آخر مرة التي لا يخبرك بها أحد: سامحني.. لم أكن أعلم أنها آخر مرة/ الدكتور حسن العاصي



أكاديمي وكاتب فلسطيني


قبل أن تبدأ القراءة، تذكّر شخصاً تحبه. شخصاً تستطيع الآن أن تتصل به، أن تسمع صوته، أن تخبره أنك اشتقت إليه. تذكّره جيداً، ثم تخيّل للحظة أن هذه الفرصة انتهت، إلى الأبد.

تخيّل أن هاتفه سيرنّ للمرة الأخيرة، وأن صورته ستبقى كما هي، بينما يمضي العالم كله من حولها. تخيّل أن هناك كلمة واحدة فقط كانت تفصل بينك وبين راحة قلبك، لكنك لم تقلها. عناقاً واحداً أخّرته. رسالة واحدة ظننت أن إرسالها يمكن أن ينتظر حتى الغد. ثم جاء الموت أسرع من الغد.

بعض النصوص لا تُقرأ بالعينين، بل بالجروح القديمة. وهذا النص واحد منها. لأنه لا يتحدث عن الموت فقط، بل عن تلك الطعنة التي تأتي بعده. عن الكلمات التي ماتت في حناجرنا، وعن الأبواب التي كان يجب أن نطرقها فلم نفعل، وعن الأشخاص الذين رحلوا وهم يظنون أننا لا نشتاق إليهم كما كانوا يشتاقون إلينا.

وربما، بين هذه السطور، ستجد وجهاً غاب منذ سنوات وما زلت تبحث عنه في الزحام، وصوتاً ما زال يزورك في منتصف الليل، ودمعةً أخفيتها طويلاً حتى أقنعت نفسك أنك تجاوزت الفقد، ثم اكتشفت أن بعض الأحزان لا تُشفى أبداً، بل تتعلّم فقط كيف تسكن القلب دون أن تُحدث ضجيجاً.

فإن شعرت وأنت تقرأ أن صدرك يضيق، وأن عينيك تلمعان بالدموع، فلا تحاول المقاومة، لأن هذا النص ليس عن الذين رحلوا فقط، بل عن الجزء الذي أخذوه معهم من أرواحنا حين رحلوا. وعن ذلك الندم الثقيل الذي يبقى جالساً إلى جوارنا طوال العمر، يهمس لنا كل ليلة: "لو كنت أعلم أنها آخر مرة".


  الذين أخذوا معهم نصف أرواحنا

لا شيء يُحطم الإنسان مثل فكرة أن هناك أشخاصاً ماتوا وهم ينتظرون منا شيئاً صغيراً جداً. مكالمة، رسالة، حضناً دافئاً. ربما كلمة: "سامحني". أو كلمة: "أحبك". أو حتى سؤالاً عابراً: "كيف حالك؟" ثم ماتوا. ومات معهم كل شيء.

تخيل رجلاً عجوزاً يجلس في مساء بارد، ينظر كل دقيقة إلى باب بيته معتقداً أن ابنه سيأتي اليوم. يفكر: ربما تأخر في العمل. ربما ازدحم الطريق. ربما سينقر الجرس بعد قليل.

فيرتب كلماته في رأسه. يجهز ابتسامة اشتاق إليها شهوراً. ويجلس منتظراً، ثم يموت قبل أن يُفتح الباب. بينما الابن كان يظن أن هناك وقتاً كافياً للزيارة.

دائماً نعتقد أن هناك وقتًاً وهذه هي الكذبة الكبرى. نعتقد أن أمهاتنا سيبقين هنا عاماً آخر. وأن آباءنا سيعيشون حتى نحقق أحلامنا. وأن أصدقاءنا سيظلون يجيبون على هواتفهم.

وأن الذين نحبهم يمكن تأجيل الحديث معهم إلى الغد. لكن الغد وحش مفترس. يأكل ملايين الأمنيات كل يوم.

كم مؤلم أن تفتح هاتف شخص مات فتجد آخر رسالة منه لم ترد عليها. رسالة عادية جداً: "اتصل بي عندما تكون متفرغًااً ثم لا تتصل. ثم يموت. وتبقى تلك الجملة في الهاتف سنوات. كأنها قبر صغير مضيء. وكلما رأيتها تشعر أن قلبك يُسحق مرة أخرى.

لأن الموت مؤلم، لكن الندم أشد. الموت يأخذ الأحباء، أما الندم فيبقى مع الأحياء.

هناك أشخاص يعيشون عشرين سنة بعد فقدان أحبائهم، لكنهم في الحقيقة لم ينجوا من آخر مرة رأوهم فيها. ما زالوا عالقين هناك: في ذلك الباب، في ذلك المستشفى، في ذلك الرصيف، في تلك الدقيقة، في تلك النظرة. ما زال جزء منهم راكعاً في الماضي يبكي.

أتعرف ما الشيء الأكثر فظاعة؟ أن الميت لا يعلم حجم الكارثة التي تركها خلفه.

الأم التي رحلت لا تعرف أن ابنتها ما زالت تبكي كلما رأت ثوباً يشبه ثيابها.

والأب الذي مات لا يعرف أن ابنه ما زال يبحث عن صوته بين التسجيلات القديمة.

والصديق الذي غاب لا يعرف أن أحدهم ما زال يكتب له الرسائل في رأسه كل ليلة.

لا أحد يخبر الموتى أن هناك أناساً مات نصفهم يوم رحلوا. وأن النصف الآخر يواصل التنفس فقط. فقط يتنفس، لا أكثر.

لا أحد يخبرك أنها المرة الأخيرة عندما تحدث، آخر مرة ضحكت فيها مع شخص أحببته، لم تكن تعلم أنها الأخيرة. آخر مرة سمعت صوته، آخر رسالة قرأتها منه، آخر عناق، آخر لقاء، آخر نظرة عابرة ظننت أنها ستتكرر ألف مرة.

نحن نعيش حياتنا وكأن كل شيء سيبقى كما هو، وكأن الأشخاص الذين نحبهم خالدون في أيامنا، وكأن الأبواب التي نغلقها اليوم سنفتحها غداً بسهولة.

لكن الحياة لا تعطي إنذاراً أخيراً. في يوم ما، ستتذكر حديثاً عادياً جداً، وستبكي. ستتذكر ضحكة لم تمنحها اهتماماً، وكلمة وداع قلتها على عجل، ومكالمة أنهيتها لأنك كنت مشغولاً، وستكتشف بعد فوات الأوان أنها كانت آخر مرة.

أقسى ما في "آخر مرة" أنها لا تبدو مختلفة عن كل المرات السابقة.

لا موسيقى حزينة ترافقها، ولا إشارات تحذير، ولا صوت يخبرك أن تمهل قليلاً، أن تنظر أكثر، أن تعانق أطول، أن تقول أحبك مرة إضافية.

فجأة يصبح كل شيء ذكرى. ويصبح الشخص الذي كان يملأ أيامك مجرد صورة، وصوت محفوظ في قلبك، وحنين لا يجد طريقاً للعودة. ثم تقضي العمر كله تتمنى دقيقة واحدة فقط، دقيقة واحدة لتعود إلى تلك "الآخر مرة" التي لم تعرف أنها الأخيرة.

لتطيل الحديث قليلاً، لتؤجل الرحيل قليلاً، لتقول ما سكتّ عنه، لتحتضن من فقدته بقوة أكبر. لكن الزمن لا يعود، ويبقى في القلب وجع صغير اسمه: "لو كنت أعلم أنها آخر مرة، لما غادرت بهذه السرعة.

بعض الناس لا يكسرهم الفراق، بل تكسرهم فكرة أنهم لم يعرفوا أن ذلك اللقاء كان الأخير.

إن فكرة "آخر مرة" مرعبة لأننا لا نلاحظها أبداً. آخر مرة سمعت فيها صوت أمك، آخر مرة قبّلت فيها يد أبيك، آخر مرة ضحك فيها أخوك أمامك، آخر مرة سمعت صديقك يقول اسمك.


انتهت، وانقضت، وابتلعتها السنوات، ولم يخبرك أحد أنها الأخيرة.

ولهذا السبب، عندما يتذكر الناس موت أحبائهم، فهم لا يبكون لحظة الوفاة فقط، بل يبكون كل اللحظات التي سبقتها. يبكون المكالمة التي لم يردوا عليها، والزيارة التي أجلوها، والاعتذار الذي تأخروا فيه، والحضن الذي بخلوا به، والكلمات التي ظلت حبيسة صدورهم حتى أصبحت بلا فائدة.

ثم يأتي الليل، ذلك الليل اللعين. حين ينام العالم كله، ويستيقظ الغياب، فتجلس وحدك، تحدق في صورة لا تتحرك.

 وتدرك فجأة أن الشخص الموجود فيها لن يشيخ أبداً، لن يتصل أبداً، لن يطرق الباب أبداً، لن يضحك أبداً، لن يعود أبداً، وعندها، لا تبكي لأنك فقدته فقط، بل لأنك عرفت متأخراً جداً، أن تلك المرة التي استعجلت فيها الوداع، وتلك اللحظة التي قلت فيها: "سأراه لاحقاً" كانت هي "لاحقاً" الأخيرة في حياتك كلها.


الأبواب التي أغلقتها الحياة إلى الأبد

أوجع ما في الحياة أن كل شيء جميل ينتهي في لحظة عادية جداً، دون أن يخبرك أنها اللحظة الأخيرة. فآخر مرة لا تطرق الباب قبل أن تأتي. لا ترسل رسالة تحذير، لا تترك لك فرصة للاستعداد. تمر بين أيامك بهدوء، متنكرة في ثوب يوم عادي، ثم تختفي إلى الأبد. وتمضي السنوات بعد ذلك وأنت تحاول عبثاً أن تعود إليها.

آخر مرة رأيت فيها أبي يبتسم، آخر مرة قبلت فيها يد أمي، آخر مرة جلست فيها مع صديق ظننت أنه سيبقى العمر كله بقربك، آخر مرة سمعت صوت شخص كنت تظن أن الحياة لا يمكن أن تمضي يوماً واحداً بدونه، كلها كانت مرات عادية جداً.

لم يكن هناك ما يوحي بأنها النهاية. كنت تؤجل الكلام، وتؤجل الحب، وتؤجل الاعتذار، وتؤجل العناق. كنت تظن أن الغد موجود دائماً، لكن الغد أحياناً لا يأتي. وفجأة تصبح كل الطرق التي كانت تؤدي إلى شخص ما، مغلقة.

كل الرسائل التي كنت تستطيع إرسالها، بلا عنوان. كل الكلمات التي احتفظت بها، بلا مستمع. كل الحب الذي أخفيته، بلا قلب يصل إليه.

ثم تبدأ رحلة الندم الطويلة، رحلة البحث داخل الذاكرة عن أدق التفاصيل.

عن نبرة الصوت، عن ملامح الوجه، عن الضحكة التي لم تنتبه إليها، عن النظرة التي مرت سريعاً، عن آخر كلمة قيلت، عن آخر وداع.

وتكتشف أن الإنسان لا يتذكر اللحظات الكبيرة كما يتذكر الأشياء الصغيرة. يتذكر كوب القهوة الذي شربه معه، المقعد الذي جلسا عليه، الطريق الذي سارا فيه معاً، يتذكر ضحكة عابرة، ومزحة سخيفة، وجملة لم يكن لها أي معنى وقتها.

ثم تصبح هذه الأشياء البسيطة أثمن من كنوز الأرض كلها. لأنها كل ما تبقى، كل ما تبقى من شخص لن يعود. وما أقسى أن تدرك بعد سنوات أنك كنت تعيش أجمل أيام عمرك دون أن تعرف.

كنت تتذمر من الأيام وهي النعيم نفسه. كنت تشتكي من الزحام بينما هناك من يتمنى دقيقة واحدة فقط من تلك الأيام. دقيقة واحدة، ستون ثانية فقط، ليجلس مجدداً مع من فقد، ليسمع صوته. ليقول له: "انتظر قليلاً... لا ترحل الآن."

لكن الحياة لا تسمع التوسلات المتأخرة، فالقطارات التي تغادر لا تعود، والأعمار التي تمضي لا تلتفت خلفها، والأشخاص الذين أخذتهم الأقدار لا يفتحون الأبواب مرة أخرى.

وفي ليالٍ كثيرة، بينما ينام الجميع، يبقى الإنسان مستيقظاً مع ذاكرته، يتأمل صوراً قديمة، يقرأ رسائل قديمة، يستمع إلى تسجيلات قديمة، ويبكي على أشياء لم يكن يظن يوماً أنها ستجعله يبكي.

يبكي لأنه لم يحتضنهم أكثر، لأنه لم يتحدث معهم أكثر، لأنه انشغل عنهم بأشياء نسيها هو نفسه، بينما هم رحلوا وبقي وجع رحيلهم.

ويبقى سؤال واحد يطارده حتى آخر العمر: ماذا لو كنت أعلم؟ ماذا لو كنت أعلم أن تلك الضحكة هي الأخيرة؟ وأن ذلك اللقاء هو الأخير؟ وأن ذلك الباب الذي أغلقته خلفي لن أفتحه مرة أخرى أبداً؟ ماذا لو كنت أعلم أنني أنظر إلى وجهه للمرة الأخيرة؟

هل كنت سأرحل بهذه السرعة؟ هل كنت سأكتفي بهذا الكلام؟ هل كنت سأتركه يذهب دون عناق أطول؟ دون كلمة أحبك؟ دون اعتذار؟ دون أن أخبره كم كان يعني لي؟

لكن الحقيقة الموجعة، أننا لا نعرف أبداً أنها "آخر مرة" إلا بعد أن تصبح ذكرى، وبعد أن يصبح الوصول مستحيلاً، وبعد أن تمتلئ قلوبنا بتلك الأمنيات التي لا يمكن تحقيقها.

لهذا لا تبكِ فقط على من فقدتهم، ابكِ على كل الكلمات التي لم تقلها لهم، ابكِ على كل العناق الذي أجلته، ابكِ على كل مرة قلت فيها: "لاحقاً". فقد يكون "لاحقاً" هو الكلمة التي اخترعها الندم قبل أن يولد.

وفي نهاية العمر، لن يحطم قلبك ما فعلته، بل ما لم تفعله، وما لم تقله، ومن لم تعانقه، ومن لم تخبره أنك تحبه.

لأن أصعب حقيقة في هذه الحياة كلها هي أن الإنسان يستطيع أن يتحمل الفراق، لكنه لا يستطيع أن يتحمل فكرة أن آخر لقاء قد مرّ بالفعل، وأنه لم يكن يعلم أنه الأخير.


قبر صغير مضيء في شاشة هاتف

أحياناً لا يكون القبر تحت التراب، بل في شاشة هاتف تضيء في منتصف الليل. رسالة قديمة من إنسان رحل، بضع كلمات عادية جداً، لكنها تكفي اليوم لتمزيق قلبك ألف مرة، لأن صاحبها لم يعد موجوداً ليقرأ ردّك الذي تأخر كثيراً.

تفتح المحادثة فتشعر وكأنك تزور ميتاً بصمت؛ تتأمل آخر ما كتبه، وتدرك أن بينك وبينه الآن مسافة لا تقاس بالكيلومترات ولا بالسنوات، بل بشيءٍ أكثر قسوة، اسمُه: "فات الأوان".

هناك أشخاص لم نودعهم حقاً، خرجوا من يوم عادي، ثم تحولوا إلى حنينٍ أبدي يسكن القلب حتى آخر نبضة.

حين قلت له "إلى اللقاء" في آخر مرة لم تعرف أن اللقاء لن يأتي أبداً، لهذا أبكي. لا أبكي لأنك رحلت فقط، بل لأنني لم أعرف أنك راحل، أبكي لأنني لو عرفت لاحتضنتك أكثر، ولنظرت إلى وجهك أكثر، ولسمعت حديثك حتى آخر كلمة، ولأخبرتك كم أحببت وجودك في حياتي، وكم سيصبح العالم بارداً وموحشاً بعد غيابك.

لكنني لم أفعل. تركت اللحظة تمر، وتركت العمر يمر معها، وبقيت أنا هنا، أحمل عقوبة أبدية اسمها: "لو كنت أعلم أنها آخر مرة".

فبعض الأحزان لا تأتي من الفقد نفسه، بل من اللحظة التي ندرك فيها متأخرين أن أجمل لقاء في حياتنا انتهى، وأننا غادرناه بعجلة، بينما كان هو الوداع الأخير إلى الأبد.

وفي النهاية، لا يبقى من الإنسان إلا ما منحه للذين أحبهم. أما الكلمات التي أخفاها، والاعتذارات التي أجّلها، والعناق الذي بخل به، فتتحول إلى أشواكٍ تسكن روحه ما بقي حيّاً.

سيأتي يوم تفتح فيه صورة قديمة، فتتوقف أنفاسك للحظة، لأن الوجوه التي فيها لم تعد هنا، ولأنك ستتذكر فجأة أنك كنت تستطيع أن تقول أكثر، وأن تبقى أكثر، وأن تحب أكثر، لكنك لم تفعل. حينها لن يؤلمك أنهم رحلوا فقط، بل سيقتلك أنك لم تُدرك أنهم كانوا يودّعونك في كل مرة رأيتهم فيها. وما أقسى أن يحمل الإنسان في قلبه جنازةً لا تنتهي، وأن يعيش بقية عمره وهو يطرق أبواباً أغلقتها الأقدار، وينادي أسماءً لا يجيبه منها أحد.

فإن كان هناك شخص تحبه ما زال على قيد الحياة، فلا تؤجل شيئاً. اتصل به الآن، اكتب له الآن، احتضنه الآن. لأن بعض القبور لا تُدفن تحت التراب... بل تُدفن في كلمةٍ لم تُقل، ورسالةٍ لم تُرسل، ووداعٍ مرَّ مسرعاً، ثم ظلّ صاحبه يبكيه حتى آخر العمر.

سامحني، لم أكن أعلم أنها كانت آخر مرة.

ياْ إلهي/ شوقي مسلماني



قصّ عليَّ، ولا مصلحة له أن يكذب، ولا عهد لي به كاذباً، وعموماً هو أجلّ من أن يغتاب ظلماً، وقال عن "كاتبة وإعلاميّة" إنّه ذاته سألها "كيف تعيشين"؟ 

ما دامت وزوجها "عاطلين عن العمل"، وفي الأيّام الحرجة اقتصاديّاً وأمنيّاً، قالت: "أعمل أربع ساعات في اليوم واللهُ ساترها"، وسألها ماذا تعمل بالتحديد؟ قالت، وبصراحة مطلقة، وكأنّ الأمر عاديّ جدّاً، وغيرها كثر يعملون عملها: 

"مطلوب منّي في فايسبوك إنّي "نقِّر" بالصحّ وبالخطأ وبالحقّ وبالباطل وبالطريقة "التي أنا أراها" ـ إلاّ إذا جاءت تعليمات معيّنة ـ على "العونيين" ـ "التيّار الوطني الحرّ" ـ على "ميشال عون" ـ رئيس الجمهوريّة السابق ـ و"على "جبران باسيل، وبيدفعولي"!. 

ولم يشأ أن يقول لها إنّها تعمل "ذباباً الكترونيّاً"، لا أدباً إنّما هي المفاجأة من هذه الصراحة وقد أخذته مثل أن تكون  تعرض عليه أيضاً أن تشغّله معها وهي ستعمل له "واسطة"!. 

أيّ منحدر بلغ بعض "الكتّاب والإعلاميين" اللبنانيين وغيرهم كُثُر من الخليج "الثائر" إلى المحيط "الهادر" أو من الخليج "الإبراهيمي" إلى المحيط "الهامد". 

SHAWKIMOSELMANI1957@GMAIL.COM



الموتُ سريرُ الأجسادِ/ د. عدنان الظاهر



أملٌ فاتَ الوعدَ وجازَ الحدّا

دمعٌ من ماءِ الشيطانِ يسيلُ وضوءا

رمزٌ في الزحفِ يُقابلُ زحْفا

جفَّ النبعُ المُستيقظُ إسرافاً مدّا

ماذا أبقى للباقي في ماءِ البحرِ غريقا

يتنفسُّ مِرجانَ الذكرى أملاحاً حُسنى ..

ودّعتُ الغائبَ لم أعقدْ عزْما

كان الغائبُ مشحوناً صمْتا

مُلتفّاً بالغيمةِ والهيبةِ والدمعِ القاني

أسألُ لا هُدْبٌ رفَّ ولا مِتراسُ الأجفانِ

 غابتْ والتيهُ مقالُ التجديفِ ببحرِ النسيانِ

أَيحارُ المرءُ وقوفا

أمْ يسعى والضوءُ الخافي يشتدُّ سطوعا ؟

أينَ أُوجّهُ وَجهي

الوجهُ الصُلْبُ أخاديدُ منازلِ أسلافِ الأهلِ

حفروها بالخطِّ المسماريِّ وغابوا

رملٌ في الغيبِ يُداعبُ أجفاني

وخواطرُ ما أقساها مرّتْ

مَرَّ الغيثِ الهاطلِ في عينِ الأنواءِ

والموتُ سريرُ الأجسادِ

خطَّ الأقدارَ بجبّارِ السلطانِ

لم يُفصحْ عن أملٍ في مغزى أو رؤيا

لم يكشفْ عن جهلٍ قصْدا

راوغَ حتّى زاغَ وجازَ الأحمرَ خطّا

هل أبقى للصدرِالحاملِ همّاً شيئا ؟


هل هذه آخر حروب السعودية؟/ عباس علي مراد



في مقابلة مع الصحافي الراحل محمد حسنين هيكل عام 2015، قال فيها: "علينا أن ندرس أولاً: إلى أي مدى عاوزة السعودية؟ إلى أي مدى قادرة؟ الرغبة قد تكون موجودة، لكن إلى أي مدى مستعدة للتكاليف؟ لأنك أنت أمام اليمن، اليمن بركان نائم في جنوب شبه الجزيرة العربية، إذا انفجر سوف يجرف كل المنطقة. لم يكن السعوديون يخافون من أي حاجة أبداً، واليمن هو الهاجس الموجود دائماً إذا انفجر هذا البركان".

 منذ عام 1967 كانت دول "الاعتدال العربي" تموّل كل حروب أمريكا ضد البلدان التي كانت تدعو لمقاومة المشروع 

 الأمريكي-الصهيوني. 

خرجت مصر من المواجهة بعد توقيع أنور السادات اتفاقية كامب ديفيد، ومن ثمّ توالت عمليات التخلص من كل أعداء المشروع سواء في العالم الإسلامي أو العربي، فموّلت دول الاعتدال وجنّدت ودرّبت الإسلاميين وأرسلتهم تحت الإشراف الأمريكي إلى أفغانستان التي كانت خاضعة للسيطرة السوفيتية. خسر السوفيت الحرب، وكان ذلك مقدمة لانهيار الاتحاد السوفيتي بالتحالف مع عوامل أخرى ساهمت في هذا الانهيار.

 في العام 1975 اشعلوا الأهلية اللبنانية ، واجتاحت إسرائيل جنوب لبنان عام 1978 لإبعاد الفلسطينيين من الجنوب، وكان الاجتياح الإسرائيلي الاوسع عام 1982، حيث وصلت قواتها الى العاصمة بيروت وتم إخراج منظمة التحرير الى تونس، ووقعت مجازر صبرا وشاتيلا التي راح ضحيتها الآلاف من المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين.

في العام 1981 أطلقت السعودية مبادرة السلام العربية في القمة  العربية في مدينة فاس المغربية، والتي عرفت بمبادرة الملك فهد الذي (كان وقتذاك ولي العهد) والتي لم تلقى تجاوب الكيان الإسرائيلي.

 موّلت دول 'الاعتدال العربي' المجهود الحربي العراقي في الحرب العراقية الإيرانية من العام 1980 حتى العام 1988

 والتي كان الهدف منها كبح وتطويق الثورة الوليدة في إيران.

عندما انتهت تلك الحرب، اجتاح صدام حسين الكويت عام 1990، ولإخراجه من الكويت، شكلت الولايات المتحدة ما عرف بالتحالف الدولي لتحرير الكويت، والتي شاركت فيها دول عربية عديدة بعد ان امنت جامعة الدول العربية الشرعية لهذه الحرب. وكانت المرة الأولى في تاريخ الجامعة التي يتخذ القرار بالأغلبية بدلاً من الإجماع، بضغط من السعودية وحلفاءها.

بعد حرب تحرير الكويت، انعقد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، وبدأت تظهر إلى العلن التصدعات العربية؛ حيث وقع الفلسطينيون اتفاقية أوسلو عام 1993، والتي كان من المفترض أن تشكل نواة الدولة الفلسطينية بعد خمس سنوات من توقيعها، وهو ما لم يحدث بسبب عدم التزام إسرائيل بالاتفاق. ومن ثم، وقع الأردن اتفاقية وادي عربة عام 1994، وسط تراجع في التضامن العربي تجاه الإجراءات الإسرائيلية.

لاحقاً، عاد العرب بدعم سعودي وأطلقوا مبادرة السلام العربية من قمة بيروت عام 2002، التي رعاها الملك عبد الله (الذي كان وقتئذٍ ولياً للعهد). وكما هو معلوم، فقد تجاهلت إسرائيل المبادرة التي تبنت مبدأ 'الأرض مقابل السلام".

في العام2001  وبعد هجمات 11 سبتمبر على نيويورك وتدمير برجي التجارة العالمية، شكلت الولايات المتحدة تحالفاً دولياً 

لمحاربة الإرهاب، وشنت حرباً على أفغانستان أدت إلى إسقاط نظام طالبان واحتلال البلاد، وفي العام 2003، شنت الولايات المتحدة الأمريكية حربها على العراق واحتلته؛ وكانت كلا الحربين بتمويل من المال العربي.

 وفي العام 2006، شنت إسرائيل عدواناً واسعاً على لبنان؛ بهدف القضاء على المقاومة، وحظيتِ الحربُ بدعمٍ وتغطيةٍ عربيةٍ، ولا سيما السعودية منها.

في العام 2011، بدأت حرب دول الاعتدال العربي على سوريا؛ بهدف إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد ، وتم تشكيل تنظيم داعش، الذي كان رأس الحربة في مشروع إسقاط سوريا والعراق أيضاً. صمد نظام الأسد (سقط عام 2024)، بسبب الدعم الإيراني والروسي اللذين دخلا الحرب إلى جانبه، بالإضافة الى دخول حزب الله اللبناني ومجموعات عراقية وأفغانية للحرب الى جانب النظام.

في نفس العام 2011، مولت دول الاعتدال العربيةُ الحرب على ليبيا وإطاحةَ نظام معمر القذافي، وتشظت ليبيا بسبب الحرب التي دارت بين القوى الليبيةِ المدعومة من جهاتٍ عربيةٍ وغربيةٍ.

أما السودان، فقد جرى تقسيمه إلى شمال وجنوب، ومن ثم كانت الحرب الأهلية الوحشية التي مولتها وشاركت فيها دول عربيةٌ، أتت هذه الحرب على وحدةِ شمال السودان.

ولم يكن حظ اليمن أحسنَ من غيره من الدول العربيةِ؛ فقد جرت إعادة تقسيم اليمن مجدداً، وفي العام 2015 بدأ التدخل  في اليمن العسكري بقيادة السعودية ( عملية عاصفة الحزم) واستمرت الحرب بشكلها العسكري الشامل والكثيف زهاء سبعِ سنوات، حتى تم التوصل إلى هدنة إنسانية برعاية الأمم المتحدة في الثاني من أبريل 2022.

 وها هي السعودية تعاود الكرة اليوم وتبدأ حرباً جديدةً على اليمن، في خطوة يرى مراقبون أنها تأتي في سياق محاولات دعم الإدارة الأمريكية وتجنيبها الهزائم العسكرية والسياسية، خاصة بعد تعثر الحرب المشتركة مع إسرائيل على إيران.

وخلال الحرب الأمريكية والأسرائيلية على إيران 2025 و 2026 استُخدمت شبكة القواعد الأمريكية في دول الخليج والاردن كمنطلق أساسي لإدارة العمليات، والتوجيه، والتموين اللوجستي للضربات الموجّهة ضد إيران. وردّت إيران بقصف صاروخي وجوي مكثف ومباشر استهدف تلك القواعد.

  وفي 15 أيلول 2020 وقعت رسمياً في البيت الأبيض الاتفاقيات الإبراهيمية كل من الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين ، برعاية الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ولاحقاً وقع المغرب والسودان على تلك الاتفاقيات وتعمل الادارة الأميركية على توسيع هذه الاتفاقيات لضم دول عربية أخرى.

ما تقدم يعطي فكرة الى اي مدى انغمست دول الاعتدال العربي في التآمر على الشعوب العربية والإسلامية من أجل خدمة المشاريع الاميركية الصهيونية بحجة حماية أمنها القومي.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو لماذا عادت السعودية والان لفتح جبهة اليمين وما هي مصلحتها في ذلك؟ وهل ستكون هذه الحرب اذا ما توسعت آخر حروب السعودية وعرب الاعتدال بسبب تراجع الدور الاميركي وونهاية عالم الأحادية القطبية؟

يبدو ان محاولة السعودية لتشكيل تحالف ضد انصار الله في اليمن تواجه صعوبات، فها هي الباكستان التي كانت قد  حذرت مبدئياً من إمكانية دخول اتفاقية الدفاع حيز التنفيذ، تراجعت لاحقاً مدعيةً أنها لا تنطبق على وضع قائم (مثل الحرب التي تقودها السعودية والتي بدأت عام 2015).

بالإضافة الى ذلك فإن نظام الاحادية القطبية بدأ بالأفول مع صعود قوى مثل الصين وروسيا وتنامي دور القوى الإقليمية.

ويأتي التقرير الذي أصدره المفتش العام بوزارة الدفاع الأميركية، وهو الذي كشف عن حجم الخسائر والتكاليف التي تكبدتها الولايات المتحدة خلال الأشهر الأولى من الحرب على إيران وتداعياتها وكلفتها ( 33.4 مليار دولار حتى حزيران 2026)، وعدم الوصول الى نهاية سياسية واضحة، بسبب عدم جدوى القوة العسكرية رغم ان الولايات المتحدة الدولة الأقوى عسكرياً في العالم.

فهل تتعظ السعودية، وتذهب الى حل سلمي مع أنصار الله في اليمن، وإذا لا فهل تكون هذه آخر الحروب السعودية؟  خصوصاً ان  إدارة ترامب رفضت مؤخراً طلبات الرياض المتكررة لشن ضربات جوية مباشرة ضد الحوثيين، الذين تقدموا الى باب المندب وتراجع القوات المدعومة من السعودية والامارات.


 

مسألة الإنساني بين الوحدة المعنوية والكثرة المادية، من منظور مطلب الكلي/ د زهير الخويلدي



مقدمة

تظل مسألة الإنساني واحدة من أكثر المسائل إلحاحاً واستعصاءً في الفكر  الفلسفي، لا لأنها تفتقر إلى تعريفات، بل لأنها تتأبى على كل تعريف يدّعي الاكتمال. فهي مسألة تُطرح كلما اصطدم الادعاء بوحدة معنوية جامعة بالواقع الصلب للكثرة المادية التي لا تكف عن التكاثر والتفاوت والانقسام. الوحدة المعنوية تشير إلى ذلك الأفق الذي يُراد له أن يجمع البشر تحت معنى مشترك أو قيمة عليا أو كرامة قابلة للتعميم. أما الكثرة المادية فتشير إلى الأجساد المختلفة، والموارد غير المتكافئة، واللغات المتعددة، والتواريخ المتشعبة، والمصالح المتضاربة، والقدرات المتباينة على البقاء والتأثير. بين هذين القطبين يتموضع مطلب الكلي بوصفه محاولة للتفكير فيما يتجاوز الجزئي دون أن يلغيه، وفيما يطمح إلى الشمول دون أن يتحول إلى اختزال قسري. هذه الدراسة تتناول المسألة من منظور هذا المطلب تحديداً، متتبعة توتراته وإمكانياته وحدوده. لذلك يطرح سؤال الإنساني نفسه منذ البداية بوصفه توتراً لا يُحسم، لا بوصفه ماهية جاهزة أو تعريفاً مستقراً. فالإنساني ليس مجرد صفة تُضاف إلى الكائن البشري، ولا هو جوهر مفارق يعلو على شروطه، بل هو حركة مستمرة بين قطبين يبدو أنهما متنافران: وحدة معنوية تدّعي القدرة على جمع الشتات تحت معنى مشترك أو قيمة عليا أو أفق كلي، وكثرة مادية لا تكف عن التكاثر والانقسام والتفاوت في الأجساد والموارد واللغات والمصالح والتواريخ. المقاربة الإشكالية هنا لا تسعى إلى التوفيق بين القطبين أو إلى ترجيح أحدهما على الآخر، بل تعمل على تعرية الافتراضات التي تجعل هذا التوتر ممكناً ومستعصياً في آن واحد، وعلى مساءلة ما يعنيه النظر إلى هذه الثنائية «من منظور الكلي». فهل يمكن للإنساني أن يُفكر فيه دون أن يسقط في وحدة معنوية تختزل الكثرة، ودون أن يذوب في كثرة مادية تفقد أي أفق مشترك؟


مطلب الكلي ومسألة الانساني

يبدأ النظر من طبيعة مطلب الكلي نفسه. الكلي هنا ليس مجرد مفهوم نظري مجرد، ولا هو مجموع بسيط للأجزاء، بل هو رغبة أو طلب أو أفق يسعى إلى الإحاطة بما يبدو متفرقاً. حين يُطرح مطلب الكلي في سياق مسألة الإنساني، فإنه يحمل في طياته ادعاءً مزدوجاً: ادعاء بأن الإنساني قابل لأن يُفكر فيه بوصفه كلاً، وادعاء بأن هذا الكل قادر على استيعاب الوحدة المعنوية والكثرة المادية معاً دون أن يضحّي بأحدهما لصالح الآخر. لكن هذا الادعاء يواجه منذ اللحظة الأولى صعوبة جوهرية. فكل صياغة للكلي تنطلق بالضرورة من موقع جزئي: من لغة معينة، ومن تجربة تاريخية معينة، ومن شبكة مصالح أو قيم معينة. فهل يستطيع مطلب الكلي أن يتجاوز جزئيته أم أنه يظل محكوماً بها حتى وهو يتحدث باسم الجميع؟

يبدأ الإشكال من مفهوم «الإنساني» ذاته. حين نستخدم هذه الكلمة، فإننا نفترض سلفاً وجود قاسم مشترك يتجاوز الاختلافات المادية. هذا القاسم يُسمى أحياناً كرامة، وأحياناً عقلاً، وأحياناً حرية، وأحياناً قابلية للتأقلم أو للتواصل. لكن كل تسمية من هذه التسميات تصطدم فوراً بالكثرة المادية التي تكذّبها أو تعقّدها: أجساد مختلفة في قدراتها وآلامها، لغات لا تُترجم بالكامل، تواريخ من العنف والاستبعاد، توزيع غير متكافئ للموارد والفرص. فهل الإنساني وحدة معنوية تسبق الكثرة وتعيد تنظيمها، أم هو مجرد اسم نطلقه على محاولة يائسة لفرض معنى على ما يرفض المعنى الواحد؟

 الإشكال يكمن في أن أي تعريف للإنساني يدّعي الوحدة يجد نفسه مضطراً إلى استبعاد ما لا ينسجم معه، فيعيد إنتاج كثرة جديدة هي كثرة المستبعدين. من منظور الكلي، يظهر سؤال أخطر: هل الكلي نفسه يقف إلى جانب الوحدة المعنوية أم أنه يتجاوزها؟ إذا كان الكلي يعني التفكير في الإنسان بوصفه جزءاً من كل أوسع يشمل الطبيعة والتاريخ والإمكانيات غير المتحققة، فإن الكثرة المادية تكتسب دلالة مختلفة. لم تعد مجرد عقبة أمام المعنى، بل أصبحت جزءاً من تكوين الكلي نفسه. الأجساد المتعددة، والبيئات المختلفة، والتواريخ المتشعبة، كلها تدخل في نسيج ما يمكن أن نسميه الكل. لكن هذا الدخول لا يحل الإشكال، بل يعيد صياغته: كيف يمكن للكلي أن يشمل الكثرة دون أن يسطحها، وأن يحافظ على إمكانية الوحدة المعنوية دون أن يجعلها  وحدة قسرية؟


الانساني كوحدة معنوية

ينتقل الإشكال إلى مفهوم الوحدة المعنوية. الوحدة هنا ليست وحدة عددية بسيطة، بل وحدة دلالة: ادعاء بأن هناك أفقاً مشتركاً يمكن أن يجمع البشر رغم اختلافاتهم. هذا الأفق قد يكون أخلاقياً أو دينياً أو عقلانياً أو حقوقياً. لكن الوحدة المعنوية، حين تُطرح بوصفها كلية، تواجه سؤال مشروعيتها. فمن أين تستمد قدرتها على الجمع؟ هل هي نابعة من طبيعة بشرية مشتركة، أم هي نتاج تاريخي لخطابات معينة نجحت في فرض نفسها؟ وإذا كانت تاريخية، فكيف تدّعي لنفسها موقعاً كلياً يتجاوز التاريخ؟

 الاستشكال يكشف أن كل وحدة معنوية تحمل في داخلها آثار الكثرة التي حاولت تجاوزها: فهي تُصاغ بلغة معينة، وتنشأ في سياق صراع معين، وتخدم مصالح أو رؤى معينة، حتى وهي تتحدث باسم الجميع. هكذا تتبدى الوحدة المعنوية بوصفها أحد أبرز تجليات مطلب الكلي. فهي تسعى إلى تأسيس قاسم مشترك يتجاوز الاختلافات الظاهرة: سواء أكان هذا القاسم عقلاً كونياً، أم كرامة أصيلة، أم قابلية مشتركة للتأقلم، أم انتماء إلى أفق أخلاقي واحد. هذه الوحدة تمنح الخطاب عن الإنساني قدرته على التعميم، وتسمح بالحديث عن حقوق أو واجبات أو قيم يُفترض أنها لا تخص جماعة دون أخرى. غير أن قوتها البلاغية تصطدم مراراً بالكثرة المادية. فالأجساد لا تتأقلم بالطريقة نفسها، ولا تمتلك الموارد ذاتها للدفاع عن كرامتها، ولا تتكلم لغات تسمح بترجمة كاملة للمعاني. مطلب الكلي، حين يتمسك بالوحدة المعنوية، يجد نفسه أمام خيار صعب: إما أن يتجاهل جانباً من الكثرة كي يحافظ على تماسك المعنى، وإما أن يفتح المعنى على التعدد فيخاطر بتفككه.


الانساني ككثرة مادية

الكثرة المادية ليست مجرد معطى محايد. هي كثرة الأجساد التي تولد وتمرض وتموت بطرق مختلفة، وكثرة الحاجات التي لا تُشبَع بالتساوي، وكثرة العلاقات السلطوية التي تُنتج فروقاً في القدرة على الكلام والظهور والبقاء. هذه الكثرة لا تكف عن مقاومة أي محاولة لاختزالها في وحدة معنوية. بل إنها تفضح، في كل مرة، الطابع الجزئي لما يدّعي الكلية. السؤال الإشكالي هنا هو: هل الكثرة المادية هي ما يجب على الوحدة المعنوية أن تسيطر عليه أو تهذّبه، أم هي الشرط الذي يجعل أي وحدة معنوية مؤقتة وهشة وقابلة للطعن؟ النظر من منظور الكلي لا يحسم هذا السؤال، بل يزيده تعقيداً، لأن الكلي نفسه يبدو أحياناً كأنه اسم آخر للوحدة المعنوية في أقصى طموحاتها، وأحياناً أخرى كأنه الأفق الذي يكشف محدودية كل وحدة وكل كثرة. على هذا النحو الكثرة المادية ليست مجرد عقبة خارجية أمام مطلب الكلي، بل هي جزء أصيل من تكوين المسألة. فهي تذكّر بأن الإنساني لا يوجد إلا متجسداً، وأن كل تجسد يحمل خصوصيته وعدم قابليته للاختزال الكامل. الكثرة هنا ليست فقط كثرة عددية، بل كثرة كيفية: اختلاف في القدرة على الظهور، وفي التعرض للعنف، وفي الوصول إلى الموارد، وفي إمكانية أن يُسمع الصوت. مطلب الكلي لا يستطيع أن يتجاهل هذه الكثرة دون أن يفقد مصداقيته، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يذوب فيها تماماً دون أن يفقد قدرته على صياغة أي أفق مشترك. التوتر يبلغ ذروته حين تتحول الكثرة المادية إلى حجة ضد كل وحدة معنوية، أو حين تتحول الوحدة المعنوية إلى أداة لطمس الفروق المادية تحت شعار المساواة المجردة.


جدلية الوحدة والكثرة

تكشف المقاربة الإشكالية أن الثنائية بين الوحدة المعنوية والكثرة المادية ليست ثنائية خارجية يمكن تجاوزها بقرار نظري، بل هي بنية داخلية للخطاب عن الإنساني. كل حديث عن الإنساني يستدعي القطبين معاً، حتى وهو يحاول ترجيح أحدهما. الادعاء بالوحدة يستدعي الكثرة بوصفها ما يجب توحيده أو تهذيبه، والاحتفاء بالكثرة يستدعي الوحدة بوصفها ما يجب الحذر منه أو تفكيكه. الكلي، في هذا السياق، ليس موقعاً آمناً فوق الصراع، بل هو الأفق الذي يجعل الصراع مرئياً بحدّة أكبر، لأنه يمنع الاكتفاء بأي حل جزئي. من منظور مطلب الكلي، يبدو الإنساني أقل شبهاً بماهية ثابتة وأكثر شبهاً بحركة مستمرة بين قطبين. هذه الحركة لا تصل إلى سكون نهائي. فكلما مالت الكفة نحو الوحدة المعنوية، ظهرت أصوات تذكّر بما تم استبعاده أو تبسيطه من كثرة التجارب الحية. وكلما مالت الكفة نحو الاحتفاء بالكثرة المادية، ظهرت الحاجة إلى معيار أو أفق يمنع التشتت من التحول إلى عجز عن التضامن أو عن الحكم. مطلب الكلي يحاول أن يحتفظ بالقطبين في حالة توتر خلاق، لا أن يحسم بينهما. لكنه في محاولته هذه يواجه خطرين متقابلين: خطر تحويل الكلي إلى وحدة معنوية جديدة تدّعي الشمول وهي في الحقيقة جزئية، وخطر تحويل الكلي إلى مجرد اعتراف بالكثرة دون أي قدرة على التوجيه أو النقد.

من هذا المنطلق يتجلى هذا التوتر بوضوح في كيفية التعامل مع الألم والظلم. الوحدة المعنوية تسمح بالقول إن الألم الإنساني واحد في جوهره، وإن الظلم مرفوض أينما وقع. هذا القول يفتح إمكانية التضامن العابر للحدود. لكن الكثرة المادية تُظهر أن بعض الآلام تُرى وتُسمع وتُعوَّض، بينما تظل آلام أخرى صامتة أو مهمّشة أو قابلة للإنكار. مطلب الكلي يجد نفسه هنا مطالباً بأن يوسع دائرة الرؤية دون أن يفقد حدّة الحكم، وبأن يعترف بالتفاوت دون أن يحوّل التفاوت إلى قدر محتوم. الصعوبة تكمن في أن كل توسيع للدائرة يظل مشروطاً بشروط مادية ولغوية ومؤسساتية تحد من إمكانيته الفعلية.

على المستوى الزمني، يظهر مطلب الكلي بوصفه محاولة للجمع بين إيقاعات مختلفة. الوحدة المعنوية تميل إلى الاشتغال في زمن معياري أو شبه دائم: زمن القيم التي يُفترض أنها تتجاوز اللحظة. أما الكثرة المادية فتعمل وفق زمن الأحداث والندرة والنفاد والتغير الجسدي والبيئي. مطلب الكلي يسعى إلى التفكير في زمن قادر على احتواء الاثنين: زمن يعترف بالموت والفقد والتفاوت، ويظل في الوقت نفسه قادراً على صياغة وعود أو معايير لا تنهار مع كل تغير. لكن هذا الزمن المركب يظل أفقياً أكثر مما هو متحققاً، لأنه يصطدم باستمرار بضغط الحاجات العاجلة وبمحدودية الموارد وبصراعات القوة.

كما يعيش الفرد هذه المسألة بطريقة ملموسة. فهو يجد في الوحدة المعنوية ما يمنحه شعوراً بالانتماء إلى أفق أوسع من مصلحته المباشرة، وما يجعل ألمه أو كرامته قابلين للترجمة إلى لغة مشتركة. وهو في الوقت نفسه يختبر يومياً خصوصية موقعه المادي: جسده الذي لا يشبه تماماً أي جسد آخر، وظروفه التي تحد من خياراته، وتاريخه الذي لا يمكن استبداله. مطلب الكلي، بالنسبة إلى هذا الفرد، قد يظهر بوصفه دعوة إلى تجاوز الذات الضيقة، أو بوصفه عبئاً إضافياً يطالبه بالتخلي عن خصوصيته باسم معنى عام. الإشكال يكمن في أن أي صياغة للكلي تتجاهل هذا التوتر الفردي تظل مجردة، وأي انغماس كامل في الخصوصية يفقد القدرة على رؤية ما يتجاوزها. هكذا يكشف النظر المتأني أن مطلب الكلي ليس ضمانة للحل، بل هو نفسه جزء من المسألة. فهو يولد من الشعور بنقص الجزئي، ومن الرغبة في أفق أوسع، لكنه يحمل دائماً خطر إعادة إنتاج الجزئية تحت اسم جديد. حين يُصاغ الكلي بلغة حقوقية كونية، فإنه قد يطمس السياقات التاريخية والثقافية. وحين يُصاغ بلغة الاعتراف بالاختلاف، فإنه قد يفقد القدرة على نقد أشكال الظلم التي تختبئ خلف الاختلاف. وحين يُصاغ بلغة إنسانية مجردة، فإنه قد يتجاهل الشروط المادية التي تجعل الإنسانية نفسها غير متاحة للجميع بالدرجة ذاتها. لذلك تظل المسألة مفتوحة لأن الإنساني نفسه مفتوح. فهو ليس معطى جاهزاً ينتظر الاكتشاف، بل هو أفق يُعاد بناؤه كلما تغيرت شروط الوحدة والكثرة. مطلب الكلي يدفع التفكير إلى عدم الاكتفاء بالحلول السهلة: لا الاكتفاء بوحدة معنوية تتجاهل الأجساد والموارد، ولا الاكتفاء بكثرة مادية ترفض أي معيار مشترك. هو يدفع إلى الإبقاء على التوتر حياً، وإلى مساءلة كل ادعاء بالشمول، وإلى توسيع دائرة الرؤية كلما ظهرت أشكال جديدة من الاستبعاد أو التهميش.


خاتمة

في نهاية المطاف، تبدو مسألة الإنساني من منظور مطلب الكلي أقل شبهاً بمشكلة تنتظر حلاً نهائياً وأكثر شبهاً بموقع دائم للتفكير والمسؤولية. الوحدة المعنوية تظل ضرورية كي لا يتحول الاعتراف بالكثرة إلى عجز عن التضامن أو عن الحكم. والكثرة المادية تظل ضرورية كي لا تتحول الوحدة إلى أداة طمس أو إقصاء. ومطلب الكلي يظل ضرورياً كي لا يُختزل الأمر في مجرد تنازع بين قطبين. لكن هذه الضرورات لا تُلغي الصعوبة، بل تجعلها أكثر وضوحاً. فكل خطوة نحو الكلي تظل خطوة جزئية، وكل اعتراف بالكثرة يظل مشروطاً بإمكانية معنى مشترك، وكل وحدة معنوية تظل مهددة بأن تنسى شروطها المادية. هذا التعليق المستمر ليس فشلاً للتفكير، بل هو الشرط الذي يجعل التفكير في الإنساني ممكناً وملحّاً وغير قابل للانغلاق. في النهاية، يبدو الإنساني من منظور الكلي أقل شبهاً بماهية وأكثر شبهاً بموقع إشكالي دائم. هو الاسم الذي نطلقه على المحاولة المستمرة للتوفيق بين ما يجمع وما يفرّق، بين ما يعني وما يتعدد، بين ما يدّعي البقاء وما يفنى. هذه المحاولة لا تنجح نجاحاً نهائياً، ولا تفشل فشلاً مطلقاً. هي تُعاد في كل مرة تُطرح فيها أسئلة العدالة أو الكرامة أو البقاء المشترك. وجلد هذا التوتر أو إنكاره أو تبسيطه لا يلغي الإشكال، بل يؤجله أو يحوله إلى أشكال أخرى. الإشكال يبقى، لأن الإنساني نفسه يبقى معلقاً بين وحدة لا تكتمل وكثرة لا تُختزل، وبين كلي يدّعي الشمول وجزئي يرفض أن يُبتلع. هذا التعليق ليس نقصاً يجب إصلاحه، بل هو الشرط الذي يجعل التفكير في الإنساني ممكناً وضرورياً وملتبساً في آن واحد. المقاربة الإشكالية لا تقدم إجابة نهائية، لأنها ترى في الطلب على الإجابة النهائية نفسه جزءاً من المشكلة. فالرغبة في حسم التوتر بين الوحدة والكثرة هي في الغالب رغبة في استعادة نوع من السيطرة المعنوية على ما يفلت من السيطرة. الكلي، إذا أُخذ بجدية، لا يعد بالسيطرة، بل بعدّة أسئلة أكثر صعوبة: كيف نعيش التوتر دون أن ننكره؟ كيف نحافظ على إمكانية المعنى المشترك دون أن نجعله أداة إقصاء؟ كيف نعترف بالكثرة المادية في جذرها دون أن نفقد القدرة على قول «نحن» بأي معنى من المعاني؟


كاتب فلسفي

وداعاً يا راعي الشجر: "كن جميلاً ترى الوجود جميلاً"/ فراس حج محمد




أستعيد في هذه القراءة التي تجاوز عمرها أكثر من أحد عشر عاماً ذكرى شاعر فلسطيني، لم ألتقه إلا مرة واحدة، ولعلها كانت أيام مؤتمر أدب الأطفال الأول الذي عقدته جمعيتنا جمعية الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل في رام الله ربيع عام 2015، واستمر ثلاثة أيام، برعاية وتنظيم ومواكبة الراحل الكبير شريف سمحان، كما كتبنا معاً في مجلتي الزيزفونة شعرا وقصصا للأطفال.

بقي راعي الشجر خالد الجبور، بسمرته ولهجته المحببة لديّ في ذهني وخاطري، وإن لم نلتقِ، وإن صدفته بين الحين والحين على صفحات الفيسبوك، دون أن نجد فرصة للحديث أو الحوار أو تبادل الأفكار والكتب، حتى صدمني خبر رحيله الذي عرفت به مساء الجمعة 18/9/2026، فعاد إليّ حيّا حراً يرنّ صوته في ذاكرتي كأننا التقينا منذ بضع دقائق.

وجاءت تلك القراءة على هذا النحو:

["كنْ جميلا ترَ الوجود جميلاً" هذا هو الانطباع بعد القراءة الذي تركته المجموعة الشعرية "عصافير الندى" للشاعر خالد الجبور، الموجهة للأطفال، والصادرة عن جمعية الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل في رام الله، لتفتتح بها الجمعية الموسم التربوي للعمل مع الأطفال وطلاب المدارس للعام الدراسي 2015/ 2016.

تتألف المجموعة من (16) نصا شعريا راقصاً وصاحبتها رسومات الفنانة الفلسطينية ندى مصلح، يتخذ الشاعر من النص الثالث "عصافير الندى" اسما للمجموعة، وكان سبق لذلك العنوان الشاعر الأردني "محمود محمد الشلبي" إذ أصدر عام 1988 ديوانا شعريا للأطفال بالعنوان نفسه، ولعل ذلك من قبيل التناص العنواني الذي يقع بين الكتاب والمؤلفين بالصدفة المحضة، علما بأن الشاعر الجبور بحكم عمله في الزراعة وقضاء أغلب نهاره في حقوله، حارثا وزارعا وحاصدا وقاطف ثمر، وما يمارسه من طقوس، سيكون مثل هذا العنوان وهذه القصائد تعبيرا حقيقيا وجماليا وإنسانيا عن انتمائه للأرض والشجر حتى لقب نفسه براعي الشجر! فليس بحاجة لأن يستجلب عناوين قصائده ومجموعاته من تجارب غيره.

جسّد خالد الجبور في قصائد المجموعة وأناشيدها حقيقة نفس الشاعر الجميلة التي ترى الأشياء بعين الحبّ والرضا، فتصف وتغوص وتستخرج كل جميل، مسكوب بلحن راقص منساب ناعم كأنه رذاذ المطر الربيعيّ، فيداعب نفس الطفل سامعا أو قارئا، لينتشي بجمال اللغة والموسيقى والإحساس بالمعاني والصور، التي جاءت في متناول الخيال، فتربط الطفل فيما حوله من موجودات بدءا من الطبيعة الكلية، كما في أنشودة "أرضنا البديعة" و"فصل السرور". أو تركيز العدسة الشعرية على موجودات خاصة من هذه الطبيعة كالعصافير والبحر والسحابة والريح والمطر والصباح وشجرة الزيتون وشجيرات البلوط.

ويلتفت الشاعر كذلك إلى ما يعتري بعض مخلوقات الطبيعة من تشويه، يفقدها روحها وجمالها، كما في قصيدة "نمر في الحديقة"، ذلك المخلوق الذي لم يكن سوى صورة مشوهة محاطة بالأسلاك في حديقة الحيوان، فلم نعد نرى منه غير الصورة الخارجية البعيدة عن الحقيقة؛ خاملا كسولا يتجمع بين شدقيه الذباب، إنها صورة تثير مشاعر الإشفاق والتحسر لدى القارئ والشاعر على حدّ سواء! وكأنّ الشاعر يريد أن يلفت نظر الأطفال وطلاب المدارس وزائري حدائق الحيوانات إلى أن هذا الحيوان- وبالضرورة كل الحيوانات الأخرى التي تسكن هذه الحديقة- ليست هذه حقيقتها، ثمة ما هو غير طبيعي في هذا المكان.

ولا ينسى الشاعر أن يدخل إلى عالم الطفل الأسري، فيكتب عن الجد والأسرة قصيدتين؛ يقدم في قصيدة "جدي" صورة للجد وحكاياته وملاطفاته للحفيد، معبرا الشاعر عن تلك العلاقة الخاصة جدا ما بين الجدّ وحفيده. وأما في "نشيد الأسرة" فيكتب الجبور عن عيش الطفل في أسرته متناغما حرا يعيش في أجواء من الألفة يغمره الحب والحنان والشعور بالأمان.

وتعرّج "عصافير الندى" في محور آخر على ما أصاب الفلسطيني من بلاء الاحتلال، فيكتب ذلك في قصيدتين؛ جاءت الأولى بعنوان "أنا الولد الفلسطيني" حيث برز التركيز على روح المقاومة والتحدي والمجابهة، باقيا على العهد، مستندا إلى ما لديه من تاريخ وحب الملايين له ولشعبه وأرضه، وينعت في القصيدة الثانية المحتلين بوصف منفر "سرّاق"، إذ بدا المحتل سارقا ومشوها تلك الطبيعة الجميلة تفوح منه رائحة البارود؛ هذه الرائحة النقيض المضادة لعبق الأرض وعطرها وحنائها.

ويخصّ الشاعر العِلْم بقصيدة "سنابل الآمال"، وتدور حول أهمية العلم للأطفال، فوحده الكفيل بإنبات الثمر سنابلَ من الآمال.

وبهذا تتكامل موضوعات "عصافير الندى"، فتتحدث عن الطفل وآفاقه، والمحيط الذي يعيش فيه، عبر تأكيد مجموعة من القيم المجتمعية والأخلاقية والوطنية والإنسانية، التي تعبر عن شخصية الطفل وتنمي ذوقه، وتلبي احتياجاته الموسيقية والتعبير عن ذاته وحبه للغناء بالدرجة نفسها التي يحب فيها القصص والحكايات وسردها، وربما أكثر، لاسيما إن جاءت القصائد كمشاهد قصصية سردية، ترسم صورا واقعية تشد الطفل وتهدهده، كقصائد هذه المجموعة].

رحم الله الشاعر، خالد الجبور، وعزاؤنا في بقاء شعره وسمرته التي خلفها عرقا حياً في أنساغ أشجاره وعصافير حقوله الممتدة بأسباب لا أرى أنها ستنقطع بين جنتي الأرض وجنة السماء. ولتشدو له الروح النقية هناك:

يا عصافير الندى*** يا عصافير الصباحْ

أرضنا أرض الكرام*** شمسنا شمس الوفاء

فاركبي ظهر الرياحْ

واخفقي فوق الغمام*** يا عصافير الندى


على رصيف الانتظار/ بن يونس ماجن



قال لي حكيم  القبيلة ذات يوم:

يا ولدي سيأتي رحيلك في يوم عادي

وسيكون في خضم خططك التي لم تكتمل بعد

أما العالم فسيستمر في الدوران بدونك


في الحياة لا نفقد الأصدقاء

بل نتعرف على من كان حقيقيا معنا طوال الوقت

احيانا في الحياة نحتاج فقط الى شخص واحد

يكون بجانبنا، شخص يصغى الينا ويفهمنا

ويفكر جيدا في اعادة برمجة أيامنا


الحياة قصيرة،  انها فاتنة ومجنونة

تسير بين الالغام وتمشي على الجمر الماكر

يا بني  لا تنسى احرص على قضاء أكبر وقت ممكن

على الانترنت وقنوات التواصل الاجتماعي

وادخل في نقاشات مثمرة ودردشات  ذهنية مع الغرباء

حول سياسة المجانين وخبراء التيه والكيان الهمجي اللقيط

وعن الأفعى التي لم تغادر جحرها بعد

ولا تنسى  أيضا الخونة الحثالة الانذال الذين يعيشون بين ظهرانينا

انهم أخطر وابشع عدو الامة العربية والاسلامية

ولا تترك العدو الحقير يرتاح قرير العين ولو ثانية واحدة

على أرضك التي سلبها  منك عنوة وطغيانا


قلت له :  يا أستاذي الفاضل أنا الآن على عتبة الثمانين

أعيد ترتيب ما أفسده الشيب من تجاعيد وعظام واهية

وهكذا أستبق العمرالى ما تبقى من دروب الشيخوخة

ثم أطوي الأيام في نبض الصمت الرهيب

هناك أيام كنت أتحسر فيها  على العبث واللامبالاة


ثم أردف قائلا:

من الامورالمرتبكة في التقدم بالعمروالتي لا يخبرك بها أحد

هو الشعور الغريب الذي ينتابك عندما تتلقى محاضرة حماسية

للغاية وخاطئة تماما

من شخص أصغر منك بكثير

حول أحداث تاريخية موثقة عشتها

ويمكنك تذكرها جيدا بلا عناء


قلت  له يا أستذي الفاضل:

لقد انتهى الانتظار

ولما تأت المنية

ومازلت أترقب وصولها

ها العمر صار يغازلني من جديد

والشيخوخة تلاعبني في حجرها

لم تبق في حياتي غير الذكريات الغابرة

التى صارت تأبى الرحيل

طرقت كل الأبواب بحثا عن عشبة الخلود

في الفيافي  وتحت ظلال الأشجار الزائلة

وتصارعت مع أمواج بحر فقد مده وجزره


وحيدا أشعر بالتقدم في السن

عندما تعرض علي مقاعد في الحافلات ومترو الانفاق والقطارات

ولكن لا تعرض علي أبدا على متن الطائرات

ربما يشعر مساعد الطيار بالشفقة علي ويعرض علي مقعده

بجانب الطيارفي قمرة القيادة

بل قد يسمح لي بقيادة الطائرة بنفسي

وتوجيهها الى جهات مجهولة

التي لا يعلمها الا كبار السن والكهلة مثلي 

مقومات الفكر التربوي في حضارة اقرأ، مقاربة بيداغوجية تجديدية معاصرة/ د زهير الخويلدي

 


مقدمة


تُختزل روح الحضارة التي انبثقت من لحظة «اقرأ» في فعل القراءة نفسه بوصفه مدخلاً وجودياً ومعرفياً وأخلاقياً في آن واحد. لم تكن «اقرأ» مجرد أمر بتلاوة نص، بل كانت تأسيساً لرؤية كاملة تجعل من طلب العلم فريضة، ومن المعرفة أمانة، ومن التربية مساراً لبناء الإنسان القادر على القراءة في كتاب الوحي وكتاب الكون معاً. الفكر التربوي الذي نشأ في كنف هذه الحضارة لم يكن هامشياً أو ثانوياً، بل كان في صميم مشروعها الحضاري. غير أن هذا الفكر، على الرغم من ثرائه التأسيسي، ظل عرضة للجمود أو للانقطاع عن شروط العصر في مراحل تاريخية متعددة. من هنا تأتي الحاجة إلى مقاربة بيداغوجية تجديدية معاصرة تعيد قراءة مقوماته الأساسية لا بوصفها تراثاً يُستعاد كما هو، بل بوصفها إمكانات حية قابلة لإعادة التفعيل في ضوء التحديات التربوية الراهنة. فماهي مقومات الفكر التربوي في حضارة اقرا؟ ومن هم الأعلام الرئيسيين في هذا المجال التدريسي؟ وكيف يمكن تجديده بشكل بيداغوجي معاصر؟


أولاً: لحظة «اقرأ» بوصفها تأسيساً إبستيمولوجياً وتربوياً


تمثل لحظة «اقرأ» نقطة الانطلاق التي تميز هذه الحضارة عن كثير من التجارب التاريخية الأخرى. فهي تجعل فعل التعلم مرتبطاً بالوحي من جهة، وبالقدرة الإنسانية على الاكتساب والنظر من جهة أخرى. القراءة هنا ليست تقنية، بل موقف وجودي يقوم على الانفتاح على المعنى، وعلى الاعتراف بأن الإنسان كائن قابل للتعليم ومسؤول عن علمه. هذا التأسيس يمنح التربية طابعاً مقدساً دون أن يحصرها في البعد التعبدي الضيق؛ فالأمر بالقراءة يتسع ليشمل كل أشكال النظر والتأمل والكسب المعرفي الذي يخدم صلاح الإنسان والعمران. من هذا المدخل تتفرع جملة من المقومات الأساسية. أولها اعتبار العلم فريضة لا ترفاً، مما يفتح الباب أمام تعميم التعليم ورفض احتكار المعرفة. وثانيها ربط العلم بالإيمان والعمل، بحيث لا ينفصل التحصيل المعرفي عن تزكية النفس وعن الإسهام في إصلاح الواقع. وثالثها الإقرار بتعدد مصادر المعرفة: الوحي والعقل والحس والتجربة، مع السعي إلى التكامل بينها لا إلى التعارض المفتعل. هذه المقومات تشكل الأرضية العميقة التي بني عليها الفكر التربوي لاحقاً.


ثانياً: المقومات الإيتيقية والمعرفية للتربية


يقوم الفكر التربوي في حضارة اقرأ على أساس إيتيقي راسخ يجعل من النية والإخلاص والمحاسبة الذاتية أركاناً لا غنى عنها في مسار التعلم. العلم أمانة، والعالم مسؤول عن علمه أمام نفسه وأمام مجتمعه وأمام الحق. هذا البعد الأخلاقي يحمي العملية التربوية من التحول إلى مجرد سباق نحو المناصب أو الشهرة أو التراكم المعلوماتي الأجوف. كما يضع حدوداً للجدل العقيم وللاشتغال بما لا ينفع، ويدعو إلى تقديم ما يصلح القلب والعمل على ما يملأ الذاكرة فقط. معرفياً، يتميز هذا الفكر بالسعي إلى التكامل لا إلى الفصل الحاد بين العلوم. فالمعرفة الشرعية والمعرفة الكونية ليستا في خصومة مبدئية، بل هما قراءتان متكاملتان في كتابين صادرين عن مصدر واحد. التربية الحقيقية هي التي تُعدّ إنساناً قادراً على الحركة بين هذين الحقلين دون انفصام. كما يظهر احترام واضح لتدرج المعرفة ولمراحل اكتساب الملَكات، وإدراك لأن الفهم الراسخ أهم من الحفظ المتسرع، وأن الممارسة والتكرار ضروريان لتحويل العلم إلى قدرة حية.


ثالثاً: المقومات البيداغوجية في العلاقة التعليمية


تتجلى مقومات الفكر التربوي أيضاً في تصور العلاقة بين المعلم والمتعلم. فالمعلم ليس مجرد ناقل معلومات، بل هو قدوة ومربٍّ وموجه يحرص على صلاح المتعلم قبل امتلاء حافظته. والمتعلم ليس وعاءً فارغاً يُملأ، بل طرف فاعل مسؤول عن جهده وسؤاله ومراجعته لنفسه. العلاقة المثلى تقوم على الرفق والتدرج والاحترام المتبادل، مع رفض الشدة المفرطة التي تفسد الطبع وتولد النفاق أو الانطواء. كما يبرز الاهتمام ببيئة التعلم وبأثر الصحبة. فالوسط التعليمي جزء أصيل من العملية التربوية، وصحبة الصالحين والجادين تُعدّ من أقوى وسائل التكوين. المنهج نفسه يُراعى فيه التدرج من الأصول إلى الفروع، ومن المحسوس إلى المجرد، ومن الضروري إلى التكميلي، مع الحرص على ربط المعرفة بحاجات الواقع وبمقاصد العمران. هذه المقومات البيداغوجية تحمل طابعاً إنسانياً عميقاً، إذ تنظر إلى المتعلم بوصفه كلاً متكاملاً: عقلاً وقلباً وسلوكاً، لا بوصفه مجرد ذهن يتلقى معارف مجردة.


رابعاً: التوتر بين المثالي والتاريخي في الممارسة التربوية


لا يمكن قراءة مقومات الفكر التربوي في حضارة اقرأ قراءة مثالية تتجاهل التوترات التاريخية. فالمجتمعات التي حملت هذه الحضارة عرفت فترات ازدهار تعليمي واسع وإبداع معرفي ملحوظ، كما عرفت فترات جمود واقتصار على الحفظ والترديد وانفصال عن مقاصد العلم العليا. تحولت بعض المؤسسات التعليمية في مراحل معينة إلى ساحات للجدل الشكلي أو إلى أدوات لإعادة إنتاج النخب دون تجديد حقيقي.


هذا التوتر يكشف أن المقومات التأسيسية لم تكن ضمانة آلية ضد الانحراف. فالإلحاح على الإخلاص قد يتحول في الممارسة إلى مراقبة خانقة أو إلى انسحاب من المجال العام. والتأكيد على العلوم النافعة قد يُستخدم لتضييق أفق البحث ورفض الجديد. والدعوة إلى الرفق قد تتراجع أمام أساليب التسلط التربوي. لذلك فإن أي مقاربة تجديدية معاصرة مطالبة بأن تقرأ هذه المقومات قراءة نقدية واعية بحدود تحققها التاريخي.


خامساً: نحو مقاربة بيداغوجية تجديدية معاصرة


التجديد الحقيقي لا يعني القطيعة مع المقومات الأصلية، ولا يعني الاكتفاء باجترارها بلغة معاصرة. هو جهد لإعادة تفعيلها في ضوء التحديات الراهنة: انفجار المعرفة، وتقدم العلوم التربوية والنفسية، وتحولات سوق العمل، وأزمات المعنى والقيم، ومتطلبات المواطنة العالمية مع الحفاظ على الخصوصية. في هذا الإطار يمكن إعادة صياغة مقوم «اقرأ» بوصفه دعوة إلى مهارات التعلم المستمر والقراءة النقدية المتعددة الوسائط، لا مجرد القراءة الخطية للنصوص. ويُعاد فهم ربط العلم بالعمل بوصفه دعوة إلى التعلم القائم على المشروعات وحل المشكلات والتكوين بالكفايات، بحيث يصبح المتعلم منتجاً للمعرفة لا مستهلكاً لها فقط. أما البعد الإيتيقي فيمكن تجديده عبر تربية الضمير المهني والمسؤولية الاجتماعية والوعي البيئي، لا عبر خطاب وعظي منفصل عن الممارسة. وتُعاد صياغة العلاقة التربوية باتجاه أكثر ديمقراطية وتشاركية، مع الحفاظ على قيمة القدوة والاحترام، والاستفادة من نتائج علم النفس التربوي في فهم الدافعية ومراحل النمو وفروق الأفراد. كما يقتضي التجديد إعادة النظر في تراتب العلوم ومفهوم «النفع». النفع في العصر الحاضر يتسع ليشمل القدرة على التفكير النقدي والإبداعي، والتعامل مع التعقيد، والعمل الجماعي، والتكيف مع التغير السريع، مع استمرار الحاجة إلى تأسيس قيمي ومعنى وجودي يحمي من العدمية أو من التسليع الكامل للمعرفة.


سادساً: تأثير ابن خلدون على التربية


يُعتبر عبد الرحمن بن خلدون (ت. 808هـ/1406م) من أبرز المفكرين الذين أعادوا صياغة النظرة إلى التربية والتعليم داخل السياق الإسلامي، لا بوصفهما نشاطاً فردياً منعزلاً أو مجرد نقل للمعارف الشرعية، بل بوصفهما ظاهرة اجتماعية حضارية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بطبيعة العمران وتطور المجتمعات. ما يميز إسهامه التربوي ليس تقديم نظام تعليمي مفصل أو منهج دراسي جاهز، بل تأسيس مقاربة اجتماعية-نفسية-تاريخية للتعليم تكشف عن شروطه، وعوائقه، وآليات اكتساب الملكات، وعلاقته بمستوى الحضارة. هذا التصور ترك أثراً عميقاً ومتشعباً على الفكر التربوي لاحقاً، سواء في التراث الإسلامي أو في القراءات الحديثة التي أعادت اكتشافه. في هذا الصدد يربط ابن خلدون التربية بالعمران ربطاً بنيوياً. فالعلوم والصنائع لا تزدهر إلا في المجتمعات الحضرية المستقرة التي يتوافر فيها الفراغ والأمن وتقدم العمران. البدو أقرب إلى الشجاعة والفطرة، لكنهم أبعد عن إتقان العلوم الدقيقة والصنائع المعقدة التي تتطلب تكراراً وتمهراً طويل الأمد. التربية بهذا المعنى ليست عملية محايدة، بل نتاج لمرحلة حضارية معينة، وتتأثر سلباً أو إيجاباً بانتقال المجتمع من البداوة إلى الحضارة أو من الازدهار إلى الانحطاط.


من أبرز إسهاماته مفهوم «المَلَكة». يرى ابن خلدون أن العلم أو الصنعة لا يحصلان بمجرد الحفظ أو الفهم النظري، بل بتحول المعرفة إلى مَلَكة راسخة في النفس، أي قدرة عملية متجذرة تسمح لصاحبها بالتصرف السهل المتقن في ميدانه. هذه الملَكة لا تُكتسب إلا بالتكرار والممارسة التدريجية والمباشرة، لا بالشرح النظري المجرد وحده. هنا ينتقل التركيز التربوي من تكديس المعلومات إلى تكوين القدرات والمهارات والهيئات النفسية الراسخة. كما يؤكد مبدأ التدرج والرفق. ينتقد بشدة الأساليب العنيفة في التعليم، ويعتبر الشدة على المتعلمين، خاصة الصغار، مفسدة للأخلاق ومولدة للجبن والانقباض والكذب. التعليم الناجح يبدأ بالسهل المحسوس، وينتقل تدريجياً إلى المركب والمجرد، ويراعي قدرة المتعلم واستعداده. هذا التصور يحمل بُعداً نفسياً واضحاً يسبق كثيراً من النظريات التربوية الحديثة حول الدافعية ومراحل النمو. لقد أثّر ابن خلدون في التربية من عدة زوايا مترابطة:


في مجال طرق التدريس، قدم نقداً مبكراً للتعليم القائم على الحفظ الآلي دون فهم، وللانتقال المفاجئ إلى المسائل العويصة قبل تأسيس الأصول. دعا إلى البدء باللغة والقرآن بوصفهما أساسَين، ثم الانتقال إلى العلوم بحسب حاجة المتعلم واستعداده، مع الحرص على أن يمارس المتعلم العلم حتى تحصل له الملَكة. هذا التوجه أثر لاحقاً في بعض المحاولات الإصلاحية داخل التعليم التقليدي التي سعت إلى تخفيف الجمود وإعادة الاعتبار للفهم والممارسة.


في فهم دور المعلم والبيئة، أبرز ابن خلدون أهمية جودة المعلم نفسه، لأن الملَكة تنتقل بالمباشرة والمحاكاة أكثر مما تنتقل بالكتب وحدها. كما ربط جودة التعليم بمستوى الحضارة العام؛ ففي أوقات الاضمحلال الحضاري يفسد التعليم وتقل جودة المعلمين ويفسد ذوق المتعلمين. هذه الرؤية جعلت الإصلاح التربوي مرتبطاً في نظر كثير ممن تأثروا به بالإصلاح الاجتماعي والحضاري الأوسع، لا مجرد تغيير في المناهج أو الطرق.


في النظرة إلى المناهج وترتيب العلوم، قدم تصوراً مرناً يراعي الأولويات العملية والحضارية. لم يكن يرى أن كل العلوم متساوية في كل وقت وكل مجتمع، بل ربط الاشتغال بها بحاجة العمران ومستوى تطوره. هذا الربط فتح أفقاً للتفكير في تعليم ذي صلة بالواقع الاجتماعي والاقتصادي، بعيداً عن الانغلاق على علوم آلية أو خلافية لا تثمر عملاً ولا حضارة.


لم يكن تأثير ابن خلدون فورياً وشاملاً في المؤسسات التعليمية التقليدية التي استمرت في كثير من الأحيان على أنماطها السابقة. غير أن أفكاره تسربت تدريجياً إلى كتابات بعض العلماء والمفكرين الذين اهتموا بنقد جمود التعليم أو بربطه بأسباب النهوض والسقوط. أصبحت مقدمته مرجعاً لمن أراد فهم العلاقة بين العلم والعمران، وبين فساد التعليم وفساد الاجتماع.


في العصور الحديثة، مع حركة الإصلاح والاستفاقة، أُعيد اكتشاف ابن خلدون بقوة. رأى فيه كثير من المصلحين التربويين مفكراً يسبق عصره في الربط بين التربية والاجتماع، وفي نقد العنف التعليمي، وفي الدعوة إلى التدرج ومراعاة طبائع المتعلمين. استُخدمت أفكاره لتبرير دعوات تحديث طرق التدريس، والاهتمام بالجانب العملي، وربط التعليم بحاجات المجتمع، ونقد التعليم الذي يخرج حفظة لا صناع معرفة أو ملكات. في الفكر التربوي المعاصر، يُستحضر ابن خلدون في سياقات متعددة. يُقارن حديثه عن الملَكة بنظريات التعلم بالممارسة وتكوين المهارات والكفايات. ويُقرأ نقده للشدة التعليمية في ضوء علم النفس التربوي الحديث الذي يؤكد أثر المناخ العاطفي الآمن على التعلم. كما يُستدعى ربطه بين التعليم ومستوى الحضارة في نقاشات التنمية والتربية من أجل النهوض المجتمعي. كما يظهر تأثيره أيضاً في الدراسات التي تبحث في سوسيولوجيا التربية، حيث يُعدّ من الرواد الذين نظروا إلى التعليم بوصفه ظاهرة اجتماعية تتأثر بالبنية الحضارية وتنعكس عليها. كما يُفيد في نقد النماذج التعليمية التي تفصل المعرفة عن سياقها الاجتماعي أو تبالغ في التجريد على حساب التكوين العملي للقدرات. ومع ذلك، فإن تأثيره ليس مطلقاً ولا خالياً من الحدود. فابن خلدون كتب في سياق تاريخي محدد، ولم يقدم نظرية تربوية شاملة بالمعنى الحديث، ولم يعالج قضايا مثل التعليم الجماهيري أو دور الدولة الحديثة أو الفروق الفردية الدقيقة بالمنهجية المعاصرة. كما أن بعض أفكاره حول اختلاف استعدادات الأمم أو تأثير المناخ حملت سمات عصرها وقد تُقرأ اليوم قراءة نقدية حذرة. يكمن جوهر تأثير ابن خلدون التربوي في نقله مركز الثقل من المحتوى المعرفي وحده إلى شروط اكتسابه الاجتماعية والنفسية، ومن الحفظ إلى الملَكة، ومن الشدة إلى الرفق والتدرج، ومن النظر إلى التعليم كعمل فردي إلى فهمه كظاهرة حضارية. هذه النقلات جعلته مرجعاً متجدداً كلما ظهرت أزمات في الأنظمة التعليمية: أزمات تتعلق بالفصل بين العلم والعمل، أو بجمود الطرق، أو بانفصال التعليم عن حاجات المجتمع، أو بتجاهل البعد النفسي للمتعلم.


القراءة النقدية لتأثيره تفرض عدم تحويله إلى أيقونة فوق التاريخ. فأفكاره أداة للتفكير لا مذهب مغلق. هي تدعو إلى تحليل التعليم في سياقه العمراني، وإلى الاهتمام بتكوين القدرات الراسخة لا مجرد تراكم المعلومات، وإلى جعل الرفق والتدرج أساساً لا خياراً ثانوياً. وفي الوقت نفسه تذكر بأن أي إصلاح تربوي عميق لا ينفصل عن إصلاح شروط الاجتماع والعمران ذاتها. بهذا يبقى ابن خلدون حاضراً في النقاش التربوي لا بوصفه مصدر قواعد جامدة، بل بوصفه صاحب رؤية تكشف أن التربية الحقيقية هي التي تبني ملكات إنسانية فاعلة داخل مجتمع حي، وأن فساد التعليم علامة على خلل أعمق في بنيان العمران، وأن إصلاحه جزء لا يتجزأ من مشروع النهوض الحضاري برمته.


سابعا: شروط تفعيل المقومات في الواقع التربوي المعاصر


حتى تتحول هذه المقاربة التجديدية من خطاب إلى ممارسة، تحتاج إلى شروط متعددة. أولها تحرير المؤسسة التعليمية من الجمود الإداري والمناهجي الذي يخنق المبادرة. وثانيها إعادة تأهيل المعلم بوصفه مربياً ومفكراً لا مجرد منفذ للمنهج. وثالثها بناء مناهج مرنة تدمج بين العمق المعرفي والمهارات الأفقية والقيم. ورابعها خلق بيئات تعلم محفزة تعترف بتعدد الذكاءات وبأهمية الرفاه النفسي للمتعلم. وخامسها ربط المؤسسة التعليمية بمحيطها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي دون أن تفقد رسالتها التربوية الأعمق. كما يحتاج التجديد إلى موازنة دقيقة بين الانفتاح على الخبرات الإنسانية العالمية وبين الاستناد إلى المقومات الحضارية الخاصة. فالكونية الحقيقية لا تعني الذوبان، والخصوصية الحية لا تعني الانغلاق. الفكر التربوي المتجدد في أفق حضارة اقرأ هو الذي يستطيع أن يحاور العصر من موقع الندية، مستفيداً مما أنتجه الآخرون دون عقدة نقص، ومحافظاً على أسئلته العميقة حول الغاية من العلم ومصير الإنسان.


خاتمة


تكمن قوة الفكر التربوي في حضارة اقرأ في مقوماته التأسيسية العميقة: ربط المعرفة بالمعنى والإيمان والعمل، واعتبار التعلم فريضة ومسؤولية، والسعي إلى تكامل الشخصية الإنسانية، والحرص على الرفق والتدرج وتكوين الملَكات. أما ضعفه التاريخي فظهر كلما تحولت هذه المقومات إلى شعارات أو إلى ممارسات شكلية منقطعة عن مقاصدها. المقاربة البيداغوجية التجديدية المعاصرة مطالبة بأن تستعيد هذه المقومات بوصفها طاقة حية لا بوصفها تراثاً مغلقاً. هي مطالبة بأن تحول «اقرأ» إلى أفق مفتوح للتعلم مدى الحياة، وللقراءة النقدية للواقع، ولبناء إنسان قادر على الجمع بين الكفاءة التقنية والعمق الأخلاقي، وبين الانتماء الأصيل والانفتاح المسؤول. فقط عبر هذا الجهد المتواصل في إعادة القراءة وإعادة التفعيل يمكن للفكر التربوي المنبثق من حضارة اقرأ أن يظل مساهماً حقيقياً في بناء مستقبل تعليمي أكثر إنسانية وجدوى وارتباطاً بمعنى الوجود. فكيف يمكن القيام بتطبيقات التعلم القائم على المشروعات والاستفادة من نظرية الذكاءات المتعددة في تجديد التربية ضمن حضارة إقرأ في العصر الراهن؟


كاتب فلسفي

سعادة النائب/ شوقي مسلماني


لا أحد ممّن في المنزل استطاع أن يفهم جملةً من حديثِ سعادةِ النائب إلى فضائيّة لبنانيّة "يمينيّة"، وقالتِ الإبنةُ: "يا ريتو بيحكي بالسنسكريتي.. كنت بفهم عليه أكتر". 

ابتسمَ الأب وقالَ آملاً أن تسمع الأم وابنهما الذي تزوّجَ بمباركة من أمّه "بنتاً" صينيّة لا تفقه "لا بالكبّه ولا بالفراكه ولا بالشحار اللي يشحّر": "قولي يا بنتي يا ريت سعادة النائب بيحكي بالصينيّة أقلُّه عنّا بالبيت في مَينْ يلحقنا  بالترجمة الفوريّة"، 

سمعتِ الأمّ وفهمتْ، حملتْ جهازَ التحكّم عن بُعد، ضغطتْ أزراراً، انقلبتْ شاشةُ التلفاز من محطّة سعادته إلى برنامج وثائقي عن عالمِ الحيوان، وقالت، وهي تضع جهاز التحكّم عن بعد إلى جوارِها على طرفِ الكنبة: "الأعجم أفهم". 

وكان أسدٌ يقبضُ فمُه على فمِ حمار وحشيّ عندَ ضفّة نهر شاسع، ومِنْ جهتِه كان الحمار الوحشي يتراجع إلى الماء، وكأنّما عامداً متعمّداً، ساحباً معه الأسد.  

أدرك الإبنُ غاية الحمار، وكأنّما يريد أن يُغيِّر "الموجة" بعيداً من النار التي قد تنشب في أيّة لحظة بين أمّه وأبيه، قال، وعيناه لا تفارقان المشهد،  وقد غطَسَ الحمار الوحشيّ في الماء أكثر، وغطَسَ معه الأسد أكثر: "آه.. ما أذكى الحمار، طلّعوا يا جماعه، بدُّه يغرِّق الأسد". 

وما أن بلغَ الماءُ مستوى فم الأسد فعلاً حتى اضطرّ مكرهاًُُ إلى رفع كمّاشةِ فمِه عن فمِ  الحمار ورجع إلى الضفّة فائزاً من الغنيمة بالسلامة..   

وأخيراً كشّرَ، وأصدر صوتاً هو عين الزئير: غضباً لكرامتِه المُهانة. 

Shawkimoselmani1957@gmail.com


أوائل الآيات وآخرها/ عباس علي مراد



لا تكتم ما في القلب

واسرج للروح فرسها الجامح

ودعها في ميادين القوافي تنطلق

ودع الكلمات تتنفس 

من أوردة الحياة

مقبلة غير مدبرة... 

وَعَرِّ صمت الحنين

ارحل في مدى الشوق...

وانهل من دفاتر الأيام

شمساً لغدك

انفض غبار التردد

ولا تخشَ...

ولا تخشَ

أيها المسافر

في رحاب الوجد

حَلِّقْ في معراج الهوى

فالروح ظمأى

لمستقرّ لها...

فكن الحارس 

وكن المنافح 

وكن الركن والمنطلق 

وكن القاضي والمتهم

واسكر من خمرة العشق 

فلا يلام من كان خمره الهوى

واكتب أوائل الآيات وآخرها

فما الحياة  بحياة

بدون الشوق والعشق 

ثم املأ الكأس 

تعلقاً وولها...


الجامعة والتعليم العالي بين الفلسفة النسقية والفكر الجذري/ د زهير الخويلدي



مقدمة

تقف الجامعة والتعليم العالي في قلب توتر تأسيسي لم يُحسم منذ نشأتهما الحديثة: توتر بين كونهما فضاءً لإنتاج المعرفة المنظمة ونقلها ضمن أنساق متماسكة، وبين كونهما حقلاً محتملاً للتفكيك الجذري وإعادة مساءلة الأسس ذاتها التي يقوم عليها هذا التنظيم. الفلسفة النسقية هنا لا تعني مجرد مذهب فلسفي بعينه، بل تشير إلى نزعة أعمق ترى المعرفة بناءً متدرجاً قابلاً للترتيب والتراكم والضبط المنهجي، وتعتبر المؤسسة الجامعية الإطار الأمثل لتحقيق هذا البناء. أما الفكر الجذري فيدل على حركة مضادة أو موازية تسعى إلى الحفر تحت الأنساق، وكشف ما تستبعده أو تقمعه أو تعتبره بديهياً، وإلى زحزحة الحدود التي ترسمها المؤسسة لنفسها. المقاربة الاستشكالية لا تختار موقعاً داخل هذا التوتر ولا تسعى إلى التوفيق السهل بينهما، بل تتخذ من التوتر نفسه موضوعاً للتفكير، فتسأل عن شروط إمكان كل طرف وحدوده ومآلاته داخل فضاء الجامعة والتعليم العالي. فماهي الجامعة؟ وماهو موقعها في التعليم العالي؟ وكيف تتراوح بين الفلسفة النسقية للأساتذة والفكر الجذري للطلاب؟ وما العمل للخروج من هذه الامية؟


ماهية الجامعة

تبدأ الإشكالية من طبيعة الجامعة ذاتها بوصفها مؤسسة. فالجامعة الحديثة نشأت في سياق حاجة إلى تنظيم المعرفة وتخصصها وضبط معايير إنتاجها ونقلها. الفلسفة النسقية تجد في هذا الإطار تحققها الأوضح: تقسيم العلوم إلى حقول، وضع مناهج تراكمية، بناء تراتبية أكاديمية، وربط المعرفة بشهادات ومواقع سلطة رمزية ومادية. هذا التنظيم ليس مجرد إجراء إداري، بل يعكس تصوراً للمعرفة بوصفها قابلة للحصر والتقدم الخطي، وبوصفها ملكاً جماعياً يمكن توريثه عبر الأجيال ضمن قواعد واضحة. غير أن هذا التصور يحمل في طياته مفارقة. فبقدر ما يوفر الاستقرار والقابلية للتراكم، بقدر ما يميل إلى تحويل المعرفة إلى روتين مؤسسي، وإلى جعل السؤال الجذري أمراً هامشياً أو محفوفاً بالمخاطر المهنية. الجامعة النسقية تنتج الخبير أكثر مما تنتج المتسائل، وتكافئ الإتقان داخل الحقل أكثر مما تكافئ القدرة على تجاوز حدوده.


الفكر الجذري

في المقابل، يظهر الفكر الجذري بوصفه تحدياً مستمراً لهذا الاستقرار. هو لا يكتفي بنقد مضامين معينة داخل الأنساق القائمة، بل يطال منطق النسق نفسه: كيف تُحدد الموضوعات الجديرة بالبحث؟ من يملك سلطة التعريف؟ ما الذي يُستبعد حين يُعترف بمعرفة ما بوصفها علمية أو أكاديمية؟ الفكر الجذري يرى في الجامعة إمكانية لأن تكون موقعاً للمقاومة الرمزية وإعادة تشكيل الوعي، لا مجرد جهاز لإعادة إنتاج النخب والكفاءات المطلوبة من السوق أو الدولة. غير أن هذا الطموح يصطدم فوراً بواقع المؤسسة. فالفكر الجذري، كي يستمر داخل الجامعة، يحتاج إلى حد أدنى من الاعتراف المؤسسي: وظائف، مجلات، برامج، تمويل. وكلما حصل على هذا الاعتراف، تعرض لخطر الاحتواء والتحول إلى تخصص جديد ضمن النسق الذي كان ينتقده. الاستشكال هنا عميق: هل يمكن للفكر الجذري أن يحافظ على جذريته وهو يعمل من داخل مؤسسة تقوم على التنظيم والتراكم والتراتبية؟ أم أن خروجه الكامل عنها يحكم عليه بالتهميش وفقدان القدرة على التأثير؟


وظيفة التعليم العالي

يتجلى التوتر بوضوح أكبر في وظيفة التعليم العالي نفسها. من منظور نسقي، التعليم هو نقل منظم لمعارف ومهارات قابلة للقياس، يهدف إلى إعداد الأفراد لأدوار محددة في المجتمع. المناهج، الامتحانات، الدرجات، كلها أدوات لضبط هذه العملية وضمان حد أدنى من الجودة والتوحيد. أما من منظور جذري، فإن التعليم الحقيقي لا يكون ناقلاً بقدر ما يكون موقظاً. هو عملية تفكيك للعادات الذهنية المسبقة، وكشف للسلطات الخفية في الخطاب، وتمكين للطالب من أن يصبح ذاتاً ناقدة لا متلقياً. لكن هذا التصور يصطدم بمحدودية الزمن والموارد وتوقعات المجتمع. الطالب الذي يدخل الجامعة بحثاً عن شهادة تؤهله لسوق العمل قد يرى في الفكر الجذري ترفاً أو تعطيلاً. والأستاذ الذي يمارس تفكيكاً جذرياً قد يجد نفسه متهماً بالإخلال بمهمته التعليمية الأساسية. السؤال الاستشكالي يصبح: إلى أي حد يمكن للجامعة أن تحتمل وجود تعليم يزعزع الأسس دون أن تفقد قدرتها على أداء وظائفها الاجتماعية المباشرة؟


الفلسفة النسقية

تتعقد الصورة أكثر حين ننظر إلى علاقة الجامعة بالسلطة والمعرفة والمجتمع. الفلسفة النسقية تميل إلى رؤية الجامعة كمؤسسة مستقلة نسبياً، تحكمها معايير داخلية للعقلانية والموضوعية. الفكر الجذري يرى في هذه الاستقلالية المعلنة غطاءً لعلاقات قوة أعمق: ارتباط التمويل بالدولة أو السوق، تأثير الأيديولوجيات السائدة على ما يُعتبر معرفة مشروعة، وآليات الإقصاء الصامتة التي تمارس ضد أصوات معينة. غير أن النقد الجذري نفسه ليس بمنأى عن إشكالية السلطة. فحين يتحول إلى خطاب مهيمن داخل بعض الأوساط الأكاديمية، قد ينتج تراتبيات جديدة ويلغي أشكالاً أخرى من التفكير بوصفها محافظة أو ساذجة. المفارقة أن الفكر الذي جاء ليفكك الأنساق قد ينتهي إلى بناء نسق مضاد لا يقل انغلاقاً.في المستوى الأعمق، يكشف التوتر بين النسقي والجذري عن سؤال يتعلق بطبيعة المعرفة ذاتها داخل التعليم العالي. هل المعرفة بناء تدريجي يتحقق عبر التخصص والدقة المنهجية، أم هي حركة مستمرة من زحزحة الحدود وكشف المنسي والمقموع؟ الفلسفة النسقية تراهن على الأولى، فترى التقدم في التراكم والتدقيق. الفكر الجذري يراهن على الثانية، فيرى أن أي تراكم دون مساءلة للأسس يبقى أسيراً لأوهام الموضوعية. لكن كلا الرهانين يواجه حدوده. النسقية المتطرفة تنتج معرفة دقيقة لكنها ضيقة الأفق، وقد تفقد الصلة بالأسئلة الكبرى التي تهم الوجود الإنساني. والجذرية المتطرفة قد تنتج وعياً نقدياً حاداً لكنها تعجز عن بناء بدائل عملية أو عن الاستمرار في إنتاج معرفة تراكمية قابلة للتراكم. الجامعة الحقيقية، إن كان لهذا التعبير معنى، هي الفضاء الذي يُبقى هذا التوتر حياً بدل أن يحسمه لصالح أحد الطرفين.


خاتمة

تظل هناك إشكالية أخيرة تتعلق بإمكانية التحول. هل يمكن إعادة تخيل الجامعة بحيث تحتضن الفكر الجذري دون أن تحتويه، وتحافظ على التنظيم النسقي دون أن تجمده؟ أم أن بنية الجامعة الحديثة نفسها تجعل هذا الجمع مستحيلاً على المدى الطويل؟ المقاربة الاستشكالية لا تقدم وصفة، بل تصر على أن أي إجابة جاهزة ستقع سريعاً في أحد الطرفين. القيمة تكمن في الإبقاء على السؤال مفتوحاً: كيف يمكن لمؤسسة أن تكون في آن معاً ضامنة للاستقرار المعرفي وفضاءً لإمكانيات تجاوزه؟ وكيف يمكن للتعليم العالي أن يعد أفراداً قادرين على العمل داخل الأنساق القائمة وعلى مساءلتها جذرياً في الوقت ذاته؟في النهاية، يكشف التفكير في الجامعة والتعليم العالي بين الفلسفة النسقية والفكر الجذري أن المؤسسة الأكاديمية ليست مجرد أداة محايدة لنقل المعرفة، بل هي حقل صراع دائم حول معنى المعرفة وحدودها وغاياتها. هذا الصراع لا يُحل بالانحياز إلى طرف ضد آخر، ولا بالبحث عن توازن وسط سهل، بل بإدراك أن حيوية الجامعة تكمن في قدرتها على احتمال التناقض دون أن تنهار تحت وطأته. الاستشكال الحقيقي يبدأ حين نكف عن التعامل مع النسقي والجذري بوصفهما خيارين متعارضين، ونبدأ في رؤيتهما بوصفهما قطبين متلازمين يولدان الطاقة الفكرية بقدر ما يهددان استقرارها. وفي هذا الأفق المفتوح تبقى الجامعة إمكاناً لم يُنجز بعد، أكثر مما هي واقع مكتمل. فكيف يتم نحت فلسفة للتعليم العالي وفكرة فلسفية عن للجامعة المنفتحة والعصرية؟


كاتب فلسفي

بانوراما المربّي العبد حسن عواضة/ شوقي مسلماني



الأستاذ المربّي "العبد حسن عواضه" من عيترون ـ جبل عامل ـ جنوب لبنان، عربيّ الوجه واللّسان واليدين، وفلسطين عقله الإنساني وقلبه النابض. 

هو حزين لحزن فلسطين ومرفوع الرأس بعروبتها، ببأسها، بإرادة أهلها، بصمودهم الأسطوري قرناً ضدّ الأبستينيين الفاشيين النازيين شرقاً وغرباً، وبالطليعة الصهاينة. 

كيفما قلّبتَ في كتبه الثلاث وهي "دار يا دار"، "عندما تتعرّى الذاكرة"، و"جذورك هناك يا بنيّ"، ستجدكَ وجهاً لوجه أمام نكبة 1948، وجهاً لوجه مع مناضلي فلسطين الذين يخطّون النضال، لاسترجاع الحقوق، بدمهم الأحمر القاني، وجهاً لوجه مع المشرّدين ومع الأوجاع التي لا تنتهي ويفرضها خصم معتلّ له شهيّة حدودها "من الفرات إلى النيل"، كما لا يوفّر فرصة إلاّ ويؤكّد ذلك بلا مواربة، وكثير من العرب إلى اليوم ينطبق عليهم أنّهم لا يقرأون وإذا قرأوا لا يفهمون أو كما في القرآن "لا يكادون يفقهون قولا".  

وأبناء جنوب لبنان المنكوب بحكّام لا للعير، كما يُقال، ولا للنفير ـ هم أبناء الأرض الطيّبة التي يقدّسها أهلها، وأيضاً هم تحت جبروت جغرافية قاسية، يعيشون عند جرف متشبّثين بحقّهم في الحياة الكريمة رغم أنف أي طامع أكان خارجيّاً متمثّلاً بالغرب الذي لا يزال كولونياليّاً ـ إستعماريّاً ـ بربريّاً ـ أم كان داخليّاً متمثلاً بسلطات تكشف الوثائق المسرّبة أو المُفرج عنها والعديد من الكتب الإسرائيليّة ومنها "المتاهة اللبنانيّة" إن معظمها مسربل بالصفقات، تركتْ أبناء جنوب لبنان لمصيرهم العاري في مواجهة عدوّ لا يردعه رادع لا أخلاقي ولا إنساني ولا ديني دون ارتكاب كلّ جريمة حرب ممكنة، تركتهم بلا جيش يحميهم، بلا مياه، بلا مشاريع تنمية لا زراعيّة ولا صناعيّة، وكلّ ذلك بالتعاون مع إقطاعيّين محليّين ذاتهم أكرهوا الأستاذ المربّي العبد حسن عواضة ذاته أن يغادر بلدتَه حيث يعمل مدرّساً إلى بلدة "بتاتر" مرّة، ومرّة إلى "الورهانيّة"، ومرّة إلى غيرهما من جبل لبنان بعيداً أكثر من 100 كلم، ومع 23 مدرّساً آخرين، لأنّهم وطنيّون، لأنّهم يحبّون الأرض، لأنّهم ينافحون عن أهلهم ضدّ الظلم.. واستمرّ النفي ـ العقاب ـ من سنة 1971 حتى عام 1976 عندما تقلّصت الدولة ورجع إلى بلدته جَسُوراً يدرّس فيها النشء الجديد، شاحناً فيه روح العروبة الثقافيّة لا العروبة العنصريّة المرفوضة.  

والكتب الثلاث هي بانوراما حياة، هي حياة الكاتب بأسرته وأهله، بزملائه، بأصدقائه الخلّص، ويذكرهم بالأسماء، ويثمّن عالياً تضحياتِهم ووفاءهم وتطلّعاتهم إلى المستقبل الزاهر، حياتُه بحلوها ومرِّها، بالمصاعب والتحديات وبالدموع والإبتسامات، حياته طفلاً مرّة هارباً من الضبع الضبع وفتى هارباً من الضبع الإسرائيلي مع أهله إلى بلدة كونين، إلى بلدتي كونين، والحقّ إن الكثير من أهالي عيترون فرّوا مرّتين من بلدتهم بسبب الوحشيّة الإسرائيليّة باتّجاه كونين، مرّة سنة 1948 حين تمّ قصف عيترون بالطيران ومرّة سنة 1967 خلال عدوان حزيران 67، وكانوا في كلّ مرّة يبقون فيها أسابيع أو أشهراً، وهم دائماً بالإستقبال والرعاية بين أهلهم، بين أصدقائهم وأحبّتهم.  

الكتب الثلاث هي شِعر وقصص وخواطر ورسائل وبوح وتأمّلات، سيرة حياة جعلتها ممكنة، على رغم الصعاب، أسرة مكافحة، كريمة ـ أبناء وبنات نجباء احتضنوا الوالد بالرقّة كما احتضنهم أطفالاً بحاجة إليه، ووقفوا على خاطره في كلّ ما يطلب كما وقف على خاطرهم مجاهداً من أجل لقمة العيش، والأبلغ أنّه أنشأهم على حبّ الأرض والإنسان ولبنان والعروبة وفلسطين وما خاب الظنّ بأسرة تنبذ الطائفيّة والمذهبيّة وتتمسّك بالحقّ والخير.. والعيش الكريم. 

باقة ورود للكاتب الأستاذ المربّي العبد حسن عواضة بما أنجز وبما خطّه اليراع من مشاعر نبيلة، وإلى المزيد من العطاءات في الشِعر والنثر، ومتحلّياً دائماً بأثمن نعمتين مجهولتين ـ كما منسوب مرّة للرسول محمّد ومرّة للإمام علي ومرّة للموروث ـ وهما: الصحّة والأمان. 


الاحترام الدولي والقوة التفاوضية تبدأ من استقلال القرار/ صبحة بغورة



 إن المكانة التي تحوزها الدول في النظام الدولي تحدد إلى حد بعيد شروط إدارة أولويتها، ومساحة حركتها في الدفاع عن مصالحها، فقبل أن تُفتح أبواب الاستثمار، وقبل إبرام الاتفاقيات، واتساع الشراكات، تتشكل لدى الأطراف الأخرى صورة شاملة عن الدولة وحدود قرارها وقدرتها على حماية خياراتها، ومع تراكم المواقف المتباينة، تتحول هذه الصورة إلى عنصر مؤثر في طبيعة التعامل معها، فتُقاس قدرتها على التفاوض بمدى ما راكمته من مصداقية، ويعاين موقفها السياسي في ضوء سجل طويل من الثبات والوضوح.

الاحترام الدولي هو ثمرة مسار متواصل من بناء الدولة لوجدانها وموقعها، مؤسسات فعالة، قرار سيادي واضح، دبلوماسية تعرف مصالحها، واقتصاد يمنحها هامشًا للحركة؛ كلها عناصر ترسم للدولة مساحة مستقلة داخل العلاقات الدولية. وكلما اتسقت هذه العناصر، أصبحت أعمدة حضورها أكثر ثباتًا، وصارت مواقفها موضع حساب لدى الأطراف التي تتعامل معها.

وتتشكل هذه المكانة وفق مبد أ الوضوح في المواقف الخارجية الذي يحد من مساحات التأويل، ويجعل الخطوط التي ترسمها الدولة جزءً من قواعد التعامل معها. وتكرر المواقف المنسجمة مع هذه الحدود، يحول الالتزام بها إلى سمة ثابتة في السياسة الخارجية، وهو ما يمنح القرار الوطني قدرًا أكبر من المصداقية.

وتتبدى أهمية ذلك بصورة خاصة في إدارة الخلافات، فالثابت عامةً أن الاختلاف بين الدول جزء طبيعي من العلاقات الدولية، وقد يمتد إلى ملفات سياسية وأمنية واقتصادية شديدة الحساسية. وفي مثل هذه الحالات، تصبح قدرة الدولة على إدارة الخلاف دون التفريط في موقعها امتحانًا لنضج دبلوماسيتها. من اللغة الهادئة، والحساب الدقيق، واختيار أدوات الضغط الملائمة، والحفاظ على قنوات الاتصال جميعها تمنح الدولة قدرة على الدفاع عن مصالحها من موقع متماسك.

ومن صميم هذه المكانة تنشأ الندية بمنأى عن حجم الاقتصاد أو القوة العسكرية أو عدد الحلفاء، ذلك من خلال قدرة الدولة على اتخاذ قرارها وتحمل تبعاته. الدولة التي تستطيع تنويع علاقاتها وشراكاتها، وتملك قدرًا من الاكتفاء في القطاعات الحيوية، وتحافظ على مؤسسات قادرة على تنفيذ وحماية خياراتها، تدخل المفاوضات بهامش أوسع، وتملك قدرة أكبر على المناورة ورفض ما يتعارض مع مصالحها وتفرض على الغير التعامل معها وفق حسابات أكثر استقرارًا.

وتمنح الاستقلالية الاقتصادية هذا الحيز بعدًا بالغ الأهمية، ذلك يعود لعكسية العلاقة بين ارتباط قدرة الدولة على اتخاذ القرار بدرجة اعتماد مرتفعة على طرف واحد، وضيق مساحة المناورة أمامها. أما تنويع الشركاء والأسواق ومصادر التمويل والطاقة والتكنولوجيا، فيمنح السياسة الخارجية مجالًا أرحب للحركة. ولهذا ترتبط السيادة الاقتصادية بصورة وثيقة بالسيادة السياسية؛ إذ تحتاج المواقف المستقلة إلى قاعدة مادية تسمح لها بالصمود.

وينطبق الأمر ذاته على الدبلوماسية المؤثرة التي لا تتيح مجالًا للاستدلال على مكانتها بالبيانات والمواقف المعلنة، إنما توضح الصورة ضمن إطار مؤهلاتها التي تمنحها القدرة على توظيف مكانتها في انتزاع المكاسب التي تخدم مصالحها، وتأثيرها داخل دوائر التفاوض وصنع القرار. والتفاوض الناجح يحتاج إلى معرفة دقيقة بمصالح الأطراف، وإلى تحليل متأني لموازين القوة، وإلى قدرة على اختيار اللحظة المناسبة للمبادرة أو التشدد أو التهدئة. وكل نجاح يتراكم فوق سابقه، حتى يصبح للدولة رصيد تفاوضي تتعامل معه الأطراف الأخرى بجدية أكبر.

ويأتي الالتزام كأحد العناصر والمقومات التي تصنع الاحترام.  فالدولة التي تفي بتعهداتها وتحترم الاتفاقيات التي وقعتها تكتسب رصيدًا من الثقة، حتى في حالات الاختلاف، وهذا الرصيد يسمح بدوره بالفصل بين الخلاف حول ملف معين وبين الصورة العامة للدولة كشريك. وعندما تكون القواعد واضحة والالتزامات محددة، يصبح التفاوض أكثر استقرارًا، وتتاح فرص أكثر لبناء شراكات طويلة الأمد.

وفي المقابل، تحتاج الدولة إلى الحفاظ على مساحة القرار التي لا تخضع للمساومة، إذ توجد ملفات ترتبط بالأمن القومي والسيادة والمصالح الاستراتيجية، ويصبح وضوح الموقف بشأنها جزءً من تعريف الدولة لموقعها. التعامل معها بقدر محسوب من الحزم يوضح للطرف الآخر طبيعة الحدود التي ينبغي أن يتحرك داخلها.

ولا يعني ذلك أن بناء الاحترام يقتضي تحويل العلاقات الخارجية إلى سلسلة من المواجهات. الدولة الواثقة من مقوماتها تستطيع أن تكون منفتحة ومرنة في علاقاتها، وأن توسع دوائر التعاون، وأن تستقبل الاستثمارات، وأن تنخرط في الترتيبات الإقليمية والدولية، مع الاحتفاظ بهامش مستقل في صناعة القرار. القوة الدبلوماسية تظهر تحديدًا في القدرة على الجمع بين الانفتاح والحساب، وبين المرونة في إدارة التفاصيل والثبات في القضايا الجوهرية.

كما أن الاحترام الخارجي يبدأ من صورة الدولة في الداخل من خلال المؤسسات القادرة على تنفيذ القرار، والاقتصاد المنتج، والبنية التحتية المتطورة، والقدرات الدفاعية، والاستقرار المؤسسي؛ تمنح السياسة الخارجية أساسًا عمليًا تستند إليه. فالخطاب الدبلوماسي مهما بلغت قوته يحتاج إلى دولة قادرة على تحويله إلى سياسات وإجراءات، وتحمل كلفة اختياراتها عندما تقتضي الظروف ذلك.

ومن هنا تكتسب الهيبة السياسية تبلورها الخالد الذي يتجلى في غياب الحاجة إلى الاستعراض الدائم للقوة، وإدراك الآخرين لوجود حدود واضحة، وقاعدة مؤسسية قادرة ومقتدرة، وقرار يمكن الاعتماد على ثباته.

كما أن القدرة المدروسة على الرفض قد يحمي علاقة على المدى الطويل أكثر من الاتفاقيات قصيرة الأجل، لأنه يعيد ضبط شروط التعامل ويحدد المساحة التي يمكن أن تتحرك فيها المصالح. وفي السياسة الدولية، تعرف الدول وزن الطرف الذي يلتزم بالرفض عندما تستدعي مصالحه ذلك، ثم العودة إلى طاولة التفاوض من موقع يحفظ له قدرته على الاختيار.

وتتصل هذه المسألة بـ كلفة القرار السيادي إذ لم تكن استقلالية الدولة يومًا شعارًا مجانيًا يوزع على الجميع؛ وبلوغها يتطلب اقتصادًا جديرًا وقادرًا على تحمل الضغوط، وشبكة علاقات متنوعة وقدرة على إدارة الأزمات. وبنمط طردي، كلما ارتفعت قدرة الدولة على تحمل تبعات موقفها، ازدادت قدرتها على الدفاع عنه. 

أما المصالح، فهي تزداد قابلية للحماية حين تدار من منزلة تمتلك احترام الآخرين. فالشراكات الاقتصادية تحتاج إلى الثقة، والاستثمارات تحتاج إلى الاستقرار، والتعاون الأمني يحتاج إلى وضوح الالتزامات، والعلاقات السياسية تحتاج إلى قنوات تقوم على قدر من التوازن. وكلما ارتفعت مكانة الدولة، أصبحت قدرتها على الدفاع عن مصالحها أكثر اتساعًا، لإدراك شركاءها أن العلاقة معها تستند إلى قواعد واضحة.

إن بناء احترام الدولة يسبق في كثير من الأحيان قدرتها على تحصيل مصالحها، فالاحترام يمنح المفاوضة وزنًا، والسيادة تمنح القرار حدوده، والقدرة الوطنية تمنح الموقف قابلية للصمود. وعندما تجتمع هذه المقومات تحت سقف واحد، يصبح للدولة مقام يصعب تجاوزه أو التعامل معه باعتباره طرفا محدود التأثير.

ولا شك في أن المصالح تتغير بتغير الظروف، فيما تتبلور المكانة والمنزلة الدولية بمدى ثباتها على أرض صلبة على اختياراتها ووضوحها وسعيها على صون استقلالية قرارتها. وحين يحظى القرار بالاحترام تتسع القدرة على إدارة العلاقات الخارجية وتصبح بيد الدولة ورقة تفاوضية تتجدد مع كل مرحلة.


تجارب الترجمة الفلسفية إلى اللغة العربية وانبعاث الفلسفة الوجودية العربية عند د. عبد الرحمان بدوي/ د زهير الخويلدي



مقدمة

يمثل د. عبد الرحمان بدوي (1917-2002) واحداً من أبرز رموز الفكر العربي المعاصر، الذي سعى إلى بناء جسر حضاري بين التراث العربي الإسلامي والفلسفة الغربية الحديثة. يقوم مشروعه على الاعتقاد بأن التجديد الحضاري للأمة العربية يمر عبر استيعاب النقدي للفكر العالمي، وإعادة إحياء الروح الفلسفية العربية الأصيلة. في هذا الإطار، لعبت تجارب الترجمة الفلسفية دوراً محورياً كأداة للانفتاح الحضاري، بينما شكل الوجودية محور انبعاث فلسفي عربي يجمع بين الحرية الفردية والالتزام الإنساني والجذور الثقافية. تقدم مقاربة بدوي الحضارية نموذجاً لكيفية تحول الترجمة من عمل فني إلى فعل حضاري يعيد صياغة الهوية العربية في مواجهة التحديات المعاصرة. فماهي اسهامات عبد الرحمان بدوي في الترجمة الفلسفية؟ وضمن أي سياق التجديد الحضاري يمكن تنزيل مجهوداته وأعماله؟


تاريخ تجارب الترجمة الفلسفية إلى العربية: من الحركة الكلاسيكية إلى العصر الحديث

شهدت اللغة العربية موجتين كبيرتين من الترجمة الفلسفية. الأولى في عصر الازدهار الإسلامي (القرنين الثامن إلى العاشر الميلادي)، حيث نقلت حركة بيت الحكمة أعمال أرسطو وأفلاطون والأفلاطونيين المحدثين، مما أنتج فلسفة عربية إسلامية أصيلة عند الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد. كانت هذه الترجمات فعلاً حضارياً أثرى اللغة العربية وأعطاها قدرة على التعبير عن المفاهيم المجردة.

أما الموجة الثانية فبدأت في القرن التاسع عشر مع النهضة العربية، وتكثفت في القرن العشرين. ترجمت أعمال ديكارت وكانط وهيغل ونيتشه، لكنها كانت غالباً ناقصة أو متأثرة بالسياق الاستعماري. هنا يبرز دور بدوي كمترجم ومفكر يدرك أن الترجمة ليست نقل كلمات، بل نقل أفق حضاري كامل. يؤكد بدوي أن الترجمة الجيدة يجب أن تكون إبداعية: تحافظ على روح النص الأصلي مع صياغته بأسلوب عربي يتناسب مع الذوق الحضاري العربي. ترجماته لهايدغر (الوجود والزمان) وسارتر (الوجود والعدم) وكيركغارد وكامو لم تكن حرفية، بل تفاعلية، حيث يضيف تعليقات ومقدمات تحلل السياق الغربي وإمكانيات التطبيق العربي.


دور بدوي في إثراء الترجمة الفلسفية

تجاوز بدوي الترجمة التقنية إلى مشروع حضاري. أدرك أن اللغة العربية، رغم غناها، تحتاج إلى توسيع مفرداتها الفلسفية لاستيعاب مفاهيم مثل "الوجود هناك" ، "القلق الوجودي"، "الحرية"، و"العبث". طور مصطلحات عربية دقيقة مثل "الوجود-في-العالم" و"الإسقاط"، مما جعل الفلسفة الوجودية جزءاً من النقاش العربي. كما أنه درس تاريخ الفلسفة العربية بعمق (في كتب مثل "تاريخ الفلسفة في الإسلام")، وربط بينها وبين الوجودية. رأى في ابن عربي وابن رشد جذوراً لوجودية عربية أصيلة: الأول بالتأكيد على التجربة الوجودية الروحية، والثاني بالدفاع عن الحرية والعقل. هكذا، أصبحت الترجمة عنده جسراً ثنائي الاتجاه: من الغرب إلى العرب، ومن العرب إلى إثراء الفكر العالمي.


انبعاث الفلسفة الوجودية العربية

يمثل د عبد الرحمان بدوي رائد "الوجودية العربية". لم يكن مجرد مترجم، بل مفكراً أصيلاً جمع بين الوجودية الغربية والروح العربية الإسلامية. الحرية والالتزام: تأثر بسارتر في مفهوم "الحرية المطلقة"، لكنه ربطها بالمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية الإسلامية. الإنسان العربي ليس "محكوماً بالقدر"، بل حر في صنع مصيره داخل إطار قيمي.

القلق والموت: درس "القلق الوجودي" كيركغارد وهايدغر، ورآه يتفق مع التأمل الإسلامي في الموت والفناء. لكنه يتجاوزه نحو "الأمل" الثوري: القلق يدفع إلى الفعل لا إلى اليأس.

الأصالة والغربية: انتقد "الغربية" (التغريب) كحالة وجودية زائفة، ودعا إلى "أصالة" عربية تجمع بين الذاتية الوجودية والانتماء الحضاري. الفيلسوف العربي يجب أن يكون "موجوداً في عالمه" العربي، لا ناقلاً سلبياً.

ألف بدوي أعمالاً أصلية مثل "الزمان الوجودي" و"دراسات في الفلسفة الوجودية"، حيث يبني وجودية عربية تركز على قضايا الشخصية العربية، التحرر من الاستعمار، وبناء مجتمع أصيل. هذا الانبعاث ليس استيراداً، بل "إحياء" لروح فلسفية عربية كامنة في التراث (التصوف، الكلام، الفلسفة).


المقاربة الحضارية: الترجمة كفعل إحياء

تقدم مقاربة بدوي الحضارية رؤية متكاملة: الترجمة ليست فنياً لغوياً، بل عملية حضارية تستهدف إيقاظ "العقل العربي" وتجديد قدرته على الإبداع. يرى أن الحضارة العربية الإسلامية مرت بفترات ازدهار فلسفي، ثم ركود، والآن تحتاج إلى "نهضة وجودية" تجعل الفرد العربي واعياً بذاته وحرّاً في مواجهة التحديات (الاستعمار الجديد، التخلف، الأزمة الروحية). الوجودية العربية عنده تتجاوز الفردانية الغربية نحو "الوجود-مع-الآخرين" في إطار أمة وأخلاق إسلامية. هكذا، تصبح الترجمة خطوة أولى نحو "حوار حضاري" متكافئ، لا استعمار فكري.


خاتمة:

لقد شكلت تجارب الترجمة الفلسفية عند عبد الرحمان بدوي بوابة لانبعاث فلسفة وجودية عربية، ليست استنساخاً للغرب بل إحياءً لروح عربية إسلامية قادرة على التفاعل مع العصر. مقاربته الحضارية تحول الترجمة إلى فعل إبداعي يعيد بناء الهوية، ويفتح آفاقاً لفلسفة عربية معاصرة تجمع بين الوجود الفردي والانتماء الجماعي، والحرية والأخلاق. لقد واجه بدوي انتقادات: بعضها يراه متأثراً جداً بالغرب، وبعضها ينتقد نقصه للبعد الاجتماعي الثوري. لكنه رد بأن مشروعه يبني الأساس الوجودي-الفلسفي الذي يسبق الثورة الاجتماعية. إرثه حي اليوم: في زمن العولمة والأزمات الهوية، تظل ترجماته وأفكاره نموذجاً لكيفية استيعاب الفكر العالمي دون فقدان الذات. يذكرنا بأن التجديد الحضاري يبدأ باللغة والفلسفة، وينتهي بإنسان عربي جديد واعٍ وحرّ. في عصر يعاني من أزمة المعنى، يظل مشروع بدوي دعوة للعرب لأن يفكروا بأنفسهم، مستلهمين تراثهم ومنفتحين على العالم، لبناء حضارة جديدة تقوم على الإنسان الحر الواعي. هذا الإرث يتجاوز شخصه ليصبح جزءاً من مسيرة التجديد الحضاري العربي المستمرة. فكيف ساهم بدوي في الاتجاه بالثقافة العربية نحو بناء فلسفة عربية وجودية أصيلة؟


كاتب فلسفي