عيون الأسرى في فلسطين فرّارة/ جواد بولس



يقهرني أننا اعتدنا على قراءة التقارير التي توثق حالات قمع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، ولا نملك ، كمحامين أو كمؤسسات حقوقية، الوسائل الكافية الناجعة لمتابعة هذا الكم الهائل من شكاوى الأسرى وشهاداتهم حول ما يواجهون يوميّا من اعتداءات وحشية وتنكيل، لا يستهدف أجسادهم وحسب بل، بالاساس، سحق أرواحهم واذلالهم المتعمد.


قد تبدو الكتابة عن أحوال الأسرى الفلسطينيين، في زمن الجرائم الكبيرة، عبثية، خاصة في ظل جرائم جيش الاحتلال الإسرائيلي المستمرة منذ ثلاثة أعوام، في قطاع غزة، وفي الضفة الغربية.  


تعيش فلسطين في السنوات الأخيرة حالة من الضياع السياسي غير المسبوق وفقدان الحيلة والقهر؛ فعلى المستوى السياسي لا يوجد أية مبادرة جدية تتناول قضية انهاء الاحتلال واحتمالات إقامة الدولة الفلسطينية، بينما تقوم قطعان المستوطنين، بمشاركة عناصر الجيش وتحت حمايتهم، بتكثيف اعتداءاتهم الدموية على السكان الفلسطينيين بهدف تهجيرهم من المناطق  B و C  كمقدمة لتنفيذ "خطة الحسم" الرامية الى ضم الضفة الغربية للسيادة الاسرائيلية وتخيير سكانها بين الاستسلام التام أو الهجرة أو الموت كما يجري في أيامنا هذه.


أن تعيش اليوم في المناطق الفلسطينية يعني أن تواجه القدر في كل ساعة وكل لحظة؛ أن تتنقل اليوم بين محافظة فلسطينية وأخرى، أو بين مدينة وقرية في نفس المحافظة، يعني أنك تتحدّى قدرك وأحيانا يعني أنك تتحرّش بموتك. فكل مفترق طرق في فلسطين المحتلة قد يصبح محطة لاصطياد الفلسطينيين وللتنكيل بهم واذلالهم، وكل حاجز ينصبه الجيش أو المستوطنون قد يصبح عتبة للموت أو مسرحا يقف عنده الفلسطيني عاجزا مسلوب الكرامة والانسانية. 


ما يجري في فلسطين في السنوات الخمس الأخيرة هو ممارسة استعمارية مدروسة لسحق الروح الفلسطينية وتعويد الناس على الخنوع كضمانة لبقائهم أحياء ؛ ومن لا يرى ذلك فهو "أعمى بعيون أمريكية". المأساة ، كما أراها، أن هذه السياسة التي خطط لها الاحتلال في السنوات الأخيرة تحت مسميات وهمية ومغرضة وبدأ بتنفيذها بوسائل مبتكرة وأدوات خبيثة، قد أحرزت نجاحات واضحة، من أهمها  فقدان المواطن الفلسطيني العادي لمحفزاته الوطنية وتخليه عن الشعور بضرورة مقاومة المحتل، وفقدانه لبواعث الأمل التي كانت وراء ايمانه بحتمية زوال الاحتلال وبقدرته على كنسه ونيل الحرية.


لن آتي، في هذه العجالة، على ذكر مسببات هذه الحالة الخطيرة المحزنة؛ بيد أنني لن أعفي جميع الفصائل الفلسطينية والحركات السياسية الفلسطينية، وعلى رأسها حركتي "فتح" و"حماس"، من مسؤليتيهما عن هذا الواقع وعن أفول الحلم وتشتت القضية الفلسطينية. أقول هذا مفترضّا وجود بعض بواقي الفصائل اليسارية والقومية الأخرى في عالم أصبح فيه اليسار أحجية يتحدثون عنها في المنتديات، وأصبحت التيارات العروبية والقومية "أحفورات" معروضة في متاحف تاريخ الأمم. أمّا مسؤولية أصحاب المشاريع الاسلامية، فهي قضية تحتاج لعناية منفردة، خاصة وأن تلك المشاريع، بعد ما حصل في غزة بعد السابع من اكتوبر 2023، دخلت مرحلة حرجة في أقسام "العناية المكثفة" السياسية.  


لم يغفل واضعو سياسات اسرائيل الاحتلالية، قضية الأسرى الأمنيين ونضالاتهم وما تمثّله في ذاكرة المقاومة الفلسطينية، التي أفرزت ما صار يعرف على لسان كل البشر "بالحركة الأسيرة الفلسطينية" واستقبلت، داخل المجتمع الفلسطيني، "كضابط الايقاع الوطني" والقاسم المشترك الذي يجمع عليه كل الفلسطينيين. لقد وهب الأسرى الفلسطينون شعبهم كيانا رمزيا خلّد معنى ثورتهم وأبقى الاحتلال، في كل منحنيات الصراع الفلسطيني بعد احتلال عام 1967، ورغم الاختلالات التي ضربت البنى النضالية الفلسطينية ، في خانة العدو الأول والأخير، والتناقضَ الرئيسي الذي يتقدم سائر التناقضات والمواقف، في حالة نشوبها ووجودها على الساحة الداخلية الفلسطينية.


هكذا فهم منظرو اليمين الاسرائيلي الجديد أهمية ودور الحركة الأسيرة، لا سيما عندما بدأت الأطر والمؤسسات الفلسطينية التاريخية تتشقق وتضعف وتهتز؛ فوضعوا خططهم للانقضاض والقضاء عليها في عهد الوزير جلعاد أردان عام 2018 ،حتى جاءت حكومة نتنياهو الحالية لتنهي المهمة وتمضي في انجازها بأساليب وحشية غير مسبوقة وبمنطق الشر الخالص الذي لا يبقي مكانا لرحمة آدمية أو لعدل سماويّ. 


تتابع عدة مؤسسات فلسطينية واسرائيلية وعالمية أوضاع الأسرى في سجون الاحتلال وتقوم بنشر تقارير دورية يوثقون فيها الممارسات والجرائم التي ترتكب داخل السجون. تؤدي هذه التقارير دورا هاما في دعم قضية الأسرى، ولكن رغم أهميتها يستحق الأسرى أكثر من ذلك، خاصة في هذه المرحلة الخطيرة والحرجة.     من أهم هذه المؤسسات الفلسطينية "جمعية نادي الأسير الفلسطيني" التي أفادنا  تقريرها الصادر قبل يومين عن تصاعد عمليات الاعتقال "وتحول التحقيق الميداني مع الأسرى وتعذيبهم العلني إلى أداة مركزية للسيطرة على الفضاء العام والترهيب والقمع" ، وأفاد كذلك على "أن النصف الأول من عام 2026 شهد تسجيل أكثر من 3600 حالة اعتقال في الضفة الغربية، بما فيها القدس، الى جانب مئات الحالات في قطاع غزة. لقد تم توثيق اعتقال 267 طفلا وطفلة، و 107 نساء. وقد بلغ عدد الأسرى في سجون الاحتلال  9600 أسيرا وأسيرة بينهم 3532 معتقلا إداريّا" يُحتجزون في الأسر بلا تحقيق معهم ولا تقديم لوائح اتهام بحقهم.


أكتب اليوم عن مأساة الأسرى، وأنا أعرف أن الزمن هو زمن الجرائم الكبرى وزمن الشر المطلق. أكتب، عنهم ولهم وفي عيني دمعة وأنا أستعيد ما قاله موكلي الأسير الطبيب لمحامية زارته يوم الثلاثاء الفائت في سجنه. موكلي طبيب فلسطيني شهير بلغ من العمر واحدا وسبعين عاما، قامت مؤخرا قوات الاحتلال باعتقاله ووجهت له تهمة النشاط في جمعية حظر الاحتلال عملها على الرغم من أنها جمعية تخصصت بتقديم الخدمات الطبية المجانية للمواطنين المحتاجين. "كان صوته كسيرا، ضعيفا ومتقطعا"، هكذا أبلغتني زميلتي بعد زيارته، وهو الذي اعتاد أن يخاطب الفجر بصيحة العز والكرامة، وقال لها: "إنّهم يتعمدون اهانتنا يوميا، فيضربوننا بقسوة ويشتموننا بجميع أنواع الشتائم ولا يدعوننا ننام في الليل، انهم يُغِيرون على غرفنا ومعهم الكلاب ويخرجونا من الغرف في البرد ويلقون فراشنا وأغطيتنا في الخارج ويرشونها بالماء، ثم يعيدونها ويطلبون منا أن ننام عليها وهي مليئة بالبق وبالحشرات" كان يتوقف عن الكلام كي يلتقط أنفاسه ويمسح دمعة من عينين لم تكن تحلمان إلّا بضحكة طفل وبالزنابق، ويكمل فيقول "أخشى ألا يصمد جسمي كل هذا التعذيب والمهانة، فقد خسرت من وزني قرابة العشرين كيلو في هذه الفترة القصيرة. إنهم يتعمدون تجويعنا واذابة أرواحنا ويتمنون أن نسقط كما سقط العشرات من رفاقنا في السجون قبلنا". سمعتها وبكيت، وأنا الذي واكب هذا الشقاء الفلسطيني قرابة خمسة عقود. 


لقد كانت سجون الاحتلال دومًا مراكز لقمع المناضلين الفلسطينيين ومؤسسات خارجة عن قانون الانسانية وقيمها السائدة، وكانت تتحول في زمن المواجهات الطارئة مع نضالات الحركة الأسيرة الى "قبور مفتوحة" أو لأقفاص للقمع "وللترويض"، ولكن أولئك المناضلين كانوا يدخلونها بإرادات من فولاذ ويربون فيها الأمل والفرح وكانوا يواجهون سجانهم فيها بصمود لامس، عبر التاريخ، المعجزات فينتصرون عليه رغم القمع والقهر. كانوا سجناء لكن أرواحهم كانت حرة، وكانوا واثقين بالغد وبفجره؛ أما اليوم فقد تحولت السجون الى قبور باردة يزج بها الأسرى وهم لا يعرفون فيما إذا كانوا سيخرجون أحياء أم يبقون فيها جثامين محتجزة رهائن في ثلاجات الاحتلال. 


هكذا يعيش الأسرى في زمن الدم وفي ظل حركة أسيرة ضعيفة حتى التلاشي، وشعبهم والعالم تشغلهم المجازر والجرائم الكبرى.


اما أنا فباق معهم؛ أكتب عنهم بمداد من قهر واصرار ووفاء، علني أمسح دمعة من عيني حر يبكي على عصر تتربع فيه المذلة ويغزو فيه العجز بلاد العرب والمسلمين، وقد قالوا: إن "عين الجواد فرّارة". 

سبتة و مليلية/ بن يونس ماجن



مدينتان توأمتان

مغربيتا الاصل والمكان

خريطة وتآريخ ومجد عريق

عروستان

لا تنفصلان

اغتصبتا في ليلة زفافهما   

حماماتان

أيام زمان

كانتا في صحبة

لقلاق مغربي

وكانتا تنامان

في عش واحد

على شاطئ

البحر الابيض المتوسط


على قمة جبل طارق

كانت المنارات

تبكي على فراق الهدهد والكناري


ثمة قطعتان لا يتجزءان    

من تراب بلدي

بجلودنا

تلتصقان

وبسحناتنا

ولغتنا

وهويتنا

تتكلمان

عرض عباس علي مراد لكتاب نصري الصايغ كتاب مفتوح الى انطون سعادة

 


في كتابه المفتوح الى انطون سعادة،  يجري الكاتب نصري الصايغ جراحة نقدية،  بدون بنج لغوي وبدون  تورية،  فهو متمكن من الموضوع الذي  يعرفه وعايش محطات هذه المرحلة المفصلية من تاريخ الأمتين السورية والعربية، ومع ذلك كان متهيباً أن يكتب كتابه المفتوح الى انطون سعادة ويعترف بذلك قائلاً: يا أنا، من أنت لتكتب كتاباً مفتوحاً الى أنطون سعادة؟( ص 23)


قبل ان يمتشق قلمه ويحدد مساره، يزيل الحواجز، ولا تقيده قيود،  ولا يعرف تهاونا او تزلفاً او تسامحاً  حين يخط كلماته، يعرف الهدف ويعطيه حقه بصخب من دون مداراة وهكذا هو نصري الصايغ  الباحث في كتابه عن الحقيقة دائماً.


باسلوب نقدي صريح ولاذع، لا يوفر ماضيه الشخصي او الحزبي، وكذلك هي مواقفه بالنسبة الى الحزب الذي آمن بعقيدته او امة العرب او دولها ويقول : سأقوم بكنس الذاكرة من كل أفعالي المشينة (ص38).

 

صريح حتى التجريح من غيرته على مستقبل امة ضحت بها أنظمة واحزاب على مذابح مصالحها الشخصية او الزبائنية

يتلو ادبيات الندم بمرارة وحرارة صادقتين وهما تنبضان بروح كلماته وتعابيره. وينتقد بشدة السيرة السياسية والنضالية للقوميين ويعتبرها "فالصو" ولولاك تشرشحوا.(ص30)


نصري الصايغ في كتابه لا يكتب عقيدة جديدة، لانه يرى في عقيدة انطون أسس تصلح للبناء عليها، لكن الكاتب يبحث عن الخلل البنوي الذي اصاب الحزب، وممارسة بعض الحزبيين والتشظي والانقسام الحزبي. ويتساءل من أين أبدأ كلامي ؟ لا رغبة عندي أبداً، بجرح غيابك بآلام "البقاء القومي الآفل"...ويصف حال الامة :"إننا على شفير الخراب الكبير.(ص27).


لكنه يؤكد على أهمية المقام الفكري لسعادة ويقول: مقامك الفكري النهضوي ما زال في فاتحة اللائحة: لقد تركت اثراً وسيرة ومساراً وفكر لا يمحى.(ص49). ويتأسف على ماكتبه سعادة :أذكر ان الانتهازية كانت فائقة...ضيعان ما كتبت وأنشات...(ص51) وفي الصفحة 63  يصف سعادة بأنه كان عدواً علنياً، للتخلف، والتجزئة، والاستعمار، والاستعباد، والتطويعن والاحتقار.


ويخاطب الصايغ سعادة: أنت، بنيت الاساس العلمي المعرفي لامتك ودورها، وتطلعت إلى أفق أنساني جديد...ولكن... الجبناء، خافوا من عقيدتك، فاغتالوك...مضيت إلى نهاية الطرق ولم تمت ولن...أنت مع الخالدين.(ص 71)


ويتطرق الى تجربته حين انخرط في جوقة الشتامين . يا إلهي كم كنت سيئاً. صرت رفيقاً أناضل بتجويد السباب والشتائم. ويعترف انه لم يكن يتوقع ان يكون الشتم والتخوين من مصدر واحد بسبب انقسام الحزب سواء في لبنان او في الشام ويصف حال الحزب ك"خرقة" نظامية، بثياب عقائدية "مبهبطة" وذات ركاكة في صدقيتها.(ص 26)


ويمضي بنفس الأسلوب ويقول: هل أبالغ؟ أؤكد، بأنني مقصر. أعتبر نفسي خائناً، إن لم أكتب بجراح أمة تقتل كل يوم.(ص 28).


وعن المحطة الأبرز في تاريخ الحزب يتحدث عن انقلاب الستينات الفاشل ويصفه بالانقلاب الهرائي التافه، والذي تبين في ما بعد أنه كان انقلاباً برعاية أميركية...(ص21). ويعود لنفس الموضوع ويتساءل: من يتحمل هذه الكارثة؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟

هل نحن منذورون للفشل؟ من هو العاقل الذي يرتكت في دمشق اغتيالاً (عدنان المالكي)؟

ثم يرتكب في لبنان انقلاباً بائساً ومفجعاً؟(41).


وعن علاقة الحزب وتموضعه ضد عبد الناصر،يقول وجدير بالذكر أنهم في ما بعد، غرقوا مع سلاحهم في الخندق الأميركي- الماروني- الرجعي، واستباحوا الناصرية وكيف كانت صحيفتهم تترجم مواقف اليمين المسيحي يومذاك. وهناك ما يشبه ذلك في الصحف السعودية والكويتية و... والعبرية. ويتطرق الى وقوف الحزب مع كميل شمعون في أحداث 1958 والمجاهرة للعداء لعبد الناصر. ويسائل نفسه لا أعراف راهناً لماذا هذا الانحراف؟ (ص 43).


وفي موقع آخر من الكتاب يتساءل الصايغ عن العداء ما بين القوميين والشيوعيين قبل ان يعودوا ويلتقوا في الحرب الاهلية اللبنانية .


وبعد سرد وضع الامة العربية والسورية الحالي والمآسي والتفت يسأل الصايغ: هل كان الحزب بعد سعادة، حزب الإنتصارات أم حزب الإنكسارات؟(ص87). ويذهب الى التوضيح في ما خص هذا النقد بأنه لا يهدف الى التشفي، بل إلى التأمل، وطرح الاسئلةالحقيقية ذات البعد العقدي المرتبط عقدياً بالإنجاز.(ص89)


بعد العرض لحال الحزب والأمة يطرح السؤال المركزي: من أين نبدأ؟ ويجيب عرفنا حتى الآن إلى اين انتهينا...(ص91).


 ويعود الى تعريف دور سعادة أن يسأل ما العمل؟ سعادة في الزمن الآتي بعد؟ لم لا؟ شرط أن يستفاد من إخفاقات الماضي، وأخذ العبر...(ص97). ويضيف ان سعادة راهن على الشعب وليس على السلطة ويعدد مطال الشعب وما يريد ويضعها في أحد عشر شرطاً، ويؤكد إن تغيير مجتمع، بالثقافة والمعرفة والقدوة والنضال والشفافية أساس متين، لتغيير الانظمة الفاسدة وطرد السلطات الأكثر فساداً. (ص 98، 100،99).


لكن الصايغ  يعود الى التشائم ويعنون في الصفحة 101 العبور المستحيل إلى المستقبل ويتساءل من نحن؟ من دون معرفة الهوية ولا نعرف من نحن هذه المعرفة صعبة ...وتبدو الآن في العام 2024 مستحيلة لا "نحن" لنا...نحن كل الآخرين، اتباع لا أحرار...(ص102) وفي الصفحة 111 يخاطب سعادة قائلاً: سيدي...أننا نعيش في صحراء. العقل في إجازة. باختصار: ارى المستحيل هو مستقبلنا(ص113).


وفي الكتاب  جزء طويل خصصه الصايغ للمقارنة بين سعادة وماركس  ويعنون أنت وماركس معاً و..ضدان(129) ويتطرق في هذه الجزء الى حال الأمة السورية والعالم العربي ويصف هذا الوضع: هناك رجعة في أمتنا وعالمنا العربي الى تحديد اولوية الدين على الحق...(ص130) ويحدد أين يلتقي مارس وسعادة ويقول: يلتقي مارس معك سيدي في رؤية النشوء وتفسيره، بيد أنك تميزت عنه بكون الإنسان كشخصية تاريخية هو الإنسان- المجتمع. ماركس قبلك رأى الإنسان مستنفذاً في التاريخ.(ص148).


متوجهاً إلى سعادة بألم وحصرة ويقول: صغت كتاباً فريداً، وحددت فيه كيف تنشا الأمم. للأسف، تمت ترجمة الواقع، بكيف تمزق الأمم. أمتك السورية لم نكتشفها بعد(ص154).


ويطلب الصايغ الاعتذار من سعادة ويكتب: سيدي، أعذرني على هذا الشطح. واعذرني لأني لا ألتزم بالسياقات الأكاديمية والمنطقية. من زمن تحررت من الدوغمائية. الحياة لا تسيرها الأفكار ولا يقودها امنطق.(ص170).


وفي ختام الكتاب يخط رسالة الإستقالة من مهامه الحزبية الى رئيس الحزب ويقول :انه قرر الاحتفاظ "بالأمانة"، أمانتي لنفسي ومع نفسي وضد نفسي، واطرد الأمين عني...أما الحزب، فيا حزني الجميل، سآخذك في مدار آخر (ص 183-184). 


اخيراً، الكتاب مراجعة نقدية شاملة لتجربة شخصية وحزبية بمقاربة جريئة نابعة من حرص الكاتب على مستقبل الانسان الحر الذي يرى أن سعادة كان يراها المحور والمرتكز الاساس في كل فكره وعقيدته لنهضة الأمة.


في النهاية اتوجه بالشكر للصديق طنوس فرنسيس الذي أهداني هذا الكتاب القيم الصادر في العام 2025 عن دار كتب للنشر ويقع في 187 صفحة من الحجم الوسط والمؤلف من عدة أجزاء.

حركة التفلسف بين يقين المريد وشك المرتاب، مقاربة ديالكتيكية/ د زهير الخويلدي



مقدمة


التفلسف ليس مجرد تراكم معارف أو بناء أنظمة نظرية، بل هو حركة ديناميكية مستمرة، تتسم بالتوتر والتجاوز الدائم. في قلب هذه الحركة يقف صراع أبدي بين قطبين: يقين المريد، الذي يمثل الشوق الروحي والالتزام بالحقيقة كغاية وجودية، وشك المرتاب، الذي يمثل النزعة النقدية التي تفكك اليقينيات السابقة لتكشف عن أعماق جديدة. هذا الصراع ليس تناقضاً يؤدي إلى الشلل، بل وقوداً للتقدم المعرفي، يشبه الديالكتيك الهيغلي في صيغته الأوسع: أطروحة (يقين)، نقيض (شك)، وتركيب (وعي أعلى يجمع بينهما دون إلغاء أحدهما).في سياق الفكر العربي الإسلامي، تجسد هذه الحركة في مسيرة الفلاسفة والمتكلمين والصوفية، حيث يتحول الشك من عدو للإيمان إلى بوابة ليقين أعمق، واليقين من حالة سكون إلى دافع لاستكشاف مستمر. سنقارب هذه الحركة ديالكتيكياً، مستعرضين مراحلها، آلياتها، ودلالاتها الوجودية والمعرفية، في دراسة موسعة تكشف كيف أن التفلسف الحقيقي هو رقصة متوازنة بين الثبات والتساؤل. فماهي مستلزمات حركة التفلسف؟ وما المقصود بيقين المريد؟ ومن هو المرتاب الشاك؟ وبأي معنى يعتبر التفلسف حركة حية؟


الأطروحة: يقين المريد – الشوق والالتزام

يمثل المريد، في التراث الصوفي والفلسفي، ذلك الإنسان الذي يقبل على المعرفة بحب وشوق وجودي، لا مجرد فضول عقلي. يقينه ليس جموداً، بل هو ثمرة إيمان أولي بالإمكانية الإنسانية للوصول إلى الحقيقة. هذا اليقين ينبع من الشعور بأن الكون له معنى، وأن العقل (أو القلب) قادر على التقاطه. في مسيرة التفلسف، يبدأ المريد بفرضية أساسية: الحقيقة موجودة ومتاحة.

 هذا اليقين يدفعه إلى الغوص في العلوم والتأمل، كما في حالة الفيلسوف الذي يرى في النظام الكوني انعكاساً للعقل الإلهي. يتجلى هذا في الرغبة في "التوحيد" المعرفي، حيث يسعى المريد إلى جمع المتفرقات في وحدة شاملة. اليقين هنا يمنح الثبات النفسي، فيواجه به المريد صعوبات البحث ويحولها إلى درجات صعود. ومع ذلك، فإن يقين المريد ليس مطلقاً منذ البداية؛ إنه يقين "أولي" يحمل بذور نقيضه. فالمريد الحقيقي يدرك أن يقينه الحالي ناقص، مما يولد توتراً داخلياً يدفعه نحو المزيد من البحث.

هذا التوتر هو الشرارة الأولى للحركة الديالكتيكية: اليقين يحتوي على عدم يقين محتمل، لأن الحقيقة الكاملة أكبر من أي إدراك فردي.


النقيض: شك المرتاب – التفكيك والقلق الوجودي

يقف المرتاب في الطرف المقابل، يمارس الشك كمنهج منهجي. الشك هنا ليس سلبية أو إحباطاً، بل أداة تحريرية تفكك اليقينيات الزائفة والموروثة. يشبه المرتاب سقراط في "أعرف أني لا أعرف"، أو ديكارت في "الشك المنهجي"، حيث يصبح الشك بوابة لليقين الجديد.

في الحركة الديالكتيكية للتفلسف، يظهر الشك كمرحلة ضرورية للتنقية. عندما يصل المريد إلى يقين معين، يأتي المرتاب ليسائله: هل هذا اليقين مبني على برهان قاطع أم على عادة ذهنية؟ هل يتحمل النقد أم ينهار أمامه؟ هذا الشك يولد قلقاً وجودياً، لكنه قلق مثمر. إنه يفضح تناقضات النظام الفكري: كيف يمكن لعقل محدود أن يدرك ما لا نهاية له؟ كيف نجمع بين الضرورة المنطقية والحرية الإلهية أو الإنسانية؟

في السياق العربي الإسلامي، يتجسد هذا الشك في نقد بعض الفلاسفة للأفكار السائدة، أو في أزمات المتكلمين الذين يواجهون تناقضات بين النقل والعقل. الشك يحمي من الدوغمائية، لكنه يحمل خطراً: إذا استمر دون تجاوز، يتحول إلى شك مطلق يؤدي إلى العدمية أو اللامبالاة. هنا تكمن قوة الديالكتيك: الشك ليس نهاية، بل نقيض يستدعي تركيباً.


التركيب: حركة التفلسف كتجاوز مستمر

في اللحظة الديالكتيكية العليا، يندمج يقين المريد مع شك المرتاب في وعي فلسفي جديد. ليس اندماجاً يلغي أحدهما، بل رفعاً يحفظ جوهرهما ويتجاوزهما. يصبح اليقين "يقيناً نقدياً" مدركاً لنقائصه، والشك "شكاً مؤمناً" يسعى وراء الحقيقة لا ينفيها.

هذا التركيب يظهر في مسيرة الفيلسوف الحقيقي كحلقات متصاعدة: يبدأ بيقين أولي، يمر بشك يفكك، ثم يصل إلى يقين أعمق يستوعب الشك داخله. التفلسف إذن ليس خطاً مستقيماً، بل حركة لولبية: كل تركيب يصبح أطروحة لمرحلة جديدة. في هذا السياق، يتحول المريد إلى مرتاب في يقينه السابق، والمرتاب إلى مريد يشق طريقه نحو يقين أسمى. هذا التوازن يمنع التفلسف من التحول إلى عقيدة جامدة أو شكوكية فارغة. إنه يعكس طبيعة الوجود الإنساني: كائن محدود يتوق إلى المطلق، فلا يستقر إلا في حركة دائمة.


أبعاد الحركة الديالكتيكية: المعرفي، الوجودي، والاجتماعي

معرفياً: يوضح الديالكتيك أن المعرفة ليست تراكماً كمياً بل تحولاً نوعياً. الشك يكشف عن الافتراضات الخفية، واليقين يمنح الدافع للبناء. هكذا تتطور العلوم: من نظرية يقينية إلى أزمة شك (ثورة كوبرنيكية مثلاً)، ثم إلى نظرية أشمل.

وجودياً: يمثل هذا التوتر جوهر الإنسان. المريد يعبر عن الحاجة إلى المعنى، والمرتاب عن الصدق مع النفس. الحركة بينهما هي ما يجعل الحياة فلسفية، تحول القلق إلى إبداع والشك إلى تواضع.

اجتماعياً: في المجتمعات، يمثل المريدون التيار المحافظ الذي يحافظ على الهوية، بينما يمثل المرتابون التيار النقدي الذي يدفع نحو التجديد. التوازن بينهما يضمن حيوية الحضارة؛ غيابه يؤدي إلى جمود أو فوضى.


تحديات الحركة الجدلية الفلسفية وشروط نجاحها

تواجه هذه الحركة تحديات: خطر تحول اليقين إلى تعصب، أو الشك إلى تدمير. الشرط الأول لنجاحها هو التواضع المعرفي: الاعتراف بمحدودية العقل. الشرط الثاني هو الصدق: البحث عن الحقيقة لا عن النصر في الجدل. الشرط الثالث هو الاستمرارية: عدم الاكتفاء بتركيب واحد. في عصرنا الراهن، حيث يسيطر الشك الما بعد حداثي على جانب، واليقينيات الدوغمائية (دينية أو علمية) على آخر، تكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة. التفلسف الحقيقي يدعونا إلى أن نكون مريدين مرتابين: ملتزمين بالبحث، شاكين في النتائج النهائية.


خاتمة:

حركة التفلسف بين يقين المريد وشك المرتاب ليست مجرد منهج فكري، بل طريق حياة. ديالكتيكها يعكس نبض الروح الإنسانية الذي لا يستقر، بل يتجاوز نفسه دائماً. في هذا التجاوز يكمن مجد الفيلسوف: ليس من يصل إلى الحقيقة المطلقة (فذلك للمطلق وحده)، بل من يظل سائراً بين الشوق والنقد، معلناً أن الحياة الفلسفية هي اليقين بالحركة، والشك في السكون. بهذا الفهم، يصبح كل إنسان مريداً ومرتاباً في آن، وتصبح حركة التفلسف مرآة للوجود نفسه: صيرورة أبدية نحو ما هو أسمى. فكيف يمكن تطبيق ديالكتيك هيجل على ابن رشد؟ وماهو دور الشك عند ديكارت؟ ومتى يمكن التعامل مع التفلسف كطريق حياة؟


كاتب فلسفي

"أسماء في ذاكرة" محمود شقير/ فراس حج محمد


 تقرير صحفي


في السياق الفلسطيني الراهن الذي يواجه فيه الشعب محاولات مستمرة للمحو الوجودي والثقافي، يبرز فعل التذكر أداة استراتيجية تتجاوز حدود الرثاء الشخصي لتصبح فعلاً نضالياً بامتياز، ويأتي كتاب "أسماء في الذاكرة: من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة والسلام" للأديب محمود شقير الصادر مؤخرا عن دار التنوير في رام الله ليجسد هذه الفلسفة؛ حيث يتحول تدوين سير الراحلين إلى صمام أمان لصون الهوية الوطنية. 

لا يستحضر شقير الموتى بوصفهم غائبين، بل إنهم شهود أحياء على عصر من الكفاح الضاري ضد الهيمنة والاحتلال، مستخدماً المعايشة الحية منهجاً لتوثيق التاريخ الذي تغفله السرديات التقليدية، هذا التوثيق يملأ الفراغات بجرعات من المعاناة الشخصية والحكايات الفردية التي تنصهر في أتون التجربة الوطنية، محولاً الحكاية الشخصية إلى وثيقة تبدأ ملامحها من العتبة الأولى للنص.

تشكل العناوين البوابة المعرفية الأولى التي ترسم أفق توقع القارئ وتمنحه مفاتيح الدخول إلى عالم النص، ويقع المؤلف في فخ التناص العنواني؛ فهو عنوان مستخدم سابقاً في البرامج والكتب التوثيقية، ككتاب عبد الصمد بنشريف، وبرنامج تلفزيوني مغربي، عدا أن بعض البرامج التلفزيونية تشتمل على فقرات بالاسم نفسه، تستحضر شخصيات معينة في شتى مناحي الحياة.

كل هذا يجعل العنوان للوهلة الأولى "غير مبتكر"، إلا أن اختيار شقير لهذا العنوان يهدف إلى الحلول في "الذاكرة المشاعة"؛ فالأسماء هنا ليست ملكية خاصة، بل هي رصيد جمعي، وكما أشار إياد قسيس في تعليقه على الكتاب واحتفائه بإهداء شقير له، فإن هناك كتباً تُنسى، وهناك أعمالاً ككتاب شقير تبقى لأنها تحفظ الذاكرة من التآكل، أما العنوان الفرعي "من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة والسلام"، فإنه يشير إلى القيم الإنسانية الأربعة التي آمن بها شقير ورفاقه ممن ناضلوا سياسياً وثقافياً ونقابياً من أجلها، وتقف هذه القيم مضادة لقيم الاحتلال والسيطرة والاستعباد والنهب الاستعماري الذي تمارسه قوى الشر الإمبريالية، وأما عبارة "كتاب السير"، فهي تشير إلى نوع من التجنيس، فتربط العمل بمشروع شقير الأوسع في تدوين السيرة، حيث يتقاطع الشخصي بالغيري، وتصبح سيرة الآخرين مرآة تعكس مسارات الكاتب نفسه، ويمثل هذا العمل تقاطعاً نقدياً بين السيرة الذاتية والغيرية؛ فكتابة شقير عن خمس وسبعين شخصية رحلت هي، في جوهرها، تدوين لسيرته الفكرية والنضالية، إن هؤلاء الراحلين لا يمثلون أسماءً عابرة، بل هم امتداد لذات الكاتب؛ مثل الدكتور سمير سلامة خليل، الذي كان أحد طلابه النجباء في المدرسة الهاشمية الثانوية بالبيرة عام 1965، قبل أن يتحول من القومية إلى الشيوعية ويصبح زميلاً في الرؤية، ومن خلال تتبع هذه المسارات، يعيد شقير كذلك إنتاج تاريخ القدس وفلسطين، محولاً الحكايات الفردية إلى وثيقة وفاء لجيل كاملٍ كابد وصبر، وجعل من تجاربه مدخلاً لصخب الحياة العامة والنضال ضد الإمبريالية والصهيونية وقوى الاستبداد العالمية.

يستعرض شقير تنوعاً ديموغرافياً ونضالياً فريداً، ويعكس ديناميكيات الهوية الفلسطينية عبر عقود، فثمة حديث في الكتاب عن البعد السياسي والنقابي، متمثلا في حديث الكاتب عن شخصيات محورية مثل فاروق السلفيتي، زميله في "المدرسة الرشيدية" ورفيق القيد في سجن "بيت ليد"، في حين يتجلى البعد النفسي في رصد التوتر بين الالتزام الحزبي والواجب الإنساني، حين امتنع شقير عن حضور عزاء "فهمي السلفيتي" (قائد الكادر اللينيني) انصياعاً لقرار الحزب، وهو موقف اعتذر عنه لاحقاً، كما يوثق التحولات الأيديولوجية لجيل كامل عبر سيرة إبراهيم السلحوت زوج أخته أمينة، الذي انتقل من حزب البعث إلى الحزب الشيوعي قبل اعتزاله السياسي.

وفيما يخص البعد الإبداعي والإعلامي يستحضر شقير القائد الشاعر توفيق زياد، "البدر الذي نفتقده في الليلة الظلماء"، والمخرج موفق الصلاح، وهنا يكشف الكاتب عن وجه سياسي للعملية الإبداعية، مشيراً إلى رفض شركات الإنتاج الخليجية إنتاج أعمال فلسطينية مثل مسلسل "بيوت في الريح" خلال الانتفاضة، في خطوة قرأها شقير تمهيداً مبكراً للتطبيع.

وفي البعد الإنساني والعائلي يبلغ الصدق العاطفي ذروته في سيرة شقيقته "آمنة"؛ حيث يربط القارئ- مثلما فعل علي عطية شقيرات- بين رحيلها المأساوي بسبب نقص الرعاية الطبية وبين مأساة "عائشة أبو الزيت" عام 1951، مما يحول الفقد الشخصي إلى استعادة جماعية لآلام النكبة واللجوء، وتحتل قصة "آمنة" موقعاً لافتاً في سرود محمود شقير السيرية، فقد ذكرها في كتب متعددة، ما يجعل هذا الأمر محل دراسة خاصة، لملاحظة كيف تحدث عنها المؤلف في كل مرة.

إن الاعتذار الذي أعلنه شقير على صفحته في الفيسبوك بعد صدور الكتاب عن الأسماء التي تفلتت منه يعكس وعيه باكتناز الذاكرة الشخصية بأسماء أخرى وازنة، مؤكداً أن الذاكرة الوطنية بئر لا تنضب وتتجاوز قدرة الفرد الواحد على الإحاطة بها.

يتميز أسلوب محمود شقير بجماليات التقشف المعروفة في كتاباته، حيث البناء اللغوي مكثف ومركّز؛ إذ يبتعد عن الحشو والإغراق في التفاصيل أو المجاز، وهو ما وصفه علي عطية شقيرات بالسهل الممتنع، وتنجح هذه اللغة في منح الراحلين حياة جديدة دون إطناب، مستندة إلى قاعدة أن كثرة الأسماء تفرض تكثيفاً في العبارة، إن قدرة شقير على إثارة التأثر العميق والبكاء الصامت الذي انتاب قراءه في سيرة آمنة، كما في قراءة علي شقيرات، تنبع من براعته في رسم ملامح الإنسان قبل الحدث، ومن لغته الرصينة التي لا تكتفي برواية الحكاية، بل تحفظ الأرواح من الغياب.

يتخطى كتاب "أسماء في الذاكرة" كونه سرداً أدبياً؛ إلى اعتباره مرجعاً إنسانياً وثقافياً وسياسياَ واجتماعياً يكرس حقيقة أن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها هي الأقدر على حماية مستقبلها، ولقد أثبت محمود شقير، من خلال هذا المشروع الثقافي المهم، أن الأدب الحقيقي هو الذي يضطلع بالمسؤولية الوطنية لصون الهوية من الزيف والإلغاء، ويواجه عوامل الفناء والإبادة والمحو الثقافي، وسيظل هذا الكتاب علامة وفاء لجيل صنع تاريخ فلسطين بدمه وحبره، محولاً الموت عبر فعل الكتابة من نهاية مطلقة إلى جسر للعبور نحو المستقبل، ومؤكداً أن الذاكرة هي الحصن الأخير الذي لا يقبل السقوط، فكما كانت هذه الأسماء حاضرة في الذاكرة على هذا النحو، فإنها خالدة في سجل التاريخ أيضاً.


مستقبل حركة حماس في إدارة المشهد الفلسطيني والتواصل مع اللاعب الدولي بعد انتخاب خليل الحية رئيساً للمكتب السياسي/ د زهير الخويلدي

 


مقدمة


يمثل انتخاب خليل الحية رئيساً للمكتب السياسي لحركة حماس في يوليو 2026 نقطة تحول مهمة في تاريخ الحركة، خاصة بعد سلسلة الاغتيالات التي طالت قادتها البارزين مثل إسماعيل هنية ويحيى السنوار. يأتي هذا الانتخاب في سياق معقد يجمع بين الدمار الواسع في قطاع غزة، والتحولات الإقليمية، والضغوط الدولية المتزايدة. يتميز الحية بخلفيته الغزاوية العميقة، وخبرته الطويلة في العمل السياسي والتفاوضي، وارتباطه الوثيق بالقاعدة الشعبية في غزة، مما يجعله شخصية انتقالية تجمع بين الاستمرارية والتكيف مع المتغيرات الجديدة. ستستعرض هذه الدراسة آفاق مستقبل الحركة تحت قيادته في إدارة المشهد الفلسطيني الداخلي، وفي بناء علاقاتها مع اللاعبين الدوليين، مع التركيز على التحديات والفرص والسيناريوهات المحتملة، في إطار تحليلي أكاديمي يراعي السياقات الاستراتيجية والسياسية والاجتماعية.


خلفية الحية ودلالات انتخابه

يُعتبر خليل الحية، المولود في غزة عام 1960، أحد الوجوه التاريخية في حماس، حيث انخرط في العمل الإسلامي المقاوم منذ الثمانينيات، وشارك في تأسيس الحركة. شغل مناصب متنوعة، من عضوية المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2006 ورئاسة كتلتها، إلى رئاسة مكتب العلاقات العربية والإسلامية، ونيابة رئاسة الحركة في غزة، وصولاً إلى دوره ككبير المفاوضين في جولات وقف إطلاق النار. يعكس انتخابه، بعد منافسة مع شخصيات مثل خالد مشعل، تفضيلاً داخلياً للخط الغزاوي الصلب الذي يركز على المقاومة الميدانية والارتباط بالشعب، مع الحفاظ على توازن جغرافي داخلي. يشير هذا الاختيار إلى استمرارية النهج الذي جسده السنوار، مع لمسة تفاوضية أكثر مرونة نسبياً بفضل خبرة الحية الدبلوماسية. لكنه يعني أيضاً رفضاً لخيارات "التسوية الناعمة" التي قد ترتبط ببعض الوجوه الخارجية، مما يعزز تماسك الحركة داخلياً في مواجهة الضغوط.


إدارة المشهد الفلسطيني: التحديات الداخلية والاستراتيجيات المستقبلية

في الساحة الفلسطينية، تواجه حماس تحت قيادة الحية تحديات متعددة الأبعاد. أولها إعادة بناء غزة المدمرة، حيث يتطلب الأمر توازناً بين الحفاظ على القدرات العسكرية والمشاركة في إدارة مدنية انتقالية. من المرجح أن يتبنى الحية استراتيجية "المقاومة المرنة"، التي تجمع بين الاستعداد العسكري طويل الأمد وفتح أبواب لإدارة محلية تشارك فيها قوى فلسطينية أخرى أو تقنيون، لتجنب الانهيار الإداري الذي يمكن أن يستغله الخصوم. العلاقة مع السلطة الفلسطينية وفتح: يظل الانقسام الفلسطيني أحد أبرز العقبات. قد يسعى الحية إلى حوارات مصالحة مشروطة، تركز على مشاركة حماس في منظمة التحرير أو انتخابات مشتركة، لكن دون تنازل عن سيطرتها على غزة أو سلاح المقاومة. نجاح مثل هذا الحوار يعتمد على قدرة الحية على استغلال الإرهاق الشعبي من الانقسام، مع الحفاظ على صورة حماس كمدافع أصيل عن المقاومة. الفشل قد يؤدي إلى تعزيز الانقسام، مما يضعف الموقف الفلسطيني الدولي.

إعادة بناء القدرات والهيكل التنظيمي: بعد الخسائر القيادية، سيركز الحية على تعزيز الشورى الداخلية وتجديد الأجيال، مع الحفاظ على التوازن بين الجناح العسكري والسياسي. إعادة بناء البنية التحتية في غزة، سواء من خلال إعمار عربي-إسلامي أو اتفاقيات إنسانية، ستكون أولوية لاستعادة الشرعية الشعبية. كما أن مواجهة التحديات الأمنية الإسرائيلية المستمرة ستتطلب تكتيكات غير تقليدية، مثل التركيز على الوحدات الصغيرة والحرب الشعبية.


السيناريوهات المحتملة:

سيناريو التكيف الناجح: نجاح في إدارة مرحلة ما بعد الوقف الدائم لإطلاق النار، مع مشاركة في حكم انتقالي، مما يعزز مكانة حماس كلاعب أساسي في أي تسوية.

سيناريو التصعيد: استمرار التوترات يؤدي إلى جولات مواجهة جديدة، تعيد الحية صورة "المدافع" لكنه يزيد من التكاليف البشرية.

سيناريو الضعف النسبي: صعوبة الإعمار والعزلة تؤدي إلى تراجع نفوذ داخلي لصالح قوى أخرى.

التواصل مع اللاعب الدولي: الدبلوماسية في ظل العزلة النسبية

يمتلك الحية خبرة تفاوضية مثبتة، مما يجعله قادراً على إدارة التواصل الدولي بذكاء. ستركز استراتيجيته على عدة محاور:


العلاقات الإقليمية:

 سيحافظ على التحالف مع إيران كمصدر دعم أساسي، مع تعزيز الروابط مع قطر وتركيا كوسطاء وممولين محتملين. مصر ستظل شريكاً حيوياً في ملف غزة والحدود، وقد يسعى الحية إلى تفاهمات أمنية واقتصادية معها. كذلك، ستكون العلاقات مع دول عربية أخرى (كالسعودية والإمارات) محور محاولات لكسر العزلة، عبر التأكيد على دور حماس في الاستقرار الإقليمي مقابل دعم إعماري.


اللاعبون الدوليون الكبار:

الولايات المتحدة وأوروبا: سيكون التواصل غير مباشر في الغالب، عبر الوسطاء، مع التركيز على الملف الإنساني والأسرى. الحية قد يستغل الضغوط الداخلية في الغرب لصالح وقف إطلاق نار دائم، لكنه سيرفض أي شروط تتعلق بنزع السلاح.

روسيا والصين: فرصة لتعزيز الشراكات كبديل عن الغرب، خاصة في المحافل الدولية مثل الأمم المتحدة.

الأمم المتحدة والمنظمات الدولية: استخدام المنصات لتعزيز الرواية الفلسطينية حول الاحتلال والإعمار.

ستعتمد دبلوماسية الحية على مبدأ "المقاومة بالتوازي مع السياسة"، أي الحفاظ على القدرة العسكرية كورقة ضغط، مع مرونة في الخطاب السياسي. التحدي الرئيسي هو التصنيفات الإرهابية، التي قد تستمر، مما يتطلب جهوداً قانونية وإعلامية مكثفة.


التحديات الاستراتيجية العامة والفرص

من أبرز التحديات: الضغط الإسرائيلي المستمر، صعوبة التمويل تحت العقوبات، والتغيرات الديموغرافية والاجتماعية في غزة بعد الحرب. كما أن الرأي العام الدولي المتعاطف جزئياً قد يتحول إذا استمرت العمليات العسكرية.

أما الفرص فتشمل: التعاطف الدولي مع الشعب الفلسطيني، الرغبة الإقليمية في الاستقرار، وإمكانية استغلال أي فراغ سياسي إسرائيلي. قدرة الحية على الجمع بين الصلابة والمرونة قد تمكن الحركة من تحقيق مكاسب تدريجية، مثل مشاركة أوسع في القرار الفلسطيني أو دعم إعماري مشروط.


خاتمة:

في المجمل، يمثل انتخاب خليل الحية فرصة لحماس لإعادة تنظيم صفوفها وتأكيد دورها المركزي في المشهد الفلسطيني. مستقبلها سيعتمد على قدرته على إدارة التوازن الدقيق بين المقاومة والسياسة، وبين الداخل والخارج. في حال نجح في قيادة مرحلة إعمار ومصالحة مشروطة، قد تخرج الحركة أقوى، معززة شرعيتها كممثل رئيسي للشعب الفلسطيني. أما في حال استمرار التصعيد أو العزلة، فقد تواجه تحديات وجودية تتطلب مرونة أكبر. في النهاية، يبقى مستقبل حماس مرتبطاً بتطورات الصراع الأوسع، والقدرة على قراءة المتغيرات الدولية بدقة. قيادة الحية، بتاريخها الغزاوي والتفاوضي، توفر أرضية لاستمرارية الحركة كقوة مقاومة وسياسية فاعلة، لكن النجاح يتوقف على التوفيق بين الثوابت والمتغيرات في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد. أليس المطلوب هو رسم آفاق مستقبلية للثوابت الفلسطينية؟


كاتب فلسفي

التعليم عن بعد من الجائحة حتى مصادر التعليم المفتوح/ فراس حج محمد



كتبت هذه التأملات التربوية في الأصل خلال جائحة كورونا، وتحديدا في شهر أيار عام 2021، عندما تحول التعليم في العالم ومنها في فلسطين إلى التعليم عن بعد، ثم التعليم المدمج، واستمر اعتماده في منظومة التعليم الفلسطينية حتى اليوم، وأجريت عليها بعض التعديلات حسب المستجدات على أرض الواقع؛ فقد زادت الأوضاع السياسية والأمنية غير المستقرة في فلسطين من الاعتماد على هذا النظام، ووصلت الذروة إلى اعتماده في امتحان التربية الإسلامية وعلوم القرآن في امتحان الثانوية العامة، فتقدم الطلاب إلى هذا الامتحان إلكترونياً، وقد اتخذت الوزارة إجراءاتها لتطبيق هذا النوع من الاختبار في عدة مباحث أخرى في الدورة الثانية من امتحان الثانوية العامة الذي سيجري في شهر آب القادم.

بالإضافة إلى ذلك فإن الوزارة أقرت نظام التعليم المفتوح للطلاب من الصف الأول وحتى الرابع، وحسب مستشارة وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية د. علياء عسالي فإن هذا النظام يعني أمرين أساسيين فيما يتعلق بالتعليم عن بعد والتعليم الإلكتروني، الأول أنه "لن يكون هناك كتب ورقية، وإنما كتب رقمية وهناك الكثير من المصادر غير الرقمية أكثر بكثير من الكتاب المدرسي"، والأمر الآخر أنه "سيتم تزويد الأهالي بمرجعيات ورقية ورقمية لتكون داعمة للأهالي وأكثر سهولة من الكتاب في متابعة أبنائهم"، إذن، فالمجتمع التربوي الفلسطيني يشهد تحولا واضحا نحو هذه الإستراتيجية... ولكن:

يبقى السؤال حول جدوى "التعليم عن بعد" مستمراً، ولا يتوقف حوله النقاش منذ اعتماده وحتى الآن. ومرّ المجتمع التربوي عامة بمراحل وحالات من التذبذب في جدواه وأهميته، على مستوى المسؤول أولاً وحتى المعلمين والطلاب، كانت القناعات كبيرة، والمعول عليه لا حدود له، بحيث كانت القناعة راسخة في أن هذا النوع من التعليم لا يعوض الخلل التعليمي الذي عّرّف بعد ذلك "بالفاقد التعليمي" فقط، بل إنه بديل حقيقي وعظيم يردم الفجوة ويشكل بديلا ناجحاً، وكان الجميع تقريبا يتحدثون عنه بحماسة شديدة وعيونهم ضاحكة وقلوبهم راقصة من شدة الفرح، وبعد التجريب، وتبينت معوقاتها في أرض الواقع أخذت هذه الحماسات تخفت، وتلك الرقصات القلبية تهدأ، وتعالت أصوات الشجب والاستنكار ووصل الأمر إلى حد الامتناع عن المشاركة في هذه البيئة التعليمية من المعلمين والطلاب.

لقد انهارت هذه القناعات إذن، ولم تعمر طويلاً، وتلاشت إلا قليلاً، بل عندما تشكلت كانت مجرد خيالات وأمنيات في عقل المسؤول، كحلم راوده وأعجبه وصار يلعب بمخيلته، فظن أن "التعليم عن بعد" المنقذ والمخلص والهادي إلى السراط المستقيم، وإذا به ذو نتائج تكاد تكون صفراً، بل ليس صفرا فقط، بل كان له نتائج سلبية في عملية الدوام المدرسي وكان سببا في زعزعة إن لم أقل انهيار قيمة التعليم ذاتها عند كثير من الطلاب والأهالي والمعلمين ومديري المدارس، وبعض المسؤولين وإن لم يصرحوا بذلك، لقد كانوا يمارسون شيئا خارج قناعاتهم، لأن غالبيتهم فطروا على الجبن والخوف والطاعة البائسة، وإسماع المسؤول ما يريد سماعه ويدغدغ عواطفه دون أن يناقشوا أو يبدوا رأياً، وربما لعلمهم أن المسؤول لا يستمع إليهم، فهو سينفذ اجتهاداته بغض النظر عن الاعتراضات الوجيهة أو المناقشات الجادة ووجهات النظر الأخرى.

بعد التجربة الأولى خلال الجائحة، بدأ المسؤول يصحو من تلك النشوة الكاذبة والخادعة، وشرع بمحاسبة الذات، وبدأت العودة إلى التعليم الوجاهي والمدمج، وسمح في ظروف معينة وخاصة بالتعليم عن بعد، مع أن التعليم عن بعد في هذه الظروف سيكون ذا نتائج مشابهة.

لعله من المناسب أولا أن أبين أن "التعليم عن بعد" من حيث هو، نوع من التعليم، يشكل أداة أو وسيلة أو ظرفا مهما للتعليم، ولا بد عنه، بل إنه حاجة بشرية سواء أكان في ظل جائحة فايروس كورونا أم في غيرها من الظروف الاستثنائية، فهو ثمرة من ثمار التطور في الفكر البشري والتواصل الإنساني والتقدم العلمي والنظريات التربوية، وقد عرف عالميا وفي فلسطين قبل الجائحة وكان مفهومه داخلاَ في الأدبيات التربوية ضمن مفهوم "التعلم الإلكتروني" الذي اندرج- كما قلت في مقالات سابقة- تحته العديد من البرامج والورش التدريبية النوعية والمهمة، مع أنه كان تجريبيا وليس عاماً، فليس غريباً عن المجتمع التربوي في فلسطين والعالم، وعرف في الجامعات، ويتوفر في معظمها إن لم يكن في كلها "وحدة للتعلم الإلكتروني"، وعرف النظام الجامعي الصفوف الافتراضية. ويتكامل نهج التعلم عن بعد مع بقية مناحي الحياة، من التجارة الإلكترونية والحكومة الإلكترونية والتسوق الإلكتروني والمعاملات البنكية الإلكترونية، وحتى الحروب الإلكترونية.

لقد تحقق في هذا النوع من التعليم أهداف معينة وجزئية، كانت على الدوام مسايرة للتعليم الوجاهي، ولم يكن هو الأساس في عملية التعلم والتعليم، وعلينا جميعا أن نصارح أنفسنا بأن "التعليم عن بعد" لم يحقق ما كان مأمولا منه، وليس الخلل في هذا النوع من آليات التعليم، ولكن الخلل يأتي من عدة جوانب أبينها فيما يأتي من خلال بحث بنية المجتمع، وبنية المجتمع التربوي في فلسطين:

بنية المجتمع:

عندما أقول بنية المجتمع أقصد مجتمعات الطلاب الذين أتوا منها، وهذه متعددة، وليس مجتمعا واحدا متناسقا، فثمة اختلافات جوهرية وحادة بين الأسر في هذه المجتمعات، في نمط العيش ومستوى الرفاهية، والفجوة واسعة جدا بين من يمتلك المال والتكنولوجيا، وبين من لا يمتلك إلا بالكاد قوت يومه، ويعيش الكفاف، ولا يعرف المستقبل ولا يفكر فيه، فقد استولى عليه الواقع، وكل همه كيف يوفر لأبنائه الخبز، فثمة "فجوة رقمية" هائلة بين أفراد المجتمع، وقد زادت بفعل الحرب على غزة وتعمق الفقر في هذا المجتمع نتيجة الحصار الاقتصادي المفروض على الشعب الفلسطيني، وانزاح موقع كثير من الأسر نحو مؤشر الفقر لا مؤشر الغنى، عدا اختلاف بيئات الطلاب ما بين مدنية وقروية وبدوية، وما بين أسر زراعية، وأسر تعتاش على اقتصاد الخدمات أو التجارة المحدودة في بقالات متواضعة أو مشاريع إنتاجية صغيرة، ليس من ورائها إلا العيش أولا بأول، يوماً بيوم.

هذه الفئة من المجتمع هي التي يجب أن ننظر إليها، وهي غالبية المجتمع، وأبناؤها هم طلبة المدارس الحكومية ومدارس وكالة الغوث، وتمتاز الأسرة في هذه الفئة في أن عدد المعالين من الأطفال والنساء وكبار السن كثير، فيتراوح عدد أطفال الأسرة الواحدة في المعدل ما بين ثلاثة أطفال إلى خمسة. هذا العدد الكبير من الأطفال سيترجم تربويا إلى عدد كبير من الطلاب المحتاجين للتعليم وما يفرضه التعلم عن بعد من توفير مستلزماته من كهرباء دائمة، وشبكة إنترنت صالحة وقادرة على توفير الخدمة الدائمة، وأجهزة حاملة لمنصات التعلم الإلكتروني وأهمها اللابتوب أو الكمبيوتر (Desk Top) أو الأجهزة اللوحية، وأما الهواتف الخلوية الذكية فقد ثبت أنها ذات قدرة محدودة في الاستفادة من إمكانيات منصة (TEAMS)، فلا يستطيع المعلم أن يستثمر كل ما في المنصة من إمكانيات وهو يستخدم هذه الأجهزة. عدا أن البيوت بحد ذاتها لا توفر جوا مناسبا للتعليم عن بعد نتيجة لهذه الحالة الاقتصادية وعدد أفراد الأسرة وحجم البيوت وغرفها.

كل هذه الحالة تؤوّل اقتصاديا أيضا أنها ستشكل عبئا إضافياً على المعلم وعلى رب الأسرة، وأي أب يستطيع توفير أجهزة مناسبة لأبنائه وبيئة منزلية صالحة لهذا النوع من التعليم؟ لذلك كان التفاعل مع هذا النوع من التعليم يكاد يكون صفراً، وتخللته مجموعة من المشاكل إن لم أقل المعضلات العصية على الحل، لا سيما في المجتمعات البدوية والريفية المهمشة الفقيرة جداً.

المجتمع التربوي:

يشمل هذا المجتمع كل مكونات المجتمع التربوي الذين لهم علاقة بالتعليم من واضعي السياسات وحتى المستفيدين منها أو المنفذين لها، لقد كان هذا المجتمع مرتبكا وعشوائيا وفوضويا وغير واضح، ولا يمتلك رؤيا واضحة وتمثل الفشل أولا عند واضعي السياسات الذين كانت قراراتهم تميل إلى العموميات تاركة بعض التفاصيل للاجتهاد الشخصي، وتغاضت عن المشاكل الكبرى البنيوية في المجتمع الفلسطيني السابق ذكرها، ولعل أبرز ما تم الإرباك فيه ما يأتي:

* التردد بين منصة (ZOOM) ومنصة (TEAMS)، فكان الخلل واضحا منذ البداية، فبعد أن تم تدريب المعلمين على المنصة الأولى، تم التراجع عنها، ليتم اعتماد منصة (TEAMS)، وأعيد تدريب المعلمين، هذا كان خللا له تبعات من التندر على العملية التربوية وعدم الجدية عند المعلمين ابتداء، فكان له أثر واضح في توظيفها واستخدامها واعتمادها في التعليم.

* لم يتم تدريب المعلمين والمجتمع التربوي جيدا لاستخدام هذه المنصة، وما هو التدريب الجيد؟ إن أهم نقطة كان من الواجب اتخاذها هو التدريب المكثف على الاستعمال التربوي التعليمي لمنصة (TEAMS)، وتجهيز نماذج حصص تقدم للمعلمين ليستفيدوا منها، لم يتم شيء من ذلك وبقي الأمر خاضعاً أيضا للاجتهاد الشخصي، وإثبات الحضور على (TEAMS) للخروج من المساءلة، إن وجدت، وهذه مشكلة ما زالت مستمرة حتى بعد خمس سنوات من اعتماد هذه الاستراتيجية، فلا عقاب لطالب تغيّب عن حصة إلكترونية، ولا محاسبة لمعلم تهرّب من إعطاء الحصص بحجج واهية، فقد زادت تبعاً لذلك حالات التحايل التي تخرج المعلم والطالب من المساءلة. وصار التهرب مبررا من تنفيذ الحصص، وساعد هذا في ضرب قيمة الثقة بين المعلم والطالب من جهة، وبين المعلم والمسؤول من جهة ثانية.

هذا أيضا كان له أثر سيئ جدا في تلقي الطلاب وتعاملهم بجدية مع الموضوع، فكانت نسبة الحضور متدنية جدا، وخاصة عند الطلاب الذكور، بحكم انشغال هؤلاء الطلاب بما هو أجدى، فانخرطوا في العمل مع أولياء أمورهم، لأنهم على قناعة أنه لا فائدة من قضاء الوقت أمام الجهاز والمعلم يقضي طوال الوقت متحدثاً، ولا شيء جديد أو نافع أو مؤثر سيقدمه لهم هذا المعلم. 

* لم يكن هناك نظام كامل متكامل بحيث يشتمل على الحوافز والعقوبات للمعلمين والطلاب حوافز لمن انخرطوا بجدية، وعقوبات لمن لم ينخرطوا في مجتمع (TEAMS)، وربما عائد هذا إلى معرفة الوزارة بالخلل البنيوي المجتمعي الذي تعاني منه بنية التعليم في فلسطين، فغضت الطرف عن المعلمين والطلاب، فلم تشجع المبادرين والملتزمين طلابا ومعلمين، وكذلك لم يكن هناك أي إجراءات مقررة في القانون أو في التعليمات للمساءلة، وكل ما تم من مساءلات أو إجراءات إدارية هي نتيجة تصرف المسؤول، وعلى عاتقه الشخصي دون أن يكون لها سند قانوني مقرر في اللوائح الناظمة للعملية التعليمية وقتئذٍ مصاحبة لهذه الاستراتيجية.

* هذا التذبذب في حضور الطلاب والمعلمين كان سببا مباشرا في زيادة "الفاقد التعليمي" إلى حد كبير، وصارت عملية تعويضه أو الحد منه عملية شبه مستحيلة، فلجأ المسؤول مضطرا إلى سياسة القبول بالأمر الواقع التي تلخصت في "إنقاذ ما يمكن إنقاذه"، و"ليس بالإمكان أبدع مما كان"، إذ لا يوجد إلى الآن تعليمات واضحة في كيفية تعويض الطلاب ما فقدوه، وهم لم يفقدوا- بالمناسبة- محتوى تعليميا ومفاهيم فقط، بل يتعدى مفهوم الفاقد التعليمي إلى ما هو أعمق ليصل إلى فقدان الطلاب "مستوى جيدا من التعليم"، ومن القيم التي تربوا عليها في المدارس وجاهياً، وصار الطلاب يفقدون شيئا فشيئاً القيمة العليا للتعليم في المجتمع.

* ثمة مشكلة أخرى غير متسقة تربويا بين ما هو مكتوب في التعليمات، ومآل تلك التعليمات عندما تنفذ كإجراءات عملية؛ فمثلا تنادي التعليمات باللامركزية، وتعزيز رأي المدرسة بمديرها ومعلميها، هذه اللامركزية يقفز عنها المسؤول المحلي ويؤولها في منطقته إلى تسلطية كبرى ممزوجة بنوع من "العنجهية" الإدارية غير التربوية، ناهيكم عن المقدار الهائل من عبارات "اللاتهذيب" التي تسيطر على عقول هؤلاء الذين لم يستوعبوا ماذا تعني التربية والتعليم في ظل الطوارئ. إن هذا النوع من المسؤولين أشد خطرا من المعلمين المتمردين على التعليمات ولم ينفذوا حصة واحدة على الأقل عبر منصة (TEAMS). باعتقادي أن على وزارة التربية والتعليم العالي إعادة تأهيل هؤلاء المسؤولين أو إنهاء خدماتهم، فهم "لا حاجة فنية وإدارية لهم" في ظل هذه الأوضاع التي لم يحسنوا التعامل معها. فهم تقليديون جدا وإن تبجحوا بغير ذلك، فواقع إدارتهم للعملية تثبت أنهم مجموعة من الفاشلين ليس أكثر.

* أما المحتوى التعليمي ومآلاته فإنه هو الآخر شكّل عقبة أمام المعلمين، فما الذي حدث بهذا المحتوى؟ لقد تم تقليص المحتوى التعليمي إلى رزم تعليمية قللت كمية المحتوى العلمي وما يتصل به من أنشطة تقويمية وتعليمية، هذا التقليص ترجم عمليا إلى حذف جزء من المحتوى التعليمي، أي أن هذه الرزم بحد ذاتها من حيث هي أقرت دون أن تدري إلى وجود الفاقد التعليمي. لقد أسيء بهذه الطريقة التعامل مع المحتوى ليعاد على شكل رزمة تعليمية لم تختلف في شيء عن المحتوى التعليمي إلا أنها أقل حجما من الكتاب المقرر حيث يمنطقها حذف بعض الدروس، وتتضمن بعض الأنشطة التي يمكن للطالب أن يؤديها وحده تحت عنوان "مهمة بيتية" أو "مهمة تعليمية"، أو ما شابه. 

يعرّف "المعجم الموحد لمصطلحات المناهج وطرائق التدريس" الرزمة التعليمية أو الحقيبة التعليمية بأنها "عبارة عن برنامج محكم التنظيم، يقترح مجموعة من الأنشطة والبدائل التعليمية التي تساعد المتعلم على تحقيق أهداف محددة. وتتصف بأنها منظومة متكاملة، ويتم التخطيط لها؛ وفقا لمدخل المنظومات للتقنيات التعليمية، حيث تحدد الأهداف أو خبرات وطرق التدريس، ومصادر تعلم متنوعة، وأساليب تقييم وتقويم وأدوات قياس. ويتحقق إتقان التعليم والتعلم من خلال الاهتمام بأداء المتعلم خطوة بخطوة." (المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 2020، ص66).

ليس العيب في وجود رزم تعليمية ابتداء، ولكن يجب أن تحقق الرزمة كل مخرجات التعليم ذاتها، ولكن بمحتوى آخر وأنشطة أخرى مبنية على فلسفة ورؤيا خاصة بالمرحلة والتعليم عن بعد، كما هو الحال مثلا في كتب التعليم المفتوح الذي تمارسه جامعة القدس المفتوحة، فالخبراء الذين صمموا وحدات التعلم في تلك الكتب جعلوها صالحة من أجل هذا الغرض. أما رزمنا التعليمية فكانت عملا عشوائيا خاضعا لمزاجية المسؤول، وقام بها أفراد غير مؤهلين لهذا الغرض. وكان ينبغي إعادة النظر بكامل المحتوى لإعادة بنائه على ثلاثة أسس تنسجم مع التعليم عن بعد، كما هو واضح في التعريف السابق للرزمة التعليمية:

- التفاعلية بين الطالب والمحتوى التعليمي عبر وسيط تكنولوجي لا يقوم على المعلم وحده، بل يتشارك فيه الطالب والمعلم سواء بسواء.

- القدرة على التعلم الذاتي، بأن يكون المتعلم قادرا على التعلم وحده، وتهيئ له الرزمة التعليمية هذه القدرة، وتفتح له منافذ من أجل هذا الغرض.  

- تفريد التعليم بحيث يتم مراعاة- نتيجة لعدة عوامل- إمكانيات الطالب الفردية وقدراته، ويكون في الرزمة التعليمية بدائل عملية وتربوية تناسب قدراته، وتجعله فاعلا ضمن السياق التربوي التعليمي بشكل عام، فلا يشعر أنه مهمش، أو أن التعليم تجاوزه؛ ما يضرب في العمق أساسا آخر من أساسيات التعليم وهو "العدالة في التعليم" وتوفير فرص متكافئة لكل المتعلمين.

* لقد عامل النظام التعليمي الجديد "التعليم عن بعد" الطلاب كلهم بآلية واحدة؛ فالصف الأول الأساسي كالصف الحادي عشر، وأخرج النظام التربوي طلاب الصف الثاني عشر من هذا النوع من التعليم، وحصره في تقديم خدمات التمكين والمراجعة، مع أنه لا يصح أن نتعامل مع الطلاب بالطريقة نفسها، فطالب الصف الأول كيف سيتعلم عن بعد مهارات القراءة والكتابة والحساب؟ لقد نقلت الوزارة هذه المسؤولية إلى الأهل، ما يعني أن هناك طلابا لم يتعلموا شيئا، بناء على ما ذكرته من "الفجوة الرقمية" أولاً، وحال أولياء الأمور ومقدرتهم في تعليم أبنائهم المهارات المطلوبة ثانيا، والعمر والمرحلة ثالثاً، وهذه النقطة بالتحديد ستعود إلى الواجهة بعد ممارسة التعليم بالمصادر المفتوحة التي تعتمد كما في تصريح مستشارة الوزارة على الأهل، هؤلاء الأهل الذين لا يستطيعون حيلة، ولا يجدون سبيلا لتعليم أبنائهم، ما يضطرهم إلى إلحاق أبنائهم في دروس خصوصية، ليصبح عبئا إضافيا للأسرة الفلسطينية، كما ألحقوا أبناءهم من طلاب الثانوية العامة في دروس خصوصية، نتيجة لما تفرضه الوزارة عليهم من ضرورة إنهاء المقررات التعليمية، مع أن الوقت لا يكفي والمحتوى بقي كما هو، والمعلم لا يستطيع أن يبذل جهدا أكبر من طاقته.

وقد أثبتت التجارب التي حالفها النجاح والحظ في التعليم عن بعد أن هذا النوع من التعليم هو الأنسب للطلاب الأكبر سنا، فكان من اللازم تخصيصه لطلاب الثانوية العامة والحادي عشر والعاشر مثلا، فهم أقدر بحكم "خصائصهم النمائية" على التعامل إلكترونيا، وبما يتمتعون به من ذاكرة أطول عمرا تتعامل مع التلقين والمجردات الذهنية أكثر من طلاب الصفوف الأساسية الأربعة الأولى، وانسجاما مع بنية التعليم في فلسطين، إذ كان من الواجب عليها التركيز على مراحل التعليم الأساسي، ومنحه إمكانيات التعليم الوجاهي، وليس الصف الثاني عشر (التعليم الثانوي). لقد كان هذا ضاربا لأسس التعليم الفلسطينية وتم التعامل معها بشكل مقلوب تماماً.

هذا الأمر خلّف نتائج سلبية جدا في مخرجات التعليم، وساهم في إشاعة عدم الجدوى من التعليم، وظهرت الوزارة أنها ليست حريصة على تعليم الطلاب إلا طلاب الصف الثاني عشر، فوفرت لهم الوقت والظروف المناسبة ليتعلموا وجاهياً. وقد ولّد هذا أيضا عند أفراد المجتمع التربوي خللا في القناعة في جدوى "التعليم عن بعد" بشكل أساسي.

كان بإمكان الوزارة- أيام الجائحة وفي كل ظرف طارئ- أسوة بالتعليم الجامعي تحويل طلاب المرحلة الثانوية (11-12) إلى التعليم الإلكتروني الكامل، بوصفه تعليما ثانويا، والصفوف المتوسطة (5-10) بالنظام المدمج، والصفوف (1-4) إلى نظام التعليم الوجاهي الكامل أو المدمج، مع التركيز والتشديد في فرض البروتوكول الصحي الذي لم يتم الالتزام به على الوجه المطلوب. إذ ينبغي التشديد في تطبيق الإجراءات وتكثيف الرقابة على المدارس، وتوجيه العقوبات الإدارية للمخالفين.

* كان ينقص المجتمع نقصا شديدا عملية توعية شاملة، يشارك فيها كل أفراد المجتمع والمهمين فيه، وليس المعلمون فقط، ومديري المدارس، ودعاة المساجد والأئمة، بل كان على الإعلام توفير مادة تثقيفية مؤثرة تدفع الناس إلى هذا النوع من التعليم، وليس استدعاء المسؤولين وفتح حوار معهم، مع أهمية ذلك إلا أن المطلوب كان توفر تغطية إعلامية شاملة في كافة منصات الإعلام الرقمي والفضائي والمسموع والمكتوب، وأن يتخلل دائما كل البرامج وبرامج الترفيه، فمن الضروري أن يساهم كل هذا بخلق توعية وخلخلة القناعة السابقة ليحل محلها قناعة جديدة. 

لعل أسوأ ما حدث في المجتمع بالإضافة إلى عدم القناعة بالتعليم عن بعد وجدواه، هو عدم القناعة بوجود فايروس (كورونا) وخطورته، ما خلق حالة من عدم القناعة بكل الإجراءات المتخذة في البروتوكول الصحي سواء في ذلك موظفو مديريات التربية والتعليم أو في المدارس، وكان الكثيرون يعبرون عن مؤامرات وسياسات ويشطح بهم الخيال، ما أدى هذا إلى وجود خلل حقيقي في تنفيذ البروتوكول الصحي على أرض الواقع، ولم يعد موجودا إلا على الورق في التعليمات. عدم القناعة بوجود الفايروس خلق عدم اهتمام بكل الإجراءات الأخرى، وخاصة التعليم عن بعد، فهؤلاء كلهم لا يثقون بوجود فايروس ما يعني أن ما اتخذ من إجراءات للتعلم والتعليم عن بعد لا قيمة لها، وتم حصره في سوء النوايا والمشاركة في المؤامرة على الشعب وعلى الأمة.

آمل أن تجد هذه الورقة آذاناً صاغية لدى المسؤولين وصناع القرار التربوي في فلسطين، وتكون هناك "خطة إنقاذ وطني" للتربية والتعليم، لا تتعامل مع المسألة بجزئية وسطحية وكأنها مسألة عابرة. على المسؤولين أن يروا أن الخطر كبير، وخسائرنا فادحة، فيجب التفكير بحلّ، وأن يكون الحلّ عبقرياً، وأول تلك الحلول هو العمل بجد على ردم "الفجوة الرقمية"، وبعد ذلك كل شيء قد يكون بالإمكان العمل عليه وبسهولة أكبر إن حسنت النوايا، وأسند الأمر إلى المختصين، وليس إلى هواة وعابثين، يودون بمستقبل وطن كامل، وجيل كامل من المتعلمين متأرجح، آملا ألا يسقط في هوة يصعب إخراجه منها بعد ذلك.

_______________________

*مشرف اللغة العربية في مديرية التربية والتعليم/ جنوب نابلس.


وَرَحَلتَ عَنَّا َقبلَ إشْرَاق ِ النَّهار/ الدكتور حاتم جوعيه


( في رثاء الرَّسَّام الكاريكاتيري الفلسطيني الشَّهيد " ناجي العلي "  -  في الذكرى السنويَّة على  وفاتِهِ  -  )   

  

يا   أيُّهَا  الحُلمُ   المُسافرُ  في  الحقيقَهْ  

يا  أيُّها البدرُ الذي  قد  غابَ عَنَّا  وارْتحَلْ  

قتلوكَ ؟  لا  لمْ  يُطفِئوُا الشَّمسَ المُنِيرَة َ في السَّماءْ  

لم  يحجبُوا  قمرَ  الضِّياءْ  

لن  يخرقُوا نظمَ  الطبيعةِ  والوجُودْ  

أنّى  لهُمْ  أن  يعكسُوا  شكلَ الفصولْ  

قتلوكَ ؟ لا.. لا  لمْ  تمُتْ  لوْ صَوَّبُوا  كلَّ  البنادقِ نحوَ  صدرِكْ 

لوْ  أغمَدُوا  مليونَ  سيفْ 

لو عذ َّبُوكَ  ومَزَّقوكَ  وَأحرقوكْ  

لمْ  يسكتوا ذاكَ النَّشيدْ // لمْ  يُسكتوا ذاكَ النَّشيدْ  

ستظلُّ نبراسًا لهذا  الشَّعبِ من جيل ٍ لجيلْ   

أنتَ   الذي  عاهدتنا  

أنتَ   الذي   عانقتنا 

أنتَ   الذي   واكبتنا  

أنتَ   الذي  أعطيتنا  ومضَ  الأمَلْ  

يا واحة َ الإبداع ِ  في  العصرِ البخيلْ   

يا أيُّها الوجهُ المُسافرُ في الحقيقةِ والخيالْ 

يا  أيُّها الوجهُ المُسافرُ للبعيدْ   

هلا َّ سألتَ  النازحينْ ؟ 

هَلا َّ سألتَ  النازحينْ ؟  

عن هول ِغربتِنا الطويلةِ والضَّيَاعْ    

هَلا َّ سألتَ  النازحينْ  ؟ 

خُذني إليكَ لنرتقي أفقَ الصُّعودْ   

وَلنختصرْ هذا الرَّحيلَ  لنختصِر دربَ البكاءْ   

إمض ِ بنا نحوَ السَّماءْ  

وادخُلْ  خيامَ  الأنبياءْ  

يا  أيُّها الوجهُ المُسافرُ للبعيدْ   


الغيمُ   يرحلُ   والصَّباحْ  

ما  زالَ  مَشدُودَ  الجراحْ  

وخيامُ أهلي ُتمَزِّقُهَا الرِّياحْ  

وعِضَامُ أطفالي زهورُ الرَّفض ِما بينَ الصِّفاحْ  


الثَّورة ُ الرَّعناءُ  تترعُ  قمَّة َالرُّوح ِالكئيبَهْ  

والوردُ   يذوي   خلفَ   أسوار ِ   الحدائِقْ  

وبنادق ُ الطغيانِ  تصطادُ الأحبَّة َ والعَنادِلْ  

وتطاردُ الطفلَ البريىءَ وراءَ هاتيكَ التلالْ  

وأرى دُموعَ الحزنِ  تذرفها المنافي  

وأراكَ رغمَ الجوع ِ رغمَ القهرِ رغمَ الموتِ  صَامِدْ    

نامَ الجميعُ .. بقيتَ  وحدكَ  مع دموع ِ الأهل ِ سَاهِدْ  

يا  أنتَ يا  مَنْ  ترفعُ  الرَّاياتِ  حُمرًا في وجوهِ المُبعدينَ النازحينْ  

الهاربينَ  منَ  الحقيقةِ  واليقينْ  

الهاربينَ منَ التَّصَدِّي والصُّمودْ  

الهاربينَ منَ التقوقع والتفكُّكِ  والتحلُّلِ  والضياعْ  

لو أطلقَ الطغيانُ نيرانَ القذائفِ  كلَّها لن يُسكتوا  َشدْوَ البلابل  

لنْ يسكتوا شدوَ  البلابل ْ  

لنْ  ينتهي  ذاكَ   النشيدْ  

   *  *  *   * * * *    

جسرٌ منَ الأحزانِ  مُمْتَدٌّ  إلى دمِكَ  المُحاصرِ في  الظهيرَهْ

جسرٌ  إلى  دمِنا  المُصَفَّى  كالحِسَاءْ  

دمنا المُرَاقِ على الشَّوارع ِ والأزقَّهْ   

أنتَ البدايةُ  والنهايةُ  أنتَ جسرُ العابرينْ   

أنتَ  القصيدةُ  في  تألُّقِها وعالمِها الجميلْ   

خَلَّدتَ   ذكركَ    للأبَدْ 

وَمَشيتَ  وحدَكَ لا أحَدْ    

 ورفعتَ  فنَّكَ عاليًا من  فوقِ  صرح ِ المُبدعِينْ 

يا أيُّها الوجهُ الذي يحتلُّ وجهَ الخصبِ في دنيا السَّرابْ  

دنيا تموجُ  بكلِّ ألوانِ  الرّياءِ وكلِّ  ألوانِ العذابْ  

ما عُدتَ وحدَكَ مع عراكِ  الرِّيح ِ ما .. ما عُدتَ وَحدَكْ  

تابعتَ رحلتكَ  الطويلة َ صامدًا  بعزيمةٍ  حَطَّمتَ  قيدَكْ  

لنْ  يقتلوا الإصرارَ  فيكْ   

لنْ  يقتلوا الإصرارَ  فينا  

كلِّلْ  جبينَكَ  كي  يرى الثُّوَّارُ مَجْدَكْ 

وقَّعتَ خطوكَ في انسيابٍ في انسيابٍ  في انسيابْ 

ما هُنتَ يومًا مع عراكِ  الموج ِ والرِّيح ِ العنيدةِ والعذابْ  

لا  لم  تذبْ ... لا  لمْ   تَذ ُبْ ...  والصَّخرُ  ذابْ 

وَرسَمْتَ  دربَ  الفجرِ  للطيرِ الأسيرْ 

أطلقتَ طيفكَ هائمًا  ما  بينَ أزهار ِ الحقولْ  

عانقتَ    أعوادَ   السَّنابلْ  

 وَفتحتَ  صدركَ  للوطنْ  

يا  أيُّها الحُلمُ المُسافرُ في الحقيقةِ  صاعدًا أفقَ السَّماءْ   

أنتَ  الذي  أترَعْتنَا  حُبًّا  وشوقًا  للضياءْ   

أنتَ  الذي  واكبتنا  دربَ  الفداءْ  

ورحلتَ عنَّا  قبلَ  إشراقِ النَّهارْ  

كلمة الحق يجب ان تقال/ د. بهية ابو حمد


طالعتُ مقالاً صحفياً بعنوان: "ايفا ملحم تطلق الدراسات السريانية في جامعة غرب سيدني".

لما كانت المهنية الصحفية قد عودتنا دائماً على مصداقية الطرح من خلال منشوراتها، وحيث إنني أمتلك حق الرد للتوضيح وتقديم النقد البناء لمحتوى المقال المذكور، مع حفظ كامل الاحترام والتقدير لكاتبه، أقول ما يلي: 

كما يعلم الجميع يقيناً أنني عكفتُ منذ سنين عديدة، وبكل فخر، على صون الشعر والأدب، ورعاية الثقافة والتراث، وحراسة إرثنا الثقافي والتراثي. ولطالما بذلتُ عزمي في دعم الصروح الثقافية إنجاحاً لغاياتها. 

غير أنني أقف اليوم ثائرةً في وجه من يستخفُّ بعقول المثقفين، ويمتهن الثقافة كأداة مبتذلة لاعتلاء عروش وهمية وتبوُّء مناصب كاذبة وزائلة، تملقاً لنزواتِ نفس عليلة.

لقد جرى العرف بأن إطلاق المشاريع الثقافية والدراسات في الحرم الأكاديمي هو شأنٌ يخص الصرح الجامعي نفسه، وليس السيدة ملحم التي كما أعلم لا إلمامَ لها باللغة السريانية، ولا تتقنها قراءةً أو كتابةً.

بالإضافة إلى ذلك، ينبغي للشخص الذي يطلق مشروعاً ثقافياً ان كان لغةً معينة أو اية لغةٍ أخرى أن يكون ضليعاً فيها ليتمكن من إتمام مشروعه بنجاح ويتحمل المسؤوليات الكثيرة لتنفيذه.

إذن، كيف يتسنى للسيدة ملحم، دون خلفية مسبقة في اللغة السريانية، أن تتصدر منصة إطلاقها من صرح ثقافي؟وكيف لها ان تتجرأ على إنكار الحق القانوني للجامعة في إطلاق هذه اللغة.

وكيف يمكن للسيدة ملحم أن تبادر بإطلاق اللغة السريانية من منبر ثقافي رفيع، وهي لا تتقن مفرداتها ولا القواعد العائدة إليها؟ وكيف تطلق السيدة ملحم حدثاً لغوياً سريانياً من مِنبر ثقافي، وهي لا تملك أدنى معرفة بهذه اللغة؟

أتسأل حائرة، هل لدى السيدة ملحم الكفاءة اللغوية اللازمة لإطلاق اللغة السريانية؟ اعتقد بالطبع كلا. وهل تستوفي السيدة ملحم الشروط الثقافية واللغوية في اللغةِ السريانيةِ التي تخولها لإطلاق مثل هذاالمشروع ؟ اعتقد ايضا ان الجواب هو لا.

أنا أعلمُ بأنَّها تعملُ في مجالِ الترجمةِ في العربية والإنكليزية التي لا تَمْتُّ بصلةٍ إلى اللغةِ السريانية التي تكفلت باطلاقها.

هل غدت الثقافةُ في أستراليا مهزلة؟ أم أن للمشهد وجهاً آخرَ؟

هل أصبح الاستهزاء بعقول المثقفين مادة دسمة للمرائين؟

هل أصبح حب الظهور والتقاط الصور مادة للازدراء بالثقافة والمثقفينَ؟ 

هل يُعد اعتماد السيدة ملحم على رجل دين لترجمة المخطوطات السريانية إنجازاً يُحسب لها بمفردها وهي تجهل محتواها تماماً؟ أم أن الفضل يعود كاملاً لرجل الدين باعتباره صاحب الإنجاز اللغوي والترجمي الحقيقي؟

من يقوم بمثل هذا الإنجاز؟ السيدة ملحم التي تجهل لغة المخطوطات السريانية ومحتواها، أم رجل الدين الذي تولى ترجمتها وفك رموزها؟ بالطبع، إن تفكيك هذا الدور يضع الإنجاز اللغوي في خانة المترجم الفعلي لا المشرف او المبادر بالطلب. 

تساؤلات حادة تطرح نفسها: هل يجوز للسيدة ملحم الإعتماد على خبراء السريانية لترجمة مشروع أطلقته ونسبتهُ لها دون وجه حق، متجاهلةً حقوق الصرح الثقافي الذي تَعُودُ له الملكية عرفاً؟ 

 كما أن المقال المنشور يشير إلى زوج السيدة ملحم بـلقب "البروفيسور" وهو كما اعلم لم يشغل هذا المنصب قط، بل كما توضح البيانات المدونة في الجامعة حول منحه لقباً فخرياً 

( i.e. Adjunct Professor ) 

ولا يحق له، ولا لأي جهة كانت، الإشارة إليه بلقب «بروفيسور» بأي حال من الأحوال لأن مثل هذا اللقب مخالف للقانون.

لو ادّعيتُ يوماً بأنني طبيبةٌ مختصةٌ في جراحة الدماغ ، هل كانت الصحف  تقوم بنشرِ هذا اللقب في اي مقالِ لها دون التحقق من المؤهلات والوثائق الرسميةالعائدة إليَّ؟   

شتان بين الكفاءة الحقيقية والألقاب الفخرية المزيفة والمتداولة للأسف بين البعض من أفراد الجاليات الإثنية في أستراليا على سبيل المثال "بروفيسور، وإعلامي، وكاتب، وصحافي، ومطرب، وشاعر، وبالأخص دكتور حاملاً لشهادة الدكتوراه التي تمنح من جمعياتٍ بلا رقيب، وليس من الصرح الجامعي كما ينص العرف. 

إلى متى ستستمر هذه المهزلة والجريمة بحق الثقافة والتراث؟  

إلى متى يُترك إرثنا الثقافي والتاريخي عرضة للعبثِ والخراب؟

كفى استهتاراً بهويتنا. إلى متى هذا الابتذال في حق الثقافة والتراث؟

أؤكد بأن الشخص الوحيد المؤهل لإطلاق مثل هذا المشروع هو البروفيسور رفعت عبيد فهو أول من شغل كرسي الأستاذية في اللغات السامية بجامعة سيدني في أستراليا، فضلاً عن إتقانه التام للسريانية واللغات السامية ولغات اخرى متعددة قراءةً، وكتابةً، ومعرفةً، بالإضافة الى نشر العديد من الترجمات والكتب وتحقيق المخطوطات السريانية بجدارة، كما وقد اشرف البروفيسور عبيد على اطروحات الدكتوراه للطلبة في اللغة السريانية واللغات السامية منذ سنين عديدة ومنح وسام استراليا  OAM  في عيد ميلاد جلالة الملك تشارلز الثالث في  “For Service to Education and especially Semitic Studies”  

كفانا سخرية بعقولنا وثقافتنا لتلميعِ مثل هذه المشاريع التي لا يملك أصحابها الحق بإطلاقها بل استبد بهم حب الظهور، والتقاط الصور، والدعاية الزائفة، وتحقيق أهداف فردية بخيسة لجذب الأنتباه. 

أختمُ بالقولِ، بأن العلم والثقافة هما هبةٌ ثمينةٌ لنا من الخالق، ونعمةٌ إلهيةٌ نستمدُّ منها القوة في كل حين، ومن المستحسن أن نعمل معاً على إبعاد الأفكار البائسة عن بيادر الثقافة، ومنعها من الازدراء وألمَّس بأعمدة العلم والأدب والثقافة والتراث لتبقى رايتهُم مرفوعة أمام كل امرئ تاقَ إلى العلمِ والمعرفةِ وصانَ كرامة الحرفِ. 

كما أرجو من القارئ ألا يُؤخذ موقفي الذي عبّرت عنه في هذا المقال بصورة سلبية، بل إن الهدف من ورائه كان التوعية وبناء مجتمع أفضل في المهجر مبني على أسس ثقافية سليمة، بالإضافة إلى تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة التي تم تداولها للأسف بين البعض من أفراد الجاليات الإثنية.

الاتجاه المادي التاريخي في الفلسفة العربية الإسلامية، دراسة مقارنة بين مقاربات حسين مروة وصادق جلال العظم ومهدي عامل وطيب تيزيني/ د زهير الخويلدي

 


مقدمة


في مواجهة أزمة الفكر العربي بعد الاستعمار والهزائم، برز الاتجاه المادي التاريخي (الماركسي) كمحاولة لإعادة قراءة التراث العربي الإسلامي من منظور علمي يربط الفكر بالشروط المادية والصراع الاجتماعي. يرى هذا الاتجاه أن الفلسفة العربية الإسلامية ليست بناءً مثالياً مستقلاً، بل تعبيراً عن علاقات الإنتاج والصراعات الطبقية والاجتماعية في مراحل تاريخية محددة. تتميز مقاربات حسين مروة، صادق جلال العظم، مهدي عامل، وطيب تيزيني بتنوعها داخل الإطار المادي التاريخي، رغم اشتراكها في رفض القراءة الدينية التقليدية أو المثالية. المقارنة تكشف اختلافات في المنهج، تقييم التراث، دور الطبقات، والآفاق المستقبلية. فبماذا أثث هؤلاء العمالقة سياق الاتجاه المادي التاريخي؟


 حسين مروة: اكتشاف النزعات المادية في التراث

يقدم حسين مروة في "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية" قراءة شاملة تبحث عن "النزعات المادية" داخل التراث نفسه. يطبق المنهج المادي التاريخي (اللينيني) ليبرز كيف عكس الفكر الصراع بين قوى التقدم (العقلانية، المادية) وقوى الرجعية (الأصولية، المثالية). يرى مروة أن الفلسفة العربية الإسلامية تحتوي على تيار مادي قوي، من الكندي وابن سينا إلى ابن رشد، مرتبط بتطور المجتمع التجاري والمدني في العصر العباسي. النزعة المادية ليست استيراداً يونانياً بل تعبيراً عن شروط عربية إسلامية. يؤكد على الصراع الطبقي كمحرك، ويرفض قراءة التراث ككتلة واحدة، مفضلاً استخراج العناصر التقدمية لخدمة الثورة العربية. مقاربته تاريخية شاملة، تجمع بين الفلسفة والاجتماع والاقتصاد.


 صادق جلال العظم: النقد الإيديولوجي والعلمانية الراديكالية

يتميز صادق جلال العظم بتطبيق المادية التاريخية بشكل نقدي حاد على الخطاب الديني والقومي المعاصر. في أعماله مثل "نقد الفكر الديني"، يفكك "الوعي الزائف" الذي يخفي التناقضات الطبقية والاجتماعية تحت غطاء الدين أو القومية. يرى العظم أن الفلسفة العربية الإسلامية تعكس صراعاً بين قوى الإنتاج الجديدة والعلاقات القديمة. ينتقد "الاستلاب" في الفكر العربي، ويدعو إلى علمانية جذرية تفصل الدين عن الدولة والفكر. مقاربته أكثر تركيزاً على النقد الإيديولوجي المعاصر، مستلهماً ماركس في "نقد نقد السماء". يرى التراث كأداة للهيمنة إذا لم يُنقد جذرياً، ويؤكد على دور المثقف النقدي في كشف التناقضات.


 مهدي عامل: التحليل الطبقي ونقد الفكر اليومي

يقدم مهدي عامل (حسن حمدان) مقاربة ماركسية أكثر صرامة طبقية. في "نقد الفكر اليومي" وأعماله الأخرى، يطبق المنهج المادي على الواقع العربي، معتبراً الفكر تعبيراً عن البنية الطبقية. يرى أن الفلسفة العربية الإسلامية مرتبطة بصراع الطبقات: البرجوازية التجارية مقابل الإقطاع، والفكر العقلاني مقابل الفقهي. ينتقد "الفكر اليومي" كإيديولوجيا تخفي الاستغلال. مقاربته جدلية: التناقض الرئيسي هو الطبقي، والتراث يجب فهمه كجزء من تطور قوى الإنتاج. يؤكد على الثورة كحل، ويرفض القراءات الثقافوية التي تبتعد عن الواقع المادي.


طيب تيزيني: التأريخ المادي للمراحل

يتميز طيب تيزيني بمنهج تأريخي مادي يقسم تطور الفكر العربي الإسلامي إلى مراحل مرتبطة بالتغيرات الاقتصادية والاجتماعية. يرى التراث كعملية تاريخية ديناميكية، يحكمها الصراع بين قوى التقدم والرجعية. في أعماله، يطبق المادية التاريخية ليبرز كيف عكست الفلسفة تحولات المجتمع من الإقطاع إلى التجاري. يدعو إلى "إحياء" التراث بطريقة نقدية، مستخرجاً العناصر المادية والعقلانية. مقاربته أكثر تركيزاً على الجانب التاريخي المرحلي، وتؤكد على دور الشعب والطبقات الكادحة في صناعة التاريخ.


مقارنة المناهج والرؤى


المشتركات:

الجميع يطبق المنهج المادي التاريخي: الفكر نتاج شروط مادية وصراع اجتماعي.

رفض القراءة المثالية أو الدينية التقليدية.

الدعوة إلى نقد التراث لخدمة التحرر والتقدم.

التركيز على العقلانية والمادية كتيارات تقدمية داخل التراث.


الاختلافات:

مروة: شامل وتوفيقي، يبحث عن "نزعات مادية" داخل التراث نفسه بطريقة إيجابية.

العظم: نقدي حاد، يركز على الإيديولوجيا المعاصرة والعلمانية الراديكالية.

عامل: طبقي صارم، يؤكد على "الفكر اليومي" والاستغلال.

تيزيني: تأريخي مرحلي، يقسم التاريخ إلى فترات مرتبطة بالبنية الاقتصادية.


في تقييم التراث: مروة وتيزيني أكثر إيجابية في استخراج العناصر التقدمية، بينما العظم وعامل أكثر تشدداً في النقد. في الآفاق: الجميع يربط التحرر بالثورة الاجتماعية، لكن مروة وتيزيني أكثر تفاؤلاً بإمكانيات التراث، بينما العظم وعامل يشددان على القطيعة مع الإيديولوجيا السائدة.


خاتمة:

يمثل الاتجاه المادي التاريخي عند مروة والعظم وعامل وتيزيني محاولة طموحة لتحديث الفكر العربي الإسلامي. المقارنة تكشف تنوعاً غنياً داخل إطار واحد: من اكتشاف المادية في التراث (مروة) إلى النقد الإيديولوجي الحاد (العظم)، والتحليل الطبقي (عامل)، والتأريخ المرحلي (تيزيني). لقد واجه هذا الاتجاه تحديات: اتهامه بالتغريب، صعوبة تطبيق الماركسية على سياق إسلامي، والانتقادات من التيارات الإسلامية والليبرالية. رغم ذلك، أغنى هؤلاء المفكرون النقاش العربي، وفتحوا أبواباً لقراءات علمية للتراث، وربطوا الفكر بالواقع الاجتماعي.  رغم اختلافاتهم، يشتركون في الإيمان بأن فهم الفلسفة العربية الإسلامية يتطلب ربطها بالمادي والتاريخي، وأن مصير الفكر العربي مرتبط بتحرير العقل من الإيديولوجيا والاستغلال. هذا الإرث يظل مصدر إلهام لأي مشروع تجديدي يسعى إلى الجمع بين العلم والتحرر في السياق العربي. فكيف ساهم هذا الاتجاه في مراكمة إرث الاتجاه المادي التاريخي؟


كاتب فلسفي

قلوبٌ/ د.عدنان الظاهر



ثالثاُ :

قلبٌ قالبُهُ مقلوبُ

تقبيلُ الجبهةِ عندَ الحاجةِ أمرٌ مقبولُ

قلبٌ ما زالَ يُفكّرُ بالذكرى

لا يسمعُ ما قالَ القاسي تأويلا

فاقبلْ أُسسَ التأويلِ خلاصا

الصوتُ الفظُ فراغُ

ورنينُ الخضّةِ مفتاحٌ ينزاحُ

ضَعفُتْ أوتارُ الشدَّ وأوهى الضربُ جدارَ الإسنادِ

إعجازٌ في الطَرَفِ النائي لا يُشفي

حيثُ الداءُ المُرُّ دواءُ

جُرحٌ في غيبِ القُبّةِ معطوبُ

تتقلّبُ حيثُ الحلُّ حليلً 

والقُبّةُ قالبُها إعياءُ

تتهاوى فَرْطَ الصوتِ العالي

وتردُّ البابَ لئلا يأتي قلباً بردُ

الأمُ قلوبُ

والقلبُ كتابٌ محسوبُ

مهدٌ أتوسدها صدْرا

وحنانٌ للأعلى مسحوبُ 

وربيعٌ يتهجّى نيساناً أزهارا

يتصاعدُ أنفاساً حرّى

الصاعدُ كالنازلِ يُحصي أدراجَ الذكرى

وسقوطَ الكوكبِ في بُرجِ الخمقاءِ

شأنَ الوعدِ المُمتدِّ جُنوحا

القلبُ قلوبُ

وشراعٌ في حانِ الحُبِ يلوبُ

يكفيهِ المُرُّ بكأسِ اليأسِ شَرابا

هل مِنْ حلِّ ؟

قالتْ كلاّ .. لا مِنْ حلِّ

لا قلبَ لكونٍ مخروقٍ غَصْبا

داويني يا مَنْ خفّفتِ الشكوى ظلاّ لونياً مخفيّا 

جاشَ البحرُ وزمجرَ مجنونا

أُمٌّ ثكلى

وذِراعٌ من نورِ خميرِ الزيتونِ يمدُّ شُعاعا

( بَرْداً وسلاما ).


دموع السراب/ بن يونس ماجن

 


في زنزانتك

ابك وحدك بصمت

وألطم خدك لوحدك

واترك العسس يرقصون

فحزنك لن يبكي السماء

ولن يحرك المطر دموع السراب


أنت لست طليقا

بل سجينا

فلقد وقعت أسيرا

أثناء معارك

حول من يرث زنزانة الزعيم المفضلة


سماءك لا تدخلها أشعة الشمس

فلا تتكهن الكسوف والخسوف

واصغ لمواويل خفافيش الظلام



تسير على حافة الأيام الضائعة

مكبول مغلول 

بسلاسل الشيخوخة الهرمة

فر منك العمر

فدون آخر وصاياك لحافر القبور


مطارق ثقيلة تضرب رأسك

فواصل نومك ولا تعبأ

بالذين يشخرون في سريرك   


من حين لآخر

على جروحك النابضة

تضع ورقة التوت الجافة


وفي بيتك العتيق

آهاتك تلتهب على نار هادئة

تلهث في فراغ الصمت


صدى روحك المنسية

لن يسمعها القاتل المحترف

الا بعد رحيلك المؤجل


لعل المنفى سيسعفك

مهما بقيت مشردا

من رحم الأنقاض

تولد براعم الحرية


مثل طائر هوى من وكره

يتشبت بأغصان شجرة مقتلعة

في غابة أكثر عدلا من الادغال الوحشية


صرير الباب الخشبي

يذكرك بدبيب النمل

وأزيز اسطوانة الجرامافون الصدئة

يبادلك أيام الصبا والعشق


وتجلس وحدك تعد الحروب

الصغيرة المراوغة

التي خسرتها 

في بطولات وهمية


أما الحروب السيبرانية فصارت لا تهمك

فقد تجاوزت معارك شرسة

بدون سلاح نووي ولا باليستي


ثمة كوابيس 

تؤنس لياليك الطويلة الباردة

وتعيد ترتيب أحلامك البوهيمية

فلا تشاكس تجاعيدك

ثم تحرضها على كسر المرايا


حين تنبح الكلاب المدللة

في بلاط السلطان

تعوي الذئاب في الغابة

لتعلن عن ميلاد طاغية جديد 

وديكتاتور متعسف

و زعيم عربي متصهين 

الفلسفة بحر عميق بلا شواطئ والتفلسف إبحار بالفكر نحو المجهول بلا بوصلة/ د زهير الخويلدي



مقدمة


تُجسد عبارة «الفلسفة بحر عميق بلا شواطئ» صورةً شعرية ووجودية عميقة لطبيعة الفكر الفلسفي. إنها تعبر عن جوهر الفلسفة كممارسة لا تنتهي، تتجاوز الحدود المرسومة والإجابات الجاهزة. أما «التفلسف إبحار بالفكر نحو المجهول بلا بوصلة»، فيصف حالة المفكر الذي يطلق نفسه في لجج الفكر دون ضمانات أو خرائط مسبقة. هذه الدراسة تتأمل في هذا المفهوم بوصفه جوهر الفلسفة الحقيقية، وتستكشف أبعاده المعرفية والوجودية والأخلاقية. كيف تكون الفلسفة بحرا عميقا؟ وما معنى غياب الشواطىء منه؟ وما المقصود بكون التفلسف هو ابحار نحو المجهول؟ ولماذ يُشترط انعدام وجود البوصلة للفلسفة؟


طبيعة الفلسفة كبحر لا ساحل له


الفلسفة ليست علماً تراكمياً يبني معارف ثابتة كما في العلوم التجريبية، بل هي استكشاف مستمر للأسئلة الأساسية: ما الوجود؟ ما الحقيقة؟ ما الخير؟ ما الإنسان؟ هذه الأسئلة لا تنتهي عند إجابة نهائية، بل تفتح أبواباً جديدة لأسئلة أعمق. لذا، تشبه الفلسفة بحراً عميقاً بلا شواطئ: كلما سبحت فيه، ازداد عمقه، وابتعدت عن أي أرض صلبة. في تاريخ الفكر، يتجلى هذا البحر في تنوع المدارس والتيارات. من سقراط الذي يعترف بجهله، إلى نيتشه الذي يعلن موت الإله، إلى هيدغر الذي يدعو إلى التفكير في «الوجود» نفسه، تظل الفلسفة رفضاً للإغلاق. كل نظام فلسفي يُبنى يصبح جزيرة مؤقتة في هذا البحر، سرعان ما تغمره الأمواج الجديدة للنقد والتجاوز. لا يوجد «شاطئ نهائي» يصل إليه الفيلسوف، لأن الوصول إلى مثل هذا الشاطئ يعني نهاية الفلسفة وتحولها إلى عقيدة أو علم مغلق. هذا العمق اللانهائي يمنح الفلسفة حريتها، لكنه يفرض عليها تواضعاً معرفياً. الفيلسوف الحقيقي يدرك أن معرفته جزء من بحر أكبر، وأن أي يقين يحتوي على بذرة شكه. هنا تكمن جمالية الفلسفة: إنها ليست بحثاً عن اليقين المطلق، بل عن التساؤل المستمر الذي يوسع آفاق الإنسان.


التفلسف: إبحار بلا بوصلة


إذا كانت الفلسفة البحر، فالتفلسف هو الإبحار. لا يملك المفكر بوصلة ثابتة، لأن البوصلة الوحيدة هي الفكر نفسه في حالة تأمل مستمر. هذا الإبحار يتسم بخصائص عدة:


أولاً: المغامرة والمخاطرة


التفلسف ليس تجولاً سياحياً، بل مخاطرة وجودية. يترك الفيلسوف شواطئ المألوف — العادات، المعتقدات الاجتماعية، اليقينيات الدينية أو العلمية — ليواجه عواصف الشك والتناقض. مثل أوديسيوس في أسطورته، أو مثل ابن رشد وابن سينا في مواجهة التراث، يبحر المفكر نحو المجهول، مدركاً أن الوصول قد لا يكون ممكناً، لكن الرحلة ذاتها هي الغاية.


ثانياً: فقدان الاتجاه والإبداع


غياب البوصلة يعني أن الفيلسوف يخلق اتجاهه بنفسه. هذا الفقدان ليس سلبياً، بل شرط للإبداع. في بحر الفكر، يمكن أن تظهر جزر جديدة من التأمل: أفلاطون يخلق عالم المثل، كانط يرسم حدود العقل، ديكارت يبدأ من «أنا أفكر». كل إبحار يعيد رسم خريطة الفكر البشري.


ثالثاً: التواضع والدهشة


الإبحار بلا بوصلة يتطلب تواضعاً: الاعتراف بأن المجهول أكبر من المعروف. هذا التواضع يولد الدهشة ، التي اعتبرها أرسطو بداية الفلسفة. الدهشة أمام الكون، أمام الذات، أمام اللغة، أمام الزمن — كلها محركات للإبحار.


التحديات الوجودية والأخلاقية للإبحار الفلسفي


يحمل هذا الإبحار مخاطر عدة. قد يؤدي إلى الضياع النفسي (القلق الوجودي عند كيركغارد)، أو إلى اليأس (كما عند نيتشه في مواجهة العدمية)، أو إلى الاغتراب عن المجتمع الذي يفضل اليقينيات. كما أنه يتطلب شجاعة أخلاقية: الاستعداد للنقد الذاتي المستمر، ومواجهة سلطة المألوف. ومع ذلك، تكمن فيه قيمة أخلاقية عظيمة. الإبحار نحو المجهول يجعل الفيلسوف أكثر انفتاحاً على الآخر، أكثر تسامحاً مع الاختلاف، وأكثر التزاماً بالحقيقة. إنه يرفض الدوغمائية والتعصب، لأن من يدرك عمق البحر لا يدعي امتلاك الشاطئ الوحيد. في عصرنا الرقمي، حيث تُقدم الإجابات الجاهزة بسرعة، يصبح التفلسف مقاومة ضرورية. إنه رفض لثقافة «الشواطئ الافتراضية» — الآراء المغلقة في وسائل التواصل — ودعوة للعودة إلى عمق البحر.


خاتمة


رغم عمقه اللانهائي، أو بالأحرى بفضله، يبقى البحر الفلسفي مصدر حياة. كل إبحار يثري الإنسانية: يكتشف قارات جديدة من المعنى، ويوسع دائرة الوعي. الفلسفة لا تنتهي، لأن الإنسان كائن متسائل بطبعه. التفلسف إذن ليس مهنة أكاديمية فحسب، بل طريقة عيش: موقف من الوجود يرفض الاستقرار الزائف ويحتضن المجهول. في النهاية، الفلسفة بحر عميق بلا شواطئ، والتفلسف إبحار شجاع بلا بوصلة. من يقبل هذه الرحلة يخرج أكثر إنسانية، أكثر حرية، وأكثر دهشة أمام غموض الكون. إنها ليست طريقاً إلى اليقين، بل دعوة دائمة للانطلاق، ففي الإبحار نفسه تكمن الحرية والمعنى. فما قيمة الفلسفة كإبحار مستمر؟


كاتب فلسفي