   .  

    وبالإضافةِ  إلى موقعِهِ  الهام ومكانتِهِ ومنزلتِهِ  الكبيرةِ  في عالم ِالفكر ِ والشِّعر والأدبِ  كانَ  متواضِعًا ، طيِّبَ  القلبِ ،  دَمثَ  الأخلاق ، صادقَ اللسان ،  مُحترَمًا ، مُبَجَّلا ً ، شريفا ، فاضِلا  ، أبيَّ النفس ِ ،  كريمًا سخيًّا ، يُحِبُّ المجتمعَ والناسَ ، َوفِيًّا ومُخلِصًا للأصدِقاء ، نظيفَ المعدنِ ، طاهر الطويَّةِ  ويتفانى حُبًّا  وأريحِيَّة ً من أجلِ  مُساعدةِ الآخرين دونما  مُقابل  . وكانَ يحظى ويتمتَّعُ بالإحترام والمَحَبَّةِ وبتقدير ٍ كبير من قبل جميع الناس .   وكانت  َتجمَعُنِي  بهِ صداقة ٌ شخصيَّة ٌ وطيدة ٌ ، وكنتُ ، بدوري ، أقرأ  لهُ كلَّ شيىءٍ جديدٍ أكتبُهُ شعرًا أو نثرًا ) وكانَ هُوَ يُبدي لي بعضَ النصائح والإرشادات البنَّاءة  .  

     ومن  أهمِّ  إنجازاتِ  فقيدِنا الغالي خالدِ  الذكر الدكتور جمال  قعوار : تأسيس مجلَّة " المواكب " الأدبيَّة  بالإشتراك مع المرحوم الأستاذ  الشَّاعر " فوزي عبد الله "   قبلَ  أكثر من  ثلاثين سنة  .   واستمرَّ الدكتور جمال في إصدارها بعد وفاةِ  الأستاذ  فوزي لسنواتٍ طويلةٍ  ... وهي أهمُّ  مجلَّةٍ أدبيَّةٍ وثقافيَّةٍ وفكريَّةٍ جامعةٍ محليَّة - حيثُ استقطبت معظمَ  كتابنا وشعرائِنا المحلِّيِّن، وخاصَّة ً:الشُّعراء والكُتَّاب الذين عُتِّمَ عليهم سابقا ً ظلمًا وإجحافا  من  قبل ِ جهاتٍ عديدةٍ ، فوجدُوا في مجلَّةِ  " المواكب " ضالَّتهم  المنشودةَ  والمنفذ َ والبابَ الوحيدَ آنذاك  نحوَ النور والإنطلاق والشُّهرة  والإنتشار  . 

  ولعِبت هذهِ المجلَّة ُ الرَّائدة ُ دورًا  كبيرًا وَهامًّا في نهضةِ ومسيرةِ  الأدبِ والفكر والثقافةِ والإبداع المحلِّي - في الداخل . وكنتُ أنا أكتبُ  فيها دائمًا .  وقد  ألقى عَليَّ  المرحومُ  الدكتور " جمال " مهمَّة َ تحرير زاوية اللقاءات والتقارير الصحفيَّة  فيها  .  فكنتُ  في  كلِّ عددٍ  جديدٍ  من المجلَّةِ  أجري  لقاءً  مع  شخصيَّةٍ  معيَّنةٍ  جديدة  ( في المجالات الأدبيَّة  والثقافيَّة  والفنيَّة والعلميَّة والإجتماعيَّة ) ...  إلخ  .   وكان  الدكتور جمال  يُعطيني  بعضَ  المُلاحظات وَيُرشِدُني  ويُوَجِّهُني أحيانا  إلى نوعيَّةِ الأسئلةِ التي  يجبُ  أن أسألها ... وإلى المواضيع الهامَّةِ  والبنَّاءةِ والوجيهةِ التي  يجبُ أن  تطرحَ في كلِّ  لقاء .   واستمرَّت هذهِ المجلَّة ُ في الصُّدور حتى  قبلَ وفاتِهِ  بفترةٍ قصيرةٍ ... وكم كنتُ أتمنَّى أن يمتدَّ العُمرُ بفقيدِنا وأستاذِنا وشاعرنا  وأديبنا  الكبير أكثرَ وأكثرَ ... ولكنَّ الموتَ هو حقٌّ علينا جميعا ومصيرُ وَمَآلُ  كلِّ كائِن ٍ على هذهِ المَعمورةِ  ولا نستطيعُ  أن  نردَّهُ  ونمنعَهَ ... ولقد اختطفتهُ  يدُ المنون بعدَ  حياةٍ  عريضةٍ حافلةٍ  بالنشاطِ والعمل والعطاءِ الأدبي والفكري المُتواصل والغزير  .  وكنتُ  قبلَ  وفاتِهِ  بأسبوعين تقريبا  أهَيِّىءُ  نفسي لإجراءِ لقاءٍ  صحفيٍّ  مُطوَّل ٍ  معهُ ... ولكن  لم  يكن  هنالكَ  نصيبٌ  ولم  يُقدَّرْ لي أن أراهُ  فكانَ رحيلُهُ  صدمة ً كبيرة ً وتركَ جُرحًا أليمًا في  نفسي ... وصدمةً  وخسارةً   كبيرة ً  وفادحة ً  لأقربائِهِ  وذويهِ ...  ولكلِّ  الذين  يعرفونهُ وتجمعُهُم  بهِ علاقاتٌ  ووشائِجُ  وطيدةٌ ... وخسارة ً فادحة ً أيضًا لجميع أبناءِ شعبنا ولكلِّ إنسان ٍ حُرٍّ  وشريفٍ ...وللحركةِ وللمسيرةِ الثقافيَّة  والادبيَّةِ المحليَّةِ  . 

- لقد آنَ  لهذا الفارس ِالصِّنديدِ والعَلم ِالشَّامخ والجَهْبَذِ العُملاق ِ أن  يترَجَّلَ  عن صهوةِ  جوادِهِ  بعدَ مسيرةٍ  طويلةٍ  من النضال ِ والكفاح ِ لأجل ِ إعلاءِ الكلمةِ النظيفةِ والحُرَّةِ والصَّادقةِ والفكر النَّيِّر ِ.. وبعدَ عَطاءٍ وسَخاءٍ مُنقطع النضير في  دُنيا  الأدبِ والإبداع ِ ... بعدَ  حياةٍ  عريضةٍ  مُثمرةٍ   مُترَعَةٍ  بالنشاطِ والعمل ِ الدَّؤوبِ والإيجابي والبَنَّاءِ  لِخِدمَةِ  شعبِهِ  وَمُجتمعِهِ  .  

    َومَهما  تحَدَّثنا  وكتبنا عن  فقيدِنا الغالي  خالد الذكر فإنَّ  الكلامَ  ليعجزُ   أن  يُعَبِّرَ عَمَّا  تجيشُ بهِ الصُّدور، وَدُرَرَ الشِّعر والأدبِ والخطب العصماء تعجزُ أن تعطيهُ حقَّهُ  وما هو أهلٌ  لهُ  .. فهوَ صرحٌ  وعلمٌ من أهمِّ أعلام ِ وصروح ِ الثقافةِ والأدبِ  في مسيرةِ  ثقافتِنا وأدبنا وشعرنا الفلسطيني  .  

  -  فرحمة ُ اللهِ عليكَ  يا  أبا  ربيع ... يا  مَنْ  وَهَبتَ حياتكَ  لأجل ِ العلم والأدبِ  والإبداع  ولإنارَةِ  المجتمع ِ وتثقيفِ الأجيال ِ .   

   فإلى الأمجادِ السَّماويَّةِ  وجنان ِ الخلودِ  مع  جميع  القدِّيسين  والمُؤمنين الطاهرين الأبرار   .    وفي أمثالكَ الشُّرفاءِ الفاضلين الودعاء المُتسربلينَ  بالطُّهر والإيمان قالَ رسول السَّلام وفادي البشرالسَّيِّدُ المسيح عليهِ السَّلام :  

( "  طوبى  للودعاءِ ، لأنهم يرثون الأرض  .   

     طوبى للجياع والعطاشِ  لأجلِ البرِّ ، لأنهم  يشبعون .                                                                                        

     طوبى  للرُّحماء ، لأنهم  يُرحمون  .  

      طوبى للأنقياء  القلب ، لأنهم يُعاينونَ  الله  .  

     طوبى  لصانعي السَّلام ، لأنهم أبناء اللهِ  يُدعون  .   

-  نعم لقد كنتَ  طيلة حياتكَ على هذهِ الأرض رمزًا للوداعةِ  والبراءةِ ومثالا ونموذجا  للتسامح والتواضع  والوفاء، وداعيةً للمحبَّةِ والسلام.

تاريخ الذهنية المهزومة بين الهشاشة السايكولوجية للذات الجمعية والوعي بالدونية الحضارية/ د زهير الخويلدي



مقدمة


الذهنية المهزومة ظاهرة حضارية عميقة الجذور، تتجاوز كونها مجرد رد فعل عاطفي مؤقت على هزائم عسكرية أو سياسية، لتصبح بنية نفسية ومعرفية مترسخة في الذات الجمعية. إنها حالة من الوعي المزدوج: هشاشة داخلية تجعل الجماعة عرضة للانهيار أمام الضغوط، مع إدراك مزمن بالدونية الحضارية يقارن الذات دائماً بـ"الآخر" المتفوق. هذه الدراسة تقدم مقاربة تشخيصية تاريخية ونفسية وحضارية، تهدف إلى تتبع تطور هذه الذهنية، وكشف آليات عملها، وتحديد الروابط الجدلية بين الضعف النفسي الجمعي والشعور بالتخلف الحضاري. لا تُقدم الدراسة حلاً جاهزاً، بل تشخيصاً معمقاً يساعد على فهم الديناميكيات الداخلية التي تحول الهزيمة من حدث تاريخي إلى حالة وجودية مستمرة.  فكيف تشكلت الذهنية المهزومة عبر التاريخ؟ وهل نتجت عن هشاشة سايكولوجية أصبت الذات الجمعية أم أنها ارتبطت بالوعي بالدونية الحضارية والاستصغار الوجودي للهوية؟ وما السبيل الى التغلب على هذا الانهزام؟


الجذور التاريخية: من الصدمة إلى الترسيخ

يمكن تتبع بدايات الذهنية المهزومة في سياقات متعددة، لكنها بلغت ذروتها في التاريخ العربي الإسلامي بعد سقوط بغداد عام 1258 على يد المغول. كانت هذه الصدمة ليست عسكرية فحسب، بل حضارية: تدمير مركز الخلافة والمكتبات والمؤسسات المعرفية أنتج شعوراً بالانكسار الوجودي. تحولت فكرة "الأمة المختارة" إلى وعي بالضعف أمام قوى "بربرية" قادرة على الإفناء. تلت ذلك مرحلة الغزوات الصليبية ثم الاستعمار الأوروبي الحديث (القرنين 19 و20). سقوط الأندلس، ثم سقوط الدولة العثمانية، وتقسيم المنطقة العربية حسب اتفاقيات سايكس-بيكو، عززت صورة الذات كـ"ضحية" دائمة. أنتج هذا وعياً بالدونية الحضارية: مقارنة مستمرة مع الغرب الصناعي المتقدم، أدت إلى إما تقليد أعمى أو رفض عنيف، وكلاهما يعكس عدم القدرة على المواجهة المتكافئة. في القرن العشرين، شكلت الهزائم العربية المتتالية (1948، 1967، 1973) طبقات متراكمة. هزيمة 1967 خصوصاً كانت "نكسة" نفسية جماعية، حيث تحولت الثقة بالنصر الحتمي إلى شك عميق في الذات. أصبحت اللغة السياسية والإعلامية مليئة بعبارات "المؤامرة" و"الخيانة"، وهي آليات دفاعية تخفي الهشاشة النفسية الحقيقية.


الأبعاد النفسية: هشاشة الذات الجمعية

تعتمد الهشاشة السايكولوجية للذات الجمعية على عدة آليات أساسية. أولها فقدان التماسك الداخلي: عندما تفقد الجماعة روايتها الموحدة، تنشطر إلى هويات فرعية متصارعة (طائفية، إقليمية، أيديولوجية). هذا التشظي يجعلها عرضة للاختراق الخارجي، كما في حالات الحروب الأهلية أو الفتن المعاصرة.ثانياً، آلية الإسقاط والضحية: يتم تحميل الآخر (الغرب، الصهيونية، الاستعمار) مسؤولية كل فشل داخلي. هذا الإسقاط يحمي الصورة الذاتية مؤقتاً، لكنه يمنع المراجعة النقدية الضرورية، ويعمق الشعور بالعجز.

ثالثاً، التناقض بين الأنا العليا والأنا الواقعي: تحتفظ الذات الجمعية بصورة مثالية عن الماضي الذهبي (العصر الذهبي الإسلامي)، مقابل واقع متدنٍ. هذا التناقض يولد توتراً نفسياً مزمناً يتجلى في الاكتئاب الجمعي، أو في ردود الفعل الغاضبة المتطرفة، أو في حالة اللامبالاة والسخرية السوداء.

رابعاً، الخوف من الذوبان: الشعور بأن الهوية مهددة بالانحلال أمام العولمة يؤدي إلى دفاعات جامدة (تطرف أو انغلاق) أو دفاعات منحلة (تغريب كامل).


الأبعاد الحضارية: الوعي بالدونية

يتجاوز الوعي بالدونية الحضارية مجرد الشعور بالتخلف التكنولوجي أو الاقتصادي. إنه إدراك أن "الآخر" قد سبق في بناء المؤسسات، وإنتاج المعرفة، وإدارة الزمن والفضاء. منذ عصر النهضة الأوروبية، أصبحت المقارنة مع الغرب محورية: "لماذا تقدموا وتخلفنا؟"أنتج هذا الوعي تيارين رئيسيين: التيار التقليدي: يرى الدونية نتيجة الابتعاد عن الأصالة الدينية، فيطالب بالعودة الحرفية.

التيار التحديثي: يرى الدونية في التمسك بالتراث، فيطالب بالاقتداء الكامل بالغرب.

كلا التيارين يعكسان ذهنية مهزومة لأنهما يعتمدان على المقارنة الخارجية كمعيار أساسي، بدلاً من بناء مشروع ذاتي مستقل. ظهرت محاولات وسطية (مثل مشاريع النهضة عند الطهطاوي والأفغاني وعبده)، لكنها غالباً ما اصطدمت بعقبات داخلية أو خارجية، مما عزز الشعور بالإحباط.


المظاهر المعاصرة للذهنية المهزومة

في العصر الحالي، تتجلى الذهنية المهزومة في عدة صور:

الاستهلاك الثقافي: تفضيل المنتجات الثقافية الغربية (أفلام، موسيقى، أفكار) مع الشعور بالدونية في الإنتاج المحلي.

الهجرة والعقول: نزيف الكفاءات نحو الغرب، مع النظر إليه كـ"الجنة الأرضية".

الخطاب السياسي: الاعتماد على نظريات المؤامرة كتفسير وحيد للفشل، مما يمنع بناء استراتيجيات واقعية.

الإعلام الرقمي: انتشار خطاب الذل والانكسار أو التباهي الزائف، وكلاهما يعبران عن هشاشة.

العلاقة بالتكنولوجيا: الإعجاب بالذكاء الاصطناعي والتقدم العلمي الغربي مع غياب القدرة على الإسهام الجوهري فيه.


عوامل الاستمرار والإمكانيات العلاجية

تستمر هذه الذهنية بفعل عوامل داخلية (ضعف المؤسسات التعليمية، غياب النقد الذاتي، الفساد) وعوامل خارجية (ضغوط جيوسياسية، حروب ناعمة). كما أن النجاحات النسبية (بعض الدول الخليجية أو تجارب التنمية) غالباً ما تُفسر على أنها استثناءات، لا قاعدة. للخروج منها، يتطلب الأمر تشخيصاً صادقاً يعترف بالضعف دون الاستسلام له. يجب الانتقال من "وعي الدونية" إلى "وعي الإمكانية" من خلال:

إعادة بناء رواية جمعية متوازنة تجمع بين الاعتزاز بالماضي والنقد البناء.

بناء مؤسسات معرفية مستقلة قادرة على إنتاج معرفة أصيلة.

تعزيز الصمود النفسي الجمعي عبر التعليم والثقافة.

تبني استراتيجيات تنموية طويلة الأمد تعتمد على الواقع لا على الأحلام أو الرفض.


خاتمة

الذهنية المهزومة ليست قدراً تاريخياً، بل نتاج تراكم اختيارات وصدمات وآليات دفاعية فاشلة. إنها تقع في المنطقة الوسطى بين الهشاشة النفسية التي تجعل الذات الجمعية هشة أمام الرياح، والوعي بالدونية الذي يحول المقارنة إلى عقدة مزمنة. التشخيص الدقيق يؤكد أن الخروج من هذه الحالة يتطلب شجاعة فكرية نادرة: القدرة على النظر إلى الذات بعيون موضوعية، دون مبالغة في العظمة أو الذل. فقط عندما تتحول الهزيمة من حالة وجودية إلى درس تاريخي، يمكن للأمم أن تبدأ في بناء مستقبلها بثقة واقعية. المستقبل ليس محتوماً بالهزيمة، لكنه يتطلب إرادة جماعية للشفاء من جراح الماضي دون نسيانه. فكيف يمكن التسلح بالانتصارية والوعي بالتفوق والدافعية المستمرة نحو التقدم التاريخي والصلابة النفسية؟


كاتب فلسفي

الشرف الرفيع/ شوقي مسلماني


تشبّثتْ صنّارةُ صيد السمك بأنف الكلب، وزيادة في الطّين بلّة تشبّثت به من الداخل، حملاه، الأبُ وابنُه، إلى مركز طبّ الحيوانات  _ محلّة "باكسلي" _ منطقة سانت جورج _ جنوب سيدني _ وتولّى الإبنُ مهمّة الشرح، بإعتباره يجيد الإنكليزيّة أحسن من أبيه الذي لا يزال في حال عسر لغوي وإن يفهم أحياناً بعض ما يسمع. وبعدما فهمتْ الممرّضة _ البيطريّة حالَ الكلب الذي كم تأوّهتْ له، وقبْلَ إدخاله إلى غرفة العمليّات، طلبتْ روتينيّاً إسم الكلب وإسم عائلته. ومعروف أنّ إسم عائلة الكلب في أستراليا هو ذات إسم عائلة أصحابه، وليس في ذلك أيّ حرج. وفهمَ الأبُ السؤال. وقالَ لإبنه بصوت منخفض وحذر، وبالعربيّة طبعاً: "اعطيها إسم عيلة حدا غيرنا". ارتبكَ الإبن، فهو لا يرى حرجاً أن يحمل الكلب إسم عائلة أصحابه، ولا يكذب في آن، كما أغلب جيله الذي ينشأ في أستراليا، وبدون أدنى مبالغة. قالَ للبيطريّة: "ماكس". وأمسك، ونظر إلى أبيه، وأبوه نظر إليه بتوتّر، وقال لها إسم عائلة ماكس. ولم يمض وقت حتى كان الأبُ والإبنُ، ومعهما الكلب المنشرِح بنجاحِ العمليّة، خارج العيادة، والأب يشدّد على إبنه ويقول: "ولكْ يا مجنون قلتلّك قلّها إسم عيلة حدا غيرنا  رحت اعطيتها إسم عيلتنا؟ يعني بعد ناقصنا بالعيله كلب"؟!. وفي رواية، أنّهما، وهذه حالهما، كان الكلب يتشمّم ساقي أحد المارّة. وقال الأب لإبنه وهو يكاد ينهار: "إمسك خيّك يلعن بيّك قبل ما يعضّ الزلمي ويحطّوا صورنا بالجرايد والتلفزيونات وتصير فضيحتنا بجلاجل"!. 

Shawkimoselmani1957@gmail.com



القصةُ وما فيها من أبعادٍ تربوية/ فراس حج محمد


يتناول هذا المقال حواراً تربوياً أجريَ إلكترونياً[1] مع الأخصائية التربوية منى سروجي[2] حول الدور الجوهري لأدب الأطفال في بناء شخصية الطفل وتطوير لغته وخياله، حيث يستعرض اللقاء تحوّل القراءة من أداة تعليمية جامدة أو وعظية إلى ممارسة تفاعلية تعزز الروابط العاطفية بين الأهل والأبناء من خلال الحوار والمشاركة، كما يسلط الحوار الضوء على التحديات المعاصرة التي تواجه ثقافة القراءة في العالم العربي، مثل طغيان الأجهزة الذكية وارتفاع تكاليف الكتب، مع تأكيد ضرورة اختيار قصص تحاكي واقع الطفل وتنمي مهاراته التفكيرية، وفي ختام ذلك اللقاء الذي أدارته أسمى نجم[3]، تشدد الخبيـرة التربوية سروجي على مسؤولية الكتّاب والمجتمع في تقديم محتوى يحترم ذكاء الطفل ويوفر له مساحة آمنة لاستكشاف العالم والقيم الإنسانية العليا.

هذا كان ملخصاً يبيّن أهم محاور تلك الحلقة المهمة من بودكاست منهجيات التعليمي[4]، وأما في التفاصيل وتحليل ذلك اللقاء، فيتبين الكثير من الأفكار والرؤى التي تخص نشاط القراءة، وخاصة في مراحل الطفل الأولى، وفيما يأتي تحليل لهذا اللقاء، والوقوف على أهم ما جاء فيه من أفكار عملية، سهلة التطبيق، سواء أكان في البيت أم في المدرسة.

في ظل التحولات (الجيو سياسية) والثقافية الكبرى التي تعصف بالعالم العربي، لم تعد القصة أداة ترفيهية لتمضية الوقت أو وسيلة تقنية لمساعدة الطفل على النوم، أو ليتابع المشاهد العربي حلقاتها ومشاهدها في الدراما التمثيلية في التلفاز والسينما؛ بل أضحت مختبراً حيوياً لتشكيل الهوية واللغة، ومساحة استراتيجية لإعادة صياغة الوعي المجتمعي المحلي والدولي، وكما حضرت القصة في سياقات إعلامية وصحفية[5] وكان لها دور كبير في الحروب، لا سيما في حرب الإبادة الجماعية التي نفذها الاحتلال على قطاع غزة حضرت في السياق التربوي، من هنا تأتي هذه المراجعة المتأنية لهذا الحوار لتكشف عن رؤية تربوية وأكاديمية لافتة تتجاوز السطح الوصفي لتغوص في لبّ فعل القراءة كفعل مقاومة إنساني ضد التهميش الثقافي، بعيداً قليلا- ولو لتحديد الغرض التربوي- عن الحرب وأهوالها.

ترى سروجي أن القصة هي المساحة الآمنة التي تتيح للطفل الحوار مع الذات ومع العالم، وهي فلسفة تربط ربطاً عضوياً بين الأدب والنمو الإنساني المتكامل، ولا تتحدث في هذا المجال عن القراءة بوصفها فعل تسلية، بل عن أمن ثقافي يبدأ من الكلمة المكتوبة واللحظة المشتركة، ويستدعي هذا الحوار تفكيكاً نقدياً للواقع التربوي المعاصر، حيث تتحول القصة في أيدي المربين الواعين من نص لغوي- بغض النظر عن كيفية نشره وأشكاله المتعددة- إلى كيان حي يعالج تشظي الهوية العربية ويمنح الطفل أدوات التفكير الناقد والحساسية الجمالية التي يحتاجها في عالم مضطرب، ومن هذا المنطلق، أستهلّ هذه القراءة التحليلية باستكشاف التحولات البنيوية التي طالت ثقافة القراءة، وكيف يمكن استعادة القصة كفعل إنساني يوقظ السؤال ويحمي المعنى.

يمثل البيت النواة الأولى والمنطلق الاستراتيجي لتشكيل الطفل القارئ، إلا أن هذا الفضاء شهد تحولات أساسية سلبت منه الكثير من دفئه التاريخي؛ فبالعودة إلى الذاكرة الجمعية يتبين أن البيت كان يضج بالقصة الشفوية التي كانت تنسجها الجدّات حول شخصيات مثل جبينة والشاطر حسن ونص نصيص وحكايات الغول، وهي حكايات لم تكن تهدف للوعظ الخالص، بل كانت بمثابة نظام تعليمي موازٍ يرسخ القيم المجتمعية، ويربط الأجيال بجذورها التاريخية، حتى الفضاء العام، ممثلاً في المقاهي الشعبية، كان مسرحاً حياً لسيَر بني هلال وعنترة والزير سالم، ما يعني أن السرد كان جزءاً أصيلاً من نسيج الحياة اليومية، وحاضراً في الـمَضافات العامة للتجمعات السكانية.

اليوم، وكما ترى سروجي، نواجه ما يمكن وصفه بانحسار المد القرائي في مواجهة السيولة الرقمية، فدخول الشاشات والذكاء الاصطناعي لم يغير فقط وسيلة القراءة، بل غير بنية الانتباه لدى الطفل العربي، فبينما كانت القصة الشفوية أو الكتاب الورقي يتطلبان تركيزاً عميقاً وخيالاً نشطاً، أدت هيمنة النصوص البصرية القصيرة عبر الشاشات إلى خلق جيل يعاني من تشتت الانتباه وضعف القدرة على الانخراط في سرديات طويلة ومعقدة، فأدى هذا التحول إلى تآكل الأمن الثقافي، حيث أصبح الطفل متلقياً سلبياً لصور سريعة لا تترك مساحة للتأمل.

وعلى جانب آخر، تبرز الأزمة الاقتصادية والاجتماعية كعامل حاسم في تهميش الكتاب، ففي المجتمعات العربية التي نكبتها الحروب والصراعات، أصبح الكتاب يُصنف كترف أمام ضرورات البقاء البيولوجي، فخلق هذا الواقع المؤلم فجوة ثقافية وغيـر ثقافية؛ فالأسر التي تعاني لتأمين لقمة العيش تجد صعوبة في اقتناء كتب الأطفال المكلفة، ويعزز هذا الاغتراب المادي عن الكتاب من انسحاب القصة من المشهد العائلي، ويجعل من القراءة الإلكترونية- رغم إتاحتها- بديلاً بارداً يفتقر إلى اللحظة الحميمية والارتباط الإنساني الدافئ الذي يوفره الجلوس المشترك فوق صفحات الكتاب الورقي، ويعني غياب هذا الحوار العفوي أثناء القراءة فقدان الجسر الذي يربط الطفل بوالديه وبمحيطه الاجتماعي.

تتجلي إحدى كبرى المعضلات في المنظومة التربوية العربية فيما يمكن تسميته بالبتر اللغوي، إذ تشير تجربة منى سروجي كمعلمة سابقة إلى حقيقة صادمة: فهناك فجوة معرفية وشعورية واضحة تحدث في المرحلة الانتقالية بين الأطر ما قبل المدرسية والصف الأول الأساسي (الابتدائي)، في هذه اللحظة الحرجة، تتحول اللغة العربية في نظر الطفل من وعاء للمشاعر والحكايات إلى مادة للتشريح النحوي والصرفي، يخلق هذا التحول القسري حالة من الاغتـراب اللغوي، حيث يشعر الطفل أن لغة القصة في المدرسة لا تشبه لغته العفوية، مما يولد لديه نوعاً من الكراهية تجاه القراءة.

إن ممارسة تفريغ الروح من القصة تحدث عندما يتم التعامل مع الأدب أداة لتلقين القواعد أو وسيلة لإجراء امتحانات تعتمد على الأسئلة المغلقة (نعم/ لا)، هذا النهج الميكانيكي يقتل الخيال ويحول القصة إلى واجب منزلي ثقيل، بدلاً من أن تكون رحلة استكشافية، فالتربية التقليدية، بإصرارها على القوالب الجامدة، ارتكبت خطأ استراتيجياً بجعل اللغة العربية تبدو كائناً ميتاً يتطلب الحفظ، لا كياناً حياً يتنفس الأدب والجمال.

إن البديل الذي تطرحه سروجي، مدعوماً بأبحاث البروفيسورة إليانور صايغ حداد[6]، يكمن في استخدام اللغة السهلة التي تمثل جسراً بين العامية والفصيحة، وتؤكد هذه الأبحاث أن الطفل يمتلك رصيداً لغوياً مشتركاً بين المستويين مثل كلمات (يد، صحن، شجرة)، وإذا استغلّ الكاتب والمربي هذا الرصيد، فإنه يكسر حاجز الخوف لدى الطفل؛ فاللغة في قصص الأطفال يجب ألا تكون قاموساً للمفردات الغريبة مثل لفظة "الزمهرير" التي قد تنفر الطفل وتشعره بالعجز، بل يجب أن تكون لغة رشيقة قادرة على نقل المعنى بعمق وبساطة في آن واحد، إن الهدف الاستراتيجي عندئذٍ يتمثل في إعادة بناء العلاقة الوجدانية مع اللغة الفصيحة، بحيث يرى فيها الطفل وسيلة للتعبير عن أحلامه وتطلعاته، لا عقبة تقف في طريق نجاحه الدراسي.

إن الجوهر الحقيقي لفعل القراءة يكمن في الحوار حول الكتاب، هنا يبرز مفهوم القراءة المشاركة كفلسفة تربوية متكاملة، وفي هذا النوع من القراءة، لا يكون الأهل أو المعلمون آلات للقراءة، إنما محاورون وميسرون لعملية التفكير، إذ يتحول الكتاب إلى منصة تفاعلية تسمح للطفل ببناء قاموسه العاطفي الخاص، فعندما يتماهى الطفل مع شخصية أرنوبة التي فقدت لعبتها، هو لا يقرأ نصاً، بل يختبر فعلياً مشاعر الحزن، والفرح، والغيرة، والتعاطف في بيئة آمنة تماماً.

هذا المختبر الاجتماعي الذي توفره القصة يمنح الطفل ما نسميه المناعة الاجتماعية، فمن خلال مراقبة صراعات الشخصيات- مثل كيف تصالح الفئـران مع صديقهم سمسم- يتعلم الطفل مفاهيم التعاون والصداقة والعدل بشكل عملي وتطبيقي، فالقصة تقدم نموذجاً إنسانياً يغرس القيم بعمق لا تملكه المواعظ المباشرة، لأنها تشرك الطفل في اتخاذ القرار الأخلاقي عبر الحوار، علاوة على ذلك، تلعب القراءة الحوارية دوراً حاسماً في تطوير مهارات التفكير العليا، فعندما يطرح المربي أسئلة مفتوحة مثل: كيف عرفت أن (فلاناً) حزين؟ أو ماذا ستفعل لو كنت مكان الشخصية؟ هو يدفع الطفل للانتقال من مرحلة المتلقي السلبي إلى مرحلة المفكر الناقد، هذه العملية تتطلب من الطفل استخدام مهارات الاستنتاج، والتخمين، والتحليل، إنها تدريب مبكر على التعامل مع صعوبات الحياة وألغازها، حيث يتعلم الطفل أن للقصة- وللواقع- أبعاداً متعددة تتطلب منه إعمال العقل والبحث عن المعاني الكامنة خلف السطور.

يعاني مشهد صناعة أدب الطفل العربي من أزمة رؤية، حيث لا تزال هناك فجوة بين ما يكتبه الكبار انطلاقاً من منظورهم السلطوي وبين الاحتياجات الحقيقية للأطفال، فالإنتاج الغزير للكتب الوعظية المباشرة التي ترفع شعار (اعمل ولا تعمل) يعكس رغبة الكبار في تأديب الأطفال وتنميطهم بدلاً من إمتاعهم وتوسيع خيالهم، هذا النوع من الأدب ينفّر الطفل؛ لأنه يخاطب تصورات الكبار عن الطفولة وليس واقع الطفولة ذاته.

وتنتقد سروجي بشدة وسخرية بادية استخدام اللغة المعقدة التي تفصل الطفل عن النص؛ فاستخدام مصطلحات تراثية ثقيلة في نصوص موجهة لأطفال في سن الثالثة أو الرابعة هو فعل انتحار أدبي، فالأدب الحقيقي هو الذي يحترم النمو التطوري للطفل، لغوياً ونفسياً، كما تبرز إشكالية الإخراج الفني كعامل حاسم؛ فالكثير من القصص العربية الجيدة نصاً تُقتل فنياً بسبب ضعف الرسومات أو سوء التصميم، فالطفل كائن بصري بامتياز، وإذا لم يجد جمالية في الرسم وتناسقاً في الألوان، فإنه لن ينجذب للكتاب مهما كانت فكرته سامية، وعلى هذه الفكرة بالذات أمثلة متعددة من قصص الأطفال الصادرة في فلسطين في الفترة الأخيرة، حيث يشعر المرء بأن ثمة استسهالاً وإسهالاً مرضياً في كتابة بعض تلك القصص.

ومن أجل ذلك، تؤكد المربية سروجي أن الكتابة للطفل من أصعب أنواع الكتابة؛ فهي تتطلب من الكاتب أن يتواصل مع الطفل الذي بداخله، وأن يتخلى عن أستاذيته ليصغي لوشوشات الأطفال وتجاربهم، فنحن بحاجة إلى أدب يحترم ذكاء الطفل وإحساسه بالجمال، ويقدم له نصوصاً تتنوع بين الشعر، والكومكس، والحكايات الشعبية، وكتب اللامعقول (Nonsense)- وليست كتب الفنتازيا- التي تثير الضحك والمتعة، إن استعادة المتعة بوصفها قيمة عليا في الأدب هي المدخل الوحيد لصناعة جيل يعشق الكتاب لذاته، لا لأنه أداة للنجاح المدرسي.

في واحدة من الأطروحات الفكرية اللافتة التي تناولها الحوار تبرز استعارة (بروس فيلر)[7] (Bruce Feiler) حول ضرورة وجود جراثيم في القصص، إن محاولة الأهل والمربين تعقيم قصص الطفولة من كل ما هو مؤلم أو واقعي مثل الفقد، والحرب، والطلاق، والموت، تشبه محاولة تعقيم الغرفة من الجراثيم؛ والنتيجة الحتمية هي طفل يفتقر إلى المناعة النفسية وهشاشة في مواجهة تحديات الحياة.

إن الأدب العربي مطالب اليوم بامتلاك الشجاعة لمقاربة المواضيع الصعبة بحساسية ومهنية، ففي مجتمعات منكوبة تعيش ويلات التهجير والفقر والتجويع، والإنسان- بما فيه الطفل نفسه- غير آمن على حياته، لا يمكن للكاتب أن يقدّم للطفل أدباً وردياً منفصلاً عن واقعه، فالطفل الذي يرى الموت والدمار في حياته اليومية يحتاج إلى قصص تساعده على تسمية أوجاعه ووضعها في إطار سردي يمنحه الأمل والطمأنينة والقوة والتماسك النفسي، بحيث لا تزيد القصة من آلامه، بل تضمّد جراحه عبر المشاركة الوجدانية وإشعاره بأنه ليس وحيداً في هذه التجربة.

وهنا يأتي دور الأهل والمربين كمرشدين وليس ملقنين، فالحوار التفاعلي بعد قراءة قصة تتناول موضوعاً صعباً هو الذي يوصل الطفل إلى بر الأمان، وإن الأدب الذي يحتوي على هذه الجراثيم الواقعية هو الذي يبني إنساناً صلباً قادراً على مواجهة الواقع وتغييره، بدلاً من الهروب منه نحو عوالم خيالية زائفة، إنها دعوة للعودة إلى أدب يلامس الجوهر الإنساني في أقسى تجلياته مع الحفاظ على المساحة الآمنة التي تضمن نمو الطفل النفسي دون صدمات.

إن تحويل القراءة إلى فعل يومي مستدام لا يتطلب ميزانيات ضخمة، بل يتطلب إرادة واعية وفهماً عميقاً لدور القدوة، فالقراءة ليست تمريناً مدرسياً خاضعاً للتقييم والتقويم الصارمين، بل فلسفة حضور في حياة الطفل.

لقد طرحت منى سروجي مجموعة من الاستراتيجيات العملية التي تؤدي إلى دمج الكتاب في أدق تفاصيل الروتين اليومي، فبرزت إستراتيجية نمذجة القراءة الممسرحة، فالأم التي تقرأ تصنع طفلاً قارئاً، وعندما يرى الطفل والديه يتفاعلان مع الكتاب بضحك ومتعة ولعب أدوار، كما في قصة البقرة التي باضت[8] التي تتطلب مسرحة وتغييـراً في الأصوات- وقد أدت سروجي مقطعاً قصيراً منها خلال اللقاء- عند ذلك يدرك الطفل أن القراءة هي فعل حي وممتع، وليست واجباً ثقيلاً، فالقدوة هي المحرك الأساسي في مثل هذا النشاط.

بالإضافة إلى النمذجة تطرح سروجي إستراتيجية حقيبة الأم كمؤسسة ثقافية، فوجود الكتاب دائماً في حقيبة الأهل- تلك التي تشبه مغارة علي بابا- يحول لحظات الانتظار المملة في السيارة، أو عند الطبيب، أو في السوبر ماركت إلى فرص عملية للقراءة، ويرسخ هذا السلوك لدى الطفل فكرة أن الكتاب رفيق دائم للحياة، وليس محبوساً في المكتبة.

وتطرح في الاستراتيجية الثالثة استعادة المتعة قبل الفائدة، إذ يجب أن يكون الهدف الأول للقراءة هو الاستمتاع والضحك والاسترخاء، حيث الفائدة التعليمية ستأتي تحصيلَ حاصلٍ، ولكن إذا غابت المتعة، غاب الطفل عن الكتاب، فالقراءة يجب أن تكون طقساً حميمياً يربط الطفل بوالديه عبر القصص اليومية، حتى تلك التي يرتجلها الأهل حول ما حدث في يومهم.

إن هذه الممارسات البسيطة في ظاهرها وقد أطلقت عليها إستراتيجيات، لأنها في جوهرها تمثل فعلاً سياسياً طويل الأمد، ويحتاج إلى أناة وصبر واجتهاد، ومن شأنه أن يربي الطفل على الاستقلال الفكري والحرية، فالطفل الذي يعتاد الحوار والنقاش حول ما يقرأ مشروع مواطن ناقد لا يقبل المسلمات، ويمتلك القدرة على بناء عالمه الخاص بعيداً عن القوالب الجاهزة.

في الختام، تظل القصة هي الوقفة الإنسانية الأكثر رصانة في وجه ضجيج العالم المعاصر وإيقاعه المتسارع الذي يسلبنا قدرتنا على التأمل، بل إنها الفعل الذي يعيد الاعتبار للعمق في زمن السطحية، وللمعنـى في زمن السيولة، وإن المراجعة الاستراتيجية لهذا الحوار الفكري التربوي تؤكد أن القصة هي التي تصنع إنساناً يصعب عليه قطع شجرة- مستعيرة هذه الفكرة من الأستاذة هيفاء نجار[9]- لأنه تذوق قيمة النمو والجمال والحياة من خلال صفحات كتاب.

إن الطفل لا يُغرم بالكتاب لأنه يحكي قصة جميلة فقط، بل يغرم بالكتاب الذي يجعله يرى نفسه والعالم بطريقة جديدة، هذه الرؤية الختامية التي يختم بها هذا (البودكاست) تضع على عاتق المجتمع بأسره من مدارس، ومكتبات عامة، ومعارض كتب مسؤولية دعم هذا الحراك الثقافي.

إن القراءة قد تساعد على حماية طفولة الأطفال، وقد تساهم في تأسيس مستقبل عربي يمتلك فيه الجيل الجديد لغته، وهويته، وقدرته على الحلم والتغيير، وكما بقيت قصة عقلة الإصبع[10] في ذاكرة منى سروجي لتذكرها بأن الصغار بذكائهم قادرون على تجاوز التحديات، يجب أن يترك الأهل والمعلمون في قلوب الأطفال قصصاً تكون المنارة التي ترشدهم في دروب الحياة الوعرة، فالقصة ليست كلمات؛ إنها الذاكرة التي لا تموت، وليست القصص القرآني الدليل الوحيد على أهمية السرد القصصي في حياة البشرية المتحضرة.

الهوامش والإحالات:

[1] بثّ اللقاء بتاريخ: 24/6/2026 على منصة منهجيات في موقع اليوتيوب.

[2] فلسطينية من مدينة الناصرة، لُغويّة واختصاصيّة في تربية الطفولة المبكرة وأدب الأطفال، درست اللغة العربيّة وآدابها، وتربية الطفولة المبكرة وأدب الأطفال. عملت مدرّسة للّغة العربيّة، ومرشدة تربويّة، وساهمت في بناء وإدارة برامج محليّة وإقليميّة لتدريب عاملين وعاملات في حقول الطّفولة والشّباب والصّحة المجتمعيّة. تعمل حاليًّا في تطوير موارد للأهل وللعاملين في مَجالَي الطفولة المبكرة وأدب الأطفال، وفي تحرير كتب الأطفال. تنشط كذلك في دراسة القصّة للطفل، خاصّة الحكاية الشعبيّة.

[3] تربوية لبنانية ومرشدة لتعليم اللغة العربية، تشغل منصب قائدة برنامج في منظمة البكالوريا الدولية، وحاصلة على إجازة في آداب اللغة العربية من الجامعة اللبنانية في بيروت، ودرجة الماجستير في مجال التعليم، تعمل معلمة للغة العربية للمرحلة الابتدائية، وتتولى إرشاد وتوجيه المعلمين في مدارس البكالوريا الدولية. وتشارك في كتابة مقالات واستراتيجيات للتعليم المعاصر.

[4] موقع إلكتروني ومجلة تربوية إلكترونية دورية ذات طبيعة تفاعلية، حيوية، متجددة، مواكِبة، تعرّف نفسها بأنها "مبادرة تقوم على إتاحة منصة تربوية تتفاعل فيها الأفكار والمعارف والممارسات والتجارب والمبادرات التربوية الخلاقة، وتسهم في الارتقاء بالتعليم في العالم العربي من خلال حوار نقدي يشجع على التساؤل والخيال والتجريب والابتكار والإبداع". 

[5] يُنظر على سبيل المثال: كتاب "السرد في الصحافة"، إعداد محمد أحداد، معهد الجزيرة للإعلام، 2021، وكتاب "هندسة المعنى- دليل في تقنيات السرد الصحفي"، عبد الله مكسور، دار أريج (ARIJ)، 2025.

[6] فلسطينية، ولدت عام 1968 في قرية كفر ياسيف، شخصية أكاديمية وباحثة بارزة في مجال اللسانيات (علم اللغة)، وتعد من المتخصصين الرائدين عالمياً في دراسة اكتساب اللغة والقراءة لدى الأطفال، خاصة في سياق اللغة العربية، نالت اللقب الثاني من جامعة ريدينغ في بريطانيا، وأجرت أبحاث ما بعد الدكتوراه في جامعة تورونتو بكندا، تُعرف بكونها من أوائل الباحثين الذين وضعوا الأسس العلمية لدراسة "ازدواجية اللغة العربية" وتأثيرها في تطور القراءة لدى الأطفال؛ أي الفجوة اللغوية بين العربية المحكية (العامية) والعربية الفصحى، وكيف تؤثر هذه الازدواجية على اكتساب القراءة والوعي الصرفي لدى الطفل.

[7] كاتب أمريكي من مواليد عام 1964، صاحب عمود في صحيفة "نيويورك تايمز"، متخصص في القضايا الأسرية والاجتماعية. صاحب كتاب "أسرار العائلات السعيدة" (The Secrets of Happy Families).

[8] قصة "البقرة التي باضت" (أو "البقرة التي وضعت بيضة") (2008) هي قصة أدب الأطفال من تأليف الكاتب والرسام الإنجليزي آندي كوتس (Andy Cutbill)، من كلاسيكيات القصص المصورة التي تُستخدم غالباً في المناهج التربوية لتعليم الأطفال أهمية التقبل، والاختلاف، وبناء الثقة بالنفس، وتدور أحداثها حول بقرة اسمها "مارجوري" تشعر بأنها عادية جداً، فتقرر أن تبدأ في "وضع بيض" لتصبح مميزة، مما يثير دهشة الحيوانات الأخرى في المزرعة، ترجمتها فاطمة شرف الدين، وصدرت عن دار كلمات في الشارقة عام 2010.

[9] شخصية وطنية أردنية بارزة، ولدت في مدينة الزرقاء عام 1959، وحاصلة على بكالوريوس في التربية من الجامعة الأردنية (1982)، وماجستير في الإدارة التحولية من جامعة باكنغهام في إنجلترا (2003)، بالإضافة إلى شهادة في قيادة المدارس الدولية من الولايات المتحدة، لها إسهامات واسعة في مجالي التربية والعمل العام والسياسة، وعُرفت بدورها القيادي حيث عملت مديرة عامة للمدرسة الأهلية للبنات ومدرسة المطران للبنين في عمان، وشغلت منصب وزيرة الثقافة، وهي عضو في عدة مجالس ومؤسسات وطنية أردنية، منها: مجلس الأعيان، ومجلس التربية والتعليم، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، والمجلس الأعلى للشباب.

[10] القصة الرابعة عشرة من سلسلة قصص "المكتبة الخضراء للأطفال" الشهيرة، مكتوبة بقلم عادل الغضبان، وتقع في (46) صفحة، وتنتهي القصة بستة عشر سؤالاً حول القصة.