حال لبنان/ شوقي مسلماني



كان المرحوم رفيق الحريري رجل مال، واليوم ـ 2026 ـ أنطون الصحناوي رجل مال، وبمقارنة، مع الإعتذار لهذه المقارنة، نقول: "الله يرحم ترابك يا رفيق الحريري"، يعتزّ الصحناوي إنّه "صهيوني" ولم يتورّع عن الظهور في عشاء إلى جانب هيرودس "الصغير" قاتل الأطفال بنيامين نتنياهو. 

وعلى رغم الضجّة لم تحرّك جهة لبنانيّة فاعلة ساكناً عقاباً، وفيما السلطة اللبنانيّة تطارد الصحافي والإعلامي حسن علّيق وتريد إلقاء القبض عليه بتهمةِ خدشِ حياء رئيس الجمهوريّة ومعه رئيس الوزراء شريكه في التوقيع على اتّفاق الإطار بين لبنان ـ عون ـ سلام وإسرئيل. 

شربتْ إسرائيل الأنخاب لإنجاز إتفاق الإطار ورمته في إرشيفها لوقت الحاجة وتستمرّ في تدمير قرى جنوب لبنان وقتل المدنيين وارتكاب المجازر. 

كلّما اجتاز لبنان فجوة وقع في التي هي أكبر. 

"شيء ما فاسد" في دولة لبنان، هل هو "نظام ما قبل الدولة"؟ هل هو التعصّب والطائفيّة أو المذهبيّة المقيتة والعنصريّة الكريهة؟. 

مؤسف هو حال لبنان: أجمل أرض وأفسد نظام.  

Shawkimoselmani1957@gmail.com 


المقولات بين المنطق الصوري الأرسطي ونظرية المعرفة المتعالية الكانطية/ د زهير الخويلدي



مقدمة


تشكل مسألة المقولات من أكثر المسائل عمقاً وتعقيداً في تاريخ الفكر الفلسفي، إذ تمس في آن واحد بنية الفكر وبنية الوجود وإمكان المعرفة. ففي المنطق الصوري الأرسطي تظهر المقولات بوصفها أطراً أساسية للقول على الوجود، تحدد الطرق الممكنة التي يُحمل بها المحمول على الموضوع، فتكون بذلك أداة منطقية وأونطولوجية معاً. أما في نظرية المعرفة المتعالية عند كانط، فتتحول المقولات إلى شروط قبلية للفهم، أي إلى صور خالصة للفكر تجعل التجربة الحسية ممكنة بوصفها معرفة موضوعية. والمقاربة الاستشكالية التي نتوخاها هنا لا تسعى إلى مجرد المقارنة التاريخية أو التقرير الوصفي، بل إلى الكشف عن التوترات الداخلية والفجوات المفهومية التي تنشأ عند وضع النظامين وجهاً لوجه: هل المقولات تعبير عن بنية الواقع أم عن بنية الذات العارفة؟ وهل يمكن أن تكون صورية خالصة دون أن تفقد قدرتها على تحديد المضمون؟ وما الذي يحدث لمفهوم «الوجود» حين ينتقل من أفق أرسطي أونطولوجي إلى أفق كانطي متعالٍ؟ هذه الأسئلة وغيرها تشكل نواة الاستشكال الذي سنحاول تفصيله.


المقولات في المنطق الصوري الأرسطي: من القول إلى الوجود


في الإطار الأرسطي، لا تنفصل المقولات عن تصور المنطق بوصفه آلة للعلم وعن تصور الوجود بوصفه متعدد الوجوه. فالمقولات العشر – الجوهر، والكم، والكيف، والإضافة، والأين، والمتى، والوضع، والملك، والفعل، والانفعال – ليست مجرد تصنيفات لغوية، بل هي الطرق الأساسية التي يُقال بها الشيء على الشيء، أي أنماط الحمل الممكنة. والجوهر يحتل موقعاً مركزياً بوصفه ما يُقال عليه ولا يُقال على غيره، وما يوجد بذاته لا بغيره. أما المقولات التسع الأخرى فتشير إلى أعراض تلحق بالجوهر وتتنوع بحسب كيفية تعلقها به. هذا التصنيف يحمل طابعاً مزدوجاً: فهو منطقي من جهة أنه يحدد صور الأحكام الممكنة، وأنطولوجي من جهة أنه يعكس تنوع الموجودات في العالم. فالمنطق الأرسطي لا ينفصل عن الميتافيزيقا؛ إذ إن صحة القول مرتبطة بمدى مطابقته لبنية الوجود. ومن هنا تنبع أهمية التمييز بين الجوهر الأول (الشخص الجزئي) والجوهر الثاني (النوع أو الجنس)، وكذلك أهمية نظرية الحد والتعريف التي تستند إلى الجنس والفصل، أي إلى مقولات جوهرية في جوهرها. غير أن هذا الترابط الوثيق بين المنطق والأنطولوجيا يفتح باباً للاستشكال: هل المقولات مستمدة من ملاحظة الوجود أم مفروضة عليه من قبل الفكر؟ وهل التصنيف العشري نهائي وشامل أم أنه نتاج لغة يونانية معينة ورؤية ثقافية محددة؟ هذه الأسئلة تظل كامنة في النظام الأرسطي نفسه، وإن لم تُطرح بصراحة.


المقولات في نظرية المعرفة المتعالية الكانطية: من الحكم إلى إمكان التجربة


ينتقل كانط بالمقولات من أفق الوجود إلى أفق الشروط القبلية لإمكان المعرفة. فالمقولات عنده ليست مشتقة من تحليل الوجود، بل من تحليل صور الحكم المنطقي. فبعد أن قسم الأحكام بحسب الكم (كلية، جزئية، شخصية)، والكيف (موجبة، سالبة، معدولة)، والإضافة (حَمْلية، شرطية متصلة، شرطية منفصلة)، والجهة (احتمالية، تقريرية، ضرورية)، استخرج من هذه الصور مقولات الفهم الأربع: الكم (وحدة، كثرة، كلية)، والكيف (واقعية، نفي، تحديد)، والإضافة (جوهر وعرض، علة ومعلول، مشاركة)، والجهة (إمكان واستحالة، وجود وعدم، ضرورة وعرضية).هذه المقولات ليست مفاهيم مستمدة من التجربة، بل هي صور خالصة للفهم تطبق على الحدوس الحسية بواسطة التخطيطات الزمنية، فتحول الكثرة الحسية العشوائية إلى موضوع معرفي منظم. والوظيفة الأساسية للمقولات هي ضمان موضوعية التجربة؛ إذ بدونها تظل الانطباعات الحسية مجرد «ركام أعمى». ومن هنا تأتي أهمية الاستنباط المتعالي الذي يسعى إلى إثبات أن المقولات شروط ضرورية لإمكان أي تجربة ممكنة، وليست مجرد أدوات اصطلاحية. غير أن هذا النقل الجذري يثير استشكالات عميقة. فبتحويل المقولات إلى شروط ذاتية قبلية، يفصل كانط بين ما ينتمي إلى الذات العارفة وما ينتمي إلى الشيء في ذاته. والمقولات لا تطبق إلا على ظاهرة، أي على ما يظهر في إطار المكان والزمان، ولا تطال الشيء كما هو في ذاته. وبذلك ينتقل مركز الثقل من الوجود إلى المعرفة، ومن المطابقة مع الواقع إلى الشروط التي تجعل الواقع موضوعاً للمعرفة.


المواجهة الاستشكالية: التوترات والفجوات


عند وضع النظامين في مواجهة مباشرة، تبرز جملة من التوترات التي تكشف عن حدود كل منهما وعن إمكانات الحوار النقدي بينهما.


أولاً، توتر الأصل والمصدر. عند أرسطو تبدو المقولات وكأنها مستمدة من تحليل الوجود واللغة التي تعبر عنه؛ فهي «تُقال» على الأشياء لأنها تعكس كيفية وجودها. أما عند كانط فالمقولات مستمدة من صور الحكم، أي من نشاط الفكر نفسه. وهنا يثور السؤال: هل يمكن أن تكون المقولات قبلية خالصة دون أن تفترض سلفاً نوعاً من العلاقة مع الوجود؟ وإذا كانت صور الحكم منطقية عامة، فلماذا تتطابق بالضبط مع مقولات تمكننا من تنظيم التجربة الحسية؟ هذا التطابق بين المنطق الصوري والإمكان المتعالي يظل نقطة غامضة تستدعي التساؤل عن مدى استقلال المنطق عن الأنطولوجيا حتى عند كانط نفسه.


ثانياً، توتر الشمولية والاكتمال. التصنيف الأرسطي عشري ويحمل طابعاً تجريبياً نسبياً، إذ يمكن التساؤل عن إمكانية إضافة مقولات أو حذف بعضها. أما التصنيف الكانطي فهو رباعي منتظم ومشتق بشكل منهجي من صور الحكم، ويُدعى له الاكتمال. لكن هذا الاكتمال نفسه يصبح موضع استشكال: هل صور الحكم التي اعتمدها كانط هي الصور الوحيدة الممكنة؟ وهل يمكن تصور منطق آخر (كما سيحدث لاحقاً في المنطق الرمزي) يولد مقولات مختلفة؟ وإذا كانت المقولات شروطاً لإمكان التجربة، فهل هي شروط كلية بالضرورة أم مرتبطة ببنية الذات الإنسانية كما نعرفها؟


ثالثاً، توتر العلاقة بالوجود. في الأرسطية تحتفظ المقولات ببعد أونطولوجي صريح؛ فالقول بالمقولات هو قول على أنحاء الوجود. أما في الكانطية فيُسحب هذا البعد إلى حد كبير، ويُستبدل بمفهوم الظاهرة. غير أن مفهوم «الجوهر» و«العلية» يظلان يحملان أصداء أونطولوجية قوية، مما يخلق توتراً داخلياً: كيف يمكن لمقولات ذاتية خالصة أن تؤسس لموضوعية تبدو وكأنها تتجاوز الذات؟ الاستنباط المتعالي يحاول حل هذا التوتر عبر فكرة أن الموضوعية ليست مطابقة لشيء خارجي مستقل، بل انتظاماً ضرورياً داخل التجربة. لكن هذا الحل يفتح بدوره سؤالاً أعمق: هل يكفي الانتظام الداخلي لتأسيس معرفة بالعالم، أم أننا نحتاج إلى افتراض نوع من التوافق الأصلي بين الفكر والوجود؟


رابعاً، توتر الصورية والمضمون. المنطق الأرسطي صوري في قواعد الاستدلال، لكنه مرتبط بمضمون أونطولوجي عبر المقولات. أما المنطق الكانطي المتعالي فيسعى إلى صورية أشد، حيث تكون المقولات فارغة من أي مضمون حسي، ولا تكتسب دلالتها إلا بتطبيقها على الحدس. غير أن كانط نفسه يعترف بأن المقولات بدون حدس تكون عمياء، والحدس بدون مقولات يكون أصم. وهذا الاعتراف يعيد إدخال نوع من الاعتماد المتبادل بين الصورة والمضمون، مما يجعل الصورية المطلقة أمراً صعب المنال. وهنا يبرز الاستشكال: إلى أي حد يمكن فصل شروط الفكر عن مضمون التجربة دون أن يفقد الفكر قدرته على تحديد أي شيء على الإطلاق؟


خامساً، توتر الاستمرارية والقطيعة. هل يمثل المشروع الكانطي تطويراً نقدياً للمقولات الأرسطية أم قطيعة جذرية معها؟ من جهة يمكن القول إن كانط حافظ على بعض المقولات الأساسية (الجوهر، العلية، الكم، الكيف) وأعاد تأويلها. ومن جهة أخرى، فإن نقلها من أفق الوجود إلى أفق الشروط القبلية يغير معناها تغييراً جذرياً. هذا التردد بين الاستمرارية والقطيعة يكشف عن صعوبة تحديد موقع كانط داخل تاريخ المنطق والأنطولوجيا: هل هو آخر الميتافيزيقيين الكلاسيكيين أم أول المفكرين الذين جعلوا الميتافيزيقا مشروطة بنظرية المعرفة؟


رأي هيجل في مقولات كانط


يعتبر موقف هيجل من مقولات كانط أحد أبرز محطات النقد الفلسفي في المثالية الألمانية، ويكشف عن انتقال حاسم من الفلسفة النقدية المتعالية إلى المنطق الجدلي والمثالية المطلقة. ينظر هيجل إلى إنجاز كانط في اكتشاف المقولات بوصفه خطوة تاريخية عظيمة، لكنه يراه في الوقت نفسه إنجازاً ناقصاً ومحدوداً يحتاج إلى تجاوز جذري. ويتوزع رأيه بين التقدير النقدي والاعتراض المنهجي والأنطولوجي، ويمكن تلخيصه في المحاور الآتية. يعترف هيجل بفضل كانط في إبراز أن المقولات ليست مستمدة من التجربة الحسية، بل هي مفاهيم قبلية للفهم تجعل التجربة الموضوعية ممكنة. ويرى في الاستنباط المتعالي محاولة جادة لإثبات أن هذه المفاهيم شروط ضرورية لكل معرفة. كما يقدر جهود كانط في ربط المقولات بصور الحكم المنطقي، وفي الكشف عن دورها في توحيد كثرة الحدوس الحسية. وبهذا المعنى، يمثل كانط في نظر هيجل نقطة تحول أنهت مرحلة الوعي الساذج الذي يتعامل مع المقولات بوصفها مجرد أدوات لغوية أو أونطولوجية مباشرة، وفتح الباب أمام فهم أعمق لعلاقة الفكر بالواقع. غير أن هذا التقدير سرعان ما يتحول إلى نقد جذري يكشف عن حدود المشروع الكانطي. يتركز اعتراض هيجل الأعمق على الطابع الذاتي الذي أضفاه كانط على المقولات. فالمقولات عند كانط صور للفهم البشري تُطبق على الظواهر فقط، ولا تطال الشيء في ذاته. ويؤدي هذا إلى ثنائية حادة بين ما نعرفه (الظاهرة المنظمة بالمقولات) وما لا نعرفه (الشيء في ذاته). ويرى هيجل أن هذه الثنائية تُفرغ المعرفة من مضمونها الحقيقي، وتجعل المقولات مجرد أطر شكلية فارغة تُفرض من الخارج على مادة حسية غريبة عنها. بالنسبة إلى هيجل، إذا كانت المقولات شروطاً ضرورية للموضوعية، فلا يمكن أن تبقى ذاتية فقط. بل يجب أن تكون في الوقت نفسه موضوعية، أي أن تعبر عن بنية العقل الكلي أو الروح المطلق الذي يتجلى في الواقع نفسه. فالمقولات ليست أدوات يمتلكها الذات الفردية، بل لحظات في تطور الفكرة المطلقة. ومن هنا يرفض هيجل فكرة «الشيء في ذاته» بوصفها بقايا ميتافيزيقية غير نقدية، ويؤكد أن ما يبدو «في ذاته» هو في الحقيقة مرحلة من مراحل تطور الوعي أو المنطق لم تُفهم بعد فهماً جدلياً. ينتقد هيجل الطريقة التي قدم بها كانط جدول المقولات. فبدلاً من أن يستنبط المقولات استنباطاً داخلياً مترابطة، اعتمد كانط على تصنيف جاهز لصور الحكم، ونقل هذا التصنيف إلى مقولات الفهم بشكل يكاد يكون آلياً. ويرى هيجل أن هذا الإجراء خارجي وتعسفي إلى حد كبير، ويفتقر إلى الضرورة الداخلية. في المقابل، يسعى هيجل في «علم المنطق» إلى عرض المقولات بوصفها نظاماً حركياً يتطور جدلياً. تبدأ الحركة من الأشد تجريداً (الوجود الخالص)، ثم تنتقل عبر النفي والتناقض إلى مقولات أكثر تعييناً وثراءً، حتى تصل إلى الفكرة المطلقة. كل مقولة تنطوي على تناقض داخلي يدفعها إلى تجاوز نفسها والانتقال إلى ما يليها. أما جدول كانط فيبدو في نظر هيجل ساكناً ومتجاوراً، يفتقر إلى هذه الحياة الجدلية التي تجعل المقولات تتولد بعضها من بعض بالضرورة. كما يأخذ هيجل على كانط أنه أبقى المقولات في مستوى الذهن ولم يرتقِ بها إلى مستوى العقل. الذهن عند هيجل يفصل ويثبت المتناهيات، بينما العقل يدرك الوحدة الجدلية للمتناهيات داخل اللامتناهي. ومن ثم فإن مقولات كانط تظل أسيرة المتناهي والتجريد، ولا تبلغ المضمون العيني للحقيقة.  كما يضع هيجل نقده لمقولات كانط داخل تصور تاريخي لتطور الفلسفة. فيرى أن كانط يمثل مرحلة الوعي الذاتي النقدي التي اكتشفت نشاط الفكر، لكنها توقفت عند حدود هذا الاكتشاف ولم تجرؤ على المضي قدماً نحو المثالية المطلقة. وكانط، بهذا المعنى، أشبه بمن وصل إلى باب الهيكل ولم يدخله. أما هيجل فيعتبر مشروعه الخاص استكمالاً ضرورياً لما بدأه كانط: تحويل المقولات من شروط ذاتية للمعرفة إلى مضمون موضوعي للعقل المطلق، ومن جدول ساكن إلى حركة جدلية حية.ويظهر هذا التجاوز بوضوح في «فينومينولوجيا الروح» و«علم المنطق»، حيث تتحول المقولات إلى لحظات في صيرورة الروح أو الفكرة، لا تعود مفصولة عن الوجود، بل تكون هي الوجود في تفكره الذاتي.


خاتمة


تظهر المواجهة بين المقولات الأرسطية والمقولات الكانطية أن مفهوم المقولة نفسه يحمل تاريخاً من التحولات الجذرية: من أداة للكشف عن أنحاء الوجود إلى شرط لإمكان ظهور الموضوع المعرفي. وفي كل تحول تُعاد صياغة العلاقة بين الفكر والوجود، وبين الصورة والمضمون، وبين المنطق والأنطولوجيا أو الإبستمولوجيا. والمقاربة الاستشكالية تكشف أن هذه التحولات لا تُلغي الأسئلة الأساسية بقدر ما تعيد طرحها بصيغ جديدة. فهل المقولات مرآة للوجود أم شبكة يفرضها الفكر على الوجود؟ وهل يمكن لصور الفكر أن تكون خالصة تماماً دون أن تفقد قدرتها على ملامسة الواقع؟ هذه الأسئلة تظل معلقة، وهي في تعليقها هذا تدعو إلى مواصلة التفكير لا إلى إغلاقه. وهكذا تتحول المقارنة من مجرد تمرين تاريخي إلى أفق مفتوح للاستشكال الفلسفي المستمر. لذلك يمكن تلخيص رأي هيجل في مقولات كانط بأنه تقدير مشوب بتحفظ جذري. فقد رأى فيها اكتشافاً حاسماً للطابع القبلي والضروري لمفاهيم الفهم، لكنه رفض ذاتيتها وشكلية جدولها وارتباطها بثنائية الظاهرة والشيء في ذاته. وبدلاً من الإبقاء على المقولات كأطر فارغة تُطبق من الخارج، طالب هيجل بفهمها بوصفها لحظات حية ومتطورة داخل العقل الموضوعي نفسه. وبهذا حوّل هيجل المقولات من أداة معرفية متعالية إلى مضمون أنطولوجي-منطقي جدلي، مؤسساً بذلك نقلة فلسفية كبرى ما زالت آثارها ممتدة في الفكر الحديث والمعاصر.


تتجاوز هذه التوترات مجرد المقارنة التاريخية لتفتح على أسئلة فلسفية أساسية. أولها سؤال تأسيس المنطق نفسه: هل المنطق علم صوري مستقل يمكن أن يُشتق منه شروط المعرفة، أم أنه دائماً مسبوق بتصور معين عن الوجود أو عن الذات؟ المواجهة بين أرسطو وكانط تظهر أن كل محاولة لتأسيس المقولات تحمل في طياتها افتراضات غير مصرح بها حول علاقة الفكر بالواقع.


ثانيها سؤال حدود النقدية. إذا كانت المقولات عند كانط شروطاً لإمكان التجربة، فهل يمكن نقد هذه الشروط نفسها دون الوقوع في تناقض؟ أي هل يمكن للفكر أن يتجاوز مقولاته الخاصة ليحكم عليها من خارجها؟ هذا السؤال يمس إمكان الفلسفة النقدية ذاتها، ويفتح الباب أمام تساؤلات لاحقة حول تاريخية المقولات أو نسبيتها.


ثالثها سؤال العلاقة بين الكلي والجزئي. في الأرسطية يرتبط الكلي بالجوهر الثاني ويتأسس على الجزئي. وفي الكانطية يصبح الكلي شرطاً قبلياً يُنظم الجزئي الحسي. لكن في كلا الحالين يظل السؤال قائماً: كيف ينتقل الفكر من الصورة الكلية إلى المضمون الجزئي دون أن يفقد شيئاً من صرامة الصورة أو من غنى المضمون؟


هذه الأسئلة لا تُحل داخل أي من النظامين بشكل نهائي، بل تظل مفتوحة، وهذا بالضبط ما يجعل المقاربة الاستشكالية خصبة. فهي لا تسعى إلى ترجيح كفة على أخرى، بل إلى إبقاء التوتر حياً بوصفه محركاً للتفكير الفلسفي


كاتب فلسفي

منعوا الرئيس…لن يستطيعوا منع فلسطين/ ماجد هديب



لم يكن منع الرئيس الفلسطيني محمود عباس من الوصول إلى نيويورك للمشاركة حضورياً في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد إجراء يتعلق بالتأشيرة والسفر، بل حمل في توقيته ودلالاته السياسية معنى يتجاوز شخص الرئيس إلى القضية التي يحملها والشعب الذي يمثله.

تستطيع الولايات المتحدة الامريكية  أن تمنع الرئيس الفلسطيني من عبور حدودها، لكنها لا تستطيع أن تمنع قضية فلسطين  من الوصول إلى قاعة الأمم المتحدة ، ولا أن تلغي حضور الشعب الفلسطيني من ذاكرة العالم ولا من ضميره حتى وان نجحت مؤقتا هذه الدولة الاستعمارية  في الاستيلاء على هذا الضمير وتلك الذاكرة.

ان  غياب الرئيس الفلسطيني القسري عن مقعده في قاعة الامم المتحدة لا يجب ان يسهم في غياب فلسطين الفعلي عن المشهد ,ولذلك فان طريقة المشاركة عن بُعد يجب ان تحول  واقعة المنع نفسها في فحوى الخطاب السياسي الفلسطيني المرتقب أمام المجتمع الدولي , وهنا يبرز السؤال الاهم وهو: ماذا ستفعل القيادة الفلسطينية لدفع الشعب نحو تصدر قاعة الامم المتحدة, وليس لماذا مُنع الرئيس من الحضور في القاعة, لان هذا السؤال لم يعد منه جدوى فالقرار قد صدر ,ولا يستطيع العرب مجرد النقاش  مع الولايات المتحدة حول  مشروعية هذا القرار او مدى مظلوميته .

علينا جميعا ان ندرك ان المرحلة الحالية لم تعد تحتمل خطاباً فلسطينياً يكتفي بعرض ألمأساة أو بتكرار المطالب التقليدية ,وعليه فان على الرئيس الفلسطيني أن يقول بوضوح إن  الشعب الفلسطيني صاحب حقوق مشروعة ,وقد ان لمن شرع  له تلك الحقوق ان يعمل على صونها وحمايتها, كما عليه ان يقول ان غزة ليست فراغاً سياسياً، وليست مشروعاً لإدارة مؤقتة بلا أفق، وليست ساحة مفتوحة لتعدد السلطات والسلاح ,بل ان غزة جزءا لايتجزا من الوطن الفلسطيني، ومستقبلها يجب أن يكون مرتبطاً بإعادة بناء نظام سياسي فلسطيني موحد، ومؤسسات مهنية، وأجهزة أمنية تعمل وفق القانون وتخدم المواطن، لا وفق الانتماء السياسي.


وفي الوقت نفسه، فإن إنهاء الانقسام لا يجب أن يبقى شعاراً تردده القوى والفصائل كلما اقتضت مصلحتها ذلك بعيدا عن مصلحة الوطن والمواطن والقضية  وعليه فان الرئيس الفلسطيني ان يطالب العالم بمساعدة الشعب الفلسطيني لتجديد الشرعية السياسية من خلال الانتخابات،من اجل ان يكون المواطن الفلسطيني هو صاحب الكلمة في اختيار ممثليه حيث ان وصول سجل الناخبين إلى نحو 2.97 مليون ناخب يضع أمام القيادة والفصائل  والعالم ايضا استحقاقاً سياسياً لا ينبغي تجاهله فمن حق الشعب الذي يُطلب منه الصمود والدفاع عن قضيته  والتعايش ايضا مع جيرانه ان تكون له فرصة اختيار من يمثله.


أما الرسالة  التي يجب ان يوجهها الرئيس إلى إسرائيل ومن يدعمها  فينبغي أن تكون واضحة وهي ان  الأمن لا يمكن أن يكون بديلاً عن السلام، والقوة العسكرية لا تستطيع وحدها أن تنتج استقراراً دائماً ,فإذا ما كان العالم يتحدث عن حل الدولتين، فإن المطلوب الانتقال من إدارة الصراع إلى معالجة جذوره وهي دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل وحقوق متبادلة، وترتيبات أمنية تضمن سلامة الطرفين، ومرجعية دولية واضحة.


وفي المقابل، على القيادة الفلسطينية أن تقدم للعالم شيئاً يتجاوز المطالبة بالحقوق الى تقديم مشروع دولة تقوم على القانون، وتوحيد المؤسسات، ومكافحة الفساد، واستقلال القضاء، واحتكار السلطة الشرعية للسلاح، وحماية الحريات، وإجراء الانتخابات، وإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم ففي ذلك فقط تصبح واقعة منع الرئيس من السفر أقل أهمية من الرسالة التي يمكن أن تنتج عنها,كما يمكن أن تصبح واقعة المنع مناسبة لإعادة تعريف العلاقة بين القيادة والشعب، وبين فلسطين والمجتمع الدولي.

ان فلسطين لم تعد بحاجة الى ان يسمع العالم شكواها فقط   ؛ بل تحتاج إلى أن يسمع العالم منها مشروعها  لإنهاء الحرب، إعادة إعمار غزة، توحيد المؤسسات، تجديد الشرعية بالانتخابات، بناء مؤسسات دولة مهنية وقانونية، وإنهاء الاحتلال عبر تسوية سياسية تقوم على دولتين تعيشان جنباً إلى جنب بسلام وأمن.


نعم يمكن أن يُمنع  الرئيس من السفر، ويمكن تغييبه عن الجلوس في القاعة, لكن  قد يصبح الغياب عن قاعة الأمم المتحدة حضوراً سياسياً مختلفاً اذا ما اثبت في خطابه بان الشعب لا يمكن منعه من حقه في تقرير مصيره، والدولة لا تُبنى بالتأشيرات، وفلسطين لا تختصر في شخص رئيس أو وفد أو خطاب


إن التحدي الحقيقي أمام القيادة الفلسطينية اليوم ليس كيف تعوض غياب الرئيس عن مقعده في الأمم المتحدة، وإنما كيف تجعل من هذا الغياب لحظة لإعادة بناء الحضور الفلسطيني  فحينها فقط يمكن القول ..نعم لقد نجحوا في منع الرئيس عن الحضور في  قاعة الامم المتحدة, ولكنهم لم ينجحوا في منع فلسطين من تصدر  اعمال هذه القاعة .


آخر مرة التي لا يخبرك بها أحد: سامحني.. لم أكن أعلم أنها آخر مرة/ الدكتور حسن العاصي



أكاديمي وكاتب فلسطيني


قبل أن تبدأ القراءة، تذكّر شخصاً تحبه. شخصاً تستطيع الآن أن تتصل به، أن تسمع صوته، أن تخبره أنك اشتقت إليه. تذكّره جيداً، ثم تخيّل للحظة أن هذه الفرصة انتهت، إلى الأبد.

تخيّل أن هاتفه سيرنّ للمرة الأخيرة، وأن صورته ستبقى كما هي، بينما يمضي العالم كله من حولها. تخيّل أن هناك كلمة واحدة فقط كانت تفصل بينك وبين راحة قلبك، لكنك لم تقلها. عناقاً واحداً أخّرته. رسالة واحدة ظننت أن إرسالها يمكن أن ينتظر حتى الغد. ثم جاء الموت أسرع من الغد.

بعض النصوص لا تُقرأ بالعينين، بل بالجروح القديمة. وهذا النص واحد منها. لأنه لا يتحدث عن الموت فقط، بل عن تلك الطعنة التي تأتي بعده. عن الكلمات التي ماتت في حناجرنا، وعن الأبواب التي كان يجب أن نطرقها فلم نفعل، وعن الأشخاص الذين رحلوا وهم يظنون أننا لا نشتاق إليهم كما كانوا يشتاقون إلينا.

وربما، بين هذه السطور، ستجد وجهاً غاب منذ سنوات وما زلت تبحث عنه في الزحام، وصوتاً ما زال يزورك في منتصف الليل، ودمعةً أخفيتها طويلاً حتى أقنعت نفسك أنك تجاوزت الفقد، ثم اكتشفت أن بعض الأحزان لا تُشفى أبداً، بل تتعلّم فقط كيف تسكن القلب دون أن تُحدث ضجيجاً.

فإن شعرت وأنت تقرأ أن صدرك يضيق، وأن عينيك تلمعان بالدموع، فلا تحاول المقاومة، لأن هذا النص ليس عن الذين رحلوا فقط، بل عن الجزء الذي أخذوه معهم من أرواحنا حين رحلوا. وعن ذلك الندم الثقيل الذي يبقى جالساً إلى جوارنا طوال العمر، يهمس لنا كل ليلة: "لو كنت أعلم أنها آخر مرة".


  الذين أخذوا معهم نصف أرواحنا

لا شيء يُحطم الإنسان مثل فكرة أن هناك أشخاصاً ماتوا وهم ينتظرون منا شيئاً صغيراً جداً. مكالمة، رسالة، حضناً دافئاً. ربما كلمة: "سامحني". أو كلمة: "أحبك". أو حتى سؤالاً عابراً: "كيف حالك؟" ثم ماتوا. ومات معهم كل شيء.

تخيل رجلاً عجوزاً يجلس في مساء بارد، ينظر كل دقيقة إلى باب بيته معتقداً أن ابنه سيأتي اليوم. يفكر: ربما تأخر في العمل. ربما ازدحم الطريق. ربما سينقر الجرس بعد قليل.

فيرتب كلماته في رأسه. يجهز ابتسامة اشتاق إليها شهوراً. ويجلس منتظراً، ثم يموت قبل أن يُفتح الباب. بينما الابن كان يظن أن هناك وقتاً كافياً للزيارة.

دائماً نعتقد أن هناك وقتًاً وهذه هي الكذبة الكبرى. نعتقد أن أمهاتنا سيبقين هنا عاماً آخر. وأن آباءنا سيعيشون حتى نحقق أحلامنا. وأن أصدقاءنا سيظلون يجيبون على هواتفهم.

وأن الذين نحبهم يمكن تأجيل الحديث معهم إلى الغد. لكن الغد وحش مفترس. يأكل ملايين الأمنيات كل يوم.

كم مؤلم أن تفتح هاتف شخص مات فتجد آخر رسالة منه لم ترد عليها. رسالة عادية جداً: "اتصل بي عندما تكون متفرغًااً ثم لا تتصل. ثم يموت. وتبقى تلك الجملة في الهاتف سنوات. كأنها قبر صغير مضيء. وكلما رأيتها تشعر أن قلبك يُسحق مرة أخرى.

لأن الموت مؤلم، لكن الندم أشد. الموت يأخذ الأحباء، أما الندم فيبقى مع الأحياء.

هناك أشخاص يعيشون عشرين سنة بعد فقدان أحبائهم، لكنهم في الحقيقة لم ينجوا من آخر مرة رأوهم فيها. ما زالوا عالقين هناك: في ذلك الباب، في ذلك المستشفى، في ذلك الرصيف، في تلك الدقيقة، في تلك النظرة. ما زال جزء منهم راكعاً في الماضي يبكي.

أتعرف ما الشيء الأكثر فظاعة؟ أن الميت لا يعلم حجم الكارثة التي تركها خلفه.

الأم التي رحلت لا تعرف أن ابنتها ما زالت تبكي كلما رأت ثوباً يشبه ثيابها.

والأب الذي مات لا يعرف أن ابنه ما زال يبحث عن صوته بين التسجيلات القديمة.

والصديق الذي غاب لا يعرف أن أحدهم ما زال يكتب له الرسائل في رأسه كل ليلة.

لا أحد يخبر الموتى أن هناك أناساً مات نصفهم يوم رحلوا. وأن النصف الآخر يواصل التنفس فقط. فقط يتنفس، لا أكثر.

لا أحد يخبرك أنها المرة الأخيرة عندما تحدث، آخر مرة ضحكت فيها مع شخص أحببته، لم تكن تعلم أنها الأخيرة. آخر مرة سمعت صوته، آخر رسالة قرأتها منه، آخر عناق، آخر لقاء، آخر نظرة عابرة ظننت أنها ستتكرر ألف مرة.

نحن نعيش حياتنا وكأن كل شيء سيبقى كما هو، وكأن الأشخاص الذين نحبهم خالدون في أيامنا، وكأن الأبواب التي نغلقها اليوم سنفتحها غداً بسهولة.

لكن الحياة لا تعطي إنذاراً أخيراً. في يوم ما، ستتذكر حديثاً عادياً جداً، وستبكي. ستتذكر ضحكة لم تمنحها اهتماماً، وكلمة وداع قلتها على عجل، ومكالمة أنهيتها لأنك كنت مشغولاً، وستكتشف بعد فوات الأوان أنها كانت آخر مرة.

أقسى ما في "آخر مرة" أنها لا تبدو مختلفة عن كل المرات السابقة.

لا موسيقى حزينة ترافقها، ولا إشارات تحذير، ولا صوت يخبرك أن تمهل قليلاً، أن تنظر أكثر، أن تعانق أطول، أن تقول أحبك مرة إضافية.

فجأة يصبح كل شيء ذكرى. ويصبح الشخص الذي كان يملأ أيامك مجرد صورة، وصوت محفوظ في قلبك، وحنين لا يجد طريقاً للعودة. ثم تقضي العمر كله تتمنى دقيقة واحدة فقط، دقيقة واحدة لتعود إلى تلك "الآخر مرة" التي لم تعرف أنها الأخيرة.

لتطيل الحديث قليلاً، لتؤجل الرحيل قليلاً، لتقول ما سكتّ عنه، لتحتضن من فقدته بقوة أكبر. لكن الزمن لا يعود، ويبقى في القلب وجع صغير اسمه: "لو كنت أعلم أنها آخر مرة، لما غادرت بهذه السرعة.

بعض الناس لا يكسرهم الفراق، بل تكسرهم فكرة أنهم لم يعرفوا أن ذلك اللقاء كان الأخير.

إن فكرة "آخر مرة" مرعبة لأننا لا نلاحظها أبداً. آخر مرة سمعت فيها صوت أمك، آخر مرة قبّلت فيها يد أبيك، آخر مرة ضحك فيها أخوك أمامك، آخر مرة سمعت صديقك يقول اسمك.


انتهت، وانقضت، وابتلعتها السنوات، ولم يخبرك أحد أنها الأخيرة.

ولهذا السبب، عندما يتذكر الناس موت أحبائهم، فهم لا يبكون لحظة الوفاة فقط، بل يبكون كل اللحظات التي سبقتها. يبكون المكالمة التي لم يردوا عليها، والزيارة التي أجلوها، والاعتذار الذي تأخروا فيه، والحضن الذي بخلوا به، والكلمات التي ظلت حبيسة صدورهم حتى أصبحت بلا فائدة.

ثم يأتي الليل، ذلك الليل اللعين. حين ينام العالم كله، ويستيقظ الغياب، فتجلس وحدك، تحدق في صورة لا تتحرك.

 وتدرك فجأة أن الشخص الموجود فيها لن يشيخ أبداً، لن يتصل أبداً، لن يطرق الباب أبداً، لن يضحك أبداً، لن يعود أبداً، وعندها، لا تبكي لأنك فقدته فقط، بل لأنك عرفت متأخراً جداً، أن تلك المرة التي استعجلت فيها الوداع، وتلك اللحظة التي قلت فيها: "سأراه لاحقاً" كانت هي "لاحقاً" الأخيرة في حياتك كلها.


الأبواب التي أغلقتها الحياة إلى الأبد

أوجع ما في الحياة أن كل شيء جميل ينتهي في لحظة عادية جداً، دون أن يخبرك أنها اللحظة الأخيرة. فآخر مرة لا تطرق الباب قبل أن تأتي. لا ترسل رسالة تحذير، لا تترك لك فرصة للاستعداد. تمر بين أيامك بهدوء، متنكرة في ثوب يوم عادي، ثم تختفي إلى الأبد. وتمضي السنوات بعد ذلك وأنت تحاول عبثاً أن تعود إليها.

آخر مرة رأيت فيها أبي يبتسم، آخر مرة قبلت فيها يد أمي، آخر مرة جلست فيها مع صديق ظننت أنه سيبقى العمر كله بقربك، آخر مرة سمعت صوت شخص كنت تظن أن الحياة لا يمكن أن تمضي يوماً واحداً بدونه، كلها كانت مرات عادية جداً.

لم يكن هناك ما يوحي بأنها النهاية. كنت تؤجل الكلام، وتؤجل الحب، وتؤجل الاعتذار، وتؤجل العناق. كنت تظن أن الغد موجود دائماً، لكن الغد أحياناً لا يأتي. وفجأة تصبح كل الطرق التي كانت تؤدي إلى شخص ما، مغلقة.

كل الرسائل التي كنت تستطيع إرسالها، بلا عنوان. كل الكلمات التي احتفظت بها، بلا مستمع. كل الحب الذي أخفيته، بلا قلب يصل إليه.

ثم تبدأ رحلة الندم الطويلة، رحلة البحث داخل الذاكرة عن أدق التفاصيل.

عن نبرة الصوت، عن ملامح الوجه، عن الضحكة التي لم تنتبه إليها، عن النظرة التي مرت سريعاً، عن آخر كلمة قيلت، عن آخر وداع.

وتكتشف أن الإنسان لا يتذكر اللحظات الكبيرة كما يتذكر الأشياء الصغيرة. يتذكر كوب القهوة الذي شربه معه، المقعد الذي جلسا عليه، الطريق الذي سارا فيه معاً، يتذكر ضحكة عابرة، ومزحة سخيفة، وجملة لم يكن لها أي معنى وقتها.

ثم تصبح هذه الأشياء البسيطة أثمن من كنوز الأرض كلها. لأنها كل ما تبقى، كل ما تبقى من شخص لن يعود. وما أقسى أن تدرك بعد سنوات أنك كنت تعيش أجمل أيام عمرك دون أن تعرف.

كنت تتذمر من الأيام وهي النعيم نفسه. كنت تشتكي من الزحام بينما هناك من يتمنى دقيقة واحدة فقط من تلك الأيام. دقيقة واحدة، ستون ثانية فقط، ليجلس مجدداً مع من فقد، ليسمع صوته. ليقول له: "انتظر قليلاً... لا ترحل الآن."

لكن الحياة لا تسمع التوسلات المتأخرة، فالقطارات التي تغادر لا تعود، والأعمار التي تمضي لا تلتفت خلفها، والأشخاص الذين أخذتهم الأقدار لا يفتحون الأبواب مرة أخرى.

وفي ليالٍ كثيرة، بينما ينام الجميع، يبقى الإنسان مستيقظاً مع ذاكرته، يتأمل صوراً قديمة، يقرأ رسائل قديمة، يستمع إلى تسجيلات قديمة، ويبكي على أشياء لم يكن يظن يوماً أنها ستجعله يبكي.

يبكي لأنه لم يحتضنهم أكثر، لأنه لم يتحدث معهم أكثر، لأنه انشغل عنهم بأشياء نسيها هو نفسه، بينما هم رحلوا وبقي وجع رحيلهم.

ويبقى سؤال واحد يطارده حتى آخر العمر: ماذا لو كنت أعلم؟ ماذا لو كنت أعلم أن تلك الضحكة هي الأخيرة؟ وأن ذلك اللقاء هو الأخير؟ وأن ذلك الباب الذي أغلقته خلفي لن أفتحه مرة أخرى أبداً؟ ماذا لو كنت أعلم أنني أنظر إلى وجهه للمرة الأخيرة؟

هل كنت سأرحل بهذه السرعة؟ هل كنت سأكتفي بهذا الكلام؟ هل كنت سأتركه يذهب دون عناق أطول؟ دون كلمة أحبك؟ دون اعتذار؟ دون أن أخبره كم كان يعني لي؟

لكن الحقيقة الموجعة، أننا لا نعرف أبداً أنها "آخر مرة" إلا بعد أن تصبح ذكرى، وبعد أن يصبح الوصول مستحيلاً، وبعد أن تمتلئ قلوبنا بتلك الأمنيات التي لا يمكن تحقيقها.

لهذا لا تبكِ فقط على من فقدتهم، ابكِ على كل الكلمات التي لم تقلها لهم، ابكِ على كل العناق الذي أجلته، ابكِ على كل مرة قلت فيها: "لاحقاً". فقد يكون "لاحقاً" هو الكلمة التي اخترعها الندم قبل أن يولد.

وفي نهاية العمر، لن يحطم قلبك ما فعلته، بل ما لم تفعله، وما لم تقله، ومن لم تعانقه، ومن لم تخبره أنك تحبه.

لأن أصعب حقيقة في هذه الحياة كلها هي أن الإنسان يستطيع أن يتحمل الفراق، لكنه لا يستطيع أن يتحمل فكرة أن آخر لقاء قد مرّ بالفعل، وأنه لم يكن يعلم أنه الأخير.


قبر صغير مضيء في شاشة هاتف

أحياناً لا يكون القبر تحت التراب، بل في شاشة هاتف تضيء في منتصف الليل. رسالة قديمة من إنسان رحل، بضع كلمات عادية جداً، لكنها تكفي اليوم لتمزيق قلبك ألف مرة، لأن صاحبها لم يعد موجوداً ليقرأ ردّك الذي تأخر كثيراً.

تفتح المحادثة فتشعر وكأنك تزور ميتاً بصمت؛ تتأمل آخر ما كتبه، وتدرك أن بينك وبينه الآن مسافة لا تقاس بالكيلومترات ولا بالسنوات، بل بشيءٍ أكثر قسوة، اسمُه: "فات الأوان".

هناك أشخاص لم نودعهم حقاً، خرجوا من يوم عادي، ثم تحولوا إلى حنينٍ أبدي يسكن القلب حتى آخر نبضة.

حين قلت له "إلى اللقاء" في آخر مرة لم تعرف أن اللقاء لن يأتي أبداً، لهذا أبكي. لا أبكي لأنك رحلت فقط، بل لأنني لم أعرف أنك راحل، أبكي لأنني لو عرفت لاحتضنتك أكثر، ولنظرت إلى وجهك أكثر، ولسمعت حديثك حتى آخر كلمة، ولأخبرتك كم أحببت وجودك في حياتي، وكم سيصبح العالم بارداً وموحشاً بعد غيابك.

لكنني لم أفعل. تركت اللحظة تمر، وتركت العمر يمر معها، وبقيت أنا هنا، أحمل عقوبة أبدية اسمها: "لو كنت أعلم أنها آخر مرة".

فبعض الأحزان لا تأتي من الفقد نفسه، بل من اللحظة التي ندرك فيها متأخرين أن أجمل لقاء في حياتنا انتهى، وأننا غادرناه بعجلة، بينما كان هو الوداع الأخير إلى الأبد.

وفي النهاية، لا يبقى من الإنسان إلا ما منحه للذين أحبهم. أما الكلمات التي أخفاها، والاعتذارات التي أجّلها، والعناق الذي بخل به، فتتحول إلى أشواكٍ تسكن روحه ما بقي حيّاً.

سيأتي يوم تفتح فيه صورة قديمة، فتتوقف أنفاسك للحظة، لأن الوجوه التي فيها لم تعد هنا، ولأنك ستتذكر فجأة أنك كنت تستطيع أن تقول أكثر، وأن تبقى أكثر، وأن تحب أكثر، لكنك لم تفعل. حينها لن يؤلمك أنهم رحلوا فقط، بل سيقتلك أنك لم تُدرك أنهم كانوا يودّعونك في كل مرة رأيتهم فيها. وما أقسى أن يحمل الإنسان في قلبه جنازةً لا تنتهي، وأن يعيش بقية عمره وهو يطرق أبواباً أغلقتها الأقدار، وينادي أسماءً لا يجيبه منها أحد.

فإن كان هناك شخص تحبه ما زال على قيد الحياة، فلا تؤجل شيئاً. اتصل به الآن، اكتب له الآن، احتضنه الآن. لأن بعض القبور لا تُدفن تحت التراب... بل تُدفن في كلمةٍ لم تُقل، ورسالةٍ لم تُرسل، ووداعٍ مرَّ مسرعاً، ثم ظلّ صاحبه يبكيه حتى آخر العمر.

سامحني، لم أكن أعلم أنها كانت آخر مرة.

ياْ إلهي/ شوقي مسلماني



قصّ عليَّ، ولا مصلحة له أن يكذب، ولا عهد لي به كاذباً، وعموماً هو أجلّ من أن يغتاب ظلماً، وقال عن "كاتبة وإعلاميّة" إنّه ذاته سألها "كيف تعيشين"؟ 

ما دامت وزوجها "عاطلين عن العمل"، وفي الأيّام الحرجة اقتصاديّاً وأمنيّاً، قالت: "أعمل أربع ساعات في اليوم واللهُ ساترها"، وسألها ماذا تعمل بالتحديد؟ قالت، وبصراحة مطلقة، وكأنّ الأمر عاديّ جدّاً، وغيرها كثر يعملون عملها: 

"مطلوب منّي في فايسبوك إنّي "نقِّر" بالصحّ وبالخطأ وبالحقّ وبالباطل وبالطريقة "التي أنا أراها" ـ إلاّ إذا جاءت تعليمات معيّنة ـ على "العونيين" ـ "التيّار الوطني الحرّ" ـ على "ميشال عون" ـ رئيس الجمهوريّة السابق ـ و"على "جبران باسيل، وبيدفعولي"!. 

ولم يشأ أن يقول لها إنّها تعمل "ذباباً الكترونيّاً"، لا أدباً إنّما هي المفاجأة من هذه الصراحة وقد أخذته مثل أن تكون  تعرض عليه أيضاً أن تشغّله معها وهي ستعمل له "واسطة"!. 

أيّ منحدر بلغ بعض "الكتّاب والإعلاميين" اللبنانيين وغيرهم كُثُر من الخليج "الثائر" إلى المحيط "الهادر" أو من الخليج "الإبراهيمي" إلى المحيط "الهامد". 

SHAWKIMOSELMANI1957@GMAIL.COM



الموتُ سريرُ الأجسادِ/ د. عدنان الظاهر



أملٌ فاتَ الوعدَ وجازَ الحدّا

دمعٌ من ماءِ الشيطانِ يسيلُ وضوءا

رمزٌ في الزحفِ يُقابلُ زحْفا

جفَّ النبعُ المُستيقظُ إسرافاً مدّا

ماذا أبقى للباقي في ماءِ البحرِ غريقا

يتنفسُّ مِرجانَ الذكرى أملاحاً حُسنى ..

ودّعتُ الغائبَ لم أعقدْ عزْما

كان الغائبُ مشحوناً صمْتا

مُلتفّاً بالغيمةِ والهيبةِ والدمعِ القاني

أسألُ لا هُدْبٌ رفَّ ولا مِتراسُ الأجفانِ

 غابتْ والتيهُ مقالُ التجديفِ ببحرِ النسيانِ

أَيحارُ المرءُ وقوفا

أمْ يسعى والضوءُ الخافي يشتدُّ سطوعا ؟

أينَ أُوجّهُ وَجهي

الوجهُ الصُلْبُ أخاديدُ منازلِ أسلافِ الأهلِ

حفروها بالخطِّ المسماريِّ وغابوا

رملٌ في الغيبِ يُداعبُ أجفاني

وخواطرُ ما أقساها مرّتْ

مَرَّ الغيثِ الهاطلِ في عينِ الأنواءِ

والموتُ سريرُ الأجسادِ

خطَّ الأقدارَ بجبّارِ السلطانِ

لم يُفصحْ عن أملٍ في مغزى أو رؤيا

لم يكشفْ عن جهلٍ قصْدا

راوغَ حتّى زاغَ وجازَ الأحمرَ خطّا

هل أبقى للصدرِالحاملِ همّاً شيئا ؟


هل هذه آخر حروب السعودية؟/ عباس علي مراد



في مقابلة مع الصحافي الراحل محمد حسنين هيكل عام 2015، قال فيها: "علينا أن ندرس أولاً: إلى أي مدى عاوزة السعودية؟ إلى أي مدى قادرة؟ الرغبة قد تكون موجودة، لكن إلى أي مدى مستعدة للتكاليف؟ لأنك أنت أمام اليمن، اليمن بركان نائم في جنوب شبه الجزيرة العربية، إذا انفجر سوف يجرف كل المنطقة. لم يكن السعوديون يخافون من أي حاجة أبداً، واليمن هو الهاجس الموجود دائماً إذا انفجر هذا البركان".

 منذ عام 1967 كانت دول "الاعتدال العربي" تموّل كل حروب أمريكا ضد البلدان التي كانت تدعو لمقاومة المشروع 

 الأمريكي-الصهيوني. 

خرجت مصر من المواجهة بعد توقيع أنور السادات اتفاقية كامب ديفيد، ومن ثمّ توالت عمليات التخلص من كل أعداء المشروع سواء في العالم الإسلامي أو العربي، فموّلت دول الاعتدال وجنّدت ودرّبت الإسلاميين وأرسلتهم تحت الإشراف الأمريكي إلى أفغانستان التي كانت خاضعة للسيطرة السوفيتية. خسر السوفيت الحرب، وكان ذلك مقدمة لانهيار الاتحاد السوفيتي بالتحالف مع عوامل أخرى ساهمت في هذا الانهيار.

 في العام 1975 اشعلوا الأهلية اللبنانية ، واجتاحت إسرائيل جنوب لبنان عام 1978 لإبعاد الفلسطينيين من الجنوب، وكان الاجتياح الإسرائيلي الاوسع عام 1982، حيث وصلت قواتها الى العاصمة بيروت وتم إخراج منظمة التحرير الى تونس، ووقعت مجازر صبرا وشاتيلا التي راح ضحيتها الآلاف من المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين.

في العام 1981 أطلقت السعودية مبادرة السلام العربية في القمة  العربية في مدينة فاس المغربية، والتي عرفت بمبادرة الملك فهد الذي (كان وقتذاك ولي العهد) والتي لم تلقى تجاوب الكيان الإسرائيلي.

 موّلت دول 'الاعتدال العربي' المجهود الحربي العراقي في الحرب العراقية الإيرانية من العام 1980 حتى العام 1988

 والتي كان الهدف منها كبح وتطويق الثورة الوليدة في إيران.

عندما انتهت تلك الحرب، اجتاح صدام حسين الكويت عام 1990، ولإخراجه من الكويت، شكلت الولايات المتحدة ما عرف بالتحالف الدولي لتحرير الكويت، والتي شاركت فيها دول عربية عديدة بعد ان امنت جامعة الدول العربية الشرعية لهذه الحرب. وكانت المرة الأولى في تاريخ الجامعة التي يتخذ القرار بالأغلبية بدلاً من الإجماع، بضغط من السعودية وحلفاءها.

بعد حرب تحرير الكويت، انعقد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، وبدأت تظهر إلى العلن التصدعات العربية؛ حيث وقع الفلسطينيون اتفاقية أوسلو عام 1993، والتي كان من المفترض أن تشكل نواة الدولة الفلسطينية بعد خمس سنوات من توقيعها، وهو ما لم يحدث بسبب عدم التزام إسرائيل بالاتفاق. ومن ثم، وقع الأردن اتفاقية وادي عربة عام 1994، وسط تراجع في التضامن العربي تجاه الإجراءات الإسرائيلية.

لاحقاً، عاد العرب بدعم سعودي وأطلقوا مبادرة السلام العربية من قمة بيروت عام 2002، التي رعاها الملك عبد الله (الذي كان وقتئذٍ ولياً للعهد). وكما هو معلوم، فقد تجاهلت إسرائيل المبادرة التي تبنت مبدأ 'الأرض مقابل السلام".

في العام2001  وبعد هجمات 11 سبتمبر على نيويورك وتدمير برجي التجارة العالمية، شكلت الولايات المتحدة تحالفاً دولياً 

لمحاربة الإرهاب، وشنت حرباً على أفغانستان أدت إلى إسقاط نظام طالبان واحتلال البلاد، وفي العام 2003، شنت الولايات المتحدة الأمريكية حربها على العراق واحتلته؛ وكانت كلا الحربين بتمويل من المال العربي.

 وفي العام 2006، شنت إسرائيل عدواناً واسعاً على لبنان؛ بهدف القضاء على المقاومة، وحظيتِ الحربُ بدعمٍ وتغطيةٍ عربيةٍ، ولا سيما السعودية منها.

في العام 2011، بدأت حرب دول الاعتدال العربي على سوريا؛ بهدف إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد ، وتم تشكيل تنظيم داعش، الذي كان رأس الحربة في مشروع إسقاط سوريا والعراق أيضاً. صمد نظام الأسد (سقط عام 2024)، بسبب الدعم الإيراني والروسي اللذين دخلا الحرب إلى جانبه، بالإضافة الى دخول حزب الله اللبناني ومجموعات عراقية وأفغانية للحرب الى جانب النظام.

في نفس العام 2011، مولت دول الاعتدال العربيةُ الحرب على ليبيا وإطاحةَ نظام معمر القذافي، وتشظت ليبيا بسبب الحرب التي دارت بين القوى الليبيةِ المدعومة من جهاتٍ عربيةٍ وغربيةٍ.

أما السودان، فقد جرى تقسيمه إلى شمال وجنوب، ومن ثم كانت الحرب الأهلية الوحشية التي مولتها وشاركت فيها دول عربيةٌ، أتت هذه الحرب على وحدةِ شمال السودان.

ولم يكن حظ اليمن أحسنَ من غيره من الدول العربيةِ؛ فقد جرت إعادة تقسيم اليمن مجدداً، وفي العام 2015 بدأ التدخل  في اليمن العسكري بقيادة السعودية ( عملية عاصفة الحزم) واستمرت الحرب بشكلها العسكري الشامل والكثيف زهاء سبعِ سنوات، حتى تم التوصل إلى هدنة إنسانية برعاية الأمم المتحدة في الثاني من أبريل 2022.

 وها هي السعودية تعاود الكرة اليوم وتبدأ حرباً جديدةً على اليمن، في خطوة يرى مراقبون أنها تأتي في سياق محاولات دعم الإدارة الأمريكية وتجنيبها الهزائم العسكرية والسياسية، خاصة بعد تعثر الحرب المشتركة مع إسرائيل على إيران.

وخلال الحرب الأمريكية والأسرائيلية على إيران 2025 و 2026 استُخدمت شبكة القواعد الأمريكية في دول الخليج والاردن كمنطلق أساسي لإدارة العمليات، والتوجيه، والتموين اللوجستي للضربات الموجّهة ضد إيران. وردّت إيران بقصف صاروخي وجوي مكثف ومباشر استهدف تلك القواعد.

  وفي 15 أيلول 2020 وقعت رسمياً في البيت الأبيض الاتفاقيات الإبراهيمية كل من الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين ، برعاية الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ولاحقاً وقع المغرب والسودان على تلك الاتفاقيات وتعمل الادارة الأميركية على توسيع هذه الاتفاقيات لضم دول عربية أخرى.

ما تقدم يعطي فكرة الى اي مدى انغمست دول الاعتدال العربي في التآمر على الشعوب العربية والإسلامية من أجل خدمة المشاريع الاميركية الصهيونية بحجة حماية أمنها القومي.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو لماذا عادت السعودية والان لفتح جبهة اليمين وما هي مصلحتها في ذلك؟ وهل ستكون هذه الحرب اذا ما توسعت آخر حروب السعودية وعرب الاعتدال بسبب تراجع الدور الاميركي وونهاية عالم الأحادية القطبية؟

يبدو ان محاولة السعودية لتشكيل تحالف ضد انصار الله في اليمن تواجه صعوبات، فها هي الباكستان التي كانت قد  حذرت مبدئياً من إمكانية دخول اتفاقية الدفاع حيز التنفيذ، تراجعت لاحقاً مدعيةً أنها لا تنطبق على وضع قائم (مثل الحرب التي تقودها السعودية والتي بدأت عام 2015).

بالإضافة الى ذلك فإن نظام الاحادية القطبية بدأ بالأفول مع صعود قوى مثل الصين وروسيا وتنامي دور القوى الإقليمية.

ويأتي التقرير الذي أصدره المفتش العام بوزارة الدفاع الأميركية، وهو الذي كشف عن حجم الخسائر والتكاليف التي تكبدتها الولايات المتحدة خلال الأشهر الأولى من الحرب على إيران وتداعياتها وكلفتها ( 33.4 مليار دولار حتى حزيران 2026)، وعدم الوصول الى نهاية سياسية واضحة، بسبب عدم جدوى القوة العسكرية رغم ان الولايات المتحدة الدولة الأقوى عسكرياً في العالم.

فهل تتعظ السعودية، وتذهب الى حل سلمي مع أنصار الله في اليمن، وإذا لا فهل تكون هذه آخر الحروب السعودية؟  خصوصاً ان  إدارة ترامب رفضت مؤخراً طلبات الرياض المتكررة لشن ضربات جوية مباشرة ضد الحوثيين، الذين تقدموا الى باب المندب وتراجع القوات المدعومة من السعودية والامارات.


 

مسألة الإنساني بين الوحدة المعنوية والكثرة المادية، من منظور مطلب الكلي/ د زهير الخويلدي



مقدمة

تظل مسألة الإنساني واحدة من أكثر المسائل إلحاحاً واستعصاءً في الفكر  الفلسفي، لا لأنها تفتقر إلى تعريفات، بل لأنها تتأبى على كل تعريف يدّعي الاكتمال. فهي مسألة تُطرح كلما اصطدم الادعاء بوحدة معنوية جامعة بالواقع الصلب للكثرة المادية التي لا تكف عن التكاثر والتفاوت والانقسام. الوحدة المعنوية تشير إلى ذلك الأفق الذي يُراد له أن يجمع البشر تحت معنى مشترك أو قيمة عليا أو كرامة قابلة للتعميم. أما الكثرة المادية فتشير إلى الأجساد المختلفة، والموارد غير المتكافئة، واللغات المتعددة، والتواريخ المتشعبة، والمصالح المتضاربة، والقدرات المتباينة على البقاء والتأثير. بين هذين القطبين يتموضع مطلب الكلي بوصفه محاولة للتفكير فيما يتجاوز الجزئي دون أن يلغيه، وفيما يطمح إلى الشمول دون أن يتحول إلى اختزال قسري. هذه الدراسة تتناول المسألة من منظور هذا المطلب تحديداً، متتبعة توتراته وإمكانياته وحدوده. لذلك يطرح سؤال الإنساني نفسه منذ البداية بوصفه توتراً لا يُحسم، لا بوصفه ماهية جاهزة أو تعريفاً مستقراً. فالإنساني ليس مجرد صفة تُضاف إلى الكائن البشري، ولا هو جوهر مفارق يعلو على شروطه، بل هو حركة مستمرة بين قطبين يبدو أنهما متنافران: وحدة معنوية تدّعي القدرة على جمع الشتات تحت معنى مشترك أو قيمة عليا أو أفق كلي، وكثرة مادية لا تكف عن التكاثر والانقسام والتفاوت في الأجساد والموارد واللغات والمصالح والتواريخ. المقاربة الإشكالية هنا لا تسعى إلى التوفيق بين القطبين أو إلى ترجيح أحدهما على الآخر، بل تعمل على تعرية الافتراضات التي تجعل هذا التوتر ممكناً ومستعصياً في آن واحد، وعلى مساءلة ما يعنيه النظر إلى هذه الثنائية «من منظور الكلي». فهل يمكن للإنساني أن يُفكر فيه دون أن يسقط في وحدة معنوية تختزل الكثرة، ودون أن يذوب في كثرة مادية تفقد أي أفق مشترك؟


مطلب الكلي ومسألة الانساني

يبدأ النظر من طبيعة مطلب الكلي نفسه. الكلي هنا ليس مجرد مفهوم نظري مجرد، ولا هو مجموع بسيط للأجزاء، بل هو رغبة أو طلب أو أفق يسعى إلى الإحاطة بما يبدو متفرقاً. حين يُطرح مطلب الكلي في سياق مسألة الإنساني، فإنه يحمل في طياته ادعاءً مزدوجاً: ادعاء بأن الإنساني قابل لأن يُفكر فيه بوصفه كلاً، وادعاء بأن هذا الكل قادر على استيعاب الوحدة المعنوية والكثرة المادية معاً دون أن يضحّي بأحدهما لصالح الآخر. لكن هذا الادعاء يواجه منذ اللحظة الأولى صعوبة جوهرية. فكل صياغة للكلي تنطلق بالضرورة من موقع جزئي: من لغة معينة، ومن تجربة تاريخية معينة، ومن شبكة مصالح أو قيم معينة. فهل يستطيع مطلب الكلي أن يتجاوز جزئيته أم أنه يظل محكوماً بها حتى وهو يتحدث باسم الجميع؟

يبدأ الإشكال من مفهوم «الإنساني» ذاته. حين نستخدم هذه الكلمة، فإننا نفترض سلفاً وجود قاسم مشترك يتجاوز الاختلافات المادية. هذا القاسم يُسمى أحياناً كرامة، وأحياناً عقلاً، وأحياناً حرية، وأحياناً قابلية للتأقلم أو للتواصل. لكن كل تسمية من هذه التسميات تصطدم فوراً بالكثرة المادية التي تكذّبها أو تعقّدها: أجساد مختلفة في قدراتها وآلامها، لغات لا تُترجم بالكامل، تواريخ من العنف والاستبعاد، توزيع غير متكافئ للموارد والفرص. فهل الإنساني وحدة معنوية تسبق الكثرة وتعيد تنظيمها، أم هو مجرد اسم نطلقه على محاولة يائسة لفرض معنى على ما يرفض المعنى الواحد؟

 الإشكال يكمن في أن أي تعريف للإنساني يدّعي الوحدة يجد نفسه مضطراً إلى استبعاد ما لا ينسجم معه، فيعيد إنتاج كثرة جديدة هي كثرة المستبعدين. من منظور الكلي، يظهر سؤال أخطر: هل الكلي نفسه يقف إلى جانب الوحدة المعنوية أم أنه يتجاوزها؟ إذا كان الكلي يعني التفكير في الإنسان بوصفه جزءاً من كل أوسع يشمل الطبيعة والتاريخ والإمكانيات غير المتحققة، فإن الكثرة المادية تكتسب دلالة مختلفة. لم تعد مجرد عقبة أمام المعنى، بل أصبحت جزءاً من تكوين الكلي نفسه. الأجساد المتعددة، والبيئات المختلفة، والتواريخ المتشعبة، كلها تدخل في نسيج ما يمكن أن نسميه الكل. لكن هذا الدخول لا يحل الإشكال، بل يعيد صياغته: كيف يمكن للكلي أن يشمل الكثرة دون أن يسطحها، وأن يحافظ على إمكانية الوحدة المعنوية دون أن يجعلها  وحدة قسرية؟


الانساني كوحدة معنوية

ينتقل الإشكال إلى مفهوم الوحدة المعنوية. الوحدة هنا ليست وحدة عددية بسيطة، بل وحدة دلالة: ادعاء بأن هناك أفقاً مشتركاً يمكن أن يجمع البشر رغم اختلافاتهم. هذا الأفق قد يكون أخلاقياً أو دينياً أو عقلانياً أو حقوقياً. لكن الوحدة المعنوية، حين تُطرح بوصفها كلية، تواجه سؤال مشروعيتها. فمن أين تستمد قدرتها على الجمع؟ هل هي نابعة من طبيعة بشرية مشتركة، أم هي نتاج تاريخي لخطابات معينة نجحت في فرض نفسها؟ وإذا كانت تاريخية، فكيف تدّعي لنفسها موقعاً كلياً يتجاوز التاريخ؟

 الاستشكال يكشف أن كل وحدة معنوية تحمل في داخلها آثار الكثرة التي حاولت تجاوزها: فهي تُصاغ بلغة معينة، وتنشأ في سياق صراع معين، وتخدم مصالح أو رؤى معينة، حتى وهي تتحدث باسم الجميع. هكذا تتبدى الوحدة المعنوية بوصفها أحد أبرز تجليات مطلب الكلي. فهي تسعى إلى تأسيس قاسم مشترك يتجاوز الاختلافات الظاهرة: سواء أكان هذا القاسم عقلاً كونياً، أم كرامة أصيلة، أم قابلية مشتركة للتأقلم، أم انتماء إلى أفق أخلاقي واحد. هذه الوحدة تمنح الخطاب عن الإنساني قدرته على التعميم، وتسمح بالحديث عن حقوق أو واجبات أو قيم يُفترض أنها لا تخص جماعة دون أخرى. غير أن قوتها البلاغية تصطدم مراراً بالكثرة المادية. فالأجساد لا تتأقلم بالطريقة نفسها، ولا تمتلك الموارد ذاتها للدفاع عن كرامتها، ولا تتكلم لغات تسمح بترجمة كاملة للمعاني. مطلب الكلي، حين يتمسك بالوحدة المعنوية، يجد نفسه أمام خيار صعب: إما أن يتجاهل جانباً من الكثرة كي يحافظ على تماسك المعنى، وإما أن يفتح المعنى على التعدد فيخاطر بتفككه.


الانساني ككثرة مادية

الكثرة المادية ليست مجرد معطى محايد. هي كثرة الأجساد التي تولد وتمرض وتموت بطرق مختلفة، وكثرة الحاجات التي لا تُشبَع بالتساوي، وكثرة العلاقات السلطوية التي تُنتج فروقاً في القدرة على الكلام والظهور والبقاء. هذه الكثرة لا تكف عن مقاومة أي محاولة لاختزالها في وحدة معنوية. بل إنها تفضح، في كل مرة، الطابع الجزئي لما يدّعي الكلية. السؤال الإشكالي هنا هو: هل الكثرة المادية هي ما يجب على الوحدة المعنوية أن تسيطر عليه أو تهذّبه، أم هي الشرط الذي يجعل أي وحدة معنوية مؤقتة وهشة وقابلة للطعن؟ النظر من منظور الكلي لا يحسم هذا السؤال، بل يزيده تعقيداً، لأن الكلي نفسه يبدو أحياناً كأنه اسم آخر للوحدة المعنوية في أقصى طموحاتها، وأحياناً أخرى كأنه الأفق الذي يكشف محدودية كل وحدة وكل كثرة. على هذا النحو الكثرة المادية ليست مجرد عقبة خارجية أمام مطلب الكلي، بل هي جزء أصيل من تكوين المسألة. فهي تذكّر بأن الإنساني لا يوجد إلا متجسداً، وأن كل تجسد يحمل خصوصيته وعدم قابليته للاختزال الكامل. الكثرة هنا ليست فقط كثرة عددية، بل كثرة كيفية: اختلاف في القدرة على الظهور، وفي التعرض للعنف، وفي الوصول إلى الموارد، وفي إمكانية أن يُسمع الصوت. مطلب الكلي لا يستطيع أن يتجاهل هذه الكثرة دون أن يفقد مصداقيته، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يذوب فيها تماماً دون أن يفقد قدرته على صياغة أي أفق مشترك. التوتر يبلغ ذروته حين تتحول الكثرة المادية إلى حجة ضد كل وحدة معنوية، أو حين تتحول الوحدة المعنوية إلى أداة لطمس الفروق المادية تحت شعار المساواة المجردة.


جدلية الوحدة والكثرة

تكشف المقاربة الإشكالية أن الثنائية بين الوحدة المعنوية والكثرة المادية ليست ثنائية خارجية يمكن تجاوزها بقرار نظري، بل هي بنية داخلية للخطاب عن الإنساني. كل حديث عن الإنساني يستدعي القطبين معاً، حتى وهو يحاول ترجيح أحدهما. الادعاء بالوحدة يستدعي الكثرة بوصفها ما يجب توحيده أو تهذيبه، والاحتفاء بالكثرة يستدعي الوحدة بوصفها ما يجب الحذر منه أو تفكيكه. الكلي، في هذا السياق، ليس موقعاً آمناً فوق الصراع، بل هو الأفق الذي يجعل الصراع مرئياً بحدّة أكبر، لأنه يمنع الاكتفاء بأي حل جزئي. من منظور مطلب الكلي، يبدو الإنساني أقل شبهاً بماهية ثابتة وأكثر شبهاً بحركة مستمرة بين قطبين. هذه الحركة لا تصل إلى سكون نهائي. فكلما مالت الكفة نحو الوحدة المعنوية، ظهرت أصوات تذكّر بما تم استبعاده أو تبسيطه من كثرة التجارب الحية. وكلما مالت الكفة نحو الاحتفاء بالكثرة المادية، ظهرت الحاجة إلى معيار أو أفق يمنع التشتت من التحول إلى عجز عن التضامن أو عن الحكم. مطلب الكلي يحاول أن يحتفظ بالقطبين في حالة توتر خلاق، لا أن يحسم بينهما. لكنه في محاولته هذه يواجه خطرين متقابلين: خطر تحويل الكلي إلى وحدة معنوية جديدة تدّعي الشمول وهي في الحقيقة جزئية، وخطر تحويل الكلي إلى مجرد اعتراف بالكثرة دون أي قدرة على التوجيه أو النقد.

من هذا المنطلق يتجلى هذا التوتر بوضوح في كيفية التعامل مع الألم والظلم. الوحدة المعنوية تسمح بالقول إن الألم الإنساني واحد في جوهره، وإن الظلم مرفوض أينما وقع. هذا القول يفتح إمكانية التضامن العابر للحدود. لكن الكثرة المادية تُظهر أن بعض الآلام تُرى وتُسمع وتُعوَّض، بينما تظل آلام أخرى صامتة أو مهمّشة أو قابلة للإنكار. مطلب الكلي يجد نفسه هنا مطالباً بأن يوسع دائرة الرؤية دون أن يفقد حدّة الحكم، وبأن يعترف بالتفاوت دون أن يحوّل التفاوت إلى قدر محتوم. الصعوبة تكمن في أن كل توسيع للدائرة يظل مشروطاً بشروط مادية ولغوية ومؤسساتية تحد من إمكانيته الفعلية.

على المستوى الزمني، يظهر مطلب الكلي بوصفه محاولة للجمع بين إيقاعات مختلفة. الوحدة المعنوية تميل إلى الاشتغال في زمن معياري أو شبه دائم: زمن القيم التي يُفترض أنها تتجاوز اللحظة. أما الكثرة المادية فتعمل وفق زمن الأحداث والندرة والنفاد والتغير الجسدي والبيئي. مطلب الكلي يسعى إلى التفكير في زمن قادر على احتواء الاثنين: زمن يعترف بالموت والفقد والتفاوت، ويظل في الوقت نفسه قادراً على صياغة وعود أو معايير لا تنهار مع كل تغير. لكن هذا الزمن المركب يظل أفقياً أكثر مما هو متحققاً، لأنه يصطدم باستمرار بضغط الحاجات العاجلة وبمحدودية الموارد وبصراعات القوة.

كما يعيش الفرد هذه المسألة بطريقة ملموسة. فهو يجد في الوحدة المعنوية ما يمنحه شعوراً بالانتماء إلى أفق أوسع من مصلحته المباشرة، وما يجعل ألمه أو كرامته قابلين للترجمة إلى لغة مشتركة. وهو في الوقت نفسه يختبر يومياً خصوصية موقعه المادي: جسده الذي لا يشبه تماماً أي جسد آخر، وظروفه التي تحد من خياراته، وتاريخه الذي لا يمكن استبداله. مطلب الكلي، بالنسبة إلى هذا الفرد، قد يظهر بوصفه دعوة إلى تجاوز الذات الضيقة، أو بوصفه عبئاً إضافياً يطالبه بالتخلي عن خصوصيته باسم معنى عام. الإشكال يكمن في أن أي صياغة للكلي تتجاهل هذا التوتر الفردي تظل مجردة، وأي انغماس كامل في الخصوصية يفقد القدرة على رؤية ما يتجاوزها. هكذا يكشف النظر المتأني أن مطلب الكلي ليس ضمانة للحل، بل هو نفسه جزء من المسألة. فهو يولد من الشعور بنقص الجزئي، ومن الرغبة في أفق أوسع، لكنه يحمل دائماً خطر إعادة إنتاج الجزئية تحت اسم جديد. حين يُصاغ الكلي بلغة حقوقية كونية، فإنه قد يطمس السياقات التاريخية والثقافية. وحين يُصاغ بلغة الاعتراف بالاختلاف، فإنه قد يفقد القدرة على نقد أشكال الظلم التي تختبئ خلف الاختلاف. وحين يُصاغ بلغة إنسانية مجردة، فإنه قد يتجاهل الشروط المادية التي تجعل الإنسانية نفسها غير متاحة للجميع بالدرجة ذاتها. لذلك تظل المسألة مفتوحة لأن الإنساني نفسه مفتوح. فهو ليس معطى جاهزاً ينتظر الاكتشاف، بل هو أفق يُعاد بناؤه كلما تغيرت شروط الوحدة والكثرة. مطلب الكلي يدفع التفكير إلى عدم الاكتفاء بالحلول السهلة: لا الاكتفاء بوحدة معنوية تتجاهل الأجساد والموارد، ولا الاكتفاء بكثرة مادية ترفض أي معيار مشترك. هو يدفع إلى الإبقاء على التوتر حياً، وإلى مساءلة كل ادعاء بالشمول، وإلى توسيع دائرة الرؤية كلما ظهرت أشكال جديدة من الاستبعاد أو التهميش.


خاتمة

في نهاية المطاف، تبدو مسألة الإنساني من منظور مطلب الكلي أقل شبهاً بمشكلة تنتظر حلاً نهائياً وأكثر شبهاً بموقع دائم للتفكير والمسؤولية. الوحدة المعنوية تظل ضرورية كي لا يتحول الاعتراف بالكثرة إلى عجز عن التضامن أو عن الحكم. والكثرة المادية تظل ضرورية كي لا تتحول الوحدة إلى أداة طمس أو إقصاء. ومطلب الكلي يظل ضرورياً كي لا يُختزل الأمر في مجرد تنازع بين قطبين. لكن هذه الضرورات لا تُلغي الصعوبة، بل تجعلها أكثر وضوحاً. فكل خطوة نحو الكلي تظل خطوة جزئية، وكل اعتراف بالكثرة يظل مشروطاً بإمكانية معنى مشترك، وكل وحدة معنوية تظل مهددة بأن تنسى شروطها المادية. هذا التعليق المستمر ليس فشلاً للتفكير، بل هو الشرط الذي يجعل التفكير في الإنساني ممكناً وملحّاً وغير قابل للانغلاق. في النهاية، يبدو الإنساني من منظور الكلي أقل شبهاً بماهية وأكثر شبهاً بموقع إشكالي دائم. هو الاسم الذي نطلقه على المحاولة المستمرة للتوفيق بين ما يجمع وما يفرّق، بين ما يعني وما يتعدد، بين ما يدّعي البقاء وما يفنى. هذه المحاولة لا تنجح نجاحاً نهائياً، ولا تفشل فشلاً مطلقاً. هي تُعاد في كل مرة تُطرح فيها أسئلة العدالة أو الكرامة أو البقاء المشترك. وجلد هذا التوتر أو إنكاره أو تبسيطه لا يلغي الإشكال، بل يؤجله أو يحوله إلى أشكال أخرى. الإشكال يبقى، لأن الإنساني نفسه يبقى معلقاً بين وحدة لا تكتمل وكثرة لا تُختزل، وبين كلي يدّعي الشمول وجزئي يرفض أن يُبتلع. هذا التعليق ليس نقصاً يجب إصلاحه، بل هو الشرط الذي يجعل التفكير في الإنساني ممكناً وضرورياً وملتبساً في آن واحد. المقاربة الإشكالية لا تقدم إجابة نهائية، لأنها ترى في الطلب على الإجابة النهائية نفسه جزءاً من المشكلة. فالرغبة في حسم التوتر بين الوحدة والكثرة هي في الغالب رغبة في استعادة نوع من السيطرة المعنوية على ما يفلت من السيطرة. الكلي، إذا أُخذ بجدية، لا يعد بالسيطرة، بل بعدّة أسئلة أكثر صعوبة: كيف نعيش التوتر دون أن ننكره؟ كيف نحافظ على إمكانية المعنى المشترك دون أن نجعله أداة إقصاء؟ كيف نعترف بالكثرة المادية في جذرها دون أن نفقد القدرة على قول «نحن» بأي معنى من المعاني؟


كاتب فلسفي

وداعاً يا راعي الشجر: "كن جميلاً ترى الوجود جميلاً"/ فراس حج محمد




أستعيد في هذه القراءة التي تجاوز عمرها أكثر من أحد عشر عاماً ذكرى شاعر فلسطيني، لم ألتقه إلا مرة واحدة، ولعلها كانت أيام مؤتمر أدب الأطفال الأول الذي عقدته جمعيتنا جمعية الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل في رام الله ربيع عام 2015، واستمر ثلاثة أيام، برعاية وتنظيم ومواكبة الراحل الكبير شريف سمحان، كما كتبنا معاً في مجلتي الزيزفونة شعرا وقصصا للأطفال.

بقي راعي الشجر خالد الجبور، بسمرته ولهجته المحببة لديّ في ذهني وخاطري، وإن لم نلتقِ، وإن صدفته بين الحين والحين على صفحات الفيسبوك، دون أن نجد فرصة للحديث أو الحوار أو تبادل الأفكار والكتب، حتى صدمني خبر رحيله الذي عرفت به مساء الجمعة 18/9/2026، فعاد إليّ حيّا حراً يرنّ صوته في ذاكرتي كأننا التقينا منذ بضع دقائق.

وجاءت تلك القراءة على هذا النحو:

["كنْ جميلا ترَ الوجود جميلاً" هذا هو الانطباع بعد القراءة الذي تركته المجموعة الشعرية "عصافير الندى" للشاعر خالد الجبور، الموجهة للأطفال، والصادرة عن جمعية الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل في رام الله، لتفتتح بها الجمعية الموسم التربوي للعمل مع الأطفال وطلاب المدارس للعام الدراسي 2015/ 2016.

تتألف المجموعة من (16) نصا شعريا راقصاً وصاحبتها رسومات الفنانة الفلسطينية ندى مصلح، يتخذ الشاعر من النص الثالث "عصافير الندى" اسما للمجموعة، وكان سبق لذلك العنوان الشاعر الأردني "محمود محمد الشلبي" إذ أصدر عام 1988 ديوانا شعريا للأطفال بالعنوان نفسه، ولعل ذلك من قبيل التناص العنواني الذي يقع بين الكتاب والمؤلفين بالصدفة المحضة، علما بأن الشاعر الجبور بحكم عمله في الزراعة وقضاء أغلب نهاره في حقوله، حارثا وزارعا وحاصدا وقاطف ثمر، وما يمارسه من طقوس، سيكون مثل هذا العنوان وهذه القصائد تعبيرا حقيقيا وجماليا وإنسانيا عن انتمائه للأرض والشجر حتى لقب نفسه براعي الشجر! فليس بحاجة لأن يستجلب عناوين قصائده ومجموعاته من تجارب غيره.

جسّد خالد الجبور في قصائد المجموعة وأناشيدها حقيقة نفس الشاعر الجميلة التي ترى الأشياء بعين الحبّ والرضا، فتصف وتغوص وتستخرج كل جميل، مسكوب بلحن راقص منساب ناعم كأنه رذاذ المطر الربيعيّ، فيداعب نفس الطفل سامعا أو قارئا، لينتشي بجمال اللغة والموسيقى والإحساس بالمعاني والصور، التي جاءت في متناول الخيال، فتربط الطفل فيما حوله من موجودات بدءا من الطبيعة الكلية، كما في أنشودة "أرضنا البديعة" و"فصل السرور". أو تركيز العدسة الشعرية على موجودات خاصة من هذه الطبيعة كالعصافير والبحر والسحابة والريح والمطر والصباح وشجرة الزيتون وشجيرات البلوط.

ويلتفت الشاعر كذلك إلى ما يعتري بعض مخلوقات الطبيعة من تشويه، يفقدها روحها وجمالها، كما في قصيدة "نمر في الحديقة"، ذلك المخلوق الذي لم يكن سوى صورة مشوهة محاطة بالأسلاك في حديقة الحيوان، فلم نعد نرى منه غير الصورة الخارجية البعيدة عن الحقيقة؛ خاملا كسولا يتجمع بين شدقيه الذباب، إنها صورة تثير مشاعر الإشفاق والتحسر لدى القارئ والشاعر على حدّ سواء! وكأنّ الشاعر يريد أن يلفت نظر الأطفال وطلاب المدارس وزائري حدائق الحيوانات إلى أن هذا الحيوان- وبالضرورة كل الحيوانات الأخرى التي تسكن هذه الحديقة- ليست هذه حقيقتها، ثمة ما هو غير طبيعي في هذا المكان.

ولا ينسى الشاعر أن يدخل إلى عالم الطفل الأسري، فيكتب عن الجد والأسرة قصيدتين؛ يقدم في قصيدة "جدي" صورة للجد وحكاياته وملاطفاته للحفيد، معبرا الشاعر عن تلك العلاقة الخاصة جدا ما بين الجدّ وحفيده. وأما في "نشيد الأسرة" فيكتب الجبور عن عيش الطفل في أسرته متناغما حرا يعيش في أجواء من الألفة يغمره الحب والحنان والشعور بالأمان.

وتعرّج "عصافير الندى" في محور آخر على ما أصاب الفلسطيني من بلاء الاحتلال، فيكتب ذلك في قصيدتين؛ جاءت الأولى بعنوان "أنا الولد الفلسطيني" حيث برز التركيز على روح المقاومة والتحدي والمجابهة، باقيا على العهد، مستندا إلى ما لديه من تاريخ وحب الملايين له ولشعبه وأرضه، وينعت في القصيدة الثانية المحتلين بوصف منفر "سرّاق"، إذ بدا المحتل سارقا ومشوها تلك الطبيعة الجميلة تفوح منه رائحة البارود؛ هذه الرائحة النقيض المضادة لعبق الأرض وعطرها وحنائها.

ويخصّ الشاعر العِلْم بقصيدة "سنابل الآمال"، وتدور حول أهمية العلم للأطفال، فوحده الكفيل بإنبات الثمر سنابلَ من الآمال.

وبهذا تتكامل موضوعات "عصافير الندى"، فتتحدث عن الطفل وآفاقه، والمحيط الذي يعيش فيه، عبر تأكيد مجموعة من القيم المجتمعية والأخلاقية والوطنية والإنسانية، التي تعبر عن شخصية الطفل وتنمي ذوقه، وتلبي احتياجاته الموسيقية والتعبير عن ذاته وحبه للغناء بالدرجة نفسها التي يحب فيها القصص والحكايات وسردها، وربما أكثر، لاسيما إن جاءت القصائد كمشاهد قصصية سردية، ترسم صورا واقعية تشد الطفل وتهدهده، كقصائد هذه المجموعة].

رحم الله الشاعر، خالد الجبور، وعزاؤنا في بقاء شعره وسمرته التي خلفها عرقا حياً في أنساغ أشجاره وعصافير حقوله الممتدة بأسباب لا أرى أنها ستنقطع بين جنتي الأرض وجنة السماء. ولتشدو له الروح النقية هناك:

يا عصافير الندى*** يا عصافير الصباحْ

أرضنا أرض الكرام*** شمسنا شمس الوفاء

فاركبي ظهر الرياحْ

واخفقي فوق الغمام*** يا عصافير الندى


على رصيف الانتظار/ بن يونس ماجن



قال لي حكيم  القبيلة ذات يوم:

يا ولدي سيأتي رحيلك في يوم عادي

وسيكون في خضم خططك التي لم تكتمل بعد

أما العالم فسيستمر في الدوران بدونك


في الحياة لا نفقد الأصدقاء

بل نتعرف على من كان حقيقيا معنا طوال الوقت

احيانا في الحياة نحتاج فقط الى شخص واحد

يكون بجانبنا، شخص يصغى الينا ويفهمنا

ويفكر جيدا في اعادة برمجة أيامنا


الحياة قصيرة،  انها فاتنة ومجنونة

تسير بين الالغام وتمشي على الجمر الماكر

يا بني  لا تنسى احرص على قضاء أكبر وقت ممكن

على الانترنت وقنوات التواصل الاجتماعي

وادخل في نقاشات مثمرة ودردشات  ذهنية مع الغرباء

حول سياسة المجانين وخبراء التيه والكيان الهمجي اللقيط

وعن الأفعى التي لم تغادر جحرها بعد

ولا تنسى  أيضا الخونة الحثالة الانذال الذين يعيشون بين ظهرانينا

انهم أخطر وابشع عدو الامة العربية والاسلامية

ولا تترك العدو الحقير يرتاح قرير العين ولو ثانية واحدة

على أرضك التي سلبها  منك عنوة وطغيانا


قلت له :  يا أستاذي الفاضل أنا الآن على عتبة الثمانين

أعيد ترتيب ما أفسده الشيب من تجاعيد وعظام واهية

وهكذا أستبق العمرالى ما تبقى من دروب الشيخوخة

ثم أطوي الأيام في نبض الصمت الرهيب

هناك أيام كنت أتحسر فيها  على العبث واللامبالاة


ثم أردف قائلا:

من الامورالمرتبكة في التقدم بالعمروالتي لا يخبرك بها أحد

هو الشعور الغريب الذي ينتابك عندما تتلقى محاضرة حماسية

للغاية وخاطئة تماما

من شخص أصغر منك بكثير

حول أحداث تاريخية موثقة عشتها

ويمكنك تذكرها جيدا بلا عناء


قلت  له يا أستذي الفاضل:

لقد انتهى الانتظار

ولما تأت المنية

ومازلت أترقب وصولها

ها العمر صار يغازلني من جديد

والشيخوخة تلاعبني في حجرها

لم تبق في حياتي غير الذكريات الغابرة

التى صارت تأبى الرحيل

طرقت كل الأبواب بحثا عن عشبة الخلود

في الفيافي  وتحت ظلال الأشجار الزائلة

وتصارعت مع أمواج بحر فقد مده وجزره


وحيدا أشعر بالتقدم في السن

عندما تعرض علي مقاعد في الحافلات ومترو الانفاق والقطارات

ولكن لا تعرض علي أبدا على متن الطائرات

ربما يشعر مساعد الطيار بالشفقة علي ويعرض علي مقعده

بجانب الطيارفي قمرة القيادة

بل قد يسمح لي بقيادة الطائرة بنفسي

وتوجيهها الى جهات مجهولة

التي لا يعلمها الا كبار السن والكهلة مثلي 

مقومات الفكر التربوي في حضارة اقرأ، مقاربة بيداغوجية تجديدية معاصرة/ د زهير الخويلدي

 


مقدمة


تُختزل روح الحضارة التي انبثقت من لحظة «اقرأ» في فعل القراءة نفسه بوصفه مدخلاً وجودياً ومعرفياً وأخلاقياً في آن واحد. لم تكن «اقرأ» مجرد أمر بتلاوة نص، بل كانت تأسيساً لرؤية كاملة تجعل من طلب العلم فريضة، ومن المعرفة أمانة، ومن التربية مساراً لبناء الإنسان القادر على القراءة في كتاب الوحي وكتاب الكون معاً. الفكر التربوي الذي نشأ في كنف هذه الحضارة لم يكن هامشياً أو ثانوياً، بل كان في صميم مشروعها الحضاري. غير أن هذا الفكر، على الرغم من ثرائه التأسيسي، ظل عرضة للجمود أو للانقطاع عن شروط العصر في مراحل تاريخية متعددة. من هنا تأتي الحاجة إلى مقاربة بيداغوجية تجديدية معاصرة تعيد قراءة مقوماته الأساسية لا بوصفها تراثاً يُستعاد كما هو، بل بوصفها إمكانات حية قابلة لإعادة التفعيل في ضوء التحديات التربوية الراهنة. فماهي مقومات الفكر التربوي في حضارة اقرا؟ ومن هم الأعلام الرئيسيين في هذا المجال التدريسي؟ وكيف يمكن تجديده بشكل بيداغوجي معاصر؟


أولاً: لحظة «اقرأ» بوصفها تأسيساً إبستيمولوجياً وتربوياً


تمثل لحظة «اقرأ» نقطة الانطلاق التي تميز هذه الحضارة عن كثير من التجارب التاريخية الأخرى. فهي تجعل فعل التعلم مرتبطاً بالوحي من جهة، وبالقدرة الإنسانية على الاكتساب والنظر من جهة أخرى. القراءة هنا ليست تقنية، بل موقف وجودي يقوم على الانفتاح على المعنى، وعلى الاعتراف بأن الإنسان كائن قابل للتعليم ومسؤول عن علمه. هذا التأسيس يمنح التربية طابعاً مقدساً دون أن يحصرها في البعد التعبدي الضيق؛ فالأمر بالقراءة يتسع ليشمل كل أشكال النظر والتأمل والكسب المعرفي الذي يخدم صلاح الإنسان والعمران. من هذا المدخل تتفرع جملة من المقومات الأساسية. أولها اعتبار العلم فريضة لا ترفاً، مما يفتح الباب أمام تعميم التعليم ورفض احتكار المعرفة. وثانيها ربط العلم بالإيمان والعمل، بحيث لا ينفصل التحصيل المعرفي عن تزكية النفس وعن الإسهام في إصلاح الواقع. وثالثها الإقرار بتعدد مصادر المعرفة: الوحي والعقل والحس والتجربة، مع السعي إلى التكامل بينها لا إلى التعارض المفتعل. هذه المقومات تشكل الأرضية العميقة التي بني عليها الفكر التربوي لاحقاً.


ثانياً: المقومات الإيتيقية والمعرفية للتربية


يقوم الفكر التربوي في حضارة اقرأ على أساس إيتيقي راسخ يجعل من النية والإخلاص والمحاسبة الذاتية أركاناً لا غنى عنها في مسار التعلم. العلم أمانة، والعالم مسؤول عن علمه أمام نفسه وأمام مجتمعه وأمام الحق. هذا البعد الأخلاقي يحمي العملية التربوية من التحول إلى مجرد سباق نحو المناصب أو الشهرة أو التراكم المعلوماتي الأجوف. كما يضع حدوداً للجدل العقيم وللاشتغال بما لا ينفع، ويدعو إلى تقديم ما يصلح القلب والعمل على ما يملأ الذاكرة فقط. معرفياً، يتميز هذا الفكر بالسعي إلى التكامل لا إلى الفصل الحاد بين العلوم. فالمعرفة الشرعية والمعرفة الكونية ليستا في خصومة مبدئية، بل هما قراءتان متكاملتان في كتابين صادرين عن مصدر واحد. التربية الحقيقية هي التي تُعدّ إنساناً قادراً على الحركة بين هذين الحقلين دون انفصام. كما يظهر احترام واضح لتدرج المعرفة ولمراحل اكتساب الملَكات، وإدراك لأن الفهم الراسخ أهم من الحفظ المتسرع، وأن الممارسة والتكرار ضروريان لتحويل العلم إلى قدرة حية.


ثالثاً: المقومات البيداغوجية في العلاقة التعليمية


تتجلى مقومات الفكر التربوي أيضاً في تصور العلاقة بين المعلم والمتعلم. فالمعلم ليس مجرد ناقل معلومات، بل هو قدوة ومربٍّ وموجه يحرص على صلاح المتعلم قبل امتلاء حافظته. والمتعلم ليس وعاءً فارغاً يُملأ، بل طرف فاعل مسؤول عن جهده وسؤاله ومراجعته لنفسه. العلاقة المثلى تقوم على الرفق والتدرج والاحترام المتبادل، مع رفض الشدة المفرطة التي تفسد الطبع وتولد النفاق أو الانطواء. كما يبرز الاهتمام ببيئة التعلم وبأثر الصحبة. فالوسط التعليمي جزء أصيل من العملية التربوية، وصحبة الصالحين والجادين تُعدّ من أقوى وسائل التكوين. المنهج نفسه يُراعى فيه التدرج من الأصول إلى الفروع، ومن المحسوس إلى المجرد، ومن الضروري إلى التكميلي، مع الحرص على ربط المعرفة بحاجات الواقع وبمقاصد العمران. هذه المقومات البيداغوجية تحمل طابعاً إنسانياً عميقاً، إذ تنظر إلى المتعلم بوصفه كلاً متكاملاً: عقلاً وقلباً وسلوكاً، لا بوصفه مجرد ذهن يتلقى معارف مجردة.


رابعاً: التوتر بين المثالي والتاريخي في الممارسة التربوية


لا يمكن قراءة مقومات الفكر التربوي في حضارة اقرأ قراءة مثالية تتجاهل التوترات التاريخية. فالمجتمعات التي حملت هذه الحضارة عرفت فترات ازدهار تعليمي واسع وإبداع معرفي ملحوظ، كما عرفت فترات جمود واقتصار على الحفظ والترديد وانفصال عن مقاصد العلم العليا. تحولت بعض المؤسسات التعليمية في مراحل معينة إلى ساحات للجدل الشكلي أو إلى أدوات لإعادة إنتاج النخب دون تجديد حقيقي.


هذا التوتر يكشف أن المقومات التأسيسية لم تكن ضمانة آلية ضد الانحراف. فالإلحاح على الإخلاص قد يتحول في الممارسة إلى مراقبة خانقة أو إلى انسحاب من المجال العام. والتأكيد على العلوم النافعة قد يُستخدم لتضييق أفق البحث ورفض الجديد. والدعوة إلى الرفق قد تتراجع أمام أساليب التسلط التربوي. لذلك فإن أي مقاربة تجديدية معاصرة مطالبة بأن تقرأ هذه المقومات قراءة نقدية واعية بحدود تحققها التاريخي.


خامساً: نحو مقاربة بيداغوجية تجديدية معاصرة


التجديد الحقيقي لا يعني القطيعة مع المقومات الأصلية، ولا يعني الاكتفاء باجترارها بلغة معاصرة. هو جهد لإعادة تفعيلها في ضوء التحديات الراهنة: انفجار المعرفة، وتقدم العلوم التربوية والنفسية، وتحولات سوق العمل، وأزمات المعنى والقيم، ومتطلبات المواطنة العالمية مع الحفاظ على الخصوصية. في هذا الإطار يمكن إعادة صياغة مقوم «اقرأ» بوصفه دعوة إلى مهارات التعلم المستمر والقراءة النقدية المتعددة الوسائط، لا مجرد القراءة الخطية للنصوص. ويُعاد فهم ربط العلم بالعمل بوصفه دعوة إلى التعلم القائم على المشروعات وحل المشكلات والتكوين بالكفايات، بحيث يصبح المتعلم منتجاً للمعرفة لا مستهلكاً لها فقط. أما البعد الإيتيقي فيمكن تجديده عبر تربية الضمير المهني والمسؤولية الاجتماعية والوعي البيئي، لا عبر خطاب وعظي منفصل عن الممارسة. وتُعاد صياغة العلاقة التربوية باتجاه أكثر ديمقراطية وتشاركية، مع الحفاظ على قيمة القدوة والاحترام، والاستفادة من نتائج علم النفس التربوي في فهم الدافعية ومراحل النمو وفروق الأفراد. كما يقتضي التجديد إعادة النظر في تراتب العلوم ومفهوم «النفع». النفع في العصر الحاضر يتسع ليشمل القدرة على التفكير النقدي والإبداعي، والتعامل مع التعقيد، والعمل الجماعي، والتكيف مع التغير السريع، مع استمرار الحاجة إلى تأسيس قيمي ومعنى وجودي يحمي من العدمية أو من التسليع الكامل للمعرفة.


سادساً: تأثير ابن خلدون على التربية


يُعتبر عبد الرحمن بن خلدون (ت. 808هـ/1406م) من أبرز المفكرين الذين أعادوا صياغة النظرة إلى التربية والتعليم داخل السياق الإسلامي، لا بوصفهما نشاطاً فردياً منعزلاً أو مجرد نقل للمعارف الشرعية، بل بوصفهما ظاهرة اجتماعية حضارية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بطبيعة العمران وتطور المجتمعات. ما يميز إسهامه التربوي ليس تقديم نظام تعليمي مفصل أو منهج دراسي جاهز، بل تأسيس مقاربة اجتماعية-نفسية-تاريخية للتعليم تكشف عن شروطه، وعوائقه، وآليات اكتساب الملكات، وعلاقته بمستوى الحضارة. هذا التصور ترك أثراً عميقاً ومتشعباً على الفكر التربوي لاحقاً، سواء في التراث الإسلامي أو في القراءات الحديثة التي أعادت اكتشافه. في هذا الصدد يربط ابن خلدون التربية بالعمران ربطاً بنيوياً. فالعلوم والصنائع لا تزدهر إلا في المجتمعات الحضرية المستقرة التي يتوافر فيها الفراغ والأمن وتقدم العمران. البدو أقرب إلى الشجاعة والفطرة، لكنهم أبعد عن إتقان العلوم الدقيقة والصنائع المعقدة التي تتطلب تكراراً وتمهراً طويل الأمد. التربية بهذا المعنى ليست عملية محايدة، بل نتاج لمرحلة حضارية معينة، وتتأثر سلباً أو إيجاباً بانتقال المجتمع من البداوة إلى الحضارة أو من الازدهار إلى الانحطاط.


من أبرز إسهاماته مفهوم «المَلَكة». يرى ابن خلدون أن العلم أو الصنعة لا يحصلان بمجرد الحفظ أو الفهم النظري، بل بتحول المعرفة إلى مَلَكة راسخة في النفس، أي قدرة عملية متجذرة تسمح لصاحبها بالتصرف السهل المتقن في ميدانه. هذه الملَكة لا تُكتسب إلا بالتكرار والممارسة التدريجية والمباشرة، لا بالشرح النظري المجرد وحده. هنا ينتقل التركيز التربوي من تكديس المعلومات إلى تكوين القدرات والمهارات والهيئات النفسية الراسخة. كما يؤكد مبدأ التدرج والرفق. ينتقد بشدة الأساليب العنيفة في التعليم، ويعتبر الشدة على المتعلمين، خاصة الصغار، مفسدة للأخلاق ومولدة للجبن والانقباض والكذب. التعليم الناجح يبدأ بالسهل المحسوس، وينتقل تدريجياً إلى المركب والمجرد، ويراعي قدرة المتعلم واستعداده. هذا التصور يحمل بُعداً نفسياً واضحاً يسبق كثيراً من النظريات التربوية الحديثة حول الدافعية ومراحل النمو. لقد أثّر ابن خلدون في التربية من عدة زوايا مترابطة:


في مجال طرق التدريس، قدم نقداً مبكراً للتعليم القائم على الحفظ الآلي دون فهم، وللانتقال المفاجئ إلى المسائل العويصة قبل تأسيس الأصول. دعا إلى البدء باللغة والقرآن بوصفهما أساسَين، ثم الانتقال إلى العلوم بحسب حاجة المتعلم واستعداده، مع الحرص على أن يمارس المتعلم العلم حتى تحصل له الملَكة. هذا التوجه أثر لاحقاً في بعض المحاولات الإصلاحية داخل التعليم التقليدي التي سعت إلى تخفيف الجمود وإعادة الاعتبار للفهم والممارسة.


في فهم دور المعلم والبيئة، أبرز ابن خلدون أهمية جودة المعلم نفسه، لأن الملَكة تنتقل بالمباشرة والمحاكاة أكثر مما تنتقل بالكتب وحدها. كما ربط جودة التعليم بمستوى الحضارة العام؛ ففي أوقات الاضمحلال الحضاري يفسد التعليم وتقل جودة المعلمين ويفسد ذوق المتعلمين. هذه الرؤية جعلت الإصلاح التربوي مرتبطاً في نظر كثير ممن تأثروا به بالإصلاح الاجتماعي والحضاري الأوسع، لا مجرد تغيير في المناهج أو الطرق.


في النظرة إلى المناهج وترتيب العلوم، قدم تصوراً مرناً يراعي الأولويات العملية والحضارية. لم يكن يرى أن كل العلوم متساوية في كل وقت وكل مجتمع، بل ربط الاشتغال بها بحاجة العمران ومستوى تطوره. هذا الربط فتح أفقاً للتفكير في تعليم ذي صلة بالواقع الاجتماعي والاقتصادي، بعيداً عن الانغلاق على علوم آلية أو خلافية لا تثمر عملاً ولا حضارة.


لم يكن تأثير ابن خلدون فورياً وشاملاً في المؤسسات التعليمية التقليدية التي استمرت في كثير من الأحيان على أنماطها السابقة. غير أن أفكاره تسربت تدريجياً إلى كتابات بعض العلماء والمفكرين الذين اهتموا بنقد جمود التعليم أو بربطه بأسباب النهوض والسقوط. أصبحت مقدمته مرجعاً لمن أراد فهم العلاقة بين العلم والعمران، وبين فساد التعليم وفساد الاجتماع.


في العصور الحديثة، مع حركة الإصلاح والاستفاقة، أُعيد اكتشاف ابن خلدون بقوة. رأى فيه كثير من المصلحين التربويين مفكراً يسبق عصره في الربط بين التربية والاجتماع، وفي نقد العنف التعليمي، وفي الدعوة إلى التدرج ومراعاة طبائع المتعلمين. استُخدمت أفكاره لتبرير دعوات تحديث طرق التدريس، والاهتمام بالجانب العملي، وربط التعليم بحاجات المجتمع، ونقد التعليم الذي يخرج حفظة لا صناع معرفة أو ملكات. في الفكر التربوي المعاصر، يُستحضر ابن خلدون في سياقات متعددة. يُقارن حديثه عن الملَكة بنظريات التعلم بالممارسة وتكوين المهارات والكفايات. ويُقرأ نقده للشدة التعليمية في ضوء علم النفس التربوي الحديث الذي يؤكد أثر المناخ العاطفي الآمن على التعلم. كما يُستدعى ربطه بين التعليم ومستوى الحضارة في نقاشات التنمية والتربية من أجل النهوض المجتمعي. كما يظهر تأثيره أيضاً في الدراسات التي تبحث في سوسيولوجيا التربية، حيث يُعدّ من الرواد الذين نظروا إلى التعليم بوصفه ظاهرة اجتماعية تتأثر بالبنية الحضارية وتنعكس عليها. كما يُفيد في نقد النماذج التعليمية التي تفصل المعرفة عن سياقها الاجتماعي أو تبالغ في التجريد على حساب التكوين العملي للقدرات. ومع ذلك، فإن تأثيره ليس مطلقاً ولا خالياً من الحدود. فابن خلدون كتب في سياق تاريخي محدد، ولم يقدم نظرية تربوية شاملة بالمعنى الحديث، ولم يعالج قضايا مثل التعليم الجماهيري أو دور الدولة الحديثة أو الفروق الفردية الدقيقة بالمنهجية المعاصرة. كما أن بعض أفكاره حول اختلاف استعدادات الأمم أو تأثير المناخ حملت سمات عصرها وقد تُقرأ اليوم قراءة نقدية حذرة. يكمن جوهر تأثير ابن خلدون التربوي في نقله مركز الثقل من المحتوى المعرفي وحده إلى شروط اكتسابه الاجتماعية والنفسية، ومن الحفظ إلى الملَكة، ومن الشدة إلى الرفق والتدرج، ومن النظر إلى التعليم كعمل فردي إلى فهمه كظاهرة حضارية. هذه النقلات جعلته مرجعاً متجدداً كلما ظهرت أزمات في الأنظمة التعليمية: أزمات تتعلق بالفصل بين العلم والعمل، أو بجمود الطرق، أو بانفصال التعليم عن حاجات المجتمع، أو بتجاهل البعد النفسي للمتعلم.


القراءة النقدية لتأثيره تفرض عدم تحويله إلى أيقونة فوق التاريخ. فأفكاره أداة للتفكير لا مذهب مغلق. هي تدعو إلى تحليل التعليم في سياقه العمراني، وإلى الاهتمام بتكوين القدرات الراسخة لا مجرد تراكم المعلومات، وإلى جعل الرفق والتدرج أساساً لا خياراً ثانوياً. وفي الوقت نفسه تذكر بأن أي إصلاح تربوي عميق لا ينفصل عن إصلاح شروط الاجتماع والعمران ذاتها. بهذا يبقى ابن خلدون حاضراً في النقاش التربوي لا بوصفه مصدر قواعد جامدة، بل بوصفه صاحب رؤية تكشف أن التربية الحقيقية هي التي تبني ملكات إنسانية فاعلة داخل مجتمع حي، وأن فساد التعليم علامة على خلل أعمق في بنيان العمران، وأن إصلاحه جزء لا يتجزأ من مشروع النهوض الحضاري برمته.


سابعا: شروط تفعيل المقومات في الواقع التربوي المعاصر


حتى تتحول هذه المقاربة التجديدية من خطاب إلى ممارسة، تحتاج إلى شروط متعددة. أولها تحرير المؤسسة التعليمية من الجمود الإداري والمناهجي الذي يخنق المبادرة. وثانيها إعادة تأهيل المعلم بوصفه مربياً ومفكراً لا مجرد منفذ للمنهج. وثالثها بناء مناهج مرنة تدمج بين العمق المعرفي والمهارات الأفقية والقيم. ورابعها خلق بيئات تعلم محفزة تعترف بتعدد الذكاءات وبأهمية الرفاه النفسي للمتعلم. وخامسها ربط المؤسسة التعليمية بمحيطها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي دون أن تفقد رسالتها التربوية الأعمق. كما يحتاج التجديد إلى موازنة دقيقة بين الانفتاح على الخبرات الإنسانية العالمية وبين الاستناد إلى المقومات الحضارية الخاصة. فالكونية الحقيقية لا تعني الذوبان، والخصوصية الحية لا تعني الانغلاق. الفكر التربوي المتجدد في أفق حضارة اقرأ هو الذي يستطيع أن يحاور العصر من موقع الندية، مستفيداً مما أنتجه الآخرون دون عقدة نقص، ومحافظاً على أسئلته العميقة حول الغاية من العلم ومصير الإنسان.


خاتمة


تكمن قوة الفكر التربوي في حضارة اقرأ في مقوماته التأسيسية العميقة: ربط المعرفة بالمعنى والإيمان والعمل، واعتبار التعلم فريضة ومسؤولية، والسعي إلى تكامل الشخصية الإنسانية، والحرص على الرفق والتدرج وتكوين الملَكات. أما ضعفه التاريخي فظهر كلما تحولت هذه المقومات إلى شعارات أو إلى ممارسات شكلية منقطعة عن مقاصدها. المقاربة البيداغوجية التجديدية المعاصرة مطالبة بأن تستعيد هذه المقومات بوصفها طاقة حية لا بوصفها تراثاً مغلقاً. هي مطالبة بأن تحول «اقرأ» إلى أفق مفتوح للتعلم مدى الحياة، وللقراءة النقدية للواقع، ولبناء إنسان قادر على الجمع بين الكفاءة التقنية والعمق الأخلاقي، وبين الانتماء الأصيل والانفتاح المسؤول. فقط عبر هذا الجهد المتواصل في إعادة القراءة وإعادة التفعيل يمكن للفكر التربوي المنبثق من حضارة اقرأ أن يظل مساهماً حقيقياً في بناء مستقبل تعليمي أكثر إنسانية وجدوى وارتباطاً بمعنى الوجود. فكيف يمكن القيام بتطبيقات التعلم القائم على المشروعات والاستفادة من نظرية الذكاءات المتعددة في تجديد التربية ضمن حضارة إقرأ في العصر الراهن؟


كاتب فلسفي

سعادة النائب/ شوقي مسلماني


لا أحد ممّن في المنزل استطاع أن يفهم جملةً من حديثِ سعادةِ النائب إلى فضائيّة لبنانيّة "يمينيّة"، وقالتِ الإبنةُ: "يا ريتو بيحكي بالسنسكريتي.. كنت بفهم عليه أكتر". 

ابتسمَ الأب وقالَ آملاً أن تسمع الأم وابنهما الذي تزوّجَ بمباركة من أمّه "بنتاً" صينيّة لا تفقه "لا بالكبّه ولا بالفراكه ولا بالشحار اللي يشحّر": "قولي يا بنتي يا ريت سعادة النائب بيحكي بالصينيّة أقلُّه عنّا بالبيت في مَينْ يلحقنا  بالترجمة الفوريّة"، 

سمعتِ الأمّ وفهمتْ، حملتْ جهازَ التحكّم عن بُعد، ضغطتْ أزراراً، انقلبتْ شاشةُ التلفاز من محطّة سعادته إلى برنامج وثائقي عن عالمِ الحيوان، وقالت، وهي تضع جهاز التحكّم عن بعد إلى جوارِها على طرفِ الكنبة: "الأعجم أفهم". 

وكان أسدٌ يقبضُ فمُه على فمِ حمار وحشيّ عندَ ضفّة نهر شاسع، ومِنْ جهتِه كان الحمار الوحشي يتراجع إلى الماء، وكأنّما عامداً متعمّداً، ساحباً معه الأسد.  

أدرك الإبنُ غاية الحمار، وكأنّما يريد أن يُغيِّر "الموجة" بعيداً من النار التي قد تنشب في أيّة لحظة بين أمّه وأبيه، قال، وعيناه لا تفارقان المشهد،  وقد غطَسَ الحمار الوحشيّ في الماء أكثر، وغطَسَ معه الأسد أكثر: "آه.. ما أذكى الحمار، طلّعوا يا جماعه، بدُّه يغرِّق الأسد". 

وما أن بلغَ الماءُ مستوى فم الأسد فعلاً حتى اضطرّ مكرهاًُُ إلى رفع كمّاشةِ فمِه عن فمِ  الحمار ورجع إلى الضفّة فائزاً من الغنيمة بالسلامة..   

وأخيراً كشّرَ، وأصدر صوتاً هو عين الزئير: غضباً لكرامتِه المُهانة. 

Shawkimoselmani1957@gmail.com


أوائل الآيات وآخرها/ عباس علي مراد



لا تكتم ما في القلب

واسرج للروح فرسها الجامح

ودعها في ميادين القوافي تنطلق

ودع الكلمات تتنفس 

من أوردة الحياة

مقبلة غير مدبرة... 

وَعَرِّ صمت الحنين

ارحل في مدى الشوق...

وانهل من دفاتر الأيام

شمساً لغدك

انفض غبار التردد

ولا تخشَ...

ولا تخشَ

أيها المسافر

في رحاب الوجد

حَلِّقْ في معراج الهوى

فالروح ظمأى

لمستقرّ لها...

فكن الحارس 

وكن المنافح 

وكن الركن والمنطلق 

وكن القاضي والمتهم

واسكر من خمرة العشق 

فلا يلام من كان خمره الهوى

واكتب أوائل الآيات وآخرها

فما الحياة  بحياة

بدون الشوق والعشق 

ثم املأ الكأس 

تعلقاً وولها...