لا أومنُ بالأمسياتِ التكريميَّة التي تقام محليًّا/ الدكتور حاتم جوعيه



 لماذا أنا أرفض أن تُقامَ لي أمسيات تكريمة تقديرًا لمكانتي ومنزلتي الأدبية والثقافية واحتفاءً بإصداراتي الإبداعية من قبل بعض المنتديات والأطر المحليةَّ التي تدَّعي خدمة الثقافة والادب )

    أنا لا أومنُ بالتكريماتِ والأمسيات التكريمية التي تقام ..وكل شاعر كبير ومبدع  وعملاق  مثلي - محليا - يرفض  أن يكرموه  ولا يشارك في الامسيات  التكريمية التي تقام في المنتديات التسكيفية المشبوهة والمأجورة  والتي أصبح  يكرمون فيها كلَّ من هبَّ ودب ،ويتحثُ ويتكلمُ فيها ، في أغلب الأحيان ، عملاء وأذناب السلطة والذين  يعملون  في  جهاز المعارف  منذ سنوات  طويلة وبعيدون  كل  البعد  عن الوطنية والنقاء الوطني ، وبعيدون كل البعد عن الأدب والإبداع  ولا  يفهمون شيئا في النقد الأدبي  .  

وبإختصار شديد :  أنا وكل إنسان شريف ونظيف ووطني وحر ومبدع نرفض ان نشارك في  مثل  هذه الأمسياتِ التكريمية السخيفةِ والهزيلة التي تقامُ في المنتديات المأجورة،ويرفض أيضا كلُّ إنسان شريف أن يكرموهُ ويقيموا له أمسيات تكريمية  .   وأنا لقد رفضتُ سابقا عدةَ  دعواتٍ  وُجِّهت لي  من  قبل عدةِ منتديات لكي يُقيموا  لي  أمسيات تكريمية  . 

 فهذه التكريمات لا تشرفني ،  والذين سيتحدثون ويتكلمون فيها أيضا  لا  يشرفونني  بصفتي  قامة وطنية إبداعية  باسقة وأقفُ في  طليعةِ الشعراء والنقاد  الكبار على  مستوى العالم العربي  ومن المحيط للخليج .. وليس فقط على المستوى المحلي -( وهذا بشهادة جميع الادباء والشعراء والنقاد  الكبار  والمختصين  في  الادب  والنقد  في الدول  العربية  وليس  بشهادة النويقدين  والمستكتبين  العملاء والخونة المأجورين  وأذناب السلطة على الصعيد المحلي ،  وخاصة  الذين   يعملون   في  جهاز  المعارفِ  والمؤسساتِ  الحكومية الإسرائيلية  من  عرب الداخل  وهم معروفون للجميع )  . 

 وأريدُ أن أضيف :  إن معظمَ المنتديات والأطر التسكيفيَّةِ المحلية( داخل الخط الأخضر – عرب ال 48 ) سواء كانت منتديات  ومؤسَّسات سلطويَّة  صهيونيّة  أو  مستقلة شكليًّا ، وهي  في حقيقتها مشبوهة  بل متآمرة ، هدفها وسياستها ونهجها  هو :  التعتيم  على  الأقلام الوطنيَّةِ المميَّزة  والمبدعة  من  عرب الداخل  وإبراز  وأشهار  الأمعات  ومسوخ  الأدب  والمتطفلين من عملاء السلطة والخونة والأذناب  وتلميعهم  وإشهارهم بأيّ شكل  كان..أي الهدف هو تدمير ووأد الأدب والفكر النيِّر والثقافة  العربيّة الحقيقيَّة في الداخل .

ولكن كل هذه المحاولات الخسيسة والجبانة والسياسة اللئيمة  والغادرة   التي ينتهجونها  للنيلِ من شعبنا الفلسطيني في الداخل : أدبيا  وفنيا  وعلميًّا  وثقافيًّا  واجتماعيًّا لن تنجح..وسيبقى شعبُنا الفلسطيني الأبي في كل مكان : في الداخل وفي  منطقة الحكم الذاتي  وفي الشتات مرفوع الرأس  منتصب  القامة  لا يأبه ولا يهتز  للأعاصير والعواصف  ولكل  المحاولات الغادرة  التي  تستهدفهُ  وتريدُ النيلَ  منه وتريدُ  طمسَ  ثقافتهِ  وتاريخهِ  وحضارتهِ  وتشويه  وتزوير هويتهِ...وسيبقى  دائما منتصبَ  القامةِ  مرفوعة   الهامة  برجاله الأشاوس  الأحرار  الميامين  وصناديده الأوفياء المناضلين  وبأدبائهِ  وشعرائهِ الحقيقيين المبدعين ..شعراء المقاومة  الذين ينحني العالم كله احتراما  لهم لإبداعهم الخالد ولما قدموه من تضحيات جسام لأجل شعبهم الفلسطيني الذي  يقبعُ تحت نير الإختلال  منذ  عقود طويلة ، وليس  كأولئك المسوخ والإمعات واللمم الذين  يكرمون من  قبلِ المؤسساتِ والمُنتديات السلطويَّة الصهيونية أو المشبوهة والمأجورة .  

وأقولُ : لو نظرَ هؤلاء المكرمون  ومَن يقفُ معهم  ويعملُ  على  تكريمهم  بخزيٍ  وخسَّةٍ  إلى  أنفسهم  وتمعَّنوا  جيدا  لوجدوا  أنفسَهم معفرين  بالتراب  والنفاياتِ  ومهازل  وكراكوزات  هذا العصر وأضحوكة للأجيال ومسخمين وليسوا مُكرَّمين.. وفي النهاية لا يصحُّ إلا الصحيح ولا يبقى في الوادي سوى حجارته .  ولقد صدق أحد الشعراء في قوله :

(عرفتْ   هذهِ   الثّرى   ألفَ   جَنْكي  =    زٍ    وعاشتْ     نقيَّة      الحصباء  )


خبز ناشف/ فؤاد نعمان الخوري

طلعت سنونو ع الهوا وصارت تذيع:
ضبّو الشتي ...تياب الربيع تفصّلو!
وحملت قلبي وصّرة الحلم الحلو
اسأل ...وغابات البنفسج يسألو:
وين الربيع ووين ها الشرق البديع؟
ل عم يرحلو وعم يوصلو... ما تبدّلو!
بعدن ع كرسي مخلّعه بيتقاتلو
وبعدن الناس الأبريا بيتبهدلو....
شفت السنونو بس ما شفت الربيع!
***************
ع العرس عزمونا ورحنا: واجبات!
لقينا الخبز ناشف ع كل الطاولات......
وعريّف شو حريّف:
يلعب بها لكلمات
ويرشّ سمسم ل الفضائيات...
وتزلغط النغمات:
يا رايحين عا حلب
حبّي معاكن راح،
يا محمّلين العنب
تحت العنب في سلاح!
***************
..وكانت الغربه صاج احمر
والرغيف:
خيال اسود ع الرصيف!
وتقعد لحالك
تاكل خيالك،
وتفرّق فتافيت بالك
عا عصافير الخريف....
وخبز الحكي ناشف ما بيشبّع ضعيف!
وبتمرق الايام ما بتحسّ كيف....
**********
و زوّارنا بديارنا، أحبارنا وثوّارنا:
وجوهن جديده، والخبار عتاق!
مش عم تلحّق نارنا
بيروح عاشق وبيجي مشتاق...
ونحنا قلب ابيض وهنّي غماق!
حفلات وعزايم،
كل ليله ليلة الدايم؛
اللّه ع ايام الزغر
ورغيف ع شقفة حجر...
ويقلّهن: هو هنّ!
بيّي...ويجي لعنّا القمر
يشرب عرق ويجنّ!
..وقلبي قمر مجنون بعدو بيسهر وبيحنّ!
****************
فزعان يا اختي السنونو ع الربيع
ب هالحراش يضيع،
ويتعب الراعي
والضبع يرعى القطيع.....
يحكم وياخد راحتو
ويدبح الشعر ب ساحتو
ونبيع ارض الحلم، حلم الارض
في سوق الخليع!
في أمّ عم تعجن صلا
وعيونها تنّور،
طالع ع بالي اسألا:
عندك خبز ناشف ل ها لعصفور؟
**************************
سدني – استراليا
آذار 2012

رسائل/ فؤاد نعمان الخوري


أهل الشعر
أهل الهوى، أهل الغوى
ما بالهم؟
لبست قصائدهم ثياب النوم
قبل أوانه،
وتغيّرت احوالهم!
لهفي على الغرباء قسرا،
يدفنون رؤوسهم في الرمل،
هلاّ تستفيق رمالهم؟
المتعبون اليائسون التائهون
بلا دليل،
والسكوت سؤالهم!
...وغدا ذراع الريح تمحوهم،
ولكن
لن تموت ظلالهم!


ميشال الدويهي

صفصافة "الميدان" أرخت شعرها
للريح، ترقص في العراء؛
وامتدّ قوس النصر جسرا
بين اهدن والسماء!
ابسط جناحيك على من هاجروا
او هجّروا،
واستوطنوا وجع المساء...
في كلّ أرض من بلاد اللّه
راحوا يزرعون الكبرياء.
ما أطرقت هاماتهم يوما
ولا قلّ الوفاء..
ويكون اسمك فخرهم،
ويكون صوتك نذرهم،
والثلج ناطور الربى،
يروي الحكاية
في عشيّات الشتاء!


أنيس غانم

كالوردة البيضاء من حضن الحديقة يرحلون!
والعطر باق في المدى،
واللون باق في العيون...
يا صاحبي،
هذا ربيع الحزن،
لكنّ بني الايمان لا، لا يحزنون!
من قال: هذا الموت موت،
ام متاهات الظنون؟
خيط رفيع بات يفصلنا،
ونحن... المائتون!


هي

ما سرّ هذ الحبّ
يطرق بابنا في الليل
والناس نيام؟
متخفّيا بعباءة الذكرى
وآهات الحمام...
لا تعتبي:
ما عدت احتمل
احتمالات الغرام!
سقط الكلام،
طار الحمام،
والحبّ صار مسافرا مستوحشا
في الليل يطرق بابنا،
فاذا فتحنا له، مضى
من دون أن يلقي السلام!
***

البيوت/ فؤاد نعمان الخوري


شو بيعملو البيوت لولا غاب

خيال الشمس، وتيتّمو البواب؟

بتبعت العتبه ايدها ل برّا

تشحد هوا من رفيقها المزراب...

وكانون بكرا بيفلش الصرّه

وبيعلّق مرايه ب كتف الغياب؛

وما في حدا بيمرق ت يتمرّى:

بيوت اللّي مالها صحاب..مالها صحاب!

+++++

يا بيوت مسبحتي انا مسافر:

الجوع كافر.. والسفر كافر!

قلب الفراري، بلبل الغابات

بيخاف من عسكر ب المخافر...

وكلما حدا تهجّر، تكسّر، مات

يصرخ: ولووّ... نسيت يا غافر؟

والبيت يمحي بيت، والنهدات

غابات ما فيها درب حافر!

+++++


عمّرت بيت الشّعر، وجّعني!

بتقول: نعمه الشعر أو لعنه؟

مين الّلي وشوشني (وشو كنت زغير)

حمال القلم والهمّ واتبعني!

عمّرت بيت زهور وعصافير

ب شوارع القندول ضيّعني

ويا ريت، بعد عذاب المشاوير،

عا مطرحي الأوّل بيرجّعني!

+++++

وكان الوطن بيتي، وأنا ملاّك،

عا صخر قلبي اشقع المدماك!

واللي سبق شمّ الحبق قبلي

سكّر الباب ومسمر الشبّاك...

وهبّ الهو الشرقي من القبله:

عينك ع بيت الشعر والنسّاك...

وبيوت زور ورقص ع الحبله

انطرني ت اهدمهن انا ويّاك!

+++++

وبيوت... ترتيلة حجر منحوت

ب عيون اخوتنا واهالينا؛

وبيوت ب الغربه ضجر وسكوت

مش سامعه ب رقّة ليالينا...

يا صاحبي الطيّب، قبل ما نموت

ع بساط ريح الحلم ودّينا...

لا تقول: نحنا ساكنين بيوت،

البيوت هيّي الساكنه فينا!

+++++

الى قداسة الحبر الأعظم/ فؤاد نعمان الخوري

مبارك يا ها ل جايي ب اسم الربّ
عا أرض ايد الربّ غمرتها؛
مبارك يا ها ل جايي ب اسم الحبّ
عا  بلاد شمس الحبّ هجرتها...
يا ملتقى مجد الشرق والغرب
ب قلب المسيحيّه وحضارتها
هنيّال يلّلي ناطرك ع الدرب،
وتلّة حريصا و عيد زهرتها!
+++++
أوّل ما تدعس عا أرض لبنان
ويتحوّل تراب الدرب بخور،
وتصير قامات الشجر صلبان
تفرش طريقك ب العطر والنّور..
صلّي ع نيّة شعبنا الزعلان
عا كرم سايب ما الو ناطور؛
واذكر شعب وسع الدني هشلان
مهجور بيتو والأمل مهجور!
+++++
يا سيّدي يوسف وقع ب البير
قلبك يضمّ وفكرك يداعي؛
يوسف وطن جسمو انتلى مسامير
وسرقو سلامو ولاد الافاعي...
ورغم الظلم والحقد والتزوير
جفن الكنيسه مفتّح وواعي!
وتنين صارو شمعة التنوير:
الروح القدس..والبطرك الرّاعي!
+++++

ولمّا تصلّب عا برج بيروت
والبحر يخشع والجبل يركع
مرّق عيونك عا عتم البيوت
تا يقوم يمشي الحلم المخلّع...
شبعنا حرب..دخلك ما بدنا نموت
تعبنا من القسمه، تعا نجمع
ولاد الكنيسه ب فيّة اللاهوت
..وحطّ الحرم ع الّلي ما رح يسمع!
+++++
نجمع بنشعي، الرابيه، معراب
وطيور بكفيّا يجو يغنّو؛
وتكون انت التاج والعرّاب
وخطّك ع طول الخطّ يتبنّو...
وب الشرق لو شافو حرب وخراب
لا يزقّفو كتير ولا يتهنّو:
بيجوز نترحّم على المزراب
لو حكمت الدلفه بعد منّو!
+++++
لمعة صليبك عم بتندهلي
لا تلومني لو ما قدرت ردّيت:
ها المسبحه ب ايدي، وعلى مهلي
ب السرّ رايح صوب آخر بيت...
والعمر وهله، وطارت الوهله
يا ريت تطلب لي متى صلّيت:
لمّا تجي السّاعه، متل أهلي،
غمّض عيوني ب حضن هاك البيت!
++++++

أيلول 2012

عرس الموتى/ فؤاد نعمان الخوري

ل الصبيّه اللاجئه ب بلد غير بلدها، وتزوّجت ختيار تا تعيش!

انتبهي، عقد الغبار ع الطرحه،
غبار المخيّم  والحكي!
وضلّي اضحكي
تا تخلص الفرحه،
و ب اللّيل عودي ل البكي!
+++++
انتبهي...لا تحكي مع حدا...
الختيار بركي غار؟
وبطّل يقلّن ع الغدا:
امّك...وجوقة سبع اخوه زغار!
وخلّي الصدى المبحوح
ع بلادك يروح،
يرشّ الندي ع الفارس المدبوح
عا الحاجز الطيّار:
بيّك...ل مات ب أوّل المشوار!
+++++
ختيار...شو بيهمّ؟
لو شايب وناصح،
ولو عندو فقر ب الدمّ؟
لا لا، ما عندو دمّ!
ل بيلبّس العصفور خاتم سمّ..
ل بيلفّ المصايب ب دشداشه،
وبيحبس فراشه
ب خيمة همّ!
هودي العرب:
نسوان وطبول وطرب...
ومعليش غزّه تنضرب،
ومعليش لو لبنان
صفّى شعب قرفان
مصلوب ع النسيان،
واللّي ربح فيزا..حمل حالو وهرب!
+++++
انتبهي كتير ب ليلة الدخله:
لا يكون شوب كتير
ويشوف حالو الزير،
ويقطف...متل ما بيقطف النخله!
ونامي على بساط الجرح،
وخلّي الطبول تدقّ برّا للصبح!
+++++
...ورفيقك ل يبقى ب هاك المدرسه،
يفصّل الورد وتلبسي:
روحي ل عندو ب الحلم،
وتزّوجو ب البال
وب البال جيبو طفال...
مشرّد، متلك ما نسي!
+++++
هون المخيّم والبكي
وريحة عرس موتى!
وهونيك طبل ومعركه،
وعرس وبلد خوتا...
يا رقيقة الجنحين،
نقّي عرس من بين ها العرسين!
+++++
تشرين 2012

توقيع/ فؤاد نعمان الخوري


تحيّة الى الشاعر الصديق النقيب أنطوان السبعلاني
الذي سيوقّع كتابه الجديد في دير مار الياس - انطلياس
يوم 10 آذار 2013
**
انت وعم توقّع كتابك يا نقيب،
يمكن من الصفحه ل غفي فيها الغريب،
يوقع اسم،
يسرق جسم،
... ويركض ع "مار الياس" ويبوس الصليب!
اسم الصليب عليك:
ما هدّ الزمن ايديك...
وبتكتب بعينيك،
البواشق،
وبقلبك العاشق،
وبجراس "سبعل" عم ترتّل للحبيب!
+++++
انت وعم توقّع كتابك، والدني
حولك قمار ملوّنه،
وغابة قلام مسنّنه،
وراسك جبل ما بينحني:
الّله ألّله يا دني!
...وبيروت
عم تصرخ بوجه الحوت:
ما بتهزّني!
وألّلّه...ألّله يا دني!
تذكّر رفاق عتاق،
شقّو قميص الولدنه،
وطارو متل الوراق،
وصارت سنه ترقّع سنه...
+++++
ناي القصب الموٌقّع، كتابك،
ورد الوفا ع دراج احبابك...
ويا ريت
من "سيّدة سبعل" شويّة زيت،
ترشّن ع هاك البيت
ل قضّى من غيابي ..ومن غيابك!
روحي يا "بحويتا" ع "انطلياس"
غنّي مطرحي،
بعرس الوحي،
صوتين؛
وبوّسي السيفين:
سيف النقيب وسيف مار الياس!
+++++
انت وعم توقّع كتابك، والهوا
يفرش لك بها الّليل سجّادة ورق،
رح اسهر ب "سيدني" انا وكاس العرق،
نوقّع كتاب الشوق والصحبه سوا!
+++++
فؤاد نعمان الخوري
سيدني – 24 شباط 2013

مسبحة أمي/ فؤاد نعمان الخوري

أيلول ٢٠٠٥

مين ل بيسافر بـ ۱۱ أيلول؟
وحدو الغريب الشاعر المفتول
تحسّن ببالو يعمل نكايه
بالصحّ والمسموح والمقبول...
ويرجع بعد ما انقلبت الآيه
وفلّ الغريب وركعت اسطنبول!
... ۱۱ سنه الايام تهجايه
وبدو كرج يقرا برج الفصول..
وبتبلّش من الجو الحكايه
وتنزل الطيّاره الكبيره نزول:
يطلّ الارز لوحه مضوّايه
والشمس قونه والتلج مريول...
الوادي سرير، التلّ تكّايه
وضياع... شامات بوجه الحقول
والصخر حامل للسما مرايه
وتفرق الغيمه شَعرها المبلولْ!
وترجف الطيّاره المهدّايه
بكمشة صلا ورهبة وعد مجهول
يتمتم: أنا جايي... ولَ شو جايي؟
طوّلت... والاعمار ما بتطولْ!
نطروك دهر، تعذبو كفايه
وفلّو عَ أرض الشوك والملّول...
وتطلّ بيروت المغطّايه
بشرشف وجع عَ قياسها مشغول
وتسرح الدمعه عا درج الوصولْ!
***
وصلت النعوة يا وطن، ممنون!
جايي عَ دفنة "حاجز المدفون"
يا جبيل غطّي قلعتك بالغار
ودقّي جراس اللوز يا البترون!
وينُنْ؟... وصارو عَ الطريق غبار
وعَ الصخر نسر مكسّر ومحزون
والبحر يتضحك متل ختيار
ببالو مرق عمر الصبا المجنونْ!
... وشارد ابن عمّي مع الاخبار:
عجّل قبل الغياب، يا انطون!
وتطلّ شكا نجمة البحّار
ويسلّم الزيتون في أميون!
وعا كوع مزياره الورد زنار
و"الحرف" سيف بهالمدى مسنون
وعا درب بحويتا ولاد زغار
ضحكاتُنْ تخربش بهالطيّون!
وصلنا! وعَ صرخة: "ياهلا بالجار"
تذكّر البيدر عجقة الطاحون
بوّست بيتي وسألت الحجار:
وين اللي كانو هون وسع الكون؟
... وعيون صارت تهرب من عيون!
***
حملو الحكايات وإجو لعنّا:
البوسه كدش من عمّنا حنا
وهيفا بدربا قطفت التينات
وبو نمر عا كاس العرق غنّى!
وجريس يقلّي: دوق هالعسلات!
وفنجان قهوه بس.. ما تنّى!
ضغطو علي من يوم ما النحلات
عليهن الدبّور الشقي تجنّى...
وبشير يفتح بير خبريّات:
شو قال طنسا وشو عمل مَنّا...
ويدلّ بو فيليب عَ الغيمات
ويقلّهن: شوفو ما ريّحنا!
وصوب السياسه تزحط الكلمات
وكل من باسم ولون يتكنّى:
الليمون "عوني"، والحبق "قوّات"
والفلّ بـ سليمان يتغنّى...
يتشارعو... وتتعانق الكاسات
ما في زعل: كلّن لنا ومنّا
وكليتنا باقة اقليّات
أكبر جريمه الحقد يفتنّا...
وكليتنا... لو حزّت الحزّات
الإيد الغريبه ما بتحضنّا
يللاّ بقا نلغي الحساسيّات
ونجمع كنايسنا ومآذنّا!
... وفرّق لُنْ مكاتيب وسلامات
وخالي يقلّي: بعد طمّنا!
و"لميا" الزغيره صاحبت البنات
وصارت على البونجور تتأنى...
ووصلو الشباب ولعبت الغمزات
وتسابقو بحمل الشنط عنا
واختي (ويا عيني عا وفا الخيّات)
سمعتا عم توشوش خدود الباب:
عاد الاسم عّ البيت... تتهنى!
***
ومن بعد ما فكّت السهريّه
وحلّ التعب عَ البنت وعليّي
غطيت "لميا" بـ شرشف الاحلام
وقلتلّها: نامي يا عينيّي!
لكن أنا من وين بدّي نام
واصوات عم تهدر بدينيّي
وقدّام عيني تمرق الايام
لوحات وحكايات فضيّه!
خلّصت جسمي من حبس الحرام
وفتّشت بالقوضه الرماديّه
عن عمر بعتو لتاجر الأوهام
وعن صوت امي وعن وجه بيّي!
***
درفة خزانه، نصّ مفتوحه
فتحت جروحي عَ وسع همّي
ما بين كنزه وشال، مشلوحه
فوطة حرير... ومسبحة امي!
حبّاتها عصافير مدبوحه...
ولما الصليب ارتاح عا تمّي
شمّيت ريحة إيد مجروحه
وشفاف تعرق ورد وتسمّي...
صار الحكي نايات مبحوحه
والنار اخدت مجدها بدمّي
وشفت العمر عَ السطح مرجوحه
والمسبحه مسّحتها بكمّي
وركعت صلّي بمسبحة امي!

***
بالمسبحه صلّيت اول بيت
ولمحتها ركعت عم تصلّي
تقلّو: يا الله، ليش تا ربيت؟
تا ضلّ وحدي طير عا تله؟
تعبت عيوني من سكون البيت
امتين بدّن يرجعو، قلّي!
ونسمة هوا تمرق على السكّيت
توطّي بها لقنديل... وتعلّي!
صلّيت تاني بيت... شفت حقول
القندول فارش فرشتو عليها
وحيطان مكروره وحبق مقتول
وكرزه فقيره قصار إيديها...
وجبال صارت من طمعنا سهول
قصّت الكسّارات إجريها
وبيوت مهجوره... مرق أيلول
رشرش رمَد أصفر بعينيها..
صلّيت تالت بيت... خفت كتير
عا كون ما بيخاف من الله،
عا عصر ظلم وكفر ومسامير
والعتم خيّم عَ الدني كلاّ..
وبجرد عالي لمحت ضوّ زغير:
شربل بمحبستو ركع صلّى
و"رفقا" عا كفّا جوقة عصافير
والنور نازل من "نعمة الله"!
صلّيت رابع بيت عَ ل راحو
خلف البحر.. راحو تا يرتاحو!
ولادُنْ حيارى بين تذكرتين
بيتُنْ ما عندن غير مفتاحو!
عصافير مجروحين عَ الميلين
وصيّاد مش عم يرحم سلاحو
وبلبل يغني، ودمعتو بالعين،
طلّ التعب والشيب بجناحو!
وصلّيت خامس بيت... شفت بلاد
بين الضبع والديب مقسومه،
وولاد ما داقو فرح العياد
وعيال... كسرة خبز محرومه!
... وبلاد فتحت قلبها لْ "فؤاد"
يا رب تحميها من البومه
لا حكم محكوم، ولا استبداد،
ولا ديوك تتناقر بالحكومه!
***
من بعد خامس بيت شوقي فاق
تذكّرت لبنان وشعل دمي!
وصرخت: وين العهد والميثاق
بين الوطن والشعب والامّه؟
معقول هالشعب الغني الخلاّق
يعمل عا حبة "اسبرو" لمّه
ويقبل بعد كل شي انوجع وانضاق:
"يللي اخد امي... طلع عمي"؟
... فزعان لولا تفرّقو العشّاق
يزغر الحلم وتبرد الهمّه
وما يضلّ الاّ كم صوره عتاق
وشروال بيّي ومسبحة امي!
***
يا مسبحة امي اشفعي فينا
نحنا اللي دشّرنا أهالينا
وصرنا شجر بالريح مزروعين
وشلوشنا بعدا بأراضينا!
وبين الشلش والغصن محتارين:
شلش الطفوله لْ عم تنادينا
وولادنا اغصان عريانين
تا نتركن ونروح... ما فينا!
ومنركض... وعا طول مسبوقين
العشرين ساعه ما بتكفينا
وبيروح نوار بيجي تشرين
والتلج بيغطّي علالينا..
وبيطيّرو عصافيرنا الحلوين
ومنصير نتحسّر عَ ماضينا
ولمين بدنا نشتكي وعا مين؟
وكل من بيقلّك: ما بيعنينا!
منشوفُنْ بلبنان مختلفين
وبتزيد بالغربه مآسينا
ومنقول: نحنا هون محظوظين
مليح ل حملنا ولادنا وجينا!
عم نلحس المبرد ومبسوطين
علقنا... والمصيبه اذا حكينا
وتا نفضح الاسرار، مخجولين
وعزة نفس مش عم تخلّينا!
ابني اخد بشهادتو تسعين
وعَ الجامعه نقلت أمانينا
يا مسبحة امي، هالفلاحين
لو يعرفو بهالارض شو شقينا!
مبارح قطعنا عتبة الخمسين
وضوّو لنا شمعه بليالينا
يا مسبحه، يا كنز المساكين
عَ حياتنا ردّي مجد لبنان
وحسنه.. قبل ما نموت، ردّينا!
***
وسمعت امي بخشة الحبّات
قالت: عيوني عليك يا بنيّي
ناطورتك من تلّة التلاّت
بستفقدك بالليل ليليّه!
رجال انت وحامل الحملات
لا تخاف من غربه وعبوديه
يا ابني الوطن منّو كيلو مترات
لكن كرامه، وفعل حريّه!
وخلّيك يا ابني فارس الكلمات
الثوره بلا كلمه دكتاتوريّه!
وتذكّر الانجيل والوزنات
وداوي جرح قلبك بغنيّه!
وغنّي وجع عمرك بهالحفلات
رش الشعر عا كل سهريّه
كلما حدا بيطلب لك الطلبات
طلباتهُنْ بتطرطش عليّي!
ومهما ولادك ياخدو شهادات
لا يخسرو شهاده اساسيه:
الاخلاق والاشواق والعادات
اللي ورتّهنْ من بيّك وبيّي!
وهالمسبحه اللي خطفتها بالذات
ردّا على العلبه الرماديّه
بهاك الخزانه، خلف المرايات
تا تفيّقك عَ البيت يوميّه...
بوعدك يا حلوة الحلوات
نفّذ هالوصيّه بعينيّي
وهالمسبحه ما تطوّل الغيبات:
رح ردّها بأول الصيفيّه!
***
وانتو بقلبي مسبحة امي
وكل حبّة ندر... ومهمّه!
عندي طلب منكن كتير زغير
نكسر الكسره ونرفع الضمّه...
هَيْ مسبحتكُنْ شلتها من البير
ها همّكُنْ لْ تجسّد بهمّي
وهيك الشعر همزة وصل بيصير:
احساسكُنْ بقلوبكُنْ مغمور
الليلة انسكب موّال عا تمّي!
***

رسم خريطة تسلسل الجينوم البشري وفك الشفرة الوراثية للإنسان، مقاربة بيو ايتيقية/ د زهير الخويلدي



الترجمة


مقدمة

تتكون جميع الكائنات الحية من خلايا، لا يزيد عرض كل منها عن شعرة الإنسان. وتحتوي كل خلية من خلايانا على نفس المجموعة من الحمض النووي التي تشكل الجينوم البشري . ويشكل تسلسل الحمض النووي لجينوم كل شخص المخطط الأولي لتطوره من خلية واحدة إلى كائن حي معقد ومتكامل يتكون من أكثر من 1013 (10 ملايين مليون) خلية. ويحتوي تسلسل الحمض النووي على العوامل الأساسية التي تحدد القدرات العقلية ـ التعلم واللغة والذاكرة ـ الضرورية للثقافة البشرية. كما يحتوي تسلسل الحمض النووي على الطفرات والاختلافات التي تسبب أو تزيد من قابلية الإنسان للإصابة بالعديد من الأمراض المسؤولة عن الكثير من المعاناة البشرية. إن التطورات غير المسبوقة في علم الأحياء الجزيئي والخلوي، وفي الكيمياء الحيوية، وفي علم الوراثة، وفي علم الأحياء البنيوي ـ والتي حدثت بمعدلات متسارعة على مدى العقد الماضي ـ تحدد هذه اللحظة باعتبارها لحظة فريدة ومواتية في تاريخنا: فلأول مرة يمكننا أن نتخيل الحصول على سهولة الوصول إلى التسلسل الكامل لثلاثة مليارات نيوكليوتيد في الحمض النووي البشري وفك رموز الكثير من المعلومات الواردة فيه. والواقع أن التطورات المتقاربة في تكنولوجيا الحمض النووي المؤتلف وعلم الوراثة تجعل الحصول على مجموعة كاملة من استنساخ الحمض النووي المنظم والمفهرس على خريطة الارتباط الجيني البشري هدفاً واقعياً ومباشراً. وحتى تحديد التسلسل النوكليوتيدي الكامل أمر ممكن التحقيق، وإن كان طموحاً. إن الحمض النووي في الجينوم البشري مستقر إلى حد ملحوظ، كما يجب أن يكون لتوفير مخطط موثوق لبناء كائن حي جديد. ولهذا السبب فإن الحصول على الارتباط الجيني الكامل والخرائط الفيزيائية وفك رموز التسلسل من شأنه أن يوفر قاعدة دائمة من المعرفة بشأن جميع البشر ـ وهي القاعدة التي سوف تزداد فائدتها في جميع أنشطة علم الأحياء والطب مع التحليل والبحث والتجريب في المستقبل.  إن التسلسل الكامل للحمض النووي في الجينوم البشري لن يفسر بحد ذاته علم الأحياء البشري. ولكنه سوف يعمل كمورد عظيم، وبنك بيانات أساسي، يسهل البحوث المستقبلية في علم الأحياء الثديية والطب. إن البشر، مثلهم كمثل جميع الكائنات الحية، يتألفون إلى حد كبير من البروتينات. وبالنسبة للبشر، يقدر عدد البروتينات بنحو مائة ألف نوع مختلف. وبشكل عام، يشفر كل جين لإنتاج بروتين واحد، ويمكن ربط الجين والبروتين ببعضهما البعض عن طريق الشفرة الوراثية. وبالتالي، سوف يتمكن العلماء من اللجوء إلى تسلسل الحمض النووي في الجينوم البشري والحصول على معلومات مفصلة عن بنية ووظيفة أي جين أو بروتين موضع اهتمام. وبالإضافة إلى ذلك، سوف يتم تصنيف جميع الجينات والبروتينات إلى مجموعات عائلية كبيرة توفر أدلة قيمة على وظائفها. وبهذه الطريقة، سوف تصبح العديد من الجينات والبروتينات البشرية غير المعروفة سابقًا متاحة للدراسات البيوكيميائية والفسيولوجية والطبية. وسوف يكون للمعرفة المكتسبة تأثير كبير على الرعاية الصحية والوقاية من الأمراض؛ كما أنها سوف تثير قضايا صعبة فيما يتعلق بالاستخدامات العقلانية والحكيمة والأخلاقية للعلوم والتكنولوجيا.


الجينومات والجينات والخرائط الجينومية

لفهم أهمية المعرفة حول الجينوم البشري، يجب علينا أولاً فهم وظائف الجينوم.  تتكون الجينومات من جزيئات DNA التي تحتوي على العديد من الجينات ;يتكون جينوم جميع الكائنات الحية من DNA، وهو بوليمر كيميائي طويل للغاية مكون من سلسلتين . يتكون كل خيط DNA من أربع وحدات مختلفة تسمى النيوكليوتيدات، والتي ترتبط من طرف إلى طرف لتشكيل سلسلة طويلة . يتم ترميز هذه النيوكليوتيدات الأربع بالحروف A وG وC وT، والتي تمثل القواعد الأربع - الأدينين والجوانين والسيتوزين والثايمين - التي تشكل أجزاء من النيوكليوتيدات. يختلف جزيء DNA، الذي يشكل مع بعض البروتينات المرتبطة به كروموسومًا، عن جزيء آخر في طوله وفي ترتيب النيوكليوتيدات الخاصة به. يحتوي كل جزيء DNA على العديد من الجينات، والتي تعد وحداته الوظيفية. يتم ترتيب هذه الجينات في ترتيب محدد على طول جزيء DNA. إن أغلب الجينات تشفر جزيئات بروتينية ـ إنزيمات أو عناصر بنيوية ـ تحدد خصائص الخلية. ففي البكتيريا، تكون تسلسلات ترميز الجين ـ عبارة عن سلاسل متصلة من النيوكليوتيدات، ولكن في الثدييات تكون أجزاء الترميز في الجين (والتي تسمى الإكسونات) منفصلة عن بعضها البعض عموماً بأجزاء غير مشفرة (وتسمى الإنترونات) . وكثيراً ما يشفر كل إكسون منطقة بنيوية (أو مجالاً) مختلفة من جزيء بروتيني أكبر. وقد تبين أن العديد من الإكسونات تشكل جزءاً من عائلة من تسلسلات الترميز ذات الصلة التي تستخدم في بناء العديد من الجينات المختلفة . ونظراً للعدد الكبير من الإنترونات في الجينات الثديية، فإن الجين الواحد غالباً ما يتجاوز طوله عشرة آلاف نيوكليوتيد، والجينات التي تمتد على مائة ألف نيوكليوتيد ليست نادرة. ولكي يتم التعبير عن المعلومات الموجودة في تسلسلات الترميز الخاصة بالجين، فلابد أولاً من نسخ الحمض النووي الخاص بالجين إلى جزيء من الحمض النووي الريبي . وقبل أن يترك خيط الحمض النووي الريبي نواة الخلية، يتم قطع تسلسلات الإنترون من خيط الحمض النووي الريبي هذا من خلال عملية تسمى ربط الحمض النووي الريبي، وبالتالي يتم ربط تسلسلات الإكسون. وبعد ذلك يمكن ترجمة الحمض النووي الريبي إلى جزيء بروتيني وفقاً للرمز الجيني (كل مجموعة من ثلاثة نيوكليوتيدات تشفر حمضاً أمينياً واحداً). وتقوم تسلسلات النيوكليوتيدات المجاورة لتسلسلات الترميز في كل جين بتشفير الإشارات التنظيمية لتنشيط أو تعطيل نسخ الجين. إن نشاط الجين عملية ديناميكية؛ ففي أي وقت معين وفي أي نوع من الخلايا، تكون مجموعة فرعية فقط من الجينات نشطة. وتحدد هذه الجينات النشطة مسار التطور الجنيني وخصائص الخلايا والكائنات الحية. يتكون الجينوم البشري من 24 نوعًا مختلفًا من جزيئات الحمض النووي. كما يتكون الحمض النووي البشري من وحدات منفصلة ماديًا تسمى الكروموسومات. البشر كائنات ثنائية الصبغيات، تحتوي على مجموعتين من المعلومات الوراثية، مجموعة موروثة من الأم ومجموعة أخرى من الأب. وبالتالي، تحتوي كل خلية جسدية على 22 زوجًا من الكروموسومات تسمى الصبغيات الجسدية (عضو واحد من كل زوج من كل والد) وكروموسومين جنسيين (كروموسوم X وكروموسوم Y في الذكور وكروموسومان X في الإناث). يحتوي كل كروموسوم على جزيء DNA خطي طويل جدًا. في أصغر الكروموسومات البشرية يتكون جزيء الحمض النووي هذا من حوالي 50 مليون زوج من النوكليوتيدات؛ تحتوي أكبر الكروموسومات على حوالي 250 مليون زوج من النوكليوتيدات. وبالتالي يتكون الجينوم البشري ثنائي الصبغيات من 46 جزيء DNA من 24 نوعًا مميزًا. نظرًا لأن الكروموسومات البشرية توجد في أزواج متطابقة تقريبًا، فلا يلزم تسلسل سوى 3 مليارات زوج من النوكليوتيدات (الجينوم أحادي الصيغة الصبغية) للحصول على معلومات كاملة بشأن الجينوم البشري التمثيلي. وبالتالي يُقال إن الجينوم البشري يحتوي على 3 مليارات زوج من النوكليوتيدات، على الرغم من أن معظم الخلايا البشرية تحتوي على 6 مليارات زوج من النوكليوتيدات. الحمض النووي عبارة عن حلزون مزدوج: كل نوكليوتيد على خيط من الحمض النووي يحتوي على نوكليوتيد مكمل على الخيط الآخر. وبالتالي فإن المعلومات الموجودة على خيط واحد من الحمض النووي تكون زائدة عن الحاجة بالنسبة للمعلومات الموجودة على الخيط الآخر (وذلك بسبب الاقتران القاعدي التكميلي (الشكل 2-2أ)، حيث يمكن للمرء من حيث المبدأ تحديد تسلسل النوكليوتيدات في خيط واحد من الآخر). ومع ذلك، فمن الضروري حاليًا تحديد تسلسل النوكليوتيدات على خيطي الحمض النووي بشكل منفصل لتحقيق الدقة المطلوبة لأي تسلسل من الحمض النووي، مع استخدام تسلسل كل خيط كاختبار للخيط الآخر. ولهذا السبب، لابد من تسلسل ما مجموعه 6 مليارات نيوكليوتيد فعليًا لترتيب 3 مليارات زوج نيوكليوتيد في الجينوم البشري أحادي الصيغة الصبغية. يسمح الحجم المتوسط لجزيء البروتين بالتنبؤ بوجود ما يقرب من 1000 زوج نيوكليوتيد من تسلسل الترميز لكل جين. ولأن البشر يُعتقد أنهم يمتلكون حوالي 100000 جين، فلابد أن يكون هناك ما مجموعه حوالي 100 مليون زوج نيوكليوتيد من الحمض النووي المشفر في الجينوم البشري. ولأن هذا لا يمثل سوى حوالي 3% من الحجم الإجمالي للجينوم، فإن المرء لابد أن يستنتج أن أقل من 5% من الجينوم البشري يشفر البروتينات. والجزء الأكبر من الحمض النووي البشري يقع بين الجينات وفي الإنترونات. ويلعب بعض الحمض النووي غير المشفر دورًا في تنظيم نشاط الجينات، في حين يُعتقد أن أجزاء أخرى مهمة لتنظيم الحمض النووي إلى كروموسومات وتكرار الكروموسومات. إن وظيفة أغلب المناطق غير المشفرة في الجينوم البشري غير معروفة؛ وقد لا يكون لمعظم هذا الحمض النووي أي وظيفة على الإطلاق.


رسم خريطة الجينوم البشري

 في الواقع يمكن رسم خريطة الجينوم البشري بعدة طرق مختلفة. سيكون من المفيد للغاية تحديد ترتيب وتباعد جميع الجينات التي يتكون منها الجينوم. ويقال إن مثل هذه المعلومات تشكل خريطة جينية أو جينومية. ونظرًا لوجود 24 جزيئًا مختلفًا من الحمض النووي في الجينوم البشري، فإن خريطة الجينات البشرية الكاملة تتكون من 24 خريطة، كل منها في شكل خطي لجزيء الحمض النووي نفسه. إن أحد أنواع خرائط الجينوم المفيدة هو خرائط الحمض النووي الريبوزي الرسولي (mRNA) أو خرائط الإكسونات. حيث تقوم الإنزيمات الخلوية بنسخ أو نسخ جميع جينات الكائن الحي إلى خرائط الحمض النووي الريبوزي الرسول بحيث يمكن التعبير عن وظائف الجينات. ويمكن تصنيع الحمض النووي التكميلي (cDNA) لجميع خرائط الحمض النووي الريبوزي الرسول الموجودة في الكائن الحي بواسطة إنزيم النسخ العكسي. ومن الممكن بعد ذلك استنساخ هذه الخرائط واستخدامها لتحديد الجينات المقابلة على خريطة الكروموسومات. وبهذه الطريقة، يمكن رسم خريطة للجينات في غياب معرفة وظيفتها. وهناك نوع آخر من خرائط الجينوم يتكون من مجموعة مرتبة من نسخ الحمض النووي المتداخلة التي تشكل كروموسومًا كاملاً. وعادة ما يشار إلى كل من خريطة الإكسونات والمجموعة المرتبة من نسخ الحمض النووي بالخرائط الفيزيائية. ومن ناحية أخرى، يمكن رسم خريطة لموقع الجين من خلال تتبع تأثير التعبير عن الجين على الخلايا التي تحتوي عليه. هنا، يتم إنشاء خريطة على أساس ترددات الوراثة المشتركة لعلامتين وراثيتين أو أكثر. يشار إلى هذا النوع من الخرائط بخريطة الارتباط الجيني. تتم مناقشة التمييز بين خرائط الارتباط الفيزيائية والجينية بالتفصيل في الفصل الرابع. يمكن عمل خرائط الجينوم البشري بمقاييس أو مستويات مختلفة من الدقة. تم استخلاص خرائط فيزيائية منخفضة الدقة من الأنماط المميزة للأشرطة التي يتم ملاحظتها على طول كل كروموسوم بواسطة المجهر الضوئي للكروموسومات المصبوغة. تم ربط الجينات جسديًا بأشرطة أو مجموعات أشرطة معينة بعدة طرق. تسمح هذه الارتباطات برسم خرائط الجينات بشكل تقريبي فقط حيث يمكن تعيين جين معين لمنطقة تضم حوالي 10 ملايين نوكليوتيد تحتوي على عدة مئات من الجينات. يجب تحديد موقعه الدقيق على الكروموسوم بطرق أكثر دقة. تعتمد الخرائط ذات الدقة العالية على مواقع في الحمض النووي يتم قطعها بواسطة بروتينات خاصة تسمى إنزيمات القيد. إن كل إنزيم يتعرف على تسلسل قصير محدد يتكون من أربعة إلى ثمانية نيوكليوتيدات (موقع تقييد) ويقطع سلسلة الحمض النووي في نقطة واحدة ضمن التسلسل. ونظرًا لأن إنزيمًا واحدًا أو آخر يتعرف على عشرات التسلسلات المختلفة، وأن هذه التسلسلات متقاربة في جميع أنحاء الجينوم، فيمكن إنشاء خرائط فيزيائية عالية الدقة من خلال تحديد الموقع النسبي لمواقع التقييد المختلفة بدقة. وتكتسب مواقع التقييد شديدة التغير (أو متعددة الأشكال) في السكان قيمة خاصة في رسم خرائط الجينات البشرية. فالحمض النووي الذي يفتقر إلى موقع تقييد محدد ينتج شظية تقييد أكبر عند قطعه بواسطة الإنزيم من الحمض النووي الذي يحتوي على الموقع؛ ومن هنا جاء تسمية تعدد أشكال طول شظية التقييد. وقد تم حتى الآن تحديد مئات مواقع التقييد متعددة الأشكال ورسم خرائطها في الجينوم البشري. وقد تم بالفعل تحديد موقع بعض الجينات المرتبطة بالأمراض من خلال تحديد تواتر الوراثة المشتركة لتعدد أشكال طول شظية التقييد والأمراض الوراثية. ومن أمثلة هذه الأمراض التليف الكيسي، واعتلال العضلات دوشين، ومرض الزهايمر، والورم العصبي الليفي. ومن شأن تحديد عدد أكبر كثيراً من مواقع التقييد المتعددة الأشكال المفيدة أن يجعل من الممكن رسم خريطة للجينات المرتبطة بالأمراض بدقة كافية لتسهيل عزل أي جين بشري إلى حد كبير. إن الخريطة القائمة على مجموعة من النسخ المنظمة من الشظايا الجينومية لها قيمة خاصة (انظر الفصل الرابع). ففي مثل هذه الخريطة، لا نعرف فقط المواضع الجينومية لشظايا التقييد، بل إن كل شظية متاحة كنسخة يمكن نشرها وتوزيعها على الباحثين المهتمين. وتشكل هذه النسخ قيمة هائلة لأنها تعمل كنقطة انطلاق لعزل الجينات، والتحليلات الوظيفية، وتحديد تسلسلات النوكليوتيدات. والخريطة النهائية ذات الدقة الأعلى للجينوم البشري هي تسلسل النوكليوتيدات، حيث تُعرف هوية وموقع كل من أزواج النوكليوتيدات الثلاثة مليارات . إن مثل هذا التسلسل وحده يكشف عن كل أو كل المعلومات الموجودة في الجينوم البشري. وقد تم بالفعل تحليل عدد من المناطق المحددة من الحمض النووي البشري بهذه الطريقة، مما يوفر معلومات حول بنية الجينات والبروتينات المشفرة في الأفراد الطبيعيين وغير الطبيعيين على حد سواء وحول التسلسلات التي تنظم التعبير الجيني. ومع ذلك، في الوقت الحاضر، فإن تسلسل النوكليوتيدات لأقل من 0.1 في المائة من الجينوم البشري معروف. وهذا يشمل التسلسل الذي يحتوي على 0.5 في المائة من جيناتنا.


التأثيرات الطبية لخرائط الجينوم البشري التفصيلية

إن التقدم المحرز في علم الوراثة الجزيئية على مدى العقدين الماضيين كان له بالفعل تأثير كبير على البحوث الطبية والرعاية السريرية. لقد أدت القدرة على استنساخ وتحليل الجينات الفردية واستنتاج تسلسل الأحماض الأمينية للبروتينات المشفرة إلى زيادة فهمنا للاضطرابات الوراثية والجهاز المناعي والاضطرابات الغدد الصماء ومرض الشريان التاجي والأمراض المعدية والسرطان. هناك عدد قليل من البروتينات المنتجة على نطاق تجاري باستخدام طرق الحمض النووي المؤتلف متاحة للاستخدام العلاجي أو في التجارب السريرية، والعديد منها في مراحل نمو مبكرة. إن التقدم الأخير في تحديد الأساس الجيني لمثل هذه الاضطرابات العصبية والسلوكية مثل مرض هنتنغتون ، ومرض الزهايمر ، ومرض الهوس الاكتئابي يعد برؤى جديدة لهذه الحالات الشائعة والخطيرة. إن الخرائط ذات الدقة العالية للجينوم البشري سوف تعمل على تسريع التقدم في فهم مسببات الأمراض وتطوير أساليب جديدة للتشخيص والعلاج والوقاية في العديد من مجالات الطب. وفي الفصل الثالث، نناقش التأثير الطبي المحتمل لخريطة جينومية بشرية مفصلة بمزيد من التفصيل.


التداعيات على علم الأحياء الأساسي

إن إنشاء خريطة مادية للجينوم البشري وتحديد تسلسل النوكليوتيدات الخاصة به سوف يوفر أداة بحثية مهمة لعلم الأحياء الأساسي. وهذا صحيح بشكل خاص لأننا نتوقع أن يدعم مشروع الجينوم البشري تحقيقات رسم الخرائط والتسلسل التي يتم إجراؤها في نفس الوقت في الكائنات الحية الأخرى التي تمت دراستها على نطاق واسع، بما في ذلك بكتيريا الإشريكية القولونية، والخميرة حقيقية النواة ، ودودة الخيطية ، وذبابة الفاكهة ، والفأر ، وربما أيضًا نبات مثل الذرة أو نبات أرابيدوبسيس. إن تحليل هذه الجينومات من شأنه أن يضاعف تقريباً إجمالي كمية الحمض النووي المطلوب رسم خرائطها وتسلسلها. ولكن الجهد الإضافي سوف يجعل من الممكن اختبار وظيفة الجينات التي تم تحديدها لدى البشر في كائنات حية أخرى يمكن الوصول إليها تجريبياً والتي توجد لها تقنيات وراثية قوية. وبالتالي سوف يكون من الممكن تحديد الدور الدقيق لهذه الجينات في العمليات البيولوجية المهمة. وعلى العكس من ذلك، فإن البروتينات التي يتم اكتشاف أنها ذات أهمية خاصة في أي من هذه الكائنات الحية الأخرى يمكن التعرف عليها على الفور من خلال تشابه الأحماض الأمينية في الإنسان، وبالتالي تمكين الباحثين من إجراء دراسات محددة جيداً لوظيفة البروتين البشري المقابل وجينه. كما أن تسلسل الحمض النووي الواسع والمقارنات الوظيفية التي يتم إنشاؤها سوف تمثل أيضاً مورداً لا يقدر بثمن لعلماء الأحياء التطوريين. إن هذه التداعيات وغيرها من التداعيات على البيولوجيا الأساسية يتم مناقشتها بمزيد من التفصيل في الفصل الثالث.


التطورات التكنولوجية المتوقعة التي قد تولدها مشاريع الجينوم البشري وتأثيرها على البحوث البيولوجية

من المرجح أن تسفر عملية رسم خريطة الجينوم البشري وتسلسله عن نتائج ثانوية مهمة في شكل تقنيات جديدة ذات قابلية تطبيق واسعة في كل من البحوث البيولوجية الأساسية والتطبيقية. على سبيل المثال، لا تزال الأساليب الفعّالة لرسم خريطة الجينومات المعقدة قيد التطوير، ومن شأن مشروع الجينوم البشري أن يسرع من هذه العملية. وتشمل هذه الأساليب تحسينات في إنتاج وفصل واستنساخ قطع كبيرة من الحمض النووي وطرق بناء مجموعة مرتبة من المستنسخات الجينومية. وسوف تكون هذه المنهجية قابلة للتطبيق بشكل مباشر على تطوير خريطة مادية لجينومات العديد من الحيوانات والنباتات المهمة تجريبياً وتجارياً. على نحو مماثل، فإن الجهود المبذولة لتسلسل الجينوم البشري سوف تتطلب تكنولوجيا تسلسل النوكليوتيدات أكثر كفاءة بكثير مما هو موجود الآن . إن هذه التحسينات سوف تعمل على تقليص الوقت الذي يقضيه العلماء في تسلسل الحمض النووي في مختبرات الأبحاث الفردية إلى حد كبير. وفي المستقبل، فإن تطوير مرافق تسلسل الحمض النووي على مستوى المؤسسات أو المناطق والمجهزة بأجهزة عالية الأتمتة من شأنه أن يخدم عدداً كبيراً من العلماء، ويحررهم من التركيز على المراحل الأكثر تقدماً من مشاكلهم البحثية. وأخيراً، فإن إنشاء خريطة مفصلة للجينوم البشري سوف يتطلب أساليب جديدة تعتمد على الكمبيوتر لجمع وتخزين وتحليل الكم الهائل من المعلومات المتوقعة. ومن السهل تكييف هذه الأساليب للتعامل مع البيانات المماثلة من الكائنات الحية الأخرى. وبالتالي فإن العلماء سوف يتاح لهم على الفور من خلال شبكات الكمبيوتر مخزن هائل من المعلومات البيولوجية مدعوم بأساليب لاستخدامها، مثل جمع النسائل؛ ومن المرجح أن يكون لهذه الموارد تأثير مفيد كبير على الطريقة التي يمارس بها العلماء الأفراد أبحاثهم.


التأثير على البحث الطبي الحيوي اليوم

إن إحدى السمات الرئيسية والجاذبية التي يتسم بها البحث الطبي الحيوي اليوم هي أنه يعتمد في المقام الأول على جهود مجموعات صغيرة مستقلة من العلماء. ويمكن إرجاع التقدم الكبير الذي تحقق في العقود الماضية إلى إبداع هذه المجموعات، أو حتى إلى أفراد منفردين، غالباً في بداية حياتهم المهنية. ومن ناحية أخرى، من المرجح أن يتطلب رسم خريطة الجينوم البشري وتسلسله ترتيبات تنظيمية على نطاق أوسع كثيراً مما هو معتاد في البحوث البيولوجية الأخرى. ويرى البعض أن هذا يشكل تهديداً لاستقلال الباحثين الأفراد. ولكن من وجهة نظر اللجنة، ينبغي لمشروع رسم الخريطة وتسلسلها أن يكون هدفه الأساسي زيادة قوة ونطاق الإمكانات البحثية لمجموعات صغيرة من الأفراد. إن تسلسلات النوكليوتيدات الكاملة لجينومات العديد من الكائنات الحية ذات الأهمية التجريبية الرئيسية سوف توفر قاعدة بيانات مرجعية حاسمة لتفسير ودراسة العديد من الجينات البشرية التي سيتم اكتشافها. ولنأخذ مثالاً واحداً فقط، فالباحث في مجال السرطان الذي يكتشف جيناً جديداً في ورم بشري سوف يكون بوسعه الوصول فوراً عن طريق البحث على الكمبيوتر إلى جميع البروتينات التي من المرجح أن يكون لها وظيفة مماثلة في الكائنات الحية الأدنى. ولأن هذه الجينات يمكن التلاعب بها تجريبياً بطرق مستحيلة في البشر، فإن وظيفة الجين المقابل يمكن تحديدها بسهولة أكبر في ذبابة الفاكهة، أو دودة الخيطية، أو خلية الخميرة. ومن المؤكد أن النتائج سوف تقدم رؤى مهمة في مجال سرطان الإنسان لا يمكن الحصول عليها من خلال البحث المباشر على البشر. وعلى العكس من ذلك، فإن الباحثين المهتمين في المقام الأول بخلايا الخميرة سوف يستفيدون من المعلومات حول جينات الخميرة التي يمكن استخلاصها من الدراسات التي أجريت على نظائرها والتي أجريت في البداية على كائن حي آخر. وحتى بين الباحثين الذين تقتصر جهودهم على البشر حصرياً، فإن الجهود التي تبذلها مجموعات صغيرة سوف تحظى بالتشجيع. وسوف تكون خريطة الجينوم البشري ومجموعة منظمة من نسخ الحمض النووي البشري متاحة كمورد لاستخدام جميع الباحثين، مما يمكنهم من التركيز على الأجزاء الأكثر إثارة للاهتمام في أبحاثهم. بالإضافة إلى ذلك، من المرجح أن تظهر مجالات بحثية جديدة نتيجة لهذا المورد، وخاصة فيما يتعلق بصحة الإنسان. باختصار، تعتقد اللجنة أن مشروع رسم الخرائط والتسلسل سيقدم مساهمة مهمة في البحوث الأولية التي تجريها مجموعات صغيرة من المحققين المستقلين، مما يوسع نطاقهم ليشمل المشاكل التي يصعب الوصول إليها حاليًا. يتألف مشروع رسم الخرائط والتسلسل للجينوم البشري من العديد من المكونات المختلفة. فماهي الآثار التجارية والقانونية والأخلاقية المترتبة على الطب والعلوم ورسم الخرائط ومعالجة البيانات وتحليلها واستراتيجيات التنفيذ؟


المصادر والمراجع


References

Alberts, B., D. Bray, J. Lewis, M. Raff, K. Roberts, and J. D. Watson. 1983. Molecular Biology of the Cell. Garland, New York. 1146 pp.

Alberts, B., D. Bray, J. Lewis, M. Raff, K. Roberts, and J. D. Watson. 1989. Molecular Biology of the Cell, 2nd edition, editor. , Garland, New York, in press.

Doolittle, R. F., D. F. Feng, M. S. Johnson, and M. A. McClure. 1986. Relationships of human protein sequences to those of other organisms. Cold Spring Harbor Symp. Quant. Biol. 51:447–455. [PubMed]

Egeland, J. A., D. S. Gerhard, D. L. Pauls, J. N. Sussex, K. K. Kidd, C. Allen, A. M. Hostetter, and D. E. Housman. 1987. Bipolar affective disorders linked to DNA markers on chromosome 11. Nature 325:783–787. [PubMed]

Gusella, J. F., N. S. Wexler, P. M. Conneally, S. L. Naylor, M. A. Anderson, R. E. Tanzi, P. C. Watkins, K. Ottina, M. R. Wallace, A. Y. Sakaguchi, A. B. Young, I. Shoulson, E. Bonilla, and J. B. Martin. 1983. A polymorphic DNA marker genetically linked to Huntington's disease. Nature 306:234–238. [PubMed]

Lewin, B. 1987. Genes, 3rd ed. John Wiley & Sons, New York. 737 pp.

St George-Hyslop, P. H., R. E. Tanzi, R. J. Polinsky, J. L. Haines, L. Nee, P. C. Watkins, R. H. Myers, R. G. Feldman, D. Pollen, D. Drachman, J. Growdon, A. Bruni, J.-F. Foncin, D. Salmon, P. Frommelt, L. Amaducci, S. Sorbi, S. Piacentini, G. D. Stewart. W. J. Hobbs, P. M. Conneally, J. F. Gusella. 1987. The genetic defect causing familial Alzheimer's disease maps on chromosome 21. Science 235:885–890. [PubMed]

Watson, J. D., J. Tooze, and D. T. Kurtz, 1983. Recombinant DNA: A Short Course, W. H. Freeman, San Francisco.

Lien :

https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK218247/#:~:text=Since%20humans%20are%20thought%20to,human%20genome%20codes%20for%20proteins


Introduction - Mapping and Sequencing the Human Genome - NCBI Bookshelf - National Center for Biotechnology Information

All living organisms are composed of cells, each no wider than a human hair. Each of our cells contains the same complement of DNA constituting the human genome (Figure 1-1.) The DNA sequence of every person's genome is the blueprint for his or her development from a single cell to a complex, integrated organism that is composed of more than 1013 (10 million million) cells. Encoded in the DNA ...

www.ncbi.nlm.nih.gov

.

كاتب فلسفي


 

انتصار التفاهة.. الغرق في السطحية/ الدكتور حسن العاصي



أكاديمي وباحث في الأنثروبولوجيا


يتساءل عالم النفس والناقد الاجتماعي النيوزيلندي "جون شوماكر" John  Schumaker الذي أمضى ربع قرن يعيش ويعمل في بلدان مختلفة، مثل زامبيا، وجنوب إفريقيا، وتايلاند، وبريطانيا، وأيرلندا، وأستراليا، ونيوزيلندا، عما إذا كان مجتمع المستهلك سطحياً للغاية بحيث لا يستطيع التعامل مع الأزمات المتفاقمة التي تواجه كوكب الأرض.

يبدو أنه لم تظهر نتائج التلقين الثقافي بعد في هذه المرحلة، ولكن هناك اتجاه واضح ــ التفاهة تتقدم، تليها عن كثب السطحية والتشتت الذهني. يبدو الغرور رائعاً في حين يأتي العمق في المؤخرة. والضآلة تتقدم بقوة، جنباً إلى جنب مع السلبية واللامبالاة. فقد الفضول الاهتمام، وتعرضت الحكمة للخدش، وكان لابد من وضع الفكر النقدي جانباً. والأنا تنطلق في جنون. وتستمر فترة الانتباه في التقلص، ولا أحد يراهن على البقاء.

لم يكن من المفترض أن يكون الأمر على هذا النحو. فقبل نصف قرن من الزمان، كان المفكرون الإنسانيون يبشرون بصحوة عظيمة من شأنها أن تبشر بعصر ذهبي من الحياة المستنيرة. كان أشخاص مثل عالم النفس والفيلسوف الألماني "إريك فروم" Erich Fromm ، وعلماء النفس الأمريكيين "كارل روجرز"  Carl Rogers، و"أبراهام ماسلو" Abraham Maslow ، و"رولو ماي"  Rollo May، والعالم النمساوي "فيكتور فرانكل" Viktor Frankl يضعون الأساس لنظام اجتماعي جديد يتميز بوعي متزايد، وعمق الغرض، والصقل الأخلاقي. كانت هذه الرؤية المغرية نقيضاً لمجتمعنا من النرجسيين الضيقي الأفق والماديين المنوِّمين. لم يكن الغباء قدرنا. لم يكن الفناء الكوكبي هو الخطة. بحلول القرن الحادي والعشرين، كان من المفترض أن نكون "شعب الغد" النادر، الذي يسكن عالماً حكيماً وصحياً.

اليوم، لم يكن الطلب على التفاهات أعلى من أي وقت مضى ولم يكن تسامحنا مع الجدية أقل من أي وقت مضى.


مفهوم روجرز للتوافق

أشار كتاب العالم الألماني "إريك فروم" الضخم عام 1955 بعنوان "المجتمع العاقل" The Sane Society إلى ظهور "شخصية التسويق" أحادية البعد - مخلوق آلي، مستهلك، "جيد التغذية، ومسلي جيداً. سلبي، وغير حي ويفتقر إلى الشعور". ولكن فروم كان واثقاً أيضاً من أننا سوف نتجنب المزيد من الانحدار إلى السخافة. وتنبأ بمجتمع طوباوي يقوم على "المجتمعية الإنسانية" التي من شأنها أن تغذي "احتياجاتنا الوجودية" العليا.

في كتابه الصادر عام 1961 بعنوان "كيف تصبح شخصاً"، كتب "كارل روجرز": "عندما أنظر إلى العالم أشعر بالتشاؤم، ولكن عندما أنظر إلى الناس أشعر بالتفاؤل". ورغم اعترافه بأرض الأحلام المغرية التي تكتنف ثقافة الاستهلاك، فقد كان يعتقد أننا ــ "أهل الغد" ــ سوف نخدم مجتمعاً موجهاً نحو النمو، حيث يُعرَّف "النمو" بأنه الكشف الكامل والإيجابي عن الإمكانات البشرية.

سوف نتحرك نحو الأصالة والمساواة الاجتماعية ورفاهية الأجيال القادمة. وسوف نحترم الطبيعة، وندرك عدم أهمية الأشياء المادية، وسوف نتمسك بشكوك صحية بشأن التكنولوجيا والعلم. إن الرؤية المناهضة للمؤسسات من شأنها أن تمكننا من صد السلطة البيروقراطية التي تجردنا من إنسانيتنا بينما نتحد لتلبية "احتياجاتنا العليا".

إن أحد أكثر المفاهيم شهرة في تاريخ علم النفس هو "هرم ماسلو للاحتياجات"، والذي غالباً ما يتم توضيحه من خلال هرم. وبمجرد قبوله على نطاق واسع، كان مستوحى أيضاً من الإيمان بالإمكانات البشرية الإيجابية الفطرية. فقد زعم ماسلو أن البشر يحولون انتباههم بشكل طبيعي إلى الاحتياجات ذات المستوى الأعلى (الفكرية والروحية والاجتماعية والوجودية) بمجرد تلبية الاحتياجات المادية ذات المستوى الأدنى. وفي الصعود على الهرم و"النمو"، فإننا نوجه أنفسنا نحو الحكمة والجمال والحقيقة والحب والامتنان واحترام الحياة. وبدلاً من المجتمع الذي يلبي ويحافظ على القاسم المشترك الأدنى، تخيل ماسلو مجتمعاً يزدهر في سياق تعزيز الأفراد الناضجين "المحققين لذواتهم".

وكان ماسلو يتبنى نهجاً إنسانياً في علم النفس، وكان عمله يركز على الشخص ككل بدلاً من الأعراض النفسية الفردية. يصف التسلسل الهرمي للاحتياجات الذي وضعه عدة مستويات من التجربة الإنسانية، مع أمثلة لكيفية تلبية كل حاجة. وتفترض النظرية المقابلة أن كل مستوى يجب أن يتم تلبيته بشكل كافٍ قبل أن يكون الشخص مستعدًا للتعامل مع المستوى التالي.

كتب ماسلو في ورقة بعنوان "نظرية الاحتياجات البشرية"، والتي وصفت النموذج لأول مرة: "تتدرج الاحتياجات البشرية في تسلسل هرمي قبل القدرة". "بمعنى أن ظهور حاجة ما يعتمد عادةً على الإشباع المسبق لحاجة أخرى أكثر قوة. الإنسان حيوان يريد باستمرار. كما لا يمكن التعامل مع أي حاجة أو دافع كما لو كان معزولاً أو منفصلاً؛ كل دافع مرتبط بحالة الرضا أو عدم الرضا عن الدوافع الأخرى".

وفقًا لماسلو، فإن الاحتياجات الإنسانية الأكثر أهمية هي تلك التي تبقينا على قيد الحياة، مثل الطعام، والماء، والمأوى، والهواء. وبدون هذا المستوى الأساسي من البقاء، لا يمكن توقع أن يقوم الشخص بالكثير في طريق التفكير أو الإنجاز الأعلى.

أوضح ماسلو في بحثه: "إن الشخص الذي يفتقر إلى الطعام والأمان والحب والتقدير من المرجح أن يتوق إلى الطعام أكثر من أي شيء آخر". وافترض أن كل شيء آخر يجب أن يأتي بعد ذلك.

ولكن حدث شيء ما على طول الطريق. فقد انهار الهرم. وتراجعت الإمكانات البشرية إلى المقعد الخلفي للإمكانات الاقتصادية في حين أفسح تحقيق الذات المجال للانغماس في الذات على نطاق مذهل. لقد ازدهرت ثقافة اللب عندما تم خداع الجماهير بنجاح في بناء منزل وسط مجموعة متنوعة متغيرة باستمرار من الاحتياجات المادية الزائفة.


القصور الذاتي

إن القصور الذاتي، والثنائية، والخطية، والاختزالية هي عادات راسخة في التفكير، وخصائص داخلية للعقل تم اختيارها وراثيًا وفوق الجيني، والتي أعاقت العلم منذ نشأته. وقد أدت هذه الطغيان على الطبيعة البشرية إلى نجاح حتمي على ما يبدو للتزايد التدريجي على الثورة، والتسلسل الهرمي على المصفوفة، والتسلسلية على التوازي والتكامل.

إن الراحة النفسية التي تستمدها هذه الانتصارات من القيود لا تعفي العلماء من المهمة المركزية المتمثلة في تحرير تفكيرهم، وبالتالي تحرير العلم من القيود الضيقة التي نسجتها هذه السلاسل الأربع الضخمة، والتي تتآمر يومياً لتأليه التافه وإضفاء الشيطانية على الجديد. إن العقيدة المتحيزة التي يتبناها العلم المؤسس تعكس بأمانة هذه الفرسان الأربعة للقيود البشرية المروعة.

القصور الذاتي: إن الالتزام الأساسي الذي يلتزم به العالم هو التغيير، ولكن إحدى السمات الأساسية لطبيعة الواقع المادي والحيوي هي المقاومة العميقة للتغيير، والمقاومة مع كل ذرة، ومسار عصبي ميسر. إن المفهوم الغامض للقصور الذاتي، وهو خاصية أساسية للوجود، يصفه كثيرون ولا يفهمه أحد بشكل كامل، يضع العالم في معضلة شرسة. إن المفهوم المادي يثبت أن هناك حاجة إلى قدر هائل من الطاقة لتغيير حالة الحركة.

إن القصور الذاتي التناظري للفكرة مسؤول عن انتصار التافه بقدر أي سمة بشرية أخرى. إن أغلب أعضاء المجتمع العلمي وكل أفراد الجمهور تقريباً لا يدركون أن هذا الجمود يشكل تهديداً حقيقياً. فنحن نتصور أنفسنا مرنين ومتقبلين لأساليب التفكير الجديدة. ولا يمكن أن نتصور هذا الوهم إلا لأن الجمود قوي إلى الحد الذي يجعله يقمع كل الأفكار الجديدة الحقيقية باستثناء عدد قليل جداً منها في كل قرن، ويخفي الاختلافات التافهة حول الموضوعات الراسخة تحت "ملابس الإمبراطور الجديدة" التي تبدو جديدة.

لقد سمحت الفترة الممتدة بين الطبيب الإغريقي "جالينوس" والطبيب الإنجليزي "ويليان هارفي" والتي بلغت 1300 عام بظهور واستمرار أي فكرة جديدة. لقد جلب له الوصف الدقيق الذي قدمه هارفي للدورة الدموية، والذي قوض ودحض في نهاية المطاف مجمل عقيدة جالينوس، المعاناة والنبذ وفقدان عيادته الخاصة والموت في فقر مدقع. لم يكن هناك سوى ثلاث أفكار جديدة خلال القرن ونصف القرن الماضيين لتكون بمثابة الأساس للطب الحيوي الحديث. هذه الأفكار الثلاث، التي نجت بطريقة ما من القوة الساحقة للقصور الذاتي، هي، وفقًا لترتيب رجل واحد من حيث قوتها وجمالها العام: الانتقاء الطبيعي، والوراثة، ونظرية الجراثيم المسببة للأمراض.

إن الانتقاء الطبيعي يوضح لنا كيف تتفاعل العمليات والعمليات الفرعية: وكيف تؤدي العلاقات التفاعلية بين هذه العمليات المكونة إلى مجموعة غنية من الحلول القوية للظروف المتغيرة باستمرار ودورياً وبشكل متقطع. كما يساعد الانتقاء الطبيعي في تفسير تطور القدرات العصبية للإدراك والتذكر والاستدلال. وهو يسلط الضوء على كيفية تفاعل الشبكات المناعية مع البيئة ومع بعضها البعض لحمايتنا من بحر افتراضي من الغزوات الميكروبية القاتلة المحتملة. والانتقاء الطبيعي هو الفكرة الأساسية وراء التطور والكيمياء التوليفية. وفي هذا الصدد، فإن الانتقاء الطبيعي له نفس الأهمية لفهم مقاومة الأدوية والتغلب عليها كما هو الحال في تقدير التنوع البيولوجي. وهو ذو أهمية متساوية عبر الأبعاد البيئية من دون الذرية إلى العالمية.

إن جوهر علم الوراثة - وجود خطط فيزيائية مفصلة وقابلة للتوريث داخل كل كائن حي مسؤولة عن العديد من خصائصه، إن لم يكن معظمها - هو حجر الزاوية الثاني. إن صياغة مندل الرسمية وتدوين الملاحظات القديمة حول تربية النباتات وتربية الحيوانات والثقافة القبلية والمحرمات تقودنا في خط متواصل عبر هالدين وماكهنتوك، وجاكوب ومونود، وواتسون وكريك، إلى مشروع الجينوم البشري اليوم والاختبارات الجينية والعلاج الجيني الجسدي في المستقبل ـ وإلى التلاعبات الحتمية بالخط الجرثومي التي سوف تلي ذلك. ولقد تم الترويج بلا نهاية للاختلافات التقنية الطفيفة وغير الطفيفة حول موضوع البازلاء الناعمة والمجعدة إلى الحد الأقصى.


ثقافة اللب

تعمل ثقافة المستهلك على مبدأ مفاده أن التفاهات أكثر ربحية من الجوهر وتكرس نفسها للإفراط المادي المتواصل، وأصبحت أداة دقيقة لإبقاء الناس غير كاملين وسطحيين وغير بشريين.

 تستمر المادية في اكتساب الأرض، حتى في مواجهة نهاية العالم البيئية الوشيكة.

إن ثقافة اللب هي وليمة من الزينة. المواطن المثالي هو مساحة فارغة يمكن للأدوات أن تمر عبرها بسرعة، غير مهضومة إلى حد كبير، لذلك هناك دائماً مساحة للمزيد. الواقع يتسابق كضباب من الخيارات الاستهلاكية التي لا تبدو حقيقية تماماً. نحن نعرفها باعتبارها المسار السريع ونحاول جاهدين مواكبة ذلك.

لقد وصف "رولو ماي" هذه الظاهرة بدقة في كتابه بعنوان "بحث الإنسان عن نفسه" Man's Search for Himself "إنها عادة ساخرة لدى البشر أن يركضوا بسرعة أكبر عندما يضلوا طريقهم". لذا فإن الأمر يسير كالمعتاد حتى مع سقوط السماء.

"إن العثور على مركز القوة داخل أنفسنا هو في نهاية المطاف أفضل مساهمة يمكننا تقديمها لإخواننا من البشر. إن الشخص الذي يتمتع بقوة داخلية أصيلة يمارس تأثيراً مهدئاً عظيماً على الذعر بين الناس من حوله. وهذا ما يحتاج إليه مجتمعنا ـ ليس الأفكار والاختراعات الجديدة؛ مهما كانت أهميتها، وليس العباقرة والرجال الخارقين، بل الأشخاص القادرون على "أن يكونوا"، أي الأشخاص الذين يتمتعون بمركز قوة داخل أنفسهم".

لقد تنبأ بعض النقاد بانتصار التافهين. ففي مقاله بعنوان "نظرية الثقافة الجماهيرية"، تنبأ "دوايت ماكدونالد" بـ "ثقافتنا التافهة المنحطة التي تفرغ الحقائق العميقة وكذلك الملذات العفوية البسيطة"، مضيفًا أن "الجماهير، التي فسدت بسبب أجيال عديدة من هذا النوع من الأشياء، تأتي بدورها إلى

"إننا نطالب بمنتجات ثقافية تافهة". اليوم، لم يكن الطلب على التفاهات أعلى مما هو عليه الآن، ولم يكن تسامحنا مع الجدية أدنى مما هو عليه الآن.

في هذا الضباب الكثيف، يمكن بسهولة أن ينقلب المعنى والعبث. ويبدو الخاسرون في هيئة فائزين، ويختلط الأمر على الساذجين والمضحكين. تقول العبارة الموجودة تحت إعلان حديث عن الملابس الداخلية للرجال: "لدي شيء مفيد لجسدك وعقلك وروحك". أصبحت تصريحات الموضة شكلاً من أشكال محو الأمية؛ وأصبحت الأسماء التجارية تغرس الكبرياء، وأصبحت تفاهات المشاهير مقنعة.


عصر التفاهة

لقد ترك عصر التفاهة بصماته على الزواج والأسرة والحب. في استطلاع حديث أجرته شركة إيه سي نيلسن، عندما طُلب من الأطفال الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 4 و6 سنوات الاختيار بين قضاء الوقت مع آبائهم ومشاهدة التلفزيون، اختار 54% منهم التلفزيون. وذكرت الدراسة نفسها أن الآباء الأميركيين يقضون في المتوسط 3.5 دقيقة أسبوعيا في "محادثة هادفة" مع أطفالهم، في حين يشاهد الأطفال أنفسهم 28 ساعة من التلفزيون أسبوعيا. ويمكننا أن نضيف إلى ذلك الهواتف المحمولة وألعاب الكمبيوتر وغيرها من الألعاب التقنية التي تسبب حالة من التوحد الرقمي لدى الشباب.

من هذا الخطأ الفادح يأتي السؤال الأكثر إلحاحاً في عصرنا. هل تستطيع ثقافة تافهة للغاية، عالقة بين الحقيقة والخيال، وتشعر بالدوار بسبب التشتيت والإنكار، أن ترتقي بقيمها وأولوياتها للاستجابة بفعالية لحالات الطوارئ الكوكبية المتعددة التي تلوح في الأفق؟ بصرف النظر عن الحديث الفارغ والإيماءات الرمزية، لا يبدو أن هذا يحدث.

لقد شعر بعض كبار علماء الإنسانية بأن هناك حدوداً لقدرة أي ثقافة على قمع احتياجاتنا العليا. لقد افترضوا أننا مخلوقات أخلاقية بطبيعتنا وأننا سنفعل الشيء الصحيح عندما يكون ذلك ضرورياً ـ وسوف نتجاوز المادية إذا أتيحت لنا الحرية في القيام بذلك. ويبدو هذا بعيد المنال في ظل الغيبوبة الأخلاقية التي نجد أنفسنا فيها الآن. ولكن الاختبار النهائي يتلخص فيما إذا كنا قادرين على فعل الشيء الصحيح لصالح الكوكب والأجيال القادمة أم لا.

إن الأخلاق والسياسة لم يجتمعا معاً قط. فعندما تحول "المواطنون" إلى "مستهلكين"، تحولت الحياة السياسية إلى تمرين في الحفاظ على رضا العملاء. ولم يتم اختبار الديمقراطيات غير الكاملة التي نعيشها اليوم قط في مواجهة قضايا كوكبية مثل الانحباس الحراري العالمي وتغير المناخ، والتي تتطلب حلولاً جذرية ومزعجة. وفي السباق ضد الزمن، يبدو الساسة مضحكين تقريباً وهم يحاولون عدم إزعاج المساعي التافهة التي تدعم نظامنا الاجتماعي الاقتصادي الذي عفا عليه الزمن بشكل خطير.


تغيير الثقافة

إن الكارثة العالمية تدفعنا إلى عصر ما بعد السياسة حيث يتسابق الأفراد والجماعات ذات التوجهات الأخلاقية إلى الأمام على حساب الطبقة السياسية. وسرعان ما سيحتل مركز الصدارة استراتيجيو تغيير الثقافة القادرون على إلهام قفزات الوعي بشكل مستقل عن سياسات اتباع الزعيم التعيسة. ومن بين هؤلاء الأشخاص "جان لوندبرج"  John Lundberg الناشط البيئي والصوت العريق في الدعوة إلى تغيير الثقافة بشكل استباقي. وهو يدرك أن الاستهلاك المفرط يقلل من قيمة الواقع ويخدر الناس، حتى في مواجهة احتمالات تدمير أنفسهم. في مقاله "الترابط بين كل شيء في الكون"، كتب: "ما لم نوسع ونعمق إدراكنا للكون وأعضاء مجتمعنا، فقد نهلك جميعًا في الإصرار على التلاعب ببعضنا البعض ونظامنا البيئي بالمادية والاستغلال".

يتفق جميع خبراء استراتيجيات تغيير الثقافة على الحاجة الملحة إلى تعزيز "الوعي العالمي" أو "الوعي الكوني" - وهي نظرة عالمية واسعة النطاق مع وعي عالٍ بالترابط والقداسة بين جميع الكائنات الحية. ويعتقد أن مثل هذه العالمية للعقل لا تؤدي إلى التنوير الفكري فحسب، بل وإلى زيادة الحساسيات الأخلاقية والرحمة ومسؤولية المجتمع الأكبر أيضاً.

تعمل خلف الكواليس بعض المنظمات الجديرة بالملاحظة نحو هدف الوعي العالمي، بما في ذلك اللجنة العالمية للوعي العالمي والروحانية التي تضم في عضويتها حائزين على جائزة نوبل، ومنظرين ثقافيين، ومستقبليين، وزعماء روحيين مثل الدالاي لاما. وتشير المجموعة إلى الكم الهائل من الإمكانات البشرية الإيجابية المتراكمة والتي أصبحت جاهزة لإطلاق العنان لنفسها بمجرد أن نتولى السيطرة وننحت مسارات ثقافية أكثر صحة لطاقات الناس. ووفقاً لبيان مهمتهم، فإن مصير البشرية والنظام البيئي يكمن في قدرتنا على مدى العقدين المقبلين على مراجعة مخططاتنا الثقافية بنشاط من أجل تعزيز الوعي العالمي وخلق نماذج سياسية واقتصادية جديدة أكثر "وعيًا".

إن الكارثة العالمية تجبرنا على الدخول في عصر ما بعد السياسة حيث يتسابق الأفراد والجماعات المدفوعة بالأخلاقيات ما قبل الطبقة السياسية. حتى في نظام التعليم الرسمي، لا يزال الناس في حاجة إلى المزيد من التعليم، ولكن في كثير من الأحيان، لا يزالون يكافحون من أجل إيجاد طرق جديدة لتنمية قدراتهم.

في السنوات الأخيرة، بدأ عدد صغير، ولكن متزايد من المعلمين في دمج منظور "الوعي العالمي" في المناهج الدراسية، بهدف إذابة الحواجز الثقافية وبناء شعور بالمجتمع العالمي. حتى أن البعض يشجعون "قواعد عالمية" تربط الطلاب بالبشر الآخرين وبالكوكب بأكمله.


شعب المستقبل

نحن شعب الغد، ولدينا من الأشياء أكثر مما كان لدى أي شخص من قبل، ونحن أغبياء للغاية ومهووسون بأنفسنا لدرجة أننا لا نستطيع حتى أن نجبر أنفسنا على الاهتمام بتدميرنا الوشيك للكوكب. نحن تافهون. نحن حمقى. نحن جهلاء عن عمد. نحن ضائعون.

"لم يكن من المفترض أن يكون الأمر على هذا النحو".

لم يكن الأمر كذلك حقًا. كيف يمكن أن يكون الأمر كذلك؟ ينص هرم ماسلو الشهير للاحتياجات على أنه عندما يتم إشباع الاحتياجات الأساسية، يمكن للناس الانتقال إلى تلبية احتياجاتهم الأعلى مستوى – الفكرية، والروحية، والاجتماعية، والوجودية. يقتبس شوماكر من مثقفي الخمسينيات المفعمين بالأمل حول "شعب الغد" ومدى حكمتهم ورضاهم الآن بعد أن تم الاهتمام باحتياجاتهم الإنسانية الأساسية خاصة في الغرب.

لكن نظرية ماسلو انهارت. نحن شعب الغد، لدينا أشياء أكثر مما كان لدى أي شخص من قبل، ونحن أغبياء للغاية ومهووسون بأنفسنا لدرجة أننا لا نستطيع حتى أن نجبر أنفسنا على الاهتمام بتدميرنا الوشيك للكوكب. نحن تافهون. نحن حمقى. نحن جهلاء عن عمد. لدينا مدى انتباه طفل مفرط النشاط متحمس للشوكولاتة. نحن ضائعون.

إن شوماكر دقيق للغاية في وصفه للمشكلة (الغرق في سطحيتنا الذاتية، وتراجع الإمكانات البشرية إلى مرتبة أدنى من الإمكانات الاقتصادية، و"الانغماس في الذات على نطاق مذهل")، ولا يتردد في تسمية "نظامنا الاجتماعي الاقتصادي الذي عفا عليه الزمن بشكل خطير" باعتباره السبب الرئيسي. وهو لا يقدم حلولاً كافية، باستثناء الحديث المبهم عن "الوعي العالمي".


الحرب على التفاهة

في الحرب ضد التفاهة، تتحدث بعض المجموعات عن "الكوكب" - وهي نظرة عالمية توسعية يمكن أن تبطئ مسيرة موتنا الثقافي. كان الفيلسوف الفرنسي وعالم الحفريات والقس والفيلسوف الفرنسي "بيير تيلار دي شاردان" Pierre Teilhard de Chardan هو من صاغ هذا المصطلح في الدعوة إلى عقل عالمي يدمج طاقاتنا البيئية والروحية والسياسية، وبالتالي مهد الطريق لحياة متناغمة وسلام دائم. إن منظمة "صعود الكوكب" Planetization Rising  ترى أن هذه المرحلة التالية هي الوسيلة الوحيدة التي يمكننا من خلالها الارتقاء إلى مستوى أعلى من المعرفة وبالتالي إيجاد مسار مستدام للحياة لأنفسنا وللأرض: "إنها نقطة التحول التالية في رحلتنا التطورية التي يمكنها وحدها أن تزودنا بالتمكين والبصيرة اللازمتين للتغلب على القوى المتجمعة للتدمير البيئي والجشع والحرب التي تهدد بقاءنا الآن".

إن سباق التلقين الثقافي لم ينته بعد. وما زال الخاسرون يفوزون، ولا تزال احتمالات ثورة الوعي متساوية. ولكن هل هناك بديل غير الغرق في سطحيتنا؟ 

تصنيفُ وإدراجُ مستوى الشّعراءِ في أربع مراتب/ الدكتور حاتم جوعيه



    لقد صدق أحدُ الأدباء والنقاد القدامى عندما  وَضعَ الشعراء في أربع  مراتب ودرجات  حيث قال :

( هنالكَ شاعرٌ يَجري  ولا يُجرَى  مَعَهْ

  وشاعرٌ  يخوضُ  وسطَ   المَعْمَعَهْ

  وشاعرٌ  تتمنَّى   أن  لا  تسمَعَهْ

  وشاعرٌ  تشتهي  أن    تَصفعَهْ   ) .

         ولكن وللأسف الشديد إنَّ معظمَ الشعراء المحليٍّين اليوم  يدرجون في المرتبة الرابعة  والأخيرة ( شاعرٌ تشتهي أن  تصفعَه )... والأنكى  من هذا أن الشويعرين  والشعرورين  الذين  على هذا  النحو من الإنحطاط  الفكري والكتابي ( من هذه الماركة  المُمّيَّزة  )  والذين لا يعرفون الأحرف الهجائيَّة  وكتابة الإملاء  وحرف النصب من الجر والفاعل من المفعول به يُحتفى بهم  دائما  وتقامُ   لهم  الأمسياتُ  التكريميَّة  الهزليَّة   والهزيلة  من  قبل  بعض المنتديات والجمعيَّات والمؤسَّسات ( التسكيفيَّة ) التي هدفها وسياستها تدمير الثقافة والأدب والفن والإبداع المحلي بإيعاز وتوجيه من جهات عليا معروفة للجميع.. ويتحدَّثُ  في هذه الأمسيات العقيمةِ الكاراكوزاتُ  والمُهَرِّجون من كتاب التقاعد ( البينسيا )  والمأجورون  العملاء  الوضعاء  والذين  عقليَّتهم  ومفاهيمهم أيضا منذ عشرات السنين  قد خرجت للتقاعد  وشُلَّت إيجابيًّا  ولا تعمل بشكل طبيعي  وصحيح وسليم ..ويُديرُها ويتولَّى عرافتها أحيانا بعضُ السلطويِّين المدسوسين والمأجورين المتطفلين على الصحافةِ والإعلام،وهم بعيدون عن الصحافة  والثقافةِ  والأدب مليون سنة ضوئيَّة .

..ويترفَّعُ ويتعالى عن حضورمثل هذه المهازل والسخافات والترَّهات .. أي  ما يُسَمَّى بإمسيات التكريم  وإشهار كتاب  لكلّ من هَبَّ ودَبَّ  كبارُ الشعراء والأدباء  وجميعُ المثقفين الحقيقيِّين  والشرفاء  والأحرار والأخيار من أبناء شعبنا الذي ما زال منكوبا  منذ عام النكبة حتى الآن .. فلا  يشاركون إطلاقا  في مثل هذه المسرحيَّات الهزليَّة التي يُعتبرُ وجودُها وانتشارُها وباءً وكارثة على  الأدب  والثقافة  والفكر  والإبداع  المحلي ..وعلى الإنسان الفلسطيني كإنسان..وتفريغه من كلِّ الأسس والمضامين والقيم :الحضاريّة والإجتماعيّة والفكريَّة والإنسانيَّة  والسلوكيَّة والأخلاقيَّة  والوعي القومي والوطني .

   ورحمَ الله الشاعر العربي الكبير أبا الطيِّب المتنبي القائل :

( فقرُ الجهولِ  بلا عقلٍ  إلى  أدبٍ    فقرُ الحمارِ  بلا  رأسٍ  إلى رسَنٍ  )

والذي قال أيضا : 

(نامت  نواطيرُ مصر عن  ثعالبها      فقد   بشمنَ   وما   تفنى  العناقيدُ ) 


      لو بُعِثَ المتنبِّي إلى الحياةِ من جديد لفضَّلَ أن ينتحرَ مليون مرَّة ولا أن

يرى تلكَ المهازل  والمصائب الموجودة  عندنا .  وأنا لا  أضعَ اللومَ الكبير  على الأشخاص غير المتعلمين والذين لا يحملون الشهادات العالية  إذا كانوا لا يعرفون  حرف  النصب  من  الجر والمبتدأ من الخبر  وينصبون  الفاعلَ ويرفعون الإسم المجرور..والذين يكتبون الشعر الرَّديىء  والهبلَ والتّرَّهات والتخبيصات  التي يسمُّونها  شعرا ..(( كما حدثَ  وما  لمسته عن كثب من شعرورة  بلهاء أرسلت لي ديوانها الشعري الذي  تريد أن تطبعَه  لأصَحِّحَهُ لها قبل الطباعة  وكان  كله أخطاء  لغوية وأملائية ، مثل جملة ( مشيتُ مع الأطفالُ) بدل(مشيتُ مع الأطفالِ)..حيث رفعت الإسم المجرور بالضم  بدل جرِّهِ  بالكسر..وقد أقاموا لهذه الشُّوَيعرة أمسية  تكريميَّة  بعد صدور ديوانها هذا الذي أنا قمت بتصحيحه لغويًّا واملائيًّا .. ولكن  أنا  وغيري نلوم وننتقدُ  أشخاصا  حاصلين على  شهادات الدكتوراة  في اللغة  العربيَّة  وآدابها  ولا يعرفون أن يعربوا  جملة  واحدة  من ناحية  القواعد  أو  يكتبوا جملة  مفيدة وسليمة لغويًّا،وهؤلاء وللأسف يتبوَّءُون الوظائف العالية في مجال التدريس وغيره .. ومثال على ذلك : هنالك شخص حاصل على شهادة الدكتوراة  في اللغة  العربية  ويُدرِّسُ  الطلابَ  في المدرسة  للمرحلةِ  الإعداديَّة  ودروس القواعد والإعراب التي يعطيها للطلاب كلها خطأ - فينصبُ الإسمَ المجرور ويرفعُ الفعلَ المجزوم ..فمثلا: جملة الطفلُ لم  ينمْ  يشكلها  ( لم ينمُ )  فيرفعُ الفعلَ المجزوم  بدل  تسكينه .  والسؤال هنا ..كيف سيكون  مصير الطلاب الذين  يدرسون اللغة العربية  في المدارس والمعاهد العليا والذين  يتتلمذون ويتعلّمون على أيدي أساتذه أفذاذ وعباقرة من هذا النوع ....ولهذا لقد  ازداد وتفاقمَ عددُ الشعرورين والشويعرين المتطفلين والمتسلقين على دوحةِ الأدب والشعرالمحلي ، وبوجود جهات  وأطر تدعم  وتشجع هذه  الظاهرة الهجينة والمضحكة والخطيرة  على الصعيد المحلي .  والجديرُ بالذكر لو كان عندنا  ، في الداخل ، نقاباتٌ للأدب  والثقافة  والفن  -  كما في باقي البلدان والدول  الأخرى- تهتمُّ وتعنى بحقوق ومكانة ومنزلة الكاتب والأديب الحقيقي المجيد والمبدع، وكان عندنا  إتحاداتُ  كتاب  نشيطة  وفعّالة  وتعملُ  بشكل  جدِّي وحازم  وصارم  ولا  تخشى  في الحقِّ  لومةَ  لائم  لاختفت  وتلاشت  هذه الظاهرة الهجينة ( ظاهرة الفوضى  والتسيُّب)  كليًّا  في  فترة  قصيرة على الساحة الأدبية والثقافيَّة المحليَّة .


مراوحة الميتافيزيقا عند نيتشه وهيدجر بين الانهاء والاكتمال/ د زهير الخويلدي



الترجمة


" لن ينتهي مارتن هيدجر أبدًا من الكتابة عن فريدريك نيتشه. بعد عمله الذي لا يُنسى بعنوان نيتشه، إليكم طبعة جديدة حول السؤال الإشكالي للغاية المتمثل في الميتافيزيقا في عمل مؤلف زرادشت. هذا عمل آسر تمامًا يجمع بين نص عن إكمال الميتافيزيقا التي قام بها نيتشه وفقًا لهيدجر ونص متقاطع بين مفكر وشاعر: نيتشه وهولدرلين. ولذلك يجمع هذا العمل بين دورتين دراسيتين أراد هيدجر نشرهما معًا.

الأول: أن «ميتافيزيقا نيتشه» لا تقدم نفسها كعرض للمذهب، بل تقودنا إلى فهم كيف أن فكر نيتشه يحركه الميتافيزيقا بالكامل، إلى درجة أنها تعطيه وجهه النهائي. في الواقع، بينما يدعي نيتشه أنه البادئ لبداية جديدة حقًا في الفلسفة، فإن هيدجر يرى فيه، على العكس من ذلك، الإنجاز المهيب والمثير للقلق للميتافيزيقا الغربية. من خلال الأولوية التي يفترضها مفهوم القيمة هنا، من خلال المحو الكامل لفكرة الوجود، من خلال مفهوم إرادة القوة حيث يبلغ ذروته ادعاء الذات بـ "إيواء" الكائن وفقًا للمعايير المخططة للوجود. التكنولوجيا، واعتذار الإنسان الأعلى (الذي يؤكد الطموحات الفانية للذات)، وأخيرًا جميع الأحكام المسبقة التي يتم من خلالها نقل اللافكر في التقليد الميتافيزيقي، فإن فلسفة نيتشه، وفقًا لهيدجر، ستنتمي إلى قصة " "نسيان الوجود" الذي يحدد في نظره ماهية هذه الميتافيزيقا. إن فحص كتابات نيتشه يجد صعوبة في دعم مثل هذه القراءة، التي يمكن الإعجاب بنطاقها وغناها.

أما النص الثاني، الذي يحمل عنوان "مدخل إلى الفلسفة والتفكير والشعر" فيهدف إلى تعميق ما سبق أن رأيناه في "ميتافيزيقا نيتشه": إن اكتمال الميتافيزيقا يشير إلى ضرورة العلاقة بين الفكر والشعر. يمكننا بعد ذلك أن نتحدث عن تعليق يركز على موضوع التفسير والحقيقة، والذي من شأنه أن يثبت قدرته على حماية الديناميكية البناءة للفكر النيتشوي، وخاصة ضد المحاولات المتكررة لضم نيتشه إلى الشكليات الدوغمائية التي قدمها هو نفسه، تحسبا لذلك، دحض بارع.  لقد "شكل هذا الفكر هو "البناء". إنها تبني شيئاً بحيث لا يقف بعد على الإطلاق ــ وربما لن تضطر أبداً إلى الوقوف مثل ما هو أمامها. البناء هو البناء." نيتشه، الذي شرع لأول مرة في إظهار أن التفسير الميتافيزيقي يشكل تزييفًا متعمدًا، ينتقد الميتافيزيقي لأنه أعطى قراءة معيبة لنص الطبيعة. "مهلوس من العالم الآخر"، لا يفك الميتافيزيقي الظواهر كما هي، بل يخفيها تحت إسقاطات خيالية. إنه يصوغ مفهوم "الوجود" من كراهية الصيرورة والحياة. ولكن بما أن هذا الواقع هو الوحيد الموجود الذي نصر على تفنيده باتهامه بمجرد المظهر، فيجب أن نستنتج أن الميتافيزيقا ليست سوى تلفيق حول العدم. المثل الأعلى هو العدم المبني في صنم. لأن «الإنسان، بحسب نيتشه، يبحث عن مبدأ يستطيع باسمه أن يحتقر الإنسان؛ يخترع عالمًا آخر ليتمكن من تشويه هذا العالم وتلطيخه؛ في الواقع، هو فقط يدرك العدم ويجعل من هذا العدم "إلهًا"، "حقيقة"، مدعوًا للحكم على هذا الوجود وإدانته. لذا، باعتباره مفكرًا في هذا الوقت من اكتمال الميتافيزيقا، أصبح نيتشه شاعرًا. شاعر هذا الزمن، مثل هولدرلين الذي أصبح مفكراً. من هذا القرب المذهل بين الفكر والشعر، يقدم هايدجر تأملًا يأخذ مصدره في التاريخ، لأن نيتشه وهولدرلين مفكران وشعراء بمجرد أن يتعين عليهما مواجهة ما هو "الشرق" في عصرنا. في الواقع، في هذا الجدل الجدلي الذي يتساءل عن العلاقة بين الفكر والشعر، يتم دفعنا بمهارة إلى التفكير مما يعنينا جميعًا بشكل أساسي.


المصدر

استكمال الميتافيزيقا والشعر: ميتافيزيقا نيتشه – مدخل إلى الفلسفة. التفكير والشاعرية، ترجمة. من الألمانية بقلم أديلين فرويدكور، 208 صفحة، مجموعة مكتبة الفلسفة، أعمال سلسلة مارتن هيدجر، غاليمار، مارس 2005

Achèvement de la métaphysique et de la poésie : La Métaphysique de Nietzsche - Introduction à la philosophie. Penser et poétiser, trad. de l'allemand par Adeline Froidecourt, 208 pages, Collection Bibliothèque de Philosophie, série Œuvres de Martin Heidegger, Gallimard,  Mars 2005


كاتب فلسفي


 

في تأمّل تجربة الكتابة: مفهوم "الإنقاص البلاغي" وعلاقته بالحذف والتكثيف/ فراس حج محمد



المقدمة:

لا شكّ في أن المفاهيم عامّة يتناسل بعضها من أعطاف بعض، فتنشأ بينها علاقة معينة، ولتشترك فيما بينها في جزء من المعنى قبل أن يأخذ المفهوم الجديد شرعيته بالاستقلال عن غيره في الحدود الدلالية والتطبيقات اللغوية، فالاستعارة مثلا تناسلت من مفهوم التشبيه، وظلت تعرف على أنها تشبيه حذف أحد طرفيه، وظلت هذه التبعية المفهومية تطارد الاستعارة، ولم تتخلص منها إلا في البحوث البلاغية الحديثة، وعلى ذلك يمكن أن نقيس مفهوم المقابلة المرتبط بمفهوم الطباق، وغيرهما الكثير من المفاهيم.

وبهذه العلاقة المتصلة بين المفاهيم نشأ لديّ مفهوم "الإنقاص البلاغي" خلال عملي على كتاب "سرّ الجملة الاسميّة" القائم في أساسه على فلسفة التخلص من ثلث اللغة العربية في إنشاء النصوص، أي استبعاد الأفعال وأسماء الأفعال في بناء النص الأدبي، في الشعر وفي النثر، لكنه كان أدخل في الشعر منه في النثر، لاعتبارات التكثيف ولطبيعة الشعر القائمة على التوتر العالي الذي يصاحبه الحذف، كما أشرت في الكتاب نفسه.

ولذلك فإنني أرى أن مفهوم "الإنقاص البلاغي" الناشئ بعد هذه العملية من البحث له ارتباط بمفهوم الحذف، إلا أنه ليس حذفا فقط، وله ارتباط بمفهوم التكثيف، إلا أنه أيضا ليس تكثيفا وحسب، إنه مفهوم أعمق من كليهما، وله دلالة تخلقت في ذهني، سأحاول شرحها فيما سيأتي من سطور.

أولا: مفهوم الحذف

المقصود هنا هو "الحذف البلاغي"، وله أشكال كثيرة في اللغة العربية، تظهر في المفردة، وفي الجملة، وحسب قاعدة اللغويين فإن كل تغيّر في المبنى فإنه سيؤدي إلى تغيّر في المعنى، وعليه لو تم حذف حرف فإنه سيؤّول هذا الحذف بلاغيا، كما هو في تأويل الحذف في القرآن الكريم، ومحاولة المفسرين والنحاة جعل هذا الحذف ذا قيمة معنوية بلاغية، لها ارتباط بالسياق الذي جاءت فيه.

من ذلك مثلا لو تم النظر إلى الحذف في سورة الكهف لوجد الباحث أن للحذف معنى ما، بلاغيا في الدرجة الأولى، وقد جاء الحذف في هذه السورة على أشكال متعددة، حذف حرف من سياق، وإثباته في سياق آخر في السورة نفسها، فمثلا يقول الله تبارك وتعالى "فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا"، فقد استخدمت الآية الفعل نفسه، مرة بحذف تاء افتعل ومرة بإثباتها، ولهذا عند المفسرين البلاغيين للقرآن دلالته المعتبرة، فلصعوبة النقب أكثر من إظهار السور (تسلّقه أو ارتقاؤه) أثبتت التاء، ربما كان ذلك المعنى هو المقصود وربما لم لا، لكنه تفسير وجيه، يثبت بلاغية الحذف، ناهيك عن أمر آخر متعلق بالمحافظة على الجرس الموسيقي للآية، فإنه سيتأثر في حالة إثبات التاء في الموضع الذي حذفت منه، والبلاغة القرآنية العالية يتحد فيها غير سبب تتعاضد معاً لتساهم في "شعريته" المتميزة، وسبق أن بينت ذلك في موضعه في كتاب "بلاغة الصنعة الشعرية".

وغير ذلك، فإن سورة الكهف تحفل بأكثر من (10) مواقع حذف بلاغي، تم فيها "إسقاط" الحرف سواء أكان حرف معنى أم مبنى وحذف اسم، وحذف فعل، وحذف أسلوب، وفي كل مرة يوجد دليل على هذا الحذف؛ إما دليل بنيوي نابع من المبنى الصرفي للكلمة كما في "استطاعوا واسطاعوا"، أو بناء على التناظر بين شقي الجملة، بحذف اسم أو فعل لأنه في السياق نفسه ذكر هذا المحذوف، ولا يحسن ببلاغيّ ذكر شيء مرة أخرى إذا كان موجودا، فالعرب تكره التكرار الذي لا داعي له، ومن أمثلته في سورة الكهف حذف التمييز بعد العدد في قوله تعالى "وازدادوا تسعا"، لأنه ذكره في الشق الأول من الآية "ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين"، فمن المعروف البدهيّ أنهم ازدادوا تسع سنين، ولهذا حذفه، ولهذا الحذف أهميته البلاغية والمعنوية كذلك.

ومن اللفتات البلاغية في الحذف ما جاء في السورة في الآية الثانية والسبعين: "قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا" بعد المرة الأولى التي اعترض فيها موسى على خرق السفينة، وأما في الآية الخامسة والسبعين فقال تعالى: "قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا"، فحذف من الأولى "لك" تأدباً مع موسى، لكنه عندما كرر الاعتراض، ولم يستطع الصبر في المرة الثانية حاء بشبه الجملة "لك" لما تحمله من تنبيه، وزيادة جرعته لينتبه موسى إلى أنه بالفعل خرق الاتفاق مرة أخرى. أما في الاعتراض الثالث، فقد حذفت الجملة كاملة، فلم يقل له: "ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا"، وإنما تنازل عنها لأن العبد الصالح يعلم أن موسى لم يكن باستطاعته فعلاً الصبر، فلا داعي لجملة ترسخ معناها في الذهن، وأنه لا مجال أيضا لفرصة أخرى، معلنا انتهاء الصحبة، فجاء بالنتيجة مباشرة: "هذا فراق بيني وبينك".

هذا هو- إذاً- الحذف البلاغي الذي يتعمّد فيه منشئ النص أن يحذف أمورا للفت الانتباه للمحذوف، أو عدم حصره في خيار واحد، أو لأنه معروف ضمنا، وقد تحدث البلاغيون عن ذلك كثيرا في مواضعه، فلا داعي لإعادته، وإنما ما أردت أن أقوله من خلال هذه المناقشة أن "الحذف البلاغي" حذف داخل سياق لا يقوم أصلا على شعرية الحذف بحد ذاته، وإنما حذف بعض البنى اللغوية الصرفية والنحوية والصرفية لتحقيق غاية معنوية، وهذا مما يشترك جزئياً فيه مفهوم الحذف مع مفهوم "الإنقاص البلاغي"، كما سأبينه فيما يأتي.

ثانياً: التكثيف

يتداخل معنى هذا المصطلح مع حقول معرفية متنوعة علمية واجتماعية، فالتكثيف علميا هو انتقال المادة من حالة الغازية إلى الحالة السائلة، ويستخدم في الفيزياء مع الطاقة الكهربية وعمل مكثفات لزيادة الطاقة والسعة، وفي مضخات المياه لزيادة ضخ الماء، وفي الحياة الاجتماعية المعيشة ثمة ارتباط لهذا المعنى بتكثيف الحليب والعجين وتكثير الشيء، وعليه فإن التكثيف يعني فيما يعني "تقليل ظاهر الشيء، وتجميعه في حالة معينة، ليبدو عند النظر فيه أكبر مما هو في الظاهر"، لذلك فإن التكثيف يحمل معنى الغزارة والتكثير، وكأن منشئ النص يحاول إنشاء بنية لغوية متداخلة، ومتراكب بعضها فوق بعض، لتبدو في ظاهرها جملة قصيرة، لكنها في الحقيقة عند التحليل تحمل معاني تستهلك الكثير من القول والشرح. لأن الكلمات المكونة للبنية النصية في ذاتها تحمل معاني أكثر من البنية.

وهذا المفهوم يشتبه بمفاهيم أخرى، كإيجاز القِصَر، وليس إيجاز الحذف المحسوب على ظاهرة الحذف البلاغي، فالتكثيف ليس شرطا أن يلجأ إلى الحذف، إنما يعني أن البنية اللغوية قد تكون كاملة لا حذف فيها، إنما تحتمل معاني كثيرة، وللتكثيف وسائل متنوعة كالاستعارة بمفهومها المعاصر المنبتّ عن التشبيه، وتوظيف بنى لغوية لها معاني متعددة، أو استخدام عبارات يؤدي اجتماعها معا إلى تعدد الدلالة وانفتاحها حسب الظروف والأحوال.

ومن الأمثلة على ذلك مثلا كثير من آيات القرآن الكريم المكي التي حسبها المفسرون المعاصرون على الإعجاز العلمي، وخاضوا فيها كثيرا، أو تلك الآيات القرآنية التي تعددت دلالتها بتعدد المفسرين باختلاف العصور والبيئات، مثل قوله تعالى: "ويخلق ما لا تعلمون"، التي جاءت تذييلا بعد تعدد النص القرآني لوسائل المواصلات التي كانت معروفة أيام نزول النص القرآني، فجاءت الخاتمة لتستوعب كل ما جاء بعد ذلك من وسائل مواصلات حديثة من السيارة والدراجة والقطارات والطائرات، وربما يكون وسائل أخرى تستجد على بني البشر، سيظل النص يستوعبها؛ لأنه نص مصوغ بكيفية عامة مكثفة، ملبدة، غزيرة في المعنى، قابلة للتفسير أو لضخ معاني جديدة في كل مرة.

ومثل هذه الآية في التكثيف المذهل للمعنى العظيم المتناسل غير المنتهي قوله تعالى "وإنا لموسعون" تعقيبا على قوله تعالى "والسماء بنينها بأيدٍ وإنا لموسعون"، ليوظفها علماء الفيزياء الكونية ليروا فيها نظرية تقول إن الكون يتوسع، ويأخذون بشرح هذه النظرية وربطها بالنص القرآني، وهكذا كثير من الآيات التي تحتمل تعدد المعنى.

وبذلك يلتقي التكثيف مع الحذف البلاغي في تقليل البنية اللغوية أو ما يعرف "بالاقتصاد اللغوي"، مع ضرورة أن يكون المعنى أكبر من البنية في الحالتين، وهذا ينطبق أيضا على الإيجاز والاستعارة والاختزال، لكنها تختلف عن كل تلك المفاهيم في أنها بنية لغوية مكتفية بذاتها لإحداث معاني متعددة، وأميل إلى أن العبارة القائمة على تقنية "التكثيف" لا يدخل الحذف من ضمن شروطها ولا أدواتها، وإن قال البعض غير هذا، لأن التكثيف يقتضي في معناه اللغوي طريقة جدل المعنى من ألفاظه التي تعبر عنه دون الحاجة إلى الحذف، كما في الآية الكريمة السابقة.

هذا الشرط هو ما يجعل التكثيف مصطلحا قائما بذاته، وله حدوده المعرفية التي تميزه عن غيره، ويمنح الدارسين إمكانيات تحديده ليكون مستقلا عن غيره، وليس بحاجة إلى أن يعتمد على غيره في تحققه. والتكثيف بهذا التحديد صعب للغاية، ولا يستطيع إنشاءه إلا كل من له قدرة وخبرة في عجن اللغة وأساليبها وتوظيفاتها. 

وأكثر ما ألاحظه من تكثيف وينطبق عليه هذا المفهوم "الشذرات الفلسفية" التي يلجأ إليها الفلاسفة الكبار، إذ يعمدون إلى تقطير المعنى في ألفاظ قليلة جامعة، كقول باسكال: "يجب أن نعرف أنفسنا. حتى ولو لم يساعدنا ذلك على اكتشاف الحقيقة، سيساعدنا على وضع نظام في حياتنا على الأقل. لا شيء أهم من ذلك". ففي كل جملة من هذا القول مسألة فلسفية عرضت بإيجاز واختصار وتكثيف عالٍ.

وكما ورد في أحاديث النبي الكريم عليه الصلاة والسلام من ظاهرة "جوامع الكلم"، تلك الظاهرة التي اهتمّ بها السيد أحمد الهاشمي، فألف بناء عليها كتابه "مختار الأحاديث النبوية والحكم المحمدية".

ومن أهم مميزات التكثيف- كما هو عند بعض المتصوفة والفلاسفة- أن النص لا يشرح الأفكار، وإنما يقولها على نحو مكثف، يتكفل الآخرون بشرحها، كما في كثير من نصوص كتاب "هكذا تكلم زردشت" لنيتشه، وكما هو أيضا معمول به في شروح الحكم الكونية والإنسانية، وكلها تصاغ على نحو من البراعة الفنية التي يكون فيها منسوب البلاغة عاليا جداً، ولذلك عدّ الإيجاز أصعب من التطويل، ويعترف بهذا البلاغيون عموماً.

ثالتاً: الإنقاص البلاغي

الإنقاص مصدر الفعل أنقص، وهو مزيد بهمزة التعدية من الفعل "نقص" الذي يأتي لازما ومتعدياً، ولكنّ الهمزة منحته إمكانية أن يكون فعلا متعديا لمفعول به واحد فقط، ولم يعد يستعمل فعلا لازماً، ويحتمل أن تكون الزيادة فيه حاملة لمعنى "التعريض التي تجعل المفعول به معرضاً لمعنى الفعل". 

وأصل معنى "النقص" القلة، والضعف، والتحقير، وخفض الشأن، والخصم، وعدم الوفرة، والغياب، ويعني أيضا الحذف، كما هو في حقل علم العروض، كما أنه يعني في المفهوم اللغوي النحوي والصرفي نوعا من العلة كما في الفعل المعتل الناقص؛ ما كان آخره حرف علة، وفي الأفعال الناقصة غير كاملة الأهلية ليكون لها فاعل كبقية الأفعال التامة، فإذا صارت تامة أخذت فاعلا، وزال عنها العيب، وكذلك الأسماء المنقوصة التي تنتهي بياء مد لازمة تحذف ياؤها في حالتي الرفع والجر ما لم تعرّف بأل أو لم تكن مضافة، والجناس الناقص الذي يختل بين الكلمتين شرط العدد، وهو فرع من فروع الجناس غير التام.

هذا المعنى الموجود في الفعل الثلاثي المجرد موجود بالفعل المزيد، وكل تلك المعاني تجتمع على معنى واحد، يدور في دائرة من السلبية التي تعني العيب والضعف، فقد ورد في معجم الدوحة التاريخي هذه المعاني للفعل "أنقص": أنقص منه: أخذ من تمامه. (والشخص) الأنقص: الأكثر نقصاً. ويطلق على الجهول وصف "أنقص".

هذه المعاني قد لا تؤهل المصطلح ليكون مصطلحا بلاغيا يشير إلى سمو النص ورفعته، وانغراسه في "الشعرية" والأدبية التي يقصدها الكاتب عندما يكتب نصوصه الإبداعية، ولعلّ أكثر ما يزعج الأديب اتهام نصه بالنقص والعجز والضعف وعدم تمام الخلقة. فكيف إذاً يمكن لهذا المصطلح أن يكون بلاغيا، يمنح النص تفوقا ما؟ فهذا المصطلح على العكس من مصطلحي الحذف والتكثيف في مفارقته الدلالة الإيجابية للدخول في المعنى السلبي.

ولحل هذه الإشكالية في توطيد معنى المصطلح ينبغي أن ينظر إلى المصطلحات والمفاهيم على أنها تحمل في ذاتها إجراءات عملية للتوصيف بغض النظر عن أصل المعنى اللغوي كما في الجناس الناقص والأفعال الناقصة، على الرغم من أنه لا مصطلح يسكّ في الغالب بعيدا عن المعنى اللغوي الأصلي، إلا أن قوانين اللغة العربية تتيح للمشتغلين بها نقل الدلالة من معنى سلبيّ إلى معنى إيجابي أو العكس، وعند تطبيق هذا القانون على مفهوم "الإنقاص" سيصبح له معنى مفهوميّ آخر يندرج في المعنى الإيجابي، عدا أنه كل إنقاص هو قائم على الحذف والاستبعاد والانتقائية في الاستخدام اللغوي، كما هو مثلا في ديوان "هي جملة اسمية" القائم على استبعاد الأفعال الناقصة والتامة وأسماء الأفعال، وقائم أيضا على استبعاد الأساليب اللغوية التي تندرج نحويا ضمن الجملة الفعلية حتى وإن خلت من الأفعال، كجملة النداء وأسلوب التحذير والإغراء على سبيل المثال.

ولهذه الحالة من نقل الدلالة السلبية إلى الإيجابية نظائر في الثقافة العربية، كما في مثال الحنفية، فأصل الحنف الاعوجاج: "حَنِفَ الرَّجُلُ: اِعْوَجَّتْ قَدَمُهُ وَمَالَتْ"، وهو عيب فيه، لكنّ الدلالة انتقلت من هذا المعنى إلى معنى الاستقامة مع الدين الإسلامي الذي كان جديدا على العرب، ووصف بأنه "الحنيفية السمحاء"، وصار يحمل معنى الميل عن الشر إلى الخير، بل حلت هذه الصفة محل الاسمية، وصارت اسما علما إيجابيّ الدلالة، ونسي أمر العيب والعوج.

وبهذا يتحدد مفهوم "الإنقاص البلاغي" بأنه "طريقة أسلوبية في بناء النص قائمة على استبعاد بعض العناصر اللغوية، بحثا عن الانسجام العام للبنية اللغوية الجديدة"، ولهذه الحالة من التركيب النصي البلاغي القائم على "الإنقاص" عدا استخدام الجملة الاسمية في التعبير، واستبعاد كل ما له علاقة بالفعل، ما وجد في أساليب إنشائية استخدمها الكتاب، كما أثر عن واصل بن عطاء مثلا في استبعاده حرف الراء من واحدة من خطبه كونه يلثغ في هذا الحرف، فجاء الإنقاص بلاغيا، انعكس على مقدرة منشئ النص في إنتاج نص دون أن يقع في فخ إظهار العيب الخلقي الذي عنده، فصار الإنقاص ساتراً للعيب، فدخل النص بهذه الوظيفة المصاحبة، ألا وهي "ستر العيب" إلى مؤشر البلاغة العالي، ليكتسب النص شعريته اللافتة، وتدل على اقتدار صاحبها، "وقدرة فنية لا تتأتى إلا للأفذاذ من الخطباء". وعلى أية حال، لم تكن خطبته الوحيدة في تجنب الخطيب حرفا معيّناً، فقد ورد في كتب التراث أن أحمد بن علي بن الزيات المالقي أنشأ خطبة "نزع منها حرف الألف". 

ولم يخلُ القرآن الكريم من هذه التقنية البلاغية، فقد خلت سورة الإخلاص من حرف الراء، وخلت سورة الكوثر من حرف الميم، كما وجدت في القرآن الكريم آيات كاملة مصوغة باستخدام الجمل الاسمية، كما بينت في موقعه من كتاب "سرّ الجملة الاسميّة"، ومن مظاهر الإنقاص البلاغي في القرآن الكريم ظاهرة الحروف المقطعة، وشكلت  ظاهرة استنفدت جهدا معينا لدى المفسرين للوقوف عند دلالتها. 

ومن الإنقاص البلاغي بناء سورة الناس على فاصلة واحدة، مكررة في لفظ "ناس"، حتى مع اختلاف كلمة الخنّاس في فاصلة الآية الرابعة إلا أنها تنتهي باللفظ نفسه، الذي تكرر في الآيات الخمسة الأخرى. وهذا النسق من اعتماد فاصلة واحدة بكلمة واحدة هو الذي أدخل التركيب النصي كاملا للسورة بمفهوم "الإنقاص البلاغي"، لأنه خالف المعهود في بناء النص المسجوع على تعدد في كلمات الفاصلة، ومع تعدد الفاصلة ذاتها، ففي المسألة استبعاد ومخالفة.

ومثل ذلك جاء في الشعر العربي عندما بنى أحدهم قافية قصيدته على لفظ "تجدني"، وهي جملة فعلية كاملة، ومن ذلك أورد هذه الأبيات:

أنا الموجود فاطلبني تجـــدني فإن تطلب سواي فلا تجدني

تجدني  أيــــــن  تطلبني  عتيداً قريباً منــــــك فاطلـــبني تجـــــدني

تجدني في سواد الليل عبدي قريباً منــــــك فاطلبــــني تجدني

ومثل هذه القصيدة ما فعله الشاعر أبو إسحاق الألبيري الأندلسي في بناء قصيدة له مكونة (53) بيتا على لفظ الجلالة "الله" في القافية، ويقدم محقق الديوان للقصيدة بقوله: "تختلف هذه القصيدة عن أصول الشعر العربي بتكرار كلمة واحدة لا تتغير من أول القصيدة إلى آخرها في قافية البيت". أقتبس من القصيدة أول ثلاثة أبيات:

يــــــــا  أيــــــها  الْمُغْــــــــــتَرُ  باللــــــــــه    فِـــــرّ مـــــــــــن الله إلى الله

ولذ به واسأله من فضـله فقد نجا من لاذ بالله

وقـــــم له والليل في جنحه فحــــــبذا مــــــــن قام لله

ومثل ذلك فعل في قصيدة أخرى مكونة من (37) بيتا يبني أبياتها كلها على لفظ "نار"، فهذا الالتزام في هذه القصائد ومثيلاتها يحقق نسقا واحدا في القافية محكوم بكلمة واحدة، حيث يبتعد الشاعر عن التنويع في القافية فكأنه اختار أن يبعد كل القوافي المحتملة ويبقي على واحدة فقط، مخالفا أيضا ما عرف عند علماء العروض من مغبة الوقوع في الإيطاء، وهو أحد عيوب القافية عندما يكرر الشاعر لفظا في القافية في أقل من سبعة أبيات، 

وتختلف هذه الظاهرة عن بناء القصيدة على كلمة واحدة من المشترك اللفظي؛ مما اتفق لفظه، واختلف معناه في كل مرة، كما جاء في قصيدة "العين":

إني لأذكر أياماً بها، ولنا في كل إصباح يوم قــــــرة العين

تدني معلقة منا معتقة تشجّها عــذبة من نابــــع العين

إذا تمززها شیخ به طرق   سرت بقوتها في الساق والعين

مع أنه يمكن كذلك أن يكون هذا الشكل من القافية نوعاً من "الإنقاص البلاغي" كذلك، لأنه يتحقق فيه الاستبعاد والانتقاء، ويحقق شرط القافية في القصيدة القديمة في تجنب عيب الإيطاء، إذ لا يعد إيطاء تكرار اللفظ مع اختلاف المعنى في كلّ مرة.

ومن هذه التقنيات الأسلوبية الداخلة في مصطلح "الإنقاص البلاغي" ما فعله بعض شعراء العصر المملوكي من إنشائهم للنصوص المتشكلة من الحروف المعجمة أو المهملة، وهذه عملية يلزمها سعة اطلاع وقدرة فنية تجعل الكلام سلسا ذا معنى، ولا يشعر السامع أو القارئ إلى الاحتياج إلى شيء آخر لفهم النص أو تركيبته، وهي قائمة على الانتقاء والاستبعاد كذلك.

إذاً يقوم هذا المصطلح على الاستبعاد والاستبدال والإسقاط والانتقاء ومخالفة معهود بناء النص، ضمن شرط وحيد لا يمكن التخلي عنه، وهو إتمام المعنى، فالإنقاص يشترك مع الحذف ومع التكثيف في هذا الشرط، لكن يفارقه في أن الإنقاص تقنية عامة تحكم النص كاملا، لا جزئية فيه، وتخلق قانونها الخاص، كما في الأمثلة السابقة، حيث صيغت السور القرآنية  والخطب والقصائد بهذه الكيفية، وهي التقنيات نفسها التي تم فيها إنتاج ديوان "هي جملة اسمية".

وأفضل توصيف يمكن أن أطلقه على مفهوم "الإنقاص البلاغي" ما قاله الدكتور أحمد فوزي الهيب في دراسته عن "التصنع وروح العصر المملوكي"، إذ يصف أحد شكلي تلك الصنعة؛ البسيط والكلي، يقول عن الشكل الكليّ: "شكل معماري فني كلي منظم، يتبع مخططاً دقيقـاً، ويعنـي بالمظهر الكلي للعمـل، كأنه حديقة رسم مخططها مهندس قدير، فجعلها مرتبة، قائمـة أقسامها وساحاتها على التشابه والتناظر والتكامـل، ذات بدايـة ونظام لا تتعداه ولا تخالفه، بل تخضع له كل جزئياتها خضوعاً تاماً"، ويزيد المسألة وضوحا وشرحا في موضع آخر من كتابه بقوله: "ليحقق شكلاً معمارياً فنياً ذا طابع كلي، قد وضع له صاحبه خطته المحكمـة المدروسة المرسومة بعناية قبل أن يبدأ به، ثم سار في تنفيذها بخطى ثابتة دقيقة فنية". 

وهذا ما حققته في ديوان "هي جملة اسمية"، وما حققه كل شاعر لجأ إلى الصنعة الكلية، ففي الديوان- بحكم أنه كتاب شعر- صور أدبية واستعارات وانزياحات لغوية، وفنون من البلاغة اللفظية والمعنوية والاشتغال اللغوي على مستوى اللفظ كما في هذه الجملة: "جسدي بين يديكَ عطريٌّ، طريٌّ، رِيُّ"، فالكلمات الثلاثة الأخيرة بينها جناس عن طريق الإنقاص الحرفيّ في كل مرة، إذ ينتمي هذا المثال إلى الجناس الناقص الذي ينقص فيه عدد حروف إحدى الكلمتين عن الأخرى، وجاء هذا المثال في الكلمات الثلاثة، وليس بين كلمتين كما هو معهود الجناس الناقص. 

كما ورد في الديوان مقطع لا يحسن معه أن يُسمع من القارئ، بل أن يُقرأ بالعين، لأن القراءة التقليدية لا تعطي المعنى حقه، لأن المعنى يعتمد ما هو مكتوب لإدراكه؛ فرسم علامة الترقيم التي لا يتلفظ بها في العادة ركن أساسي في المعنى، وفي هذه المخالفة أيضا خروج عن المعهود، وهذا الخروج يدخله في مفهوم "الإنقاص البلاغي" الجزئي:

هي هَذِهِ (!)

وأنا هذهْ (؟)

والحبّ فاصلة كخطوة واثقة نحو الأمام (،)

وعلامة التّنصيص " " عاجزة عن حفظ روح ثائرة

والطّريق انعدام الوقفِ في هذي اللغةْ

وحذف علامة الترقيم في نهاية المقطع جزء من هذه التقنية القائمة على "الاستبعاد"، تحقيقا للمعنى الذي تطلبه الجملة في السطر الأخير، فلو وضعت النقطة (.) لاختلّ المعنى وفقدت فكرته.

ومثل هذا الاشتغال المحكوم ببنية الكلمة والسطر كثيرة في الديوان، إنما المقصود منه ليس هذه الاشتغالات اللغوية والبلاغية الجزئية وإن كانت تتفق مع فكرة "الإنقاص البلاغي"، إنما القصدية الواضحة منذ البداية ليكون على هذه الشاكلة هي الفكرة الكلية التي أنشئ من أجلها الكتاب ليكون مكتوباً بتقنية الجملة الاسمية، فهو عمل فني واعٍ مدروس تماماً، مشغول بتؤدة وصبر، ليحقق شعريته المبتغاة.

وبناء على كل ما تقدم، فإن مفهوم "الإنقاص البلاغي" ليس فرعا على مسائل الحذف المتنوعة التي أشرت إليها في البند الأول، وليست محسوبة كذلك على التكثيف الوارد في المسألة الثانية من هذه المقالة، فقد يكثر معه الإطناب والتطويل لإظهار البراعة اللغوية كما في المقامات الأدبية مثلاً. 

وليس هذا المفهوم بين الحذف والتكثيف، إنما الأمر مختلف تماما، يتحكم فيه نظرة شاملة في إنتاج النص، بحيث يحكم كل جزئية فيه، ولا يمنع هذا أن يأتي على مستوى السطر أو المقطع، ويقوم على تقنيات لغوية عامة ويصبح ملمحا من ملامحه المميزة، ولذا يصبح للنص قانونه الذي يعمل فيه وينطبق عليه، لكنه قائم على فكرة الإنقاص بمعنى الاستبعاد- كما بينتها أعلاه- برؤية واضحة لتحقيق فكرة بلاغية، لا الإنقاص اللغوي الذي يؤدي معنى النقص والعيب.