في مقابلة مع الصحافي الراحل محمد حسنين هيكل عام 2015، قال فيها: "علينا أن ندرس أولاً: إلى أي مدى عاوزة السعودية؟ إلى أي مدى قادرة؟ الرغبة قد تكون موجودة، لكن إلى أي مدى مستعدة للتكاليف؟ لأنك أنت أمام اليمن، اليمن بركان نائم في جنوب شبه الجزيرة العربية، إذا انفجر سوف يجرف كل المنطقة. لم يكن السعوديون يخافون من أي حاجة أبداً، واليمن هو الهاجس الموجود دائماً إذا انفجر هذا البركان".
منذ عام 1967 كانت دول "الاعتدال العربي" تموّل كل حروب أمريكا ضد البلدان التي كانت تدعو لمقاومة المشروع
الأمريكي-الصهيوني.
خرجت مصر من المواجهة بعد توقيع أنور السادات اتفاقية كامب ديفيد، ومن ثمّ توالت عمليات التخلص من كل أعداء المشروع سواء في العالم الإسلامي أو العربي، فموّلت دول الاعتدال وجنّدت ودرّبت الإسلاميين وأرسلتهم تحت الإشراف الأمريكي إلى أفغانستان التي كانت خاضعة للسيطرة السوفيتية. خسر السوفيت الحرب، وكان ذلك مقدمة لانهيار الاتحاد السوفيتي بالتحالف مع عوامل أخرى ساهمت في هذا الانهيار.
في العام 1975 اشعلوا الأهلية اللبنانية ، واجتاحت إسرائيل جنوب لبنان عام 1978 لإبعاد الفلسطينيين من الجنوب، وكان الاجتياح الإسرائيلي الاوسع عام 1982، حيث وصلت قواتها الى العاصمة بيروت وتم إخراج منظمة التحرير الى تونس، ووقعت مجازر صبرا وشاتيلا التي راح ضحيتها الآلاف من المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين.
في العام 1981 أطلقت السعودية مبادرة السلام العربية في القمة العربية في مدينة فاس المغربية، والتي عرفت بمبادرة الملك فهد الذي (كان وقتذاك ولي العهد) والتي لم تلقى تجاوب الكيان الإسرائيلي.
موّلت دول 'الاعتدال العربي' المجهود الحربي العراقي في الحرب العراقية الإيرانية من العام 1980 حتى العام 1988
والتي كان الهدف منها كبح وتطويق الثورة الوليدة في إيران.
عندما انتهت تلك الحرب، اجتاح صدام حسين الكويت عام 1990، ولإخراجه من الكويت، شكلت الولايات المتحدة ما عرف بالتحالف الدولي لتحرير الكويت، والتي شاركت فيها دول عربية عديدة بعد ان امنت جامعة الدول العربية الشرعية لهذه الحرب. وكانت المرة الأولى في تاريخ الجامعة التي يتخذ القرار بالأغلبية بدلاً من الإجماع، بضغط من السعودية وحلفاءها.
بعد حرب تحرير الكويت، انعقد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، وبدأت تظهر إلى العلن التصدعات العربية؛ حيث وقع الفلسطينيون اتفاقية أوسلو عام 1993، والتي كان من المفترض أن تشكل نواة الدولة الفلسطينية بعد خمس سنوات من توقيعها، وهو ما لم يحدث بسبب عدم التزام إسرائيل بالاتفاق. ومن ثم، وقع الأردن اتفاقية وادي عربة عام 1994، وسط تراجع في التضامن العربي تجاه الإجراءات الإسرائيلية.
لاحقاً، عاد العرب بدعم سعودي وأطلقوا مبادرة السلام العربية من قمة بيروت عام 2002، التي رعاها الملك عبد الله (الذي كان وقتئذٍ ولياً للعهد). وكما هو معلوم، فقد تجاهلت إسرائيل المبادرة التي تبنت مبدأ 'الأرض مقابل السلام".
في العام2001 وبعد هجمات 11 سبتمبر على نيويورك وتدمير برجي التجارة العالمية، شكلت الولايات المتحدة تحالفاً دولياً
لمحاربة الإرهاب، وشنت حرباً على أفغانستان أدت إلى إسقاط نظام طالبان واحتلال البلاد، وفي العام 2003، شنت الولايات المتحدة الأمريكية حربها على العراق واحتلته؛ وكانت كلا الحربين بتمويل من المال العربي.
وفي العام 2006، شنت إسرائيل عدواناً واسعاً على لبنان؛ بهدف القضاء على المقاومة، وحظيتِ الحربُ بدعمٍ وتغطيةٍ عربيةٍ، ولا سيما السعودية منها.
في العام 2011، بدأت حرب دول الاعتدال العربي على سوريا؛ بهدف إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد ، وتم تشكيل تنظيم داعش، الذي كان رأس الحربة في مشروع إسقاط سوريا والعراق أيضاً. صمد نظام الأسد (سقط عام 2024)، بسبب الدعم الإيراني والروسي اللذين دخلا الحرب إلى جانبه، بالإضافة الى دخول حزب الله اللبناني ومجموعات عراقية وأفغانية للحرب الى جانب النظام.
في نفس العام 2011، مولت دول الاعتدال العربيةُ الحرب على ليبيا وإطاحةَ نظام معمر القذافي، وتشظت ليبيا بسبب الحرب التي دارت بين القوى الليبيةِ المدعومة من جهاتٍ عربيةٍ وغربيةٍ.
أما السودان، فقد جرى تقسيمه إلى شمال وجنوب، ومن ثم كانت الحرب الأهلية الوحشية التي مولتها وشاركت فيها دول عربيةٌ، أتت هذه الحرب على وحدةِ شمال السودان.
ولم يكن حظ اليمن أحسنَ من غيره من الدول العربيةِ؛ فقد جرت إعادة تقسيم اليمن مجدداً، وفي العام 2015 بدأ التدخل في اليمن العسكري بقيادة السعودية ( عملية عاصفة الحزم) واستمرت الحرب بشكلها العسكري الشامل والكثيف زهاء سبعِ سنوات، حتى تم التوصل إلى هدنة إنسانية برعاية الأمم المتحدة في الثاني من أبريل 2022.
وها هي السعودية تعاود الكرة اليوم وتبدأ حرباً جديدةً على اليمن، في خطوة يرى مراقبون أنها تأتي في سياق محاولات دعم الإدارة الأمريكية وتجنيبها الهزائم العسكرية والسياسية، خاصة بعد تعثر الحرب المشتركة مع إسرائيل على إيران.
وخلال الحرب الأمريكية والأسرائيلية على إيران 2025 و 2026 استُخدمت شبكة القواعد الأمريكية في دول الخليج والاردن كمنطلق أساسي لإدارة العمليات، والتوجيه، والتموين اللوجستي للضربات الموجّهة ضد إيران. وردّت إيران بقصف صاروخي وجوي مكثف ومباشر استهدف تلك القواعد.
وفي 15 أيلول 2020 وقعت رسمياً في البيت الأبيض الاتفاقيات الإبراهيمية كل من الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين ، برعاية الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ولاحقاً وقع المغرب والسودان على تلك الاتفاقيات وتعمل الادارة الأميركية على توسيع هذه الاتفاقيات لضم دول عربية أخرى.
ما تقدم يعطي فكرة الى اي مدى انغمست دول الاعتدال العربي في التآمر على الشعوب العربية والإسلامية من أجل خدمة المشاريع الاميركية الصهيونية بحجة حماية أمنها القومي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو لماذا عادت السعودية والان لفتح جبهة اليمين وما هي مصلحتها في ذلك؟ وهل ستكون هذه الحرب اذا ما توسعت آخر حروب السعودية وعرب الاعتدال بسبب تراجع الدور الاميركي وونهاية عالم الأحادية القطبية؟
يبدو ان محاولة السعودية لتشكيل تحالف ضد انصار الله في اليمن تواجه صعوبات، فها هي الباكستان التي كانت قد حذرت مبدئياً من إمكانية دخول اتفاقية الدفاع حيز التنفيذ، تراجعت لاحقاً مدعيةً أنها لا تنطبق على وضع قائم (مثل الحرب التي تقودها السعودية والتي بدأت عام 2015).
بالإضافة الى ذلك فإن نظام الاحادية القطبية بدأ بالأفول مع صعود قوى مثل الصين وروسيا وتنامي دور القوى الإقليمية.
ويأتي التقرير الذي أصدره المفتش العام بوزارة الدفاع الأميركية، وهو الذي كشف عن حجم الخسائر والتكاليف التي تكبدتها الولايات المتحدة خلال الأشهر الأولى من الحرب على إيران وتداعياتها وكلفتها ( 33.4 مليار دولار حتى حزيران 2026)، وعدم الوصول الى نهاية سياسية واضحة، بسبب عدم جدوى القوة العسكرية رغم ان الولايات المتحدة الدولة الأقوى عسكرياً في العالم.
فهل تتعظ السعودية، وتذهب الى حل سلمي مع أنصار الله في اليمن، وإذا لا فهل تكون هذه آخر الحروب السعودية؟ خصوصاً ان إدارة ترامب رفضت مؤخراً طلبات الرياض المتكررة لشن ضربات جوية مباشرة ضد الحوثيين، الذين تقدموا الى باب المندب وتراجع القوات المدعومة من السعودية والامارات.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق