الادب كرسالة انسانية: قراءة في قصيدة هل نحن من البشر؟! للشاعرة: سرْوَي بَيان، أربيل، كردستان العراق/ كريم عبدالله


الأدب رسالة انسانيّة , والرساليّة مهمة في الشعر وقد تكون رسالة جماليّة فنيّة أو رسالة اجتماعية , فالرسالة الجمالية الفنية تعني الغوص في تجربة الشاعر عميقا بينما الرسالية الاجتماعية تعني كل ما يكون خلف النصّ من رسائل وبوح . وتظهر ملامح الرساليّة الاجتماعية بأشكال مختلفة كـ / البوح التوصيلي / والبوح الأقصى / والبوح التعبيري. فتتحول اللغة الى كمْ هائل من الإيحاءات, والرموز ,والدلالات, والعواطف والمشاعر والأحاسيس فتخترق مواطن الشعور والإحساس بالجمال , لغة مدهشة ذات فنيّة عالية واضحة , لغة قويّة مبهرة تمسّ القلب والشعور , فتتحول المفردات الى نزف مستمر بالتأوهات, والدموع والصراخ ,والصمت, والمآسي ,والبؤس, والعطش ,والهزيمة .

أنّ قصيدة الشاعرة / سرْوَي بَيان - هل نحن من البشر؟! / تبدو للوهلة الأولى قصيدة عاديّة تعبّر عن حالة إنسانية ذاتيّة عاشتها وتعيشها الشاعرة , لكن مفردة واحدة / أخوة / قلبت كيان هذه القصيدة وجعلتها قصيدة كونيّة عظيمة , هذه المفردة صنعت فضاءات واسعة من الرؤى والدلالات لدى المتلقي الإبداعي , المتلقي الذي يقرأ بروح الشاعر ويشاركه محنته وعذاباته , هذه المفردة أرتقت كثيراً بهذه القصيدة , وعبّرت عن محنة إنسانية , وابتعدت كثيراً عن الذاتيّة , وعبّرت بصدق عن واقع هشّ , وعن حيرة إنسانية وسط هذا الاضطراب والتشظّي . نعم وجود مفردة / أخوة / في هذا الموقع من القصيدة ,وفي نسيج القصيدة ,جعلها حلقة مهمة أضافة للقصيدة قوّة وتماسكاً وحركيّة استمرت داخل القصيدة , وجعلها جذوة لا تنطفئ متقدّة لا يخبو أوراها , كذلك منحتها صبغة إنسانية كونيّة , ومشهداً شعريّاً يحتكّ بهذا الواقع , ويصور محنة الأنسان وسط هذه الاحداث الكونيّة المتسارعة , لقد جاءت القصيدة محمّلة بالهمّ الإنساني , وتقطّر وجعاً كونيّا .

لنعد الى عنوان القصيدة/ هل نحن من البشر؟!/ ونقرأه بتمعن , سنجده الباب الذي من خلاله سندخل الى عوالم الذات الشاعرة, فهو جاء على شكل سؤال وتعجب, فهنا نجد القصدية المتعمدة من الشاعرة في اختيار هذا العنوان من جهة, ومحاولة توجيه سؤال الى المتلقي , وجذب انتباهه.

لقد استطاعت الشاعرة من خلال هذا العنوان مخاطبة الذات الأخرى/ أخوة/ التي تعني الأخوة الإنسانية بكل معانيها ومفاهيمها ودلالاتها ورمزيتها , الأخوة الأقرب داخل الأسرة , والأخوة القريبة داخل الوطن , والأخوة البعيد في هذا العالم الشاسع , أنّه سؤال أمرأه منكوبة ترقص مذبوحة على وجعها وغربتها وسط هذا العالم . وتبدأ الشاعرة قصيدتها بـ

 ليت نحيا بحبور

ندندن حتى آهاتنا بسرور

فقد شهدنا حتى في أبهى العصور

أعتى أهوال الحروب والفجور

لمْ نكسب حتى أكفاناً وشواهد قبور

ولا أشلاء تقتات عليها الضواري والطيور

فبدأت بـ / ليت / التي تدلّ على استحالة العيش بهناء وسلام , وكأنّ الأخطار تحدق بالذات الشاعرة في كلّ زمن, حتى وهي تدندن آهاتها والتي هي آهات شعب كامل, فقد رافقتها المحن في كل زمان ومكان, حتى في العصور التي يطلق عليها عصور التنوير والتسامح , وفي كل مكان حلّت به الذات الشاعرة, لا شيء عاد بالإمكان الحصور عليه , حتى الاكفان وشواهد القبور كانت عصية وغير متحققة , وكأن الذات الشاعرة تريد ان تقول لنا: لمْ نجد الاكفان لتواري سوءة هذا العالم , وعدد الجثث التي تساقطت في طريق الحرية , ولا شواهد قبور تكفي , ولمْ يبق من أجساد القتلى شيئاً تقتات عليه الكواسر والوحوش, أننا أمام محنة انسانية عيظمة.

 وسط هذه المحرقة الكونيّة تقف الذات الشاعرة مذهولة تبحث عن بصيص نسيان تستغيث به علّه يبعث في روحها القلقة بعض السكينة والاطمئنان , أنّه صوت الإنسانية المحطّمة والمكسورة الجناح , الإنسانية التي اغتالتها رصاصات الجريمة البشعة فاستسلمت لهزيمتها , فها هي تصرخ:

فاسمعوني يا جهابذة الدهور

مهما يكن أيُكُم:

ملكاً أم صعلوكاً

فيلسوفاً أم معتوهاً

راعياً أم وزير

ثمة ما يخالجني

ويستوقفني مراراً:

ألا وهو : لو كنّا اصدقاءً حقّاً وحقيقة

لكنّا نحمل الكروب عن بعضنا البعض

 أننا أمام صرخة انسانية وسؤال للعالم أجمع , تقف بوجه هذه الريح المسعورة التي شيّأة الذات الإنسانية, واحالتها إلى حالة العدم والتلاشي والضياع . لكن تبقى الذات الشاعرة حيّة رغم كلّ هذا الضياع والوجع والتلاشي وسط هذا اللهب المستعر. وتستمر الذات الشاعرة قائلة:

لو كنّا اخوة حقّا وحقيقة

لكانت قلوبنا تتصافح

وندافع عن ديارنا بكلّ قوانا..

لو كنا مخلصين لجيرتنا

لكنّا نسقي مزارع بعضنا البعض

في غياب بعضنا

ونظفنا حتى عقولنا وضمائرنا

من الاشواك والعفن ..

ان استخدام الذات الشاعرة الى حرف الشرط/ لو/ فهو حرف امتناع لامتناع , اي يتوجب في حصول الامر الثاني حصول الامر الاول, فاذا امتنع الامر الثاني عن الحصول , كان ذلك بسبب امتناع الامر الاول, فالقلوب لا تتصافح مادامت الاخوة مفقودة بيننا, ولا يمكننا ان نكون مع بعض نتعاون فيما بيننا ما دمنا غير مخلصين لبعضنا, ومادامت العقول والضمائر عبارة عن أشواك وعفن يسكن فيها.

 هكذا هي الروح الشاعرة نجدها توّاقة للسلام بينما الارواح تتعفن وسط هذا الاضطراب والهزيمة . وتعود مرة اخرى تتساءل الذات الشاعرة:

فاين نحن من كلّ هذا وذاك؟!

يا له من سؤال يلازم ذهني

قلبي, روحي, ووجداني

بل يضاعف حيرتي

فأتساءل من قبل ومن بعد:

يا ترى هل نحن من فصيلة البشر

ونعيش في يوتوبيا السلام؟  

وسط هذا المشهد الكونيّ المفزع تقف الشاعرة تتملّكها دهشة عظيمة لما يحدث في هذا العالم ولا تجد أجوبة تطمئن لها لما حدث ويحدث , فهناك سؤال يدور في ذهن الذات الشاعرة , سؤال أرّقها كثيراً , وأقلقها جداً, ولم تجد له جواباً منطقياً يبدد مخاوفها وحيرتها .

وختاماً نجد حضور الأنا الشاعرة بقوة متمثلة بشعب كامل , الذات العاشقة للسلام والحرية والاخوة, الشعب الذي ظلّ يكافح طويلاً , كفاحاً مستمراً من أجل الحرية والسلام والعيش بكرامة فوق ارضه , وتحقيق أحلامه التي يريدها :

وأنا الشاعرة الكردستانية

داعية السلام

ليس في وسعي سوى القول في الختام:

سلاماً مسرّة على كل من اتبع السلام.

هكذا تنهي الشاعرة قصيدتها بالدعوة الى السلام بعدما اختلت كلّ الموازين وتكالبت الذئاب تنهش روح الأخوة الإنسانية . اننا امام رسالة كونيّة كانت الشاعرة الشاهد عليها وعلى فضاعة هذه الجريمة, اننا أمام لوحة انسانية أجادت الذات الشاعرة في رسمها , وايصالها الى المتلقي ,كرسالة انسانية كونية , تشبه معاناة الكثير من الشعوب المناهضة للعنصرية , والدكتاتوريات المتسلطة على رقاب الشعوب, لقد حملت الذات الشاعرة محنة شعب كامل , وصرتها بصدق ودون تكلف ,فجاءت متسلسلة تخترق شغاف القلوب العاشقة للسلام , والأخوة .

المقالة في علم الدلالة/ فراس حج محمد

 


اليوم التاسع والعشرون من شباط لعام ألفين وأربعة وعشرين، وهذا يعني أنّ هذه السنة سنة كبيسة. ليس مهماً أن تكون السنة كبيسة أو ناقصة، لا أظن أن الناقصة مقابل الكبيسة، لأن السنة العادية سنة كاملة، ولا أظن كذلك أن الكبيسة سنة مميزة، ولا مواليد هذا اليوم مميزون، إنما وقع حظهم أن يولدوا في يوم المعادلة الفلكية لانتظام الكون في حساباته الدقيقة أو شبه الدقيقة. ثبت أن الدقة لا مجال لها، وخاصة هذه المعادلة القسرية لاعتدال ميلان الكون الزمني.

كل ذلك أمر طبيعيّ لا ميزة فيه، ولا امتياز، كما أنه ليس أمرا ذا دلالة كلية أو جزئية أن إحدى النساء اللواتي تعلقتُ بها أو تعلقت بي زمنا، ولدت في سنة كبيسة في شهر شباط أيضاً، أنا لم أولد في سنة كبيسة، ولدت في سنة فردية، فمن المستحيل أن تكون كبيسة، سنة قبلي كانت سنة كبيسة، وسأنتظر حتى عام 1980، العام الذي ولدت فيه زوجتي، لتكون ابنة لسنة كبيسة. 

أنا وأبي- رحمه الله- متخالفان تماما فيما يخص السنة الكبيسة والنساء، ولد هو في سنة كبيسة، وأمي في سنة قبله فردية، سينتظر أبي أكثر من عشرين سنة أخرى؛ ليتزوج مرة أخرى من امرأة ولدت في سنة كبيسة. وامرأتي الثانية التي تزوجتني فترة قصيرة ثم تركتني دون مبرر لم تولد في سنة كبيسة.

أولادي وبناتي الستة، رضي الله عنهم، لا واحد منهم قد ولد في سنة كبيسة، (1999، 2001، 2003، 2009، 2011، 2021)، كيف تجنبت ذلك؟ هل تجنبت ذلك فعلا؟ إنني لم أفطن لذلك البتة، لأنه أمر لا يستحق العناء والهندسة البيولوجية المحددة ليولد أحد أبنائي في سنة كبيسة. وكذلك حفيدي الأول لم يولد في سنة كبيسة، ولد في (2023). حفيدي الثاني القادم بعد شهرين تقريبا- إن شاء الله- سيكون ابنا لسنة كبيسة، هل سيكون مختلفا عن حفيدي الأول، بالطبع لا، وإن ولد في سنة كبيسة، وخلّف وراءه شهر شباط بأيامه التسعة والعشرين يوماً.

الحرب الحالية التي شبّت نارها مستعرة، تحرق أخضرنا واليابس، حرب كبيسة، ملعونة، قاسية، لم يكفها أنها ولدت في سنة غير كبيسة، بل أصرت أن تلتهم المزيد من لحمنا في السنة الكبيسة، حرب كبيسة، في سنة كبيسة، جعلتنا نعاني من كل الكوابيس. الكوابيس هنا شاملة، نحن وهم، والعالم العبد. لا أحرار في هذا العالم ليثوروا إلا أحرار غزة الذين حاولوا التحرر من كابوس الظلم، فكبسهم كابوس القتل، الكابوس على وزن صاروخ. تذكروا هذا مع أنها معلومة لغوية لا فائدة فيها، لأن فاروق على الوزن نفسه، ولا فاروق ليعدل ما اختل من أمر هذه الكوابيس القاتلة.

أؤكد لكم أن كل هذا لا معنى له إطلاقاًـ فأين علم الدلالة إذاً في هذه المقالة؟ 

الدلالة في المعجم، وليست في هذه الحركة العقيمة من الولادات والسنوات والزيجات، والحرب المسعورة.

في كتاب "في رحاب اللغة العربية" تعرضت لشيء من التطور الدلالي لطائفة من الألفاظ في الفصل الأول منه، كنت مأخوذا بدلالتها.  في يفاعتي المبكرة وأنا أفكر باللغة على هدي من القرآن الكريم، وكنت أقرأه يوميا عقب كل صلاة مفروضة، سجلت في أحد دفاتري بخط يدي أن كثيرا من معاني القرآن الكريم تطورت من معنى ماديّ إلى معنى معنوي، كنت سعيدا بهذا الاكتشاف. كنت ربما في السنة الأولى أو الثانية الجامعية، ولم أدرس بعد مساق علم اللغة العام وفقه اللغة، ولم أكن أسمع بعلم الدلالة إلا عندما تلقيت المساقين على يدي أستاذنا المرحوم يحيى جبر. أبو عبد الله- رحمه الله- كان موسوعة لغوية، وكان يسترسل في عمل شبكات بين اللفظ ومعانيه قديما وحديثا. أحيانا لم أكن أصدّق ذلك، أو أقتنع به، وأقول أي شطط هذا؟ كنت أجد ذلك نوعا من التمحل وليّ عنق اللغة وألفاظها والتقنية لها (عمل قنوات) لتسير في هذا المسرب أو ذاك، كأنه نوع من الإجبار، لنرى اللفظ ومعناه أو شبكة معانيه كما يريده أستاذنا.

على أية حال، جربت ذلك التمحل كثيرا، وتعايشت معه في مساقات أخرى مع الأستاذ نفسه، ثم في ما بعد مع نظرات العلامة البلاغي فاضل السامرائي في احتمالات المعنى للفظ القرآني في لمساته البيانية، ولماذا قال القرآن هذا اللفظ ولم يقل ذاك. كلام السامرائي أيضا فيه نوع من التهيؤ، أو التصور الذهني لمعنى قد يكون مشتهى له؛ أي يرغب أن يكون على هذه الشاكلة، كثيرة هي ألفاظه التي يحاول فيها "مُلْكاً" لعله يعذر، أطال الله بقاءه ومتعه بالصحتين العقلية والبدنية.

علمتني اللغة وألفاظها أنها زئبقية غير ثابتة الدلالة وبإمكان أي واحد من عقلاء المجانين أن يخترع لفظاً ويعطيَه أي معنى. بشار بن برد اخترع لفظاً وأدخله الشعر، وزعم أنه من لغة "الحمير"، وقال لمحدثه، إن أراد أن يعرف المعنى، عليه أن يسأل حماراً ما. بشار الأعمى مجنون رمى حجرا في بئر اللغة كل العقلاء لم يستخرجوه، ولن يستطيعوا أن يستخرجوه. "كبس" اللفظ والمعنى وانتهى الأمر. كثيرون مثل بشار كبسوا ألفاظاً كثيرة وهاجموا فيها عقولنا، وأجبروها على أن تدخل المعجم.

أحد أصدقائي يحب اللغة على طريقته، ويزودني بلفظين، الأول: الحتلنة، ينحته من عبارة "حتى الآن"، واشتق منها الفعل، حتلن ويحتلن، ويستخدمها بكل سلاسة في كتاباته. إنها لفظة لافتة وجميلة، وصارت شائعة، رأيتها قليلا عند غيره. والآخر: رنقية، وينحته أيضا من عبارة "رسالة نصية قصيرة"، ستغدو هاتان اللفظتان قديمتين بعد فترة، ككثير من الألفاظ التي ولدت متأخرة عن المعجم العربي القديم، لكننا محتاجون لدخولهما في المعجم لتوطينهما، حتى لا يظل برنامج (WORD) يخط تحتهما خطا أحمر بدعوى أنهما لفظتان دخيلتان على اللغة العربية. يزعجني كثيراً الخط الأحمر تحت الكلمات في صفحات الحاسوب، كنت أحيانا أتخلص منه بإلغاء التنبيه لوجود الخطأ، لأنه يخط بأحمره تحت كثير من الألفاظ؛ هي من قُحّ اللغة العربية، ومخّها.

ما علاقة لفظ بشار المقصود الذي لم أقله بعلم الدلالة، وبالسنة الكبيسة، وبشغل علماء اللغة، أمثال يحيى جبر والسامرائي؟ العلاقة هينة، إقحامية، لا تحتاج مبررا لأن تكون موجودة، السنة الكبيسة؛ أضيف فيها على شهر شباط يوم واحد، ليصبح (29) يوما، واللغة العربية أضيف إليها لفظ اعتباطي، لا معنى له إلا في لغة الحمير، هكذا هي العلاقة في طرفي المعادلة الخطية هذه، كلاهما- اليوم واللفظ البشاريّ- لا قيمة لهما حقيقية في العلم والتصور.

المهمّ أكثر هو لماذا أطلق على هذه السنة وصف "الكبيسة"؟ الآن سيأخذ علم الدلالة بالفاعلية، الكبيسة على وزن فعيلة، وصف للمؤنث والمذكر كبيس، وما هو الكبيس في لغة العرب القديمة؟ 

أورد لسان العرب هذه المعاني للفظ الكبيس: الكبيسُ: حَلْيٌ يُصاغُ مجَوَّفاً ثم يُحْشى بِطِيب ثم يُكْبَس، والكَبيسُ ضرْب من التمر، وإِنما يقال له الكبيس إِذا جفَّ. والعام الكبيس هو السنة الكبيسة؛ في الأمر حشو وتراكم، وهذا ما جعل الكابوس هو نكح المرأة لمرة واحدة، كإضافة يوم واحد على شهر واحد فقط، والكابوس هو "البُضع أو الذَكر"، وهو أداة النكاح الفعّالة فيه. وفي المعنى حشو وإضافة. هذه الآلة التي أصبح اسمها "الحنتكور" في اللغة الافتراضية ذات الإيحاءات الشهوانية في اللذة الجمعية الجماعية الحادثة عند رواد مواقع التواصل الاجتماعي الحنتكور هو الذي يدخل إلى الحيصبون؛ الوادي المهجور، ولا يخرج منه إلا مكسور الجناح.

وفي معنى الحشو والإضافة في السنة الكبيسة، يتم حشو اليوم التاسع والعشرين بين اليوم الثامن والعشرين لشهر شباط، والأول من آذار، كما فعل محرّك البحث جوجل هذا العام؛ مثّل هذا اليوم ضفدعاً شبيها بضفدع كيرمت؛ صاحب اختراع الحنتكور والحيصبون، يقفز بين اليومين. عليّ الاعتراف بالقدرة الخيالية لجوجل على هذا التصوير البارع لحشر اليوم بين هذين اليومين. 

ولكن مع كل هذه البراعة الملحقة لأمر غير منطقي، لماذا حشر هذا اليوم هنا، وأضيف بين هذين اليومين؟ ألأن شباط أقصر الشهور، فعوضوه يوماً آخر، كل أربع سنوات؟ لا أعتقد ذلك. يقال إن "أغسطس" وهو شهر آب، الشهر الثامن كان ثلاثين يوما، ولأنه سمي على اسم أحد القياصرة كما هو شهر يوليو، ولأن يوليو 31 يوما تم إضافة يوم إلى أغسطس، لأنه لا قيصر أهم من آخر، فساووا بينهما. عدلا وعدا وقيمة. هل تصدقون هذه التخاريف غير المنطقية؟ أنا لا أصدق. وربما تكون قد حدثت فعلا، ولكن أين المنطق؟ هل يحق لأي ملك مغرور اليوم أن يضيف يوما على أي شهر؟ هل يحق لترامب، بوصفه أكثر المجانين أتباعا واتّباعاً أن يقرر زيادة يوم على شهر آخر من ثلاثين يوما ليصبح واحدا وثلاثين، أو أن يكمل عدة شباط ثلاثين يوماً؟

المهمّ في هذه المسألة الاعتباط وغير المنطقية، ليس في علاقة الدال بالمدلول كما يرى دوسوسير فقط،  بل هي أيضا كحال الألفاظ وتطور دلالاتها، لا منطق فيها، ما الجامع المنطقي بين العين الباصرة والعين النبع والعين في مجلس الأعيان؟ وما الجامع المقنع بين الكبيس المخلل المحشو في المرتبانات بالعام الكبيس، بل ما علاقة الكبّاسة بكل هذا؟ وما دخل مكبس الحديد بكل هذه المعاني وجذورها؟ 

وما دخْل طبخة "الكبسة" التي لا أحبها في الموضوع؟ لماذا أطلقت امرأة مجنونة كبشار بن برد على هذه الطبخة اسم كبسة؟ هل كانت مكبوسة تلك الليلة، وأحبت أن تكبس كابوسها بهذه الكبسة؟ أي أن تحشو معدة "كابسها" بالطعام التي رأت أنه شهيّ. إنه احتمال قويّ الدلالة. أتدرون لماذا؟ لأن الكبسة تقوم على الفلفل الحار والمشهيات واللحمة والبهارات المقوية، تكبس آكلها كبساً، فيعود هذا الكبس كابوسا آخر متجددا لمخترعة الكبسة، فهذه البهارات تقوي الباءة عند الرجل ما يجعل "كابوسه" فعّالا ليقوم بعمله على أكمل وجه في الكبس والتكبيس، ولذلك يقال إذا نكح رجل امرأة ما، كأمر عابر من مثل "إذا هبت رياحك فاغتنمها" إنه قد "كبسها"، مرة لاحت والفرصة أتيحت، فتم "الكبس"، وتفرق الكابس والمكبوس، إنما هي مرة واحدة يستبد فيها الكابوس فيعمل خاطفا قاطفاً دون مبررات معقولة.

لله درك يا علم الدلالة أين أخذتني، وسقتني إلى شعاب متشعبة الطرقات، ولعلني صرت محتاجا للتكبيس، بأن تضعَ إحدى هؤلاء النساء المولودات في أعوام كبيسة يدها عليّ فترقيني برقيتها، فكم أنا محتاج لذلك، مع أنه لا يوجد مبرر معنوي لمعنى التكبيس ووضع اليد في الرقية على الشخص المرقيّ إلا إذا كان وضع اليد "كبساً"، يتوخى هذه المرة إخراج "الكابوس" الذي هو أيضاً: الجاثومُ، والباروكُ، والنِّئْدِلان، أو هو الهاجس الضاغط على الأعصاب، أو ذلك الحلم المزعج الذي يحتاج المرء بعده لأن يرتاح بفعل رقية من امرأة تحط يدها حيث يجب أن تضعها، لعلها تساوي ألف حمامة نزلت على الفؤاد لكي تشرب. هذه الخلطة الأخيرة من اللغة والشعر المعاصر مقحمة تماما كما هو مقحم اليوم التاسع والعشرون من شهر شباط/ فبراير الذي أسميته شهر الحبّ اعتباطا غير منطقيّ أيضاً.

وأخيرا أقول: لا شيء منطقيّ في اللغة وعلم الدلالة والحب والمعاني، إنما هي كلها تخاريف من وضع المجانين الذين كان منهم بشار بن برد وأول امرأة صنعة طبخة الكبسة، ولا يقلان جنونا من صاحب اختراع الحنتكور والحيصبون وأشباه تلك الكلمات التي لا أساس لها من منطق، لكنها متداولة وشرعية، وتؤدي مهمتها على أكمل وجه، وسيظل القانون العام للغة الذي يقول "اللغة وضع واستعمال، وإذا تعارض الوضع مع الاستعمال، فالاستعمال أولى" مفيدا فائدة مطلقة، نحتاج إليه كل يومٍ تقريباً. وكل عام ومواليد السنة الكبيسة بخير، وخاصة مواليد اليوم المحتفى به؛ التاسع والعشرين من شباط.


إسرائيل و الغضب الدولي الهائل/ مصطفى منيغ



التصَوُّر اجتهاد يضفيه الخيال لتسهيل مأمورية إبداء الرأي لدي مُتدخِّل لا يستمدّ مضمون حديثه من واقعٍ مُعاش ، وإنما للمشاركة بوجوده الزائدة عن المطلوب بعد إحالته على المَعاش ، لن يُسْتَفسَرَ إن جاهر القول وأنهاه بعبارة "كما أتصوَّر" كأنه بالاهتمام في لب الحدث ما عاش ، فقط لتصريف وقتٍ يغنيه عن الملل "العربي" وقد أصبح يخشَى مداومة الفِراش ، وكم كانت المفاجأة أكبر من التأكد عن فراسة مصداقيته  كئيباً ساعتها وهو يُردِّد لمن حوله في مقهى كائنة بمدينة القصر الكبير : "انتظروا جنوب إفريقيا لمساندة "غزة" في غيابِ ليس معظم قادة عرب الخطّ غير المستقيم الرابط المحيط الأطلسي بالخليج العربي بل اختفاء جل حكام المسلمين مهما جمعتهم أعشاش ، هكذا أتصوَّرُ واثقاً بغير مبالغة أو نفاق أو تقليد لوضعية خُفاش"  ، قال ما قال وانصرف مُتمتماً غاضباً على الحال الذي خدم الزمن فيه إسرائيل لتصول وتجول فوق رؤوس المذبوحين من الفلسطينيين العرب المسلمين ما يسبب في الإدهاش ، ومِن حولهم أقوام تتصايح إذاعاتهم على امتداد الساعة ليل نهار أن القضيةَ الفلسطينية قضيتهم الأولى وأنهم مِن أجل تحريرها يبذلون الغالي الثمين وأشياء من هذا القبيل غير القابل بعد السابع من أكتوبر المنصرم للتصديق بل أضحَى مجرَّد ادعاء مجاني لكل فشَّاش .

... جنوب إفريقيا برهنت أن للحق أنصار يصيبهم نور الخير يصبغ طلعتهم بهيبة الوقار كما للباطل كُفار يرافق مقامهم أينما وجدوا داء الرُّعَاش ، فكانت الدولة الوحيدة في المعمور المتصدّية قانوناً وذكاء ومرجعيةً مُقاوِمة فذة لإسرائيل لتُدخلها مرحلة الانكماش ، وتُبقيها عارية تتفرج الدنيا برمَّنها على كيانها الغارق في دماء أبرياء قاربوا الثلاثين ألفا من الشهداء معظمهم أطفال ونساء وتقف إجلالا لمحكمة العدل الدولية وهي تعلن إدانتها الصريحة أن إسرائيل بما اقترفته في حق هؤلاء مدانة دون مزيد  نقاش ، فكانت الدولة الإفريقية بما أقدمت عليه مشكورة بمثابة سفيرة للإنسانية جمعاء دشَّنت عودة الثقة في مؤسسة دولية يعلو معها القانون ليطال أيا كان لا فرق عنده بين الولايالات المتحدة الأمريكية أو قطاع غزة ينصف المظلومين ويوقف عند حدهم كل الظالمين الأوباش .

... جنوب إفريقيا الموقّرة دخلت التاريخ لتتبوَّأ بين صفحاته الذهبية موقع الصدارة حينما يُقارن اجتهادها القانوني المحمود وجموع الدول العربية التي أصابها في الموضوع الجمود فحقَّ قراءة الفاتحة على جامعتها العربية قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة وقد أدخلها تنصلها البيِّن ممَّا جرى في غزة ولا زال قاعة الإنعاش ، ومهما روَّج البعض من تلك الدول لن يسمعهم إلاَّ الواضعين أيديهم (علانية كحكام البحرين أو في الخفاء كهؤلاء المطبِّعين أو مَن هم في الطريق إلى التّطبيع) في أيدي إسرائيل ليربحوا البقاء فوق كراسيهم ويخسروا ثقة شعوبهم ولن ينالوا الاستقرار مهما استخدموا من  رشاش ، إذ محبة الشعوب أبقى والسباحة عكس مبادئها السمحة النبيلة نهاية حنمية لمن اختار الخوض فيها متوهما أن إسرائيل ومن معها قادرة على حمايته أبد الدهر وتيك شيمة من شيَمِ التَّفَاش .

مِرآةُ الغيبِ/ د. عدنان الظاهر

 


مَنْ يُلصقُ وجهي في مرآةِ هُراءاتِ الغيبِ

[ يشرحُ لي صدري ويُيسّرُ لي أمري ]

يقرأُ لي ضربَ الناقوسِ على قانونِ القلبِ  

ويُقوِّمُ ما زلَّ وذلّا

أحبطَ ميثاقَ النقرِ على طنبورِ الأهلِ

يا صاحبَ سلطانِ المَلَكوتِ العارجِ للأعلى بُرجا

إرفعْ راياتِ الجُرحِ الهادرِ مسحوقاً أجراسا

خانوهُ ... لم يدرِ

كفّوا عن شُربِ الماءِ لئلاّ يستسقي

طفّوا الضوءَ وشبّوا ضوضاءً في النارِ

مُعجِزةً تتفلّقُ مِصباحا

عَرْشاً لرموشِ الطاووسِ وريشاً شمسيّا

يسألُ جارَ الجُدرانِ

ويُساوي بيني والرُبْعَ الباقي من سِفْرِ الوهنِ

يتوازنُ ساعةَ سحبِ المتراسِ

أغلقتُ الصورةَ فالأسودُ أعمى يدمى 

يتفحّمُ عِرْقاً مفتوتا  

تاقتْ نفسي للنبرةِ في الصوتِ العالي نَحْتاً محفورا 

تركوني أتعذّبُ مُشتاقا

للجهدِ الضاربِ مِسماراً في رأسي منصوباً فخّا

يربو حتّى يصطكَ محاقُ الأقمارِ رجوما 

فيزولَ الخوفُ وترتاحَ الأقداحُ مقاما

إفتحْ مفتاحَ الراحةِ باباً للراحةِ كفّا 

يعلو في الصدرِ المتوَهّجِ موجاً لُجيّا

ويغيضُ الماءُ سرابا

يا حسرةَ مَنْ باعَ الحقَّ النازلَ في بيتٍ سَهْوا

يخشى لولا ما في الصدرِ الممرودِ ضجيجا. 

سوزان عون في مجموعتها الثانية: عزفٌ منفرد على ناي الغِياب/ فؤاد نعمان الخ



اذا كان المكتوب يُقرأ من عنوانه، كما يقول المثل الشائع، فأنا اقرؤُه أيضاً من اهدائه. الشاعرة سوزان عون، في مجموعتها الثانية "ليلى حتى الرمق الأخير"، تُهدي كتابها الى امها، والى كل امرأة ستكمل معها المشوار. عن أي مشوار تتحدث سوزان، والى أين ستقودها رحلتها؟ قد يكون الجواب البديهي يشير الى التحرر من ربقة العبودية والظلم، لكنني تلمّستُ في كتابها توقاً الى غائبٍ ترك بصماته في القلب والقصائد. كأنّ كتابها عزفٌ منفرد على ناي الغياب، في ليل الغربة الطويل. فمن تُراه يكون الغائب؟

هو أولاً الحبيب الذي هو "محترفٌ يتعمّد الاختباء، ويتحايل على الحضور"، على حدّ قولها. وما يوجعها هو صمته المستمر، فتناديه:" انت قمري الغائب... غريبٌ انت وصمتك".هذا الغياب يثير فيها جدلاً، فتجفّ سنابلها قبل الأوان، وتتأخر المواسم. لكن سوزان لا تستسلم للهزيمة، فتمتشق القصيدة سلاحاً للثأر، والثأر وجه آخر للعشق. تقول للغائب: "لن تفلت من ثأر قصائدي"، وتقسم انها "لن تواري أصابعها في كهوف الصمت"... هكذا تصير الكتابة فعل تعويض عن غياب الأحبة، وبلسماً للروح التي جرّحها الرحيل.

والغائب الثاني هو الوطن الذي عانى مرّ الحروب والظلم والاجتياحات، فتصرخ سوزان:" متى ستجتاحك عاصفة الأمان والسكينة يا وطني؟" لنلاحظ هنا استعمالها لكلمة "اجتياح" في معرض الكلام عن الأمان، لأن ذاكرة اللبنانيين المنتشرين ما زالت مثقلة بذكريات الموت والنار والدمار. وشأن كل الذين تركوا ارضهم وبيوتهم طلباً للأمان والسكينة، لا تتعب سوزان من السؤال عن موعد عودة الأمان الى لبنان، مما يتيح لها امكانية الرجوع اليه. وتمرّ سوزان على الغائبين في ظلال الموت، فتعلن حضور الروح حيث يحتجب الجسد:"  لا يعلمون بأن الجسد ارتفع، والروح لا زالت حولنا تحوم...ما أصعب افراغ الذاكرة منهم!"

 واتساءل: ما سرّ هذا العزف على وتر الغياب في مجمل صفحات الكتاب؟ هل الخلفيّة الثقافية الشرقية تتجلّى في حياة سوزان وكتاباتها، ام ان الاحساس بالفجيعة أمر ناتج عن تجربة شخصية صعبة؟ لا شك ان وعي  السقوط في الحزن فتح باب الارتقاء الى نشوة اللقاء، ولو في الحلم. تقول سوزان مزهوةً: " فانُوس الحلم في يدي"، وفي استعمال كلمة "فانوس" اشارة الى البعد التاريخي للمعاناة الراهنة... هكذا تخرج سوزان من ضيق المعاناة الفردية الى رحاب الخبرة الجماعية.

سوزان عون في تجربتها الشعرية المميزة صوتٌ صارخ في البريّة، وإضافة مباركة الى أدب مهجريّ قادر على رفد الثقافة العربية بنسغٍ شعري جديد. وحين يعجز المنطق عن حل المعضلات، ويقف العقل حائراً امام اشكاليات الحضور والغياب، تصف سوزان دواءها الشافي:" اتبع قلبك!" صدقتِ يا سوزان!

باقة زهر/ فؤاد نعمان الخوري


بكيِت قهر، لكن ما ركعِت للقهرْ:
سيدني عم تقاوم بباقات الزهرْ...
ورد وصلا
منهُن قلب سيدني انتلى،
وصلِت هدايا العيد من نصّ الشهرْ!
سيدني...الأميره الهانيِه:
مين لْ سرَق عيدِك
يا امّي التانيِهْ؟
وجرّح كرَم إيدِك
الحلوه الحانيِهْ..
وخزّق مناديل البراءَه بثانيِهْ؟
الزنبق سياجْ
الفلّ صرخة احتجاجْ...
وكلّنا باقة زهرْ
ومشكّلِه الألوان،
والعنوانْ:
حريّة الإنسانْ
وسيدني العصيِّه عَ الدهرْ!

الى الشاعر المبدع فؤاد نعمان الخوري/ جورج الهاشم


اولاً أشكرك على حضورك للمناسبة، واثمِّن ملاحظاتك القيِّمة، خاصة عندما تعتبر ان نجاح مناسبة اطلاق كتابي هو مؤشّر "يثلج القلب ويشد العزائم ويبقي الامل بقيام حركة ثقافية جادة في هذه الديار"، يدلّ على كبر أخلاقك ونبلها. واصدقك القول اني أعتبر كل مناسبة ادبية هي مناسبة لي. إذا نجحت فهذا انجاز للمثقفين في جاليتنا. واذا فشلت أشعر بالالم واعتبر نفسي مسؤولاً جزئياً عن فشلها.
تقول "انا لست بناقد". اسمح لي يا صديقي ان اخالفك الرأي هنا. فالشاعر لا يمكنه الا ان يكون ناقداً. فكيف إذا كان شاعراً من عيارك؟ الشاعر هو الناقد الاول لاعماله. لقد سمعتك مرة ترفض نشر قصائد عديدة القيتها في مناسبات مختلفة. وما رفضك الا لانك وزنتها بميزان الشاعر الناقد، وانا احييك على هذا الموقف. والشاعر الذي يستطيع ان ينقد شعره: يحذف كلمة، يقدم اخرى، يزاوج الكلمات ليخلق النغم الذي يهزّ السامع، ينشر قصيدة، او يمنع نشر اخرى، هو الاقدر على نقد أعمال الآخرين... وتقييمك لكلمتَي الدكتورين رغيد النحّاس وبول طبر هو دليل آخر ان ميزانك النقدي شديد الحساسية ويعمل بكفاءة عالية جداً ومن عيار 24 قيراط.
أما اشارتي الى اناس "لم يأخذوا حقّهم" في هذه البلاد، فانا معك: الاعتراف يؤخذ ولا يُستجدى. والمبدع
يفرض وجوده فرضاً. وانا لم اقصد أبداً أن ننصب هذا شاعراً، ونمنع اللقب عن ذاك. هذه مسؤولية قصيدته. فاذا لم تستطع القصيدة ان تتوج صاحبها شاعراً فعلى شاعريته السلام... ولكن؟ هناك " ولكن" كبيرة تحتاج الى صفحات. سأكتفي بتوضيح سريع: قلت أنك تطمح لقيام حركة ثقافية جادّة. أنا أطمح مثلك يا صديقي. الحركة الثقافية الجادة بحاجة لمقومات كثيرة لن افصّلها الان. ولكنها بحاجة ماسة ان يواكبها اعلام جاد ايضا. إذا لم يسبقها. أين اعلام جاليتنا؟ وما مقدار الجديّة لديه في هذه الامور؟ وكم مرة تواجد الاعلام في مناسبات الجالية الثقافية بمبادرة ذاتية؟ وكم مرة أعطى الاعلام الاقلام المهجرية حقها؟ او أعطى قضايا الجالية حقّها؟ هذا مع احترامي بالطبع لبعض الاعلاميين الذين يقومون بدورهم خير قيام. وعندي مئات الامثلة على ما اقول. سأكتفي بواحد منها: لقد أشدتَ انت بكلمة الدكتور رغيد. وليس الكلمة وحدها تستحق الاشادة. معظم اعماله تستحق الاشادة و الدعم والتشجيع. سأترك موضوع مجلته الراقية "كلمات" التي نزفت امام اعين المثقفين والاعلام ولفظت انفاساها وسط لا مبالاة تثير القلق والتأسف. واتكلم سريعاً عن كتابه القيّم جداً  "طلٌ وشرر". نشره السنة الماضية. لم يحظَ بأي اهتمام من قبل اعلامنا المتلهي بأمور كثيرة. عندما خصّصت الاديبة الكبيرة غادة السمان صفحتها الاسبوعية في القدس العربي للكتاب، وكتبت مقالة رائعة عنه بعنوان: "ايتام الحرية والعروبة" نقلته النهار اللبنانية، عندها دبّت الحمية في بعض صحفنا المهجرية الموقرة  ونشرت المقال دون الاشارة الى المصدر وكأنّ السمّان كتبته خصيصاً لهذه الصحيفة او تلك. هذا بعض ما عنيت باناس لم يأخذوا حقهم في جاليتنا...
أما اذا اردنا الوصول الى حركة ثقافية جادة فيجب علينا جميعاً الاعتراف بالآخر. هذه مسألة جوهرية لا يمكن التنازل عنها. إلغاء الآخر وشطبه من المعادلة يزيد المشكلة ولا يحلّها. ولهذا الموضوع مكان آخر على كل حال.
يبقى ان قراءة كتابي، بحجمه الكبير وحرفه الصغير، ارهقت عينيك. سلامتهما من الارهاق. لم يكن هذا قصدي أبداً. فشاشة الكمبيوتر اوهمتني ان الخط مقبول. وشمس حزيران، عندما كنت أقرأ بعض النماذج، وهي تحتضنني بدفئها في هذه النهارات الباردة، أقنعتني ان الخط مناسب جداً. وككل مَن يبحث عن عذر سأضع اللوم على الكمبيوتر وعلى الشمس وربما على نظري الذي لم يكبر معي. بينما كبر فيك النظر. وكبرت فيك الجالية وكبر فيك الشعر.
مع كل المحبة والتقدير
جورج الهاشم

رائعة فؤاد نعمان الخوري: في حَضرة البيّاتي


البارحة كرمت لجنة البياتي الشاعر الكبير فؤاد نعمان الخوري، وعندما اعتلى المسرح ليلقي كلمته، تسمرت الأعين به وبإلقائه الرائع مما أجبر الحناجر على الهتاف. شعره كان أعلى من الثريا بأميال وأميال، أنه ابن تراب لبنان النقي الذي أنبت العباقرة، وهذا ما قال:

اشكر رابطة عبد الوهاب البيّاتي للشعر والثقافة على منحي جائزة البياتي للعام 2015، وهذه قصيدةٌ القيتها في المناسبة:

يا واقفاً في حَضرةِ البيّاتي
متجلبباً بعباءة الكلماتِ،
كحِّل حروفَك بالنجوم، فإنّهُ
قمرُ القريضِ وسيّدُ الساحاتِ...
علَمٌ لهُ في كلّ قلبٍ خفقةٌ،
أينَ العُلى من خفقة الراياتِ؟
واخلعْ نعالَك إن مررتَ بقُربِهِ:
ما الفرقُ بين قصيدةٍ وصلاةِ؟
إن جئتُ متكئاً على ماضي الهوى،
سُكناي في حُلمِ الزمان الآتي؛
أستشرفُ الأيام، أجلُو سرّها،
أمشي اليها واثِق الخطواتِ...
وكما رُبى لبنان أجنحةُ المدى،
بغدادُ وشمُ الريح في العتباتِ؛
أهلُ العراق أحبّةٌ، وأنا هنا
جسرُ الندى من أرزةٍ لفُراتِ...
آتٍ،وبي فرحٌ بلُقيا نُخبةٍ
تختالُ بالأبياتِ والنغماتِ...
مَن ناحتٌ صخرَ الكلام بريشةٍ،
مقطوفةٍ من مُهجة النحّاتِ؟
شِعرُ "السماويّ" الرقيقُ قلادتي،
والروحُ "جزراويّة" القسَماتِ؛
أقسمتُ لن أنسى ورُود وفائكُم
ما دام نبضٌ في وريدِ حياتي!

خدني معك/ فؤاد نعمان الخوري

ل جبران خليل جبران

خدني معك من أورفليس:
زغرت عليّي هالدني
وعم انحني
متل الشبيّه الغافيه بكمّ الحبيسْ!
خدني معك،
لا تقيس عمري بالسنه،
... ... بالقهر قيسْ
بظلم هالبحر التعيسْ...
سدني... عروس الليل
وبليس العريسْ!
***
عَ القبر بـ بشرّي الحبق قونه
والبنفسج صليبْ...
وهالشمس مجنونه
عم تفتّش عن خْيال الحبيبْ...
قالولها: مش هون، يا مرتا،
اكسري جرّة الطيبْ!
جبران،
يا غنيّة الطير الغريبْ
ما خلقت انتي، ما متت،
بس خطرت عا بال هالكون الرحيب
متل الشمس بتطلّ من "ضهر القضيب"
بتمرق تبوس الارز،
وبترجع تغيبْ!
***
ابعت لي خليل الكافر شويّه:
اهل المسابح زغرّو الله بصينيّه،
اهل المشالح كسّرو خيمة الحريّه
اهل المصالح قسّمو توب الالوهيّه
اهل القرايح دنسو العتبه السماويّه
اهل المسارح عهّرو طيبة الغنيّه
اهل المدايح زوّرو تذاكر الحنيّه..
واشرف منُنْ
اطهر منُنْ
احلى منُنْ
... مرتا البانيّه!
***
... و"اولادكم ليسوا لكم..."، شو باكْ؟
للعاصفه عم نفتح الشبّاك..
ما كنت انت لْ "كامله" امك؟
يمّا المدى ناداك
وهْشلت من اسمك ومن دمك،
وما أحلاكْ!
ولا تقول: الله فيك!
انتي في قلب الله
والحبّ ل تجلّى
مسافه بينكم خلّى
تا ترقص الريح بشجر عريان!
جبران...
بالآخر انا متلك بلا عنوان
خدني معك من اورفليس
وطمّني بلبنانْ!

فافي/ فؤاد نعمان الخوري


شاعر مهجري ضائع "بين تذكرتين" يعيش في استراليا


الى الشاعر المهجري شربل بعيني لمناسبة صدور ديوانه الجديد "فافي"

لقد فكّت قيود الصمت، "فافي"
ونهر البوح فاض على الضفاف،
وعاد الأشيب الدهريّ طفلا
يؤرّقه حنين الاكتشاف...

و"فافي" غيمة سمراء رشّت
دموع الصبح في جرح الجفاف،
فأزهرت الحدائق، و"البعيني"
روى من عطرها عمر التجافي؛
وراحت تهتف الأوتار شجوا،
فغنّت مصر: يا طيب الهتاف!
وفي لبنان قال الأرز زهوا:
هو الحمل المدلّل في خرافي!

و"فافي" الحلم، لمّا صار انسا،
نجوم العيد هلّت في المنافي:
فهل في الحلم ورد الشعر ينمو،
ام اللقيا ربيع للقوافي؟
وما بال "البعيني" بات يشكو
من الخجل المغطّى بالعفاف؟
على وعد القطاف ارتاح دهرا:
كسرت القلب يا وعد القطاف!

..ويا "فافي" حباك الشعر شالا،
فمن ليل وبرد لا تخافي؛
ومهجة "شربل" صارت كتابا،
وعيناك القصيدة في الغلاف!

المُنتَشِر/ فؤاد نعمان الخوري


I
هل تذكرُون المنتشِرْ؟
إنّي الغريبُ المنتشِرْ،
مثل النُعاسِ، أو الوباءِ،
أو الزُجاج المُنكسِرْ...
أو نقطة الزيت التي
وقعَت على ثوبٍ أنيقْ؛
أو ظلّ غيمٍ نام في كنف الطريقْ..
ولعلّنِي العنقودُ
في كَفّ المسافةِ يَنعصِرْ،
كي ينتشِرْ!

II

مَن شَقَّ صدرَ هويّتِي
فَتبعثرَتْ حُريَّتي
في الأمكنَهْ؟
هل لي زمانٌ بعدُ
بينَ الأزمنَهْ؟
قُلْ لي بربِّكَ:
 مَن أنا؟

III

في النقطةِ الوُسطى أضُمُّ يديَّ
خوفاً أو صلاةْ؛
والغُربتانِ تُلقِّنانِي الأُغنياتْ!
مَن علّقَ القمرَ الخجُولَ
على صليبِ الذكرياتْ؟
فَوقفتُ في حرَم الحياةْ
أرجُوحةً مشدُودةً
بين الإقامةِ والشتاتْ...

IV

وأنا انتشرْتُ لأنّني
ما كانَ لي
بين القبائلِ، فُسحةٌ لتأمُّلِ،
وبطاقتي كانت لغيرِ مُقاتِلِ...
"نَقِّلْ فُؤادَكَ"؟ لا،
ولكِن، منزلي؛
يبقى فُؤادي نجمةً
تغفُو على كتفِ الحبيبِ الأوّلِ!

V

والمُنتشِرْ:
لا تحسبُوه سلالةً قد تندثِرْ،
بل شاهِداً ومُشاهِداً
ملَّ الفضائيّاتِ والجدَلَ القذِرْ...
لم ينحسِرْ
عن عينهِ لونُ الكرُومْ،
ما زالَ يوجعُهُ صدى "وطن النجومْ"،
ويصيحُ في الليلِ الخَطرْ:
أين الضميرُ المستتِرْ؟

VI

ولقَد يطُولُ الانتظارْ،
في جلجُلاتِ الإنتشارْ،
والنارُ في تلك المجاهلِ تستعِرْ،
تمحُو الربيعَ وتنتشِرْ!
خُذني الى تلكَ البلادْ
حِبراً تطعّمَ بالرمادْ،
وعلى بساطِ الثلج دَعني أنتشِرْ،
يمتصُّني شوقُ الترابِ وأنصهِرْ...
سأُعانقُ الهمَّ القديمْ،
وسأرتدِي الحُزنَ المقيمْ؛
لكنّنِي لَن أعتذِرْ!
+++++

سدني 12 نيسان 2014

فؤاد نعمان الخوري/ سركيس كرم


مبارح حملت جعبة الأفكار المعصورة بكتب.. المخمّرة بدواوين ملياني حنان  وشبعاني شهامي من هاك النبع النازل من فوق وما بعمرو نزل ل تحت.. سألت حالي بكتب عن الشاعر أو بكتب عن الكلمات اللي بترسم حلم .. بتعزف فرح.. بتنعش أمل... بتبلسم جروحات.. بتخزّق حدود الضغينة.. كلمات مزينة المسافات.. ووقت اللي بدها بتجمع حالها وبتصير ألوان لوحة بتشبه إنسان من لبنان ما بتساعو الدني..! بكتب يا ترى عن الشعر الطاير بسما الأحساس وما بيعرف يهدا عا وراق مصفوفي ورا الغلاف وقبل النهايي.. وكيف بيقدر قلمي يلحقو ويقعد معو ويصير يتحاور مع كلماتو..! يمكن أسهل أكتب عن فؤاد الإنسان الصديق الجايي من هونيك من محل اللي الصخر بيحّس بناسو.. من تلال واقفي بوج الزمن ما بتنحني للريح، ونحنا شو منشبها.. من مطرح اللي النعمة ثروة.. والطيبة عادة والنخوة عطر الارادة..
مسكت دواوين الشعر.. إحترت من وين لازم بلشّ..  من "بين تذكرتين" بتطلع الكلمة بتحمل الغربة وبتطير فيها تفتّش عا وطن.. و"رندح يا وجع"..وبرغم الوجع من "مجدك يجي" بيطل "بياع الفرح" وبتبدأ "من الفؤاد"  الصلا اللي غامرتها  "مسبحة أمي" وعم ترفعا لفوق محل يللي الغربة بتهجر حالها..  وبعدني محتار أيا كنز بختار..مع أنو "معزوفة الحزن العتيق" رجعوا جدّدوها.. وما عاد فينا بعد نحمل أيا "دعسة ناقصه".. فجأة، شفت "ندر اللهفة" عم يشرقط فؤاد الشاعر المفكر اللي ألتقيناه من سنين وكأنو بعدنا عم نتعرف عليه من جديد.. أنسكبت بقلبي ترنيمة فؤاد "أستفقدتني، فاق الرجا فيّي، وبمغارة العالم المنسيّه، غمضّت عينيّي عا نهر دموع، وفتحّت عينيي عا وهج شموع... وخلقت مع يسوع!" .. بلشت أقرا وعبّي  بشرايين الوفا تراتيل بتنعش روح.. بتغذي حياة .. 

ومع كل قصيدة تترسخ فضائل وقيم وأخلاقيات بتزّين صدر لبنان وعالم الإنسان وين ما كان.. وبين كل بيت وبيت برجع لفؤاد نعمان الخوري.. بيتذكر كبر نفسو من أول لحظة ألتقيتو فيها..  بتذكر هاك اليوم اللي تقرر أني عرّف مناسبة وطنية من شي عشرين سني ..يومتها خفت "كيف بدي أطلع عا المنبر بوجود كبار المنابر متل فؤاد!" .. اللي شجعّني أطلع كان فؤاد.. اللي خلاني أنجح بمهمتي كان فؤاد.. بينما كتار غيرو بيسعوا تا الناس تسقط وما تطلع أبداً.. أستاذ هوي وعا طول هوي فؤاد.. وبعدنا منتعلم منو..

مبارح إلتقينا لأنو في كتير أمور بتجمعنا.. محبتنا للبنان واوستراليا، تعلقنا بإنسانية الإنسان، وأهم شي الوفا والمصداقية.. وما في أعظم من ها الوفا اللي بيجمعنا اليوم أكتر: "سيدني...الأميره الهانيِه: مين لْ سرَق عيدِك.. يا امّي التانيِهْ؟ وجرّح كرَم إيدِك.. الحلوه الحانيِهْ..وخزّق مناديل البراءَه بثانيِهْ؟ الزنبق سياجْ..الفلّ صرخة احتجاجْ... وكلّنا باقة زهرْ ومشكّلِه الألوان، والعنوانْ: حريّة الإنسانْ وسيدني العصيِّه عَ الدهرْ!" .. يسلم إبداعك يا فؤاد..

حا تخلص المقالة وما أنتهيت حيرتي، ولا قدرت ميّز بين الكتاب وصايغ أفكارو.. بين القلم وحبر رسماتو.. بين القلب وروحية نبضاتو.. بين البي ومحبتو لولادو.. وميشان هيك قررت ما أكتب الفكرة غير بعيوني مطرح ما ألوان الصور أحلى ومعناها بيبقى أغنى..قررت أترك قصايد الإبداع معلقة عا صدر الفكر متل أوسمة كبيرة كل مرة بتبيّن لمعتها غير شكل.. وعرفت أنو ما فيني غير ما أخطف من شلال الشعر نقطة بتغني الخيال، وقطرة بتبلل عطش ها الزمان،  وحنيي بترفع علاقتنا بالوطن لفوق.. مطرح ما بتكون الحرية حق والإنسانية فعل إيمان.. 

خلصت المقالة وصارت حيرتي صدى بالوديان ..بالوجدان.. وبعدو فؤاد نعمان الخوري بيقطف الكلمات من بستان الروعة وبوزّع أمل..  وما في أغلى من أنو أختم بتنهيده من تنهيداتو يللي كأنها عم تحكي من صميم مشاعرنا : "طلّت سنة جديدة، ومش بعيده.. آخر سنه تكون السنه جديده: الموّال ذاتو، والرقص ذاتو، وكل شي بقي ب القلب...تنهيده!".. 

رسالةٌ إلى الكاتب الاستاذ جورج هاشم/ فؤاد نعمان الخوري


استاذي الكريم
أحيّيك بدايةً وأبارك لك بصدُور مولودك الجديد "خارج السرب"؛ يعيش ويهزّ لأخوته حتى تصير كتبك سرباً تفرح به الاشجار وسطوح القرميد. كما اهنّئك بنجاح حفل إطلاقه، وهذا ما يُثلج القلب ويشدّ العزائم ويُبقي على الأمل بقيام حركة ثقافية جادة في هذه الديار.
اكتب اليك اليوم، وأنا لستُ بناقدٍ، فلا يمكن للشاعر أن يكون ناقداً محايداً وموضوعياً كما تقتضي الأصُول. حسبي أن اسجّل انطباعات شخصية، بصدقٍ ومحبة. كما في كل نشاط، يختلط الغثّ بالسّمين، ومن الحكمة أن أُضيء على السمين من إسهامات المشاركين، من خلال كلمتَيْ الدكتور رغيد النحاس والدكتور بول طبر.
بدا لي خلال تلك الأمسية أن النحاس أحاط بمواضيع كتابك وتفاصيله بحسّ أكاديمي رائع، فكان مرهفاً وعميقاً ومنطقياً. وكأني به قد طوّق الكتاب بذراعيه، وسار به مزهوّاً. وكانت لغته العربية صافية كالبلور، تحدوها لهجة شآمية محببة أَضفت عليها مسحة جمال وإلفة. وكم أصاب في تركيزه على "السخرية الودّية" في كتاباتك، كما فعل صديقنا المرحوم بطرس عنداري من زمان، وكلاهما في الهمّ شرقٌ...أطال الله بعمر الدكتور رغيد!
أما صديقنا الزائر الدكتور بول طبر، فقد عرف كيف يُدخِل السياق التاريخي والحيّز الجغرافي/ الديني في مقاربته للكتاب.  فمن كارل ماركس الذي دعا الى فعل التغيير بدل التنظير، إلى الاضاءة على الخلفية التنويرية لنشاطك الأدبي، بدا الطبر شريكاً في مسيرة التغيير. وكم كان موفقاً في استلهام اسمك في الاشارة الى تفرّدك الخلاّق: فرأى في اسمك الأول (جورج) جذورك المارونية الضاربة في جرد تنورين...لكن اسم عائلتك (هاشم) أوحى بخروجك من "السرب" العائلي والجغرافي والديني الى رحاب العروبة المستنيرة، شأن موارنة كثُرٍ حملُوا لواءها وأبدعوا في لغتها ودافعوا عن مستقبلها.
ولقد لفتتني إشارتك الى أناسٍ "لم يأخذوا حقّهم" في هذه البلاد، فاسمح لي أن اسأل: عن أي حق نتكلم يا صديقي؟ هل حق الاعتراف يُستجدى أم يُنتزَع انتزاعاً؟ لماذا توجيه اللوم دائماً إلى الآخرين، بدل النظر بامعان الى ما نكتب ونقدم لهم؟ برأيي المتواضع، القصيدة الجيّدة لا تحتاج إلى بطاقة تعريف؛ اما اللغة الخشبية في كتابات "جاهلية" لا تعانق هموم العصر، فلا حق لها في الشكوى من تجاهلها...و الحديث يطول.
وبعد يا صديقي،
كتابك الكبير أتعبني، وحرف طباعته الصغير أرهق عينيّ رغم النظّارتَيْن الجديدتَيْن. لماذا لا تنشر كتاباتك في كتابَين اثنين، فنحظى بلقائك مرّتين؟
أشدّ علي يدَيك، والسلام عليك!

فؤاد نعمان الخوري
9 تموز 2015

فؤاد نعمان الخوري وأنطوان السبعلاني يتراشقان بالشعر

كتاب 
فؤاد نعمان الخوري
الى الشاعر النقيب أنطوان السبعلاني الذي أرسل اليّ كتابه الأخير

كتاب منه أم عمر ينادي؟
لقد جاءت تسامرني بلادي،
وماج البحر في "سدني" طروبا
على وقع الزمان المستعاد..
ورود الذكريات تضوع عطرا:
هنا كنّا، هنا مرج الوداد،
و"سبعل"، والعشيّات استراحت
على صوت يغنّي "يا فؤادي"...
وحسن السبعليّات القوافي
هتاف صارخ في كلّ نادي؛
ويغمرنا "النقيب" بشال حبّ
قلوب طرّزته، لا الأيادي،
وزادي من صداقته وفير،
تعتّق في الغياب، وزاد زادي!

كتاب منه يأتيني ربيعا،
فينمو العشب في قفر البعاد؛
وجوه الجمر ضاءت في المسايا،
أفيقي يا عصافير الرماد!
ورديّني لضيعتنا صبيّا
تشرّده القصيدة في الوهاد،
فتلقى في "السبعلاني" ملاذا
كما "بيار" ، كما "ناتالي وشادي"؛
ويحملها الى "الأنوار" طوعا
ليجلو النورغابات السواد..
فديتك، يا نقيب، لأنت أرز
له قدّمت اوراق اعتمادي!

أشمّ من الكتاب عبير كفّ
أصابعها قناديل الزناد،
ونمرغاضب، أو عصف ريح 
على من خان عهدا أو مبادي...
ببالي الآن لبنان جريح،
واستقلاله نهب الجياد،
وعيد، كيف عاد، "بأيّ حال"؟
وحقّ بيع في سوق المزاد...
ونبقى صرخة في الكون تدوي،
وبدرا في ظلام الشرق هادي؛
وتبقى راية الشعر المصفّى
ترفرف فوق رايات الحداد!

سدني 22 تشرين الثاني 2013
**

 معارضة قصيدة  فؤاد الخوري 
 انطوان السبعلاني

أتى لبنانَ مِن" سِدْني" يُنادي
فقلنا: صوتُ شاعرِنا فؤادِ
 سفيرُ الشِّعرِ مُعْتمَداً بأمْرٍ
الى الدُّنيا بلا وَرقِ اعْتِمادِ
 فجاءَتْنا  قَوافٍ  سيِّداتٌ
لهُنَّ مَنابرٌ في كلِّ نادِ
 وبيتُ الشِّعرِ أفْديهِ ببيْتي
- إذا لبنانُ شاعِرُهُ-وَزادي
 لنا  وَطنٌ  نُغنِّيهِ  سَعيداً
 وفي الجُلَّى نُغنِّي في حِدادِ
 كذا الأوطانُ من حالٍ لحالٍ
وأهْلوْها  مَشاريعُ الجِهَادِ
 وما وَطنٌ يَطيبُ الشِّعرُ فيهِ
 كما  وَطني  فمِنْ شادٍ  ِلشادِ
 إذا كثُرتْ ديونُ الشِّعرِ عندي
 أداويها بخَمْرٍ مِن مِدادي
 وكانَ الشِّعرُ في أهلِ المبادي  
عزيزاً عندنا مثلَ المبادي
  و ضيعتُنا   تُحبُّكَ  يا صديقي
 كرَجْعِ قصيدةٍ بينَ الوِهادِ
 حَنينُ النَّايِ وَجَّعَني كثيراً
 الى طيرٍ ورُعْيانٍ   ووَادِ
 كتابي في حِمى الشُّعراءِ يزْهو
 ويَأبى جيرةَ القصْرِ الجَمادِ
 وإنَّكَ  يا فؤادُ  رسولُ  حبٍّ  
على اسْمِ الشِّعرِ في وجْهِ الفسادِ...
ودَيْنُ  الشِّعرِ ما أحلاهُ   دَيْناً
 نُصَفِّيهِ  "بِبنكٍ" مِنْ وِدادِ
  يُعذِّبُني  أنا في الشِّعرِ دوماً
 بريدُ الشِّعرِ من دنيا البُعادِ
 فمنْ جبرانَ، أيُّوبٍ، وماضي
وروحانا، وآخرِهم فؤادِ...
 مضى زمنٌ على أهلي"بِسِدْني"
فيا" سِدْني" سلامٌ من بلادي!  
                                 

مانديلا/ فؤاد نعمان الخوري


كان الجسَد آخر حبس، وطلعتْ؛
كان العمر آخر سفَر، ورجعتْ...
كان الصمت آخر صدى، وسمعتْ،
كان المدى آخرقمر، وقشعتْ!

يا أسوَد ويا جامع الألوانْ،
ل قوس القدح في قلبك العنوانْ؛
يا أسوَد ويا جامع الأديانْ
عَ العدل، عَ حريّة الانسانْ...
يا أسوَد ويا معلّم السجّان
سرّ الأمل والحبّ والغفرانْ؛
يا أسوَد ويا أبيض الوجدان،
صرخة الحقّ، ورحمة الرحمانْ!

...وحملت عَ صابيعك الجمرهْ،
وطهّرت تاريخ الظلم والعارْ،
وقدّمت ايّامك هديّة غارْ
ل أفريقيا، ها العاشقه السمرا...

سايد مخايل في كتاب "القلب المفتوح": وشم على جسد الذاكرة/ فؤاد نعمان الخوري


يحاول الصحافي والشاعر سايد مخايل التقاط اللحظات الهاربة وتثبيتها في كتاب يحفظها من الاندثار. كأن كتابه الأخير "القلب المفتوح" وشم على جسد الذاكرة الجماعية، ومرآة صادقة تعكس كرم المنتشرين وحماس الزائرين. "القلب المفتوح" يروي حكاية الخط المفتوح بين لبنان واستراليا، بالصورة الملونة والتفاصيل المدونة بصبر واتقان؛ فجاء الكتاب مجلّداً انيقاً وفخماً يحمل عطراً من أصابع سدني ومطابع بيروت.

حديثة هي هجرة اللبنانيين الى استراليا، فالجرح كما القلب دائماً مفتُوح: فالتواصل والتفاعل لا ينقطعان، وعيونهم مسمّرة أبداً على شاشات الفضائيات والصحف و...الفايسبوك. يضيء سايد مخايل على تلك العلاقة الحميمة ويرصد تجليّاتها بين العامين 2008 – 2012 مع الوعد بكتاب ثانٍ يؤرخ للسنوات اللاحقة. ومن غير الصحافي يستطيع أن يبحث ويجمع ويبوّب وينسّق المعلومات؟ هنا يصير "التوثيق" عملاً مضنياً خبره سايد حين وثّق رحلة البطريرك صفير الى استراليا في كتابه "رحلة الانقاذ"، كما الصحافي  الاستاذ انطوان قزي في كتابه "وجوه مشرقة".

لكن سايد مخايل شاعر ايضاً، ومن حقنا ان نطالبه بديوان جديد. فاذا كان "القلب المفتوح" سجلاً للجماعة، يقى الشعر سجلاً للشخص المتفّرد وسط الجماعة. وهل اصدق من شاعر يصف تجربته في الوطن والغربة، في الحزن والفرح، في اليأس والأمل، وفي رعشات القلب المفتوح!  في الشعر ايضاً يصير التاريخ الشخصي قبساً من تاريخ المجتمع في لحظة معيّنة من الزمن، وتمسي القصيدة قطرة ندى على نشرة الأخبار وافتتاحيّة "الأنوار".

ويبقى السؤال: هل بقيت لنا ذاكرة تتسع للكتب في عصر الاصدارات الالكترونية والصحافة اليومية؟ لعلّ افضل اجابة هي قول الشاعر العربي القديم:" وخيرُ جليسٍ في الأنان كتابُ!" طُوبى لمن يكتب ولمن ينشر ولمن يقرأ، وعافاك الله يا سايد!

فؤاد نعمان الخوري يوجه تحية شعرية للمناضلة المصريّة فاطمة ناعُوت


يا فاطمَه
(تحيّة للمناضلة المصريّة فاطمة ناعُوت)

يا فاطمَهْ،
بئسَ النفُوس الظالمَهْ!
مَن ذا يحاكِمُ وردةً،
مَن ذا يسُوقُ فراشةً للمحكمَهْ؟
ما بالُها، أرضُ الكنانة،
تستبيحُ الأنجُما؟

يا فاطمَهْ،
يا شمعةَ الفُقراء والشُعراءِ
في سجن الليالي المُعتِمَهْ؛
لا، لستِ أنتِ المُجرمَه،
بل صرخةُ الحريّةِ المتألِّمِهْ،
ورسولةُ الحقّ السليبْ،
وهلالُ مصرٍ إذ يعانقُهُ الصليبْ:
وجَعُ الكنائس تفتدِيهِ المُسلِمَهْ!

يا فاطمَهْ،
أنتِ الّتي تشكِينَ، تتّهمينَ،
تنتفضينَ في وجهِ الدُّمى..
فإذا اتُّهمتِ،
فمصرُ متَّهمَهْ!
والنيلُ مرتدٌّ،
ولا قمرٌ يضيءُ العاصمَهْ،
والثورةُ البيضاءُ عادَت
للعصُورِ المُظلِمَهْ...

يا فاطمَهْ!
من أرض لبنان سلامْ؛
من مهد جُبران الذي
أهدَى لعينيكِ الوسامْ..
من آخر الدنيا،
نشدُّ على يديكِ،
نلفُّ صرختكِ بأجنحة الحمامْ!
بالّله لا تستسلمي،
للترّهاتِ الحاكمَهْ...
شكراً لكِ،
ونحبُّكِ يا فاطمَهْ!

مسبحة امّو/ روميو عويس



الى الصديق الشاعر فؤاد نعمان الخوري
مع المحبة والتقدير.

دمعة فرح.. دمعة حزن..بـــردان؟
حرارة الــبــركــان ب دمّــــــو؟؟
مـنـقـول؟ حاضر؟ دامـع وفرحــان
كلّن سـوى مــع بعضن الـتـمّـــو
ترجف بايدو بــركــة الايــمـــــــان
بوّس قــونــتـها.. لمّــعـا بـكـمـــو
ومدري شو قـلاّ؟ ما حكي بلسان
وقـلاّ قصيده ... ومـا فـتـح تــمّـــو

بتـصوّرو ب هيك حــالـة كــــــان
مـعـهـا حكـي... الها شكي همّو
وفـضّـى مع الدمعه قلب مليــــان 
وحـدو صـلـيـبـا.. اللي فهم غمّـو

نيّال قـلـبـك يــا فـؤاد نـعــمــــــان
بـوقـت اللي ديـك المسبحة ضمّو
مسبحة امّك؟.. ما في رهـبـــان
متلها.. ب مـسـبـحـهة اهـتــمّــو
وين في بعد متلن؟..هاك النسوان
التحضر العدرا ... كـل ما يسمّـــو

بذكر انــا .. لما زرت لــبــنــــــــان
مـتـل الطـفل يـبرم عـلـى امّــــو
لا المسبحة لقيتا .. ولا فستـــان
ولا شـال امّــي .. احضـنــو ضـمّو
**

تعليق الشاعر فؤاد نعمان الخوري على القصيدة
 مشتاق اغمر روميو وضمّو،
وعلّق قمار الورد عا تمّو؛
ها الشاعر ل بيدهّب الأبيات
برقّة شعورو وبوهج دمّو...
تنيناتنا منقدّس الامّات
وهمّي فرض منقول عن همّو؛
ولمّا القصيده ضوّت الشمعات،
هونيك بين الشمس والغيمات،
دابت صلا امّي ب صلا امّو!

صفصافة الطِّيبة: رسالةٌ إلى معالي وزير الثقافة المحامي الاستاذ ريمون عريجي/ فؤاد نعمان الخوري

يا صاحبَ المعالي

ذات صيفٍ، منذ أكثر من ثلاثين سنة، وقفتُ في ميدان إهدن مزهوّاً وقلتُ:
ريحة القهوِه عبّت الميدانْ،
وصلُو الجرايد، صيّفُو الحرُوفْ؛
ريحة النخوِه ندهتْ الفرسانْ:
صارُو الحروف سيُوفْ!
من كان يتوقّع آنذاك أنّ ريحة النخوة الإهدنيّة ستعطِّر يوماً غربتي القسريّة!

شكراً يا معالي الوزير على الشرف الكبير الآتي مع درع وزارة الثقافة، مذهّباً بتوقيعك. يكفيني الإحساس بأن الجمهوريّة اللبنانيّة تفتقدني، وبأن وزيراً في حكُومتها يدوّن اسمي في سجل ثقافتها، وليس في الدوائر العقاريّة، أو الأحوال الشخصيّة...ومن إلاّك، يا الإهدني النخي، يفلش شرشف المحبّة على شعراء هاجرُوا أو هُجِّروا، وما زالوا يكتبُون سفَرهم أسفار شوقٍ وحنينٍ على أوراق الخريف...شعراء، ذنبهم أنهم فقراء ولا يدينُون بالولاء الا لحزب الكبرياء، فيستكترُون عليهم التفاتةً من عين الأرض أو دمعةً من عينم السماء.

يا صاحب المعالي

من جارتك "بحويتا" سلامٌ،
ومن شفَقها وكرَزها وسنديانة ساحتها شكرٌ وتحيّة،
ومن هنا، من سيدني البعيدة، أضمُّ الذكريات باقةَ حُبٍّ وأُرسلها اليك، يا حارسَ الذاكرة الثقافيّة، وصديق العصافير المهاجرة...ولعلّني أعتذر لك عن رسائل وإشاعات سُرّبت اليك من هنا، همّها التشكيك بما لا يخفى على معاليك! ويا ليتهُم يحذُون حذو المحامية النشيطة بهيّة أبو حمد، "الرسولة ببالها الطويل حتى الينابيع"، التي حملَت قنديلها وراحت تفتّش في الليل عن شعراء أكلَت الغربة عمرهم وأحلامهم...

يا صاحبَ المعالي،

الهجرة الى استراليا حديثةٌ وغنيّةٌ بالأقلام المبدعة شِعراً ورسماً وصحافةً..وما المكرَّمون السبعة الاّ عيّنةٌ مباركة من بيدر العطاء الواسع..حبّذا لو جعلت وزارة الثقافة من مبادرتها السبّاقة تقليداً سنويّاً تنظّمه وترعاه القنصليّات اللبنانيّة في ديار الإنتشار، فيتّسع التواصل، ويزهر التفاعل، وتشتدّ أواصر المودّة  بين لبنان وابنائه المبدعين في أصقاع الأرض.

يا صاحب المعالي

ذات صيفٍ، منذ أكثر من ثلاثين سنة، وقفتُ في ميدان إهدن مزهوّاً وقلتُ:
الصفصاف شو بيخافْ:
كرجِت دمُوعو بالقنا..
ولمِّن بكي الصفصافْ
صفصاف إهدن ما انحنى!
بُوركتَ، يا صفصافة الطِيبة، يا معالي الوزير!

فؤاد نعمان الخوري
سيدني – 7 كانون الأوّل 2014

الأب يوسف جزراوي في كتاب جديد: المرايا هدايا/ فؤاد نعمان الخوري


هل المرايا انعكاسٌ بريء للوجوه والأفكار والمشاعر، أم هي تتدخّل في السرّ لتُعيد تركيب المعكوس وتُضيف اليه؟ يلحّ عليك هذا السؤال وأنت تتصفّح كتاب الأ ب يوسف جزراوي، وعنوانه: "أحاديث قلم/ في مرايا الذات والمجتمع (2014)". في مستهلّ كتابه يُعلن المؤلِّف: "...هذه مقالاتٌ سكبتُ فيها من ذاتي والواقع المُعاش"؛ هي اذن تجلّياتٌ لتساؤلات الذات واشكاليات المجتمع التي خبرها الأب جزراوي في ترحاله السندبادي من العراق الى أوروبا، وأخيراً الى استراليا.

يبدو لي أن الكاتب يسير فوق حَبلٍ مشدود، ويحاول الاحفاظ على توازن دقيق بين الوطن والغربة، وبين الذات والمجتمع، وبين الماضي والحاضر، والأهمّ بين رسالته الكهنوتيّة ورسالته الأدبيّة. كأنّ الكاتب الشاب ما زال يتلمّس فرادته، وسط المتناقضات المتعددة، فجاء كتابه الجديد شاهداً على بحثه الدؤوب عن التوازن الصعب...هو يقارن بين موروثات وتقاليد حجريّة من جهة، وسلوكيّات دخيلة من جهة ثانية، مما يجعل الانسان المعاصر واقفاً باستمرار على خطّ الزلازل.

ولا يخفي الأب جزراوي حسرته وغضبه على ما آلت اليه أحوال مسقط رأسه العراق، وحنينه الى ايام بغداد الهانئة. ومن غضب إرميا المقدّس، الى ثورة يسوع على تجّار الهيكل، يشير الكاتب بأصابع الاتهام  الى ما أسماها "مهزلة الربيع العربي" التي تحولت الى "ربيع" دموي قسّم البلاد وهجّر العباد وأطاح بالمبادئ والعقائد والقيَم. ويعلن الكاتب/الكاهن الأشوري بصوتٍ عالٍ: "آن الأوان لنعتنق ديانة الحُب"، فهل من سميعٍ أو مُجيب؟

باختصار، تلك الأحاديث هي مرايا، والمرايا هدايا من الروح القدس الذي يشفِّف روح الكاتب لتستطيع التقاط إشارات الأرض وعلامات السماء...هي مرايا تكشف لك بصدقٍ مكنونات ذاتك الفردية وذاتك الاجتماعية، ولا يقلّل من أهميتها اسلوب وعظي هو بالنهاية رسالة الكاهن المبشِّر...الأب جزراوي يمتشق القلم بيدٍ، وبأُخرى يحمل الصليب، في توازن انساني رائع ومثمر، فتأتي النتيجة إعلاناً للبشارة على مذبح الرب، وبين دفّتي الكتاب...والله في الحالتَين يتمجَّد!

زادت الغربة: رائعة فؤاد نعمان الخوري


(في الذكرى الثالثة لغياب الصحافي بطرس العنداري)
I
كلما انذكَر بطرس العنداري
بترقُص فراشه فوق أشعاري،
بتنزل الرقّه من مسَا أيلُولْ
تكسدِر معي عَ درُوب أفكاري..
وبتصوّرُو بْ "دالويتش هيل" مشغُولْ:
يكتُب، يشيل، يحطّ، ويداري؛
وبسمِه عَ تمُّو منوّره عا طُولْ،
بسمة دهب أصلي، مش عْياري..
لو كان بطرس هون، شُو بيقُولْ؟
بيقُولْ: ها الموعد التذكاري
بيردّني من عتمة المجهُولْ
متل الشجر، متل القمر، عاري؛
بيفلُش الطِّيبه من أهل الأصُولْ
عا عمر عشتُو ليلة مْكاري..
وبسرُج من حروف الجريدِه خيُولْ،
وبطبَع غيابي عا ورَق الفصُولْ،
بترجع "نَهَاري" تزيِّن نْهاري!
II
زادِت الغربِه بعد ما فلّيتْ،
راح السقف، فات البرد عَ البيتْ؛
وع الباب واقِف بالشتي نادي:
وينَك يا بطرس، ليش ما طلّيتْ؟
غيبة تلات سنين، بزيادِهْ!
اْرجعلّك شي ليلِه وشُوف شُو خلّيتْ:
حفلة زجل، والكلّ ردّادِهْ،
عجقَه ما فيك تشيل منها بيتْ!
فْقدتلَّك، اشتاقتلَك عيادي،
المرفع سألني: ليش ما دقّيتْ؟
يا ريت ما خلصِت الزوّادِهْ،
يا ريت بالقنديل دمعة زيتْ؛
يا ريت سمعِت صرختي، الوادي
ورجّع صداها متل ما غنّيتْ؛
يا ريت شي موّال بغدادي
يردّ الزمان لْ ضاع عَ السكّيتْ..
عا قدّ ما ال"يا ريت" منعادِهْ،
سمّيتْ حالي بغيبتَك "يا ريتْ"!
III
جدَّك المتريتي وجه إيمانْ،
وانت دْرستْ بشبيّة الرهبانْ،
وطلعتْ علماني، وكتاباتَكْ
كرّستها لحريّة الإنسانْ...
وأسّست لجنة فكر ع حْياتَكْ
ساحة حوارْ بتجمع الأديانْ:
وين صارِت اللجنه بغيباتكْ؟
قولَك اسم بخزانة النسيانْ؟
وما ضلّ الاّ ودّ رفقاتَكْ
لْ بعدُو الوفا بقلُوبهن عمرانْ:
بيردّدُو عا طول كلماتَكْ،
وال"كي لا ننسى" الرمز والعنوانْ...
وبعيُون "لميا" بشُوف لفتاتَكْ،
ولون الفرح والعزم بالصبيانْ،
وبنت الوحيدِه، سحر طلاّتَكْ،
اْسمحلي ، محلّك، قلّها: مبرُوكْ،
ورشّ القصيدِه زهر عَ العرسانْ!
IV
ويا ريت بطرس كان بعدُو هونْ:
تا ينكتبلُو شي سطر عن "عونْ"،
ويقعُد حدا يفلفِش بها الأخبارْ:
شو صار من كونكورد لْ بانكستاونْ؛
وليش طوني من "غرانفيل" طارْ،
وليش صار اللون ما لو لونْ...
يا بُوزياد، الكون رفّ غْبارْ،
وإسمَك لْ بيدهِّب غْبار الكونْ!
،،،،،،،،،،،،،،،،،
سيدني – حزيران 2015

شَال الصُّوف/ فؤاد نعمان الخوري


صوتَك ندَهني، قمتْ من غفوتي ملهُوفْ،
بقبِش بتوْب العتم عن وجهَك الغالي؛
ومخطُوف لوني، وانت وجهَك قمَر مخطُوفْ،
وعبّيت كفّي صدى من صوتَك العالي!

لبنان...جرح الشِعر انت، ووجَع الحروفْ،
لولاك ما بينعجِن بالشوك موّالي؛
مقمّر رغيف القهر، ومْحَروقَه الحرُوفْ،
والقمح وعد انكتَب عَ جبين الحقالِه...

وكلما سألني حَدا عنّك، بقلّو: ظروفْ!
بفرّق ملبّس رجا وبشدّ عا حالي...
بخبّي دمُوع الحجَر حتّى ما ابني يشوفْ:
بيصعَب عليّي البكي قدّام أطفالي!

لْمحتَك بنَومي حجَل، ريشُو حبق منتوفْ،
والتلج كومة صلا، وبرّا هوا شمالي؛
عُمري غزلتو الك: مبُروك شال الصوفْ،
ورح ضلّ حبّك لآخر خَيط من شالي!
+++++