التفكير الفلسفي الحاذق هو محاولة البدء من جديد، مقاربة استئنافية/ د زهير الخويلدي



مقدمة

في عالم يتسارع فيه التقدم التكنولوجي والتغيرات الاجتماعية، يبرز التفكير الفلسفي كأداة أساسية لفهم الوجود البشري. العبارة "التفكير الفلسفي الحاذق هو محاولة البدء من جديد" تلخص جوهر الفلسفة كعملية إعادة بناء المعرفة من أساسها، بعيدًا عن الافتراضات المسبقة والتقاليد الموروثة. هذه العبارة، التي تتردد في سياقات فلسفية عربية وغربية، تعكس فكرة أن الفلسفة ليست مجرد تكرار للأفكار القديمة، بل هي جهد حاذق – أي ذكي ومتبصر – لإعادة النظر في الواقع من نقطة الصفر.  تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف هذه الفكرة بشكل موسع، من خلال تحليل تاريخي ونظري. سنبدأ بتتبع أصول التفكير الفلسفي، ثم نناقش مفهوم "الحذق" في السياق الفلسفي، وأخيرًا نستعرض كيف يمثل هذا التفكير محاولة للبدء من جديد في مواجهة التحديات المعاصرة. الدراسة تعتمد على مصادر فلسفية كلاسيكية وحديثة، مع التركيز على السياق العربي-إسلامي لتعزيز الصلة الثقافية. فكيف يمكن استئناف القول الفلسفي على نحو مختلف؟


أصول التفكير الفلسفي: من اليونان إلى العصر العربي الإسلامي

يُعد التفكير الفلسفي نشاطًا بشريًا قديمًا، يعود إلى حضارات مثل الفراعنة واليونانيين. كما يشير بعض الباحثين، فإن الفلسفة لا بداية لها ولا تاريخ محدد، إذ كانت موجودة في أشكال أولية عند الفراعنة قبل أن تتبلور في اليونان.  في اليونان، كان سقراط (470-399 ق.م) رائدًا في هذا التفكير الحاذق، حيث اعتمد على المنهج الجدلي (المايوتيكا) لإعادة الولادة الفكرية، محاولًا استخراج الحقيقة من خلال السؤال المستمر. يرى سقراط أن التفكير الحقيقي يخاطب العقل للوصول إلى الحقيقة المجردة، بعيدًا عن الغرائز والشهوات، مما يجعله محاولة للبدء من جديد ضد التقاليد السفسطائية. في السياق العربي-إسلامي، انتقل هذا التفكير عبر الترجمات والتأليفات. الفلاسفة مثل ابن سينا (980-1037 م) وابن رشد (1126-1198 م) طوروا التفكير الفلسفي كعملية نقدية، حيث سعوا إلى التوفيق بين العقل والنقل. على سبيل المثال، في "الشفاء" لابن سينا، يُعاد بناء المعرفة من أساسها العقلي، مما يعكس فكرة البدء من جديد. هذا التفكير الحاذق في العصر الإسلامي كان خروجًا على المألوف، يبحث عن الحقيقة بعيدًا عن الاعتقادات الشائعة.  كما أن الفلسفة الإسلامية أكدت على أن التفكير العقلاني هو الأسلوب الصحيح للنقد، متجاوزًا الشك المذهبي إلى بناء معرفة جديدة.


مفهوم "الحذق" في التفكير الفلسفي

"الحذق" في اللغة العربية يعني الذكاء والتبصر، وفي السياق الفلسفي، يشير إلى التفكير النقدي الذي يتجاوز السطحي. التفكير الفلسفي الحاذق ليس حفظًا للمذاهب، بل منهج في النظر إلى الأمور، يبدأ بالتحرر من الوصايات والبداهات غير البديهية.  هذا المفهوم يتردد في الفلسفة الحديثة، كما عند رينيه ديكارت (1596-1650 م) في "تأملات في الفلسفة الأولى"، حيث يبدأ من الشك المنهجي ليصل إلى "أنا أفكر إذن أنا موجود"، محاولة لبدء من جديد بعيدًا عن الافتراضات. في الفلسفة المعاصرة، يعكس جيل دولوز (1925-1995 م) هذه الفكرة في "ما هي الفلسفة؟"، حيث يرى الفلسفة كاختراع مفاهيم جديدة، محاولة للبدء من جديد ضد الرأسمالية والاستهلاك. أما مارتن هيدجر (1889-1976 م)، فيؤكد في "الوجود والزمن" على "التفكير الأصيل" كعودة إلى الأساسيات، محذرًا من أن عصرنا يفتقر إلى التفكير الحقيقي. في السياق العربي، يواجه التفلسف تحديات مثل الاتهامات بالكفر، مما يجعل الحذق ضروريًا لإعادة بناء الفكر بعيدًا عن التقاليد الجامدة. التفكير الحاذق يتجلى أيضًا في التفريق بين التفكير الداخلي (الصامت) والخارجي (اللغوي)، حيث يعبر الثاني عن الأول ليبني واقعًا جديدًا.  هذا يجعل الفلسفة نشاطًا ديناميكيًا، لا موضوعًا ثابتًا، كما يقول برتراند راسل في "مشكلات الفلسفة".


التفكير الفلسفي كمحاولة للبدء من جديد: التحديات المعاصرة

في العصر الحديث، يمثل التفكير الفلسفي الحاذق محاولة للبدء من جديد أمام التحديات مثل العولمة والذكاء الاصطناعي. الفيلسوف الفرنسي آلان باديو يرى الفلسفة كأداة لتبيان الحقائق ومنح الشجاعة للناس، محاولة لإعادة "انوجاد" الوجود في عالم يسيطر عليه الوهم.  في السياق العربي، يواجه التفلسف مأزقًا بسبب الإرث الاستعماري والانقسامات، لكنه يظل ضروريًا لإعادة بناء الهوية. على سبيل المثال، في علم الاجتماع، يرتبط التفكير الفلسفي بفهم العلل الأولى للأشياء، محاولة لفصل الحق من الوهم.  هذا يتطلب نقدًا للأنماط السائدة، كما في فلسفة فرانكفورت، حيث يُعاد التفكير في المجتمع من جديد. مع انتشار الذكاء الاصطناعي، يصبح التفكير الحاذق ضروريًا لإعادة تعريف الإنسانية، محاولة لبدء من جديد ضد الآلة.


ديكارت واستئناف البدء

رينيه ديكارت (1596-1650 م)، الفيلسوف الفرنسي الشهير، يُعتبر أحد أعمدة الفلسفة الحديثة، وغالباً ما يُلقب بـ"أبي الفلسفة الحديثة". فلسفته تمثل تحولاً جذرياً عن الفلسفة المدرسية السائدة في العصور الوسطى، حيث سعى إلى بناء نظام معرفي قائم على العقل والشك المنهجي، بعيداً عن السلطات التقليدية مثل أرسطو أو الكنيسة. العبارة الشهيرة "أنا أفكر، إذن أنا موجود" تلخص جوهر فلسفته، لكنها مجرد نقطة انطلاق في بناء معماري فلسفي يشمل المعرفة، الوجود، الله، والعلاقة بين العقل والجسد. تهدف هذه التوسعة إلى استئناف البدء في فلسفة ديكارت بشكل موسع ومسترسل، من خلال تحليل أبرز أفكاره، سياقها التاريخي، وتأثيرها على الفكر اللاحق. سنعتمد على أعماله الرئيسية مثل "خطاب في المنهج" (1637 م)، "تأملات في الفلسفة الأولى" (1641 م)، و"مبادئ الفلسفة" (1644 م)، مع التركيز على الجوانب النظرية والتطبيقية. هذا التوسع ليس مجرد سرد تاريخي، بل تحليل نقدي يبرز كيف أن فلسفة ديكارت تمثل محاولة للبدء من جديد في التفكير الفلسفي، كما في مقاربة العقلانية والشك. ولد ديكارت في فرنسا في عصر النهضة والإصلاح الديني، حيث كانت أوروبا تشهد صراعات دينية وعلمية. تأثر بتعليمه اليسوعي في كلية لا فليش، لكنه سرعان ما رفض المناهج التقليدية، معتبراً إياها غير موثوقة. خدم في الجيش الهولندي، ثم سافر إلى ألمانيا حيث رأى في عام 1619 "رؤيا" ألهمته بفكرة المنهج العلمي الموحد. استقر في هولندا ليهرب من الرقابة الكنسية، وتوفي في السويد بعد دعوة من الملكة كريستينا.في سياقه التاريخي، جاءت فلسفة ديكارت كرد فعل على الشكوكية المتطرفة لمونتاني وتأثير الثورة العلمية (غاليليو، كبلر). سعى ديكارت إلى إعادة بناء المعرفة على أسس صلبة، مستوحى من الرياضيات، حيث رأى فيها نموذجاً لليقين. هذا السياق يفسر لماذا كانت فلسفته مزيجاً بين الفلسفة والعلم، مما أثر على نيوتن وكانط لاحقاً. يبدأ ديكارت فلسفته بالشك المنهجي، وهو ليس شكاً سلبياً بل أداة للوصول إلى اليقين. في "التأملات"، يقسم الشك إلى مراحل: أولاً، شك في الحواس لأنها قد تخدع (مثل الوهم البصري)؛ ثانياً، شك في الواقع مقابل الحلم؛ ثالثاً، افتراض "شيطان خبيث" يخدعنا في كل شيء، بما في ذلك الحقائق الرياضية البسيطة مثل 2+3=5.هذا الشك ليس نهاية، بل بداية: من خلاله، يصل ديكارت إلى اليقين الأول: "أنا أفكر، إذن أنا موجود". هنا، يبرز العقل كأداة وحيدة للمعرفة، حيث أن الشك نفسه يثبت وجود الشاك (العقل). هذا الـ"كوجيتو" يمثل نقطة الصفر في الفلسفة الحديثة، محاولة للبدء من جديد بعيداً عن الافتراضات. النقاد مثل نيتشه رأوا فيه فردانية مفرطة، بينما يمدحه هيغل كأساس للفلسفة المثالية.

بعد الـ"كوجيتو"، ينتقل ديكارت إلى إثبات وجود الله كضمان للمعرفة. يقدم ثلاث براهين: الأولى أنطولوجية (مثل أنسلم)، حيث فكرة الكائن الكامل (الله) تشمل الوجود؛ الثانية كوزمولوجية، حيث يجب أن يكون هناك سبب كامل لفكرة الكمال في ذهني؛ الثالثة تعتمد على أن الله غير مخادع، لذا يضمن صدق المعرفة الواضحة والمتميزة.بهذا، يستعيد ديكارت الثقة في العالم الخارجي: الحواس موثوقة إذا استخدمناها بحذر، والرياضيات يقينية لأنها واضحة. هذا الجانب الديني في فلسفته يعكس سياقه الكاثوليكي، لكنه أثار انتقادات من الكنيسة، مما أدى إلى وضع أعماله في قائمة الكتب الممنوعة عام 1663. في التوسع، يمكن رؤية هذا كجسر بين العقلانية واللاهوت، مؤثراً على سبينوزا الذي طوره إلى بانثيسم. أحد أبرز مساهمات ديكارت هو الازدواجية (الديواليزم)، حيث يقسم الوجود إلى جوهرين: الجوهر المفكر (العقل، res cogitans) غير الممتد، والجوهر الممتد (الجسد، res extensa) المادي. العقل حر وغير خاضع للقوانين الفيزيائية، بينما الجسد آلة ميكانيكية تخضع لقوانين الطبيعة.في "العواطف النفسية" (1649 م)، يشرح ديكارت كيف يتفاعل العقل والجسد عبر الغدة الصنوبرية في الدماغ، لكن هذا أثار مشكلة "التفاعل": كيف يؤثر غير المادي على المادي؟ النقاد مثل جيلبرت رايل وصفوها بـ"الشبح في الآلة"، بينما أثرت على علم النفس الحديث، مثل فرويد. في التوسع، تظل هذه الازدواجية محور نقاشات فلسفة العقل المعاصرة، خاصة مع الذكاء الاصطناعي الذي يتحدى فكرة العقل غير المادي  ل م تقتصر فلسفة ديكارت على الميتافيزيقا؛ في "خطاب في المنهج"، يقدم أربع قواعد للمنهج: عدم قبول إلا الواضح، تقسيم المشكلات، ترتيب الأفكار من البسيط إلى المعقد، والمراجعة الشاملة. هذا المنهج أثر على العلم الحديث، حيث طور ديكارت الهندسة التحليلية (الإحداثيات الديكارتية)، رابطاً الجبر بالهندسة.في الفيزياء، رأى الكون كآلة ميكانيكية، مع قوانين الحركة التي ألهمت نيوتن. هذا التوسع العلمي يجعل ديكارت فيلسوفاً متعدد التخصصات، لكنه أثار انتقادات لأنه رفض الفراغ، معتبراً الكون مليئاً بالدوامات. أثرت فلسفة ديكارت على العقلانيين مثل لايبنتز، والتجريبيين مثل لوك الذين رفضوا الأفكار الفطرية. في القرن العشرين، انتقد هوسرل الازدواجية، بينما طور سارتر الـ"كوجيتو" في الوجودية. في السياق العربي، تأثر الفلاسفة مثل محمد عابد الجابري بديكارت في نقد التراث، رابطاً الشك المنهجي بإعادة قراءة ابن رشد. النقد الرئيسي يأتي من النسوية (لأنه أهمل الجسد) والما بعد حداثيين مثل دريدا الذين رأوا فيه مركزية أوروبية. مع ذلك، تبقى فلسفته أساسية لفهم الحداثة.


خاتمة

التفكير الفلسفي الحاذق، كمحاولة للبدء من جديد، هو جوهر الفلسفة التي تخضع كل شيء لمساءلة العقل.

 من سقراط إلى باديو، مرورًا بالفلاسفة العرب، يظل هذا التفكير أداة للتحرر والإبداع. في عالمنا اليوم، يدعو إلى إعادة بناء المعرفة لمواجهة التحديات، محافظًا على قدرة الإنسان على التجديد. هذه الدراسة تؤكد أن الفلسفة ليست نهاية، بل بداية مستمرة. فلسفة ديكارت تمثل توسعاً في التفكير الفلسفي، محاولة جريئة للبدء من جديد عبر الشك والعقل. رغم عيوبها، مثل مشكلة الازدواجية، فإنها أسست للعلم والفلسفة الحديثة، محفزة على النقد المستمر. في عصرنا، مع التقدم العلمي، يظل ديكارت مصدر إلهام لفهم الوعي والوجود، داعياً إلى عقلانية لا تنتهي.  فمتى تصير الفلسفة شأنا عموميا عندنا؟


كاتب فلسفي

بدر شاكر السياب/ د. عدنان الظاهر

   



 

1 ـ  تمثالٌ على نهر


هل أنحو منحى تمثال السيابِ

يتأبط جسراً للمطرِ الساقط في مقهى العشّارِ

ويقلّد في أقسى ساعات الأفلاسِ

طبيعةَ أسفار "الجاحظ" لا تسقط إلا

في ملكوت رفوف خطير الأفكارِ؟ .

الصخر المنحوت ملائكة ملأى بالحمّى

تكفر بالنخلة والبصرة والزنج وبالأسحارِ(1)

صدئت أبوابُ الغيم فلا ركبٌ يسري

أو يقطع مرحلة أخرى 

بعدك أو يحدو صوتاً فردا

في فُلْك بحور الأشعارِ

لا مركبةٌ تنتظر الوحي أميرا

أو ملكا ضليلا 

في بوابة عشتارِ .

ما هذا الوهم المرسوم بأصباغ الأقدار

ما هذا الهم يغلف أقنعة الموتى بالجوع المزدوج الأسوار

ويغوص الى ما تحت خطوط الفقر الحمراء ؟

هل حتفك يا بدر مسيرة أقدار عمياء 

وحنوطك في صدر غريب العلة مثلي يذروه الحلاج رمادا

في دجلة خير الأنهار(2) ؟


  2 ـ القيامة

قم ...          

قم وأقرأ من وجع في الصدر عميق الأغوار

آيات تنضح بالشكوى شعرا

وارفع روحك نارا تتغذى

من طور اله الأطوار

تقدح فيها بشرا من حطب مذ بابل مختوما باللعنة والبلوى

أخرس " كالمومس أعمى" (3)

 مؤودا ذكرا أو أنثى حيا 

قربان اله اليمن القمري .

هل أسمع فيك نشيد السحر الأسمى

يتردد في أعلى طبقات مقام الأمطار

يأتي المربد أحيانا صيفا

فأنا مختار الغربة منفي الدفة والمرسى

والمركب في دجلة غرقان .


3 ـ جيكور والهور

                 

الشعر منارة قداس في دير الرهبان

أو شطحة صوفي يتدرج في سلم طيات الأيمان

مريدا حينا

وحلولا ما بين النفس الأمارة بالسوء الحيرى

وغموض مغارة روح الأنسان

فاصدح بالرئة التعبى (4)

مثلك لا يخشى طارقة العقبى

عقباك هي الأدمى فينا والأشقى :


الهوامش : 

(1) - " عيناك غابتا نخيل ساعة السحر " - مطلع قصيدة "أنشودة المطر         

للشاعر السياب .

(2) - قال أبو العلاء المعري :

            شربنا ماء دجلة خير ماء      وزرنا أشرف الشجر النخيلا

(3) - " المومس العمياء " - قصيدة معروفة للسياب .

(4) - " من أيما رئة من أي قيثار " - من قصيدة " بورت سعيد " للسياب.

(5) - " سفر أيوب " - قصيدة للشاعر السياب .

(6) - " غريب على الخليج " - قصيدة للسياب .

(7) - قصيدة " الأسلحة والأطفال " - وغيلان هو الأبن الأكبر للسياب



الوجود الجيوسياسي للأمة العربية بصدد التفكك والتفكيك الممنهج للذات الحضارية من طرف الهجمة الصهيوامبريالية، مقاربة مابعد كولونيالية/ د زهير الخويلدي



مقدمة

في عصرنا الحالي، يُعد الوجود الجيوسياسي للأمة العربية أحد أبرز التحديات التي تواجه العالم العربي، حيث يتجلى في صراع مستمر بين قوى الوحدة الحضارية والقوى الخارجية التي تسعى إلى تفكيكها. يركز هذا البحث على عملية التفكك والتفكيك الممنهج للذات الحضارية العربية، الناتجة عن ما يُعرف بالهجمة الصهيونية-الإمبريالية، وذلك من خلال مقاربة ما بعد كولونيالية. هذه المقاربة، المستوحاة من أعمال مفكرين مثل إدوارد سعيد في "الاستشراق" وفرانز فانون في "معذبو الأرض"، تكشف كيف أن الاستعمار لم ينتهِ مع استقلال الدول، بل تحول إلى أشكال جديدة من الهيمنة الثقافية والسياسية والاقتصادية. الأمة العربية، ككيان حضاري يمتد من المحيط إلى الخليج، شهدت تاريخيًا وحدة ثقافية ولغوية ودينية، لكنها تعرضت لعمليات تفكيك ممنهجة بدءًا من العصر الاستعماري. الهجمة الصهيونية-الإمبريالية، كما سنرى، ليست مجرد صراع إقليمي حول فلسطين، بل هي جزء من استراتيجية إمبريالية أوسع تهدف إلى إضعاف الوحدة العربية لضمان السيطرة على الموارد والطرق الاستراتيجية. يعتمد هذا البحث على تحليل تاريخي ونظري، مستندًا إلى مصادر متنوعة تمثل آراء عربية وغربية وإسرائيلية، ليبرز كيف أن هذا التفكك يؤثر على الهوية الحضارية العربية، ويفتح آفاقًا لإعادة البناء.


الوجود الجيوسياسي للأمة العربية: أسس تاريخية وتحديات معاصرة

يشير الوجود الجيوسياسي للأمة العربية إلى موقعها الاستراتيجي في تقاطع القارات الثلاث (آسيا، أفريقيا، أوروبا)، ودورها في السيطرة على ممرات التجارة مثل قناة السويس وباب المندب، بالإضافة إلى ثرواتها النفطية والغازية. تاريخيًا، كانت الأمة العربية مركزًا حضاريًا في العصور الإسلامية، حيث ساهمت في العلوم والفنون والفلسفة، مما شكل هويتها الجماعية. ومع ذلك، مع دخول العصر الاستعماري في القرن التاسع عشر، بدأت عملية التفكيك. في مقاربة ما بعد كولونيالية، يُنظر إلى هذا الوجود كنتيجة لـ"الاستعمار الاستيطاني"، حيث فرضت القوى الاستعمارية مثل بريطانيا وفرنسا تقسيمات مصطنعة، كما في اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916، التي قسمت المنطقة إلى دول مصطنعة لتسهيل السيطرة. كما يشير الباحثون إلى أن هذا التقسيم لم يكن مجرد سياسي، بل ثقافي، حيث سعى إلى تفكيك الذات الحضارية العربية من خلال تعزيز الهويات الفرعية (قبلية، طائفية، إقليمية) على حساب الوحدة الجماعية.  هذا التفكك أدى إلى ظهور دول عربية ضعيفة، غير قادرة على مواجهة التحديات الخارجية، مما مهد الطريق للهجمات الإمبريالية اللاحقة. في العصر الحديث، يتجلى الوجود الجيوسياسي في صراعات مثل حرب الخليج (1991) وحرب العراق (2003)، التي أدت إلى تفكك الدولة العراقية وتعزيز الطائفية، مما يعكس كيف أن الإمبريالية تستخدم الصراعات الداخلية للحفاظ على هيمنتها.  كما أن الثورات العربية عام 2011، رغم أنها بدأت كحركات تحررية، أدت إلى مزيد من التفكك في ليبيا وسوريا واليمن، حيث تدخلت قوى خارجية لتعميق الفرقة.


التفكك والتفكيك الممنهج للذات الحضارية العربية

يُقصد بالتفكك الممنهج عملية منظمة تهدف إلى تفتيت الهوية الحضارية العربية، التي تتمثل في اللغة المشتركة، التراث الإسلامي، والتاريخ المشترك. من منظور ما بعد كولونيالي، يُرى هذا التفكيك كامتداد للاستعمار، حيث يُفرض "الآخر" (الغربي أو الصهيوني) كمعيار للحداثة، مما يؤدي إلى اغتراب الذات العربية. على سبيل المثال، يشير سعيد إلى "الاستشراق" كأداة لتصوير العرب كـ"متخلفين"، مما يبرر التدخل الإمبريالي. في سياق المنطقة العربية، أدى إنشاء دولة إسرائيل عام 1948 إلى النكبة، التي لم تكن مجرد نزوح فلسطيني، بل بداية لتفكيك الوحدة العربية. حرب 1967 أكدت هذا التفكك، حيث خسرت الدول العربية أراضيها، مما أضعف الروح الوحدوية وأدى إلى انحسار الفكر القومي العربي.  كما أن السياسات الإمبريالية، مثل دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، ساهمت في تعزيز الفرقة الطائفية، كما في العراق وسوريا، حيث أصبحت الهويات الفرعية أداة للسيطرة. في اليمن، على سبيل المثال، يُرى التفكك كنتيجة لتدخلات خارجية تحول الصراع الداخلي إلى حرب بالوكالة، مما يعكس كيف أن الإمبريالية تستغل الضعف الداخلي لتعميق التفتيت.  هذا التفكيك ليس سياسيًا فحسب، بل ثقافيًا، حيث يؤدي إلى فقدان الثقة في الذات الحضارية، وانتشار الاغتراب الثقافي كما وصفه فانون.


الهجمة الصهيونية-الإمبريالية: روابط وآليات

ترتبط الهجمة الصهيونية بالإمبريالية الغربية منذ البداية، حيث كانت الصهيونية أداة للاستعمار البريطاني في فلسطين. كما يشير الباحثون، فإن الصهيونية ليست مجرد حركة قومية يهودية، بل شكل من أشكال الاستعمار الاستيطاني الذي يهدف إلى "إزالة السكان الأصليين".  في فلسطين، أدى ذلك إلى تدمير الهوية العربية من خلال الاستيطان والحروب، كما في غزة حيث يُرى الصراع كامتداد للاستعمار. من منظور ما بعد كولونيالي، تُعتبر إسرائيل "قاعدة للإمبريالية الغربية" في المنطقة، حيث تساعد في منع الوحدة العربية لضمان تدفق النفط والسيطرة الاستراتيجية.  هذا الارتباط يظهر في الدعم الأمريكي لإسرائيل، الذي يتجاوز 3 مليارات دولار سنويًا، مما يعزز التفكك العربي. كما أن حرب أكتوبر 2023 في غزة كشفت عن حدود الهيمنة الإسرائيلية، حيث أدت إلى إعادة اكتشاف الوكالة العربية في الدبلوماسية. ومع ذلك، هناك آراء إسرائيلية ترى الصهيونية كحركة تحررية، لكنها تُنتقد في السياق الما بعد كولونيالي كشكل من أشكال الاستعمار الذي يعتمد على الإمبريالية للبقاء.


مقاربة ما بعد كولونيالية: إعادة قراءة التاريخ وآفاق المستقبل

تساعد النظرية الما بعد كولونيالية في فهم كيف أن الهجمة الصهيونية-الإمبريالية ليست مجرد عسكرية، بل ثقافية، حيث تفرض روايات تاريخية تُهمش الرواية العربية. على سبيل المثال، يُرى الاستعمار في فلسطين كـ"أرض بلا شعب"، مما يبرر الاحتلال.  هذه المقاربة تدعو إلى إعادة بناء الذات من خلال استرجاع التراث العربي-إسلامي، كما في نماذج العصر العثماني أو الحركات التحررية.


خاتمة

في المجمل، يُعد التفكك الممنهج تحديًا، لكنه يفتح فرصًا لإعادة الوحدة. مع ظهور قوى متعددة الأقطاب مثل الصين وروسيا، يمكن للعرب استعادة وكالتهم، كما في الدبلوماسية السعودية-الإيرانية.  يتطلب ذلك رفض الهويات المفتتة وبناء نموذج حضاري جديد يجمع بين التراث والحداثة، لضمان وجود جيوسياسي قوي. فكيف يمكن ايقاف موجات التفكك والتفكيك التي تهب بشكل عاصف على المنطقة العربية؟


كاتب فلسفي

الزِّيبْ وسعد الدِّين/ سعيد نفّاع

 


قصّة

لم يخطر مرّة على بال سعد الدِّين، وهو الذي التهمت منه الأيّام سبعًا وثمانين حولًا عجافًا، أن يقف في ذلك الصباح بين يديّ ملائكة الرحمة يؤنّبون إيّاه على عجوف سنيّه منذ ذلك الـ أيّار. كان البحر هائجًا في أيّار ذاك على غير عادة؛ ارتطام أمواجه في نواقير الناقورة يهزّ الأرض، وتئن تحت وقعه صخور الشاطئ القريب، وحتّى جزيرة "الزّيب" بصخرها الراسي عميقًا في البحر والتاريخ كانت تتأوّه، وهي التي يا ما تحمّلت من اللطم المبرح سنين وظلّت تضحك لـ الزِّيب إن ضحك أطفالها وتبكيها إن بكوا، ولشدّ ما كان يوحشها اليوم الذي يغيبون عنها مخِلّين بموعدهم وإيّاها حين يهدأ البحر، وهي هي التي كانت تدمع مآقيها إن دمعت عيون صبايا الزيب ونسائها فرحًا في مولد أو قرانٍ، أو حزنًا في مأتم أو فراق. ذاك الـ أيّار جعل تأوّهها أكثر إيلامًا وجعل دموعها أشدّ حرقة. 

كان سعد يرفل في حلم يا ما اشتاقته أحلامُه الطفوليّة، كان حمله طائر الرّخ ودار به حول الجزيرة إلى أن حطّه على صخرة من صخورها يداعب الموج أقدامها بحبّ أزليّ أبديّ، وإذ بحوريّة تشقّ الأمواج كما شقّت أفروديت القبرصيّة الصدفة حسب ما كان معلّم التاريخ البصّاوي حكا لهم، تملّكه الخوف إذ كان المعلّم حكى: إنّ أفروديت تنشقّ من البحر تخطف الشباب إلى الأولمب تلهو بهم ثمّ تتركهم بين شعابه هائمين، لكنّه اطمأنّ حين لم يرَ من حوريّته ما يوحي بنيّة اختطاف وراحت "أفروديته" تحكي له عن أيّار الأخير مترعة كأسه بدموع ليست كالدموع لم يفقه كنهها وقد كانت اختفت دون وداع، وانتظرها طويلًا علّها تكمل الحكاية. 

لم يعرف حينها وظلّ سبعًا وثمانين لا يعرف كيف اختفت، ما يعرف أنّه حينما اختفت حوريّته فجأة وجد نفسه بين حطام دمل أهله ونصف جسمه الأسفل، وجدها ترتجف بين أزيز يمزّق الفضاء. خلّص نفسه، وظلّ لا يعرف إن كان بكى أو لم يبكِ، ولكنّه ظلّ يذكر أنّ يديه عجزتا عن لقاء أبويه واخته هند التي كانت قدمها الصغيرة تطلّ من بين الركام. كان الصراخ والعويل يملأ الدنيا آتيًا من خلف الحطام، والناس تركض بين سُحب دخان في عشواء من أمرهم، لا يلبثون أن يلتمّوا في نهر بشريّ يجري شمالًا جرفه معه إلى حين هدّه ألم في رجليه فانتحى ضفّته وظلّ.

تلى أيّار أيّار وظلّت الزِّيب بعيدة وحوريّة الجزيرة غائبة وقدم هند تطلّ من بين الركام. حطّت به الدنيا على زيبيّة خلّاها النهر وراءه كما خلّاه، فأنجبا زيبيّات وزيبيّين كبروا قريبًا بعيدًا عن قصور رملٍ على شواطئ الزّيب، وبعيدًا عن ذكرها أمامه وقد رأوا اعتلاله عند ذكرها وإن عرَضًا. غير أن الأحفاد يا ما حكوا له عن بلدهم الزّيب والرمل والشواطئ والبحر، سائلين كلّ مرّة: "جدّي ليه ما تروح معنا على الزّيب!؟" فيبتسم دامعًا جابرًا بخاطرهم: "المرّة الـ جاي".

الزّيب صارت دولة؛ كلام يا ما سمعه ولم يفهم له معنى يومًا ولم يسأل. وصارت متنزّهًا تفترش رمالَ رابيتها وشاطئها أجسادُ عراةٍ تتقلّب متبادلة الأحضان متشمّسة نهارًا شبِقة ليلاً، ورغم ذلك ظلّت قريبة منه بعيدة، وظلّ خائفًا أن يدخلها ولو مواسيًا إيّاها في محنتها.

 إن كان استطاع ردّ حبِّه القاتلِ أن يزورها سبعًا وثمانين حولًا، لم يقوَ على ردّ ما حمل له ملائكة الرحمة ذاك الصباح وقد عجّفوا له سنيّه دون إفصاح. راح إلى الزّيب رهبة من تلك الزيارة السماويّة علّه يردّ لها جميل عشر سنين عليه خلاصًا لذمّته. كانت مسيّجة بأسلاك عالية سار بمحاذاتها يفتّش عن فتحة فوجدها وراح يخطو وعكّازه نحوها لا تكاد تحمله رجلاه. وما كاد حتّى جاءه صوتٌ من ورائه بلهجة عربيّة مشوّهة: 

_ يا حج وين رايح؟!" 

تلقائيّا:

_ على بلدي؟!

_ أيّ بلدك هذه؟! الدخول بدفع.. ارجع ادفع!

خارت قواه مرّة واحدة فتلقّفه رمل أرض الزّيب برفق المحبّ. راح يداعب الرمل بعكّازه يخلط قطرات دموعه التي انثالت حرّى مع حبّات الرمل التي تلقّفتها عطشى. داهمته رغبة أن يفترش الرمل. تمدّد وقد أغمض عينيه متكئا على مِرفقه الذي ما فتئ أن ارتخى فانزاح من تحت رأسه، وقبل أن يلامس رأسه الرمل تلقّفته أذرع حلّقت به في سماء الزّيب وراحت به بعيدًا.    


27 كانون الأوّل 2025



إلى العَامِ الجَدِيد/ الدكتور حاتم جوعيه

   


 ( " بمناسبةِ  عيد  رأس السَّنةِ  الميلاديَّةِ   ")  

  

أيُّهَا   العامُ  الجَديدْ 

أيُّ   بُشْرَى ... أيُّ  خير ٍ وَحُبُور ٍ وَهَناءْ

تحملُ الأنسامُ  من ندٍّ  ومن نفح ِ عبير ٍ وشَذاءْ  

أيقظِ  الآمالَ   فينا  والرَّجاءْ  

أيُّها   العامُ   الجديدْ  

أعطِنا  حُبًّا  ودِفئًا   وَسُكونا   وسَلامَا   

وحَنانا   وَوئامَا  

كيْ   نُعِيدْ    // 

بسمة َ الأطفالِ  للكونِ  الوَطِيدْ 

فعلى وقع ِ خطاكْ // يرقصُ القلبُ التياعًا وهيامَا 

لنغنِّ   فجْرَنا  المَنَنشُودَ   دومًا  ولِنزدَدْ   التِحَامَا  

أعطِنا  حُبًّا   لنجتازَ  الوهادَ  المُدْلهِمَّهْ 

نرسُمُ الأحلامَ ... ُنعلِي راية الأمجادِ في ذروةِ  قِمَّهْ 

فلنحَلّقْ  ما  وراءَ  المُنتهى  واللاوُجُود

ولنُحَرِّرْ روحَنا من عتمةِ  السِّجنِ  وأعباءِ القيودْ  

فلنُوَدِّعْ  عامَنا الماضي  ونخطُو  لِلقائِكْ  

قادِمٌ  أنتَ  إلينا ... ألفُ  مَرْحًى  لعِناقِكْ  

فعلى أعتابِكَ الوَسْنى شغافُ القلبِ تصبُو لِضِيَائِكْ   

ما الذي تحملهُ من فرح ِ الدنيا وألحانِ السَّعادهْ 

أيُّها المجهولُ فينا لكَ دومًا في حنايا الرُّوح ِ حُبٌّ وعبادَهْ  

هلْ  يعمُّ  السِّلمُ ... يخطو في  رُبَى الشَّرق ِ  الحبيبْ  

تشرقُ الشَّمسُ علينا ... يتهادى النورُ تيهًا ، بعدَ أن حَلَّ المَغيبْ  

سنغنِّي  للسَّلامْ  //  كلَّ  إطلالةِ   صُبْح ٍ  ومساءْ  

إنَّ فجرَ السِّلمِ  يأتي ... سوفَ  يأتي  ،  والضياءْ 

يغمرُ  الدنيا  وأركانَ  الفضاءْ  

 تبسمُ الزهارُ والأطيارُ والأقمارُ ... تزدادُ  سَناءْ  

ندفنُ  الآهاتِ   والحُزنَ   وأهوالَ  الشَّقاءْ 

فلنُغنِّ ولنصَلِّ  مع  خُطى العامِ  الجديدْ 

ولنوَدِّعْ عالمَ الماضي  وأطيافَ الشَّجَنْ    

إنّما  الهمُّ سرابٌ سوفَ يمضي  وَيُولِّي  ...                                                                                          

... يتلاشَى   في   متاهاتِ    الزَّمَنْ  

أترعُوا  الكأسَ   فهذا  اليومُ   عيدْ   //

أيُّ عيدٍ //  إيُّ  بُشرَى  //  إنَّهُ  أروعُ  عيدْ 

واشربُوها ، في سُمُوِّ الروح ِ ، مع عذبِ الأغاني والنشيدْ 

فلنعَلِّ  رايةَ َ الحبِّ  الوَطِيدَهْ  

ولنغنِّ فرحة َ العيدِ  السَّعيدَهْ 

أيُّها   العامُ  الجديدْ  

أيُّ   بُشْرَى  ... أيُّ   حُبٍّ  وحُبور ٍ   وَهَناءْ 

تحملُ الأنسامُ من ندٍّ ومن نفح ِ عبيرٍ وشَذاءْ  

أيقظِ  الآمالَ  فينا  والرَّجَاءْ      

أيُّهَا  العامُ  الحديدْ

أيُّها  العامُ  الجديدْ


خمائل قلبي/ الدكتورة بهية أحمد الطشم



يطفح قلبي بخمائل  ميوله,

وبشرف أحلامه,

ينشد معانقة المجد عناقاً طويلاً...

.......................

يستميت لأن يكون شهيداً على مذبح شغفه ,

يقضي عليّ بقضائه ويحاول رسم قدري حسب مشيئته.

يتوشّح ( قلبي) بنقاب خيالي, ويهزأ بأشواك السبيل لأنّه الصديق الأوفى لعقلي...

 يُناجي عبَقَ الاحلام الوردية ولا يصرف دقائق عمره مستسلماً لموائد الشهوات...........

.................................................

يكاد يؤاخي الحرية, 

يفعم بالشوق للآتي ,

ويتعالى سامياً ليلامس كمال احلامه....

قلبي.........

هو قلب حياتي,

يحصد ويجمع أغمار السنابل كي يهديها لطموحي الجائع,

ويطَمِعَ  دوماً بأفقٍ مذيعٍ لنبضاته.

الاستيطان المستتر: تفكيك الجغرافيا وإعادة تشكيل المكان الفلسطيني عبر المستوطنات/ الدكتور حسن العاصي



باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا


منذ عقود طويلة، ظلّت القضية الفلسطينية تتصدّر المشهد الدولي بوصفها واحدة من أعقد النزاعات في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد العسكرية، والسياسية، والإنسانية، والقانونية. وإذا كانت صور القصف والدمار في غزة، واعتقالات الفلسطينيين في الضفة الغربية، والاغتيالات التي تطال القيادات والنشطاء، هي ما يملأ شاشات الأخبار ويشدّ انتباه الرأي العام، فإن هناك مساراً آخر يجري بصمت، بعيداً عن الأضواء، لكنه لا يقل خطورة عن الحرب المفتوحة، بل ربما يفوقها أثراً على مستقبل الأرض والإنسان الفلسطيني. هذا المسار هو سياسة مصادرة الأراضي الفلسطينية وتوسيع المستوطنات الإسرائيلية، التي تُنفّذ بشكل تدريجي ومنهجي، تحت غطاء تشريعات داخلية إسرائيلية، وبحماية مباشرة من الجيش، في مخالفة صارخة للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.

تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أنّ عدد المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية تجاوز اليوم 700 ألف مستوطن، موزعين على أكثر من 279 مستوطنة وبؤرة استيطانية، وهو رقم تضاعف عدة مرات منذ اتفاقيات أوسلو في التسعينيات. هذه المستوطنات لا تُبنى في فراغ، بل على حساب أراضٍ فلسطينية مصادرة، تُقتطع قطعة بعد قطعة، لتتحول القرى والمدن الفلسطينية إلى جزر معزولة محاطة بالمستوطنات والطرق الالتفافية، في مشهد يهدد عملياً إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة.

القوانين الإسرائيلية الداخلية، مثل "قانون تنظيم المستوطنات" لعام 2017، شرّعت عملياً الاستيلاء على أراضٍ خاصة يملكها فلسطينيون، ومنحت غطاءً قانونياً للبؤر الاستيطانية غير المرخّصة سابقاً. هذا القانون، إلى جانب سياسات "أراضي الدولة" التي تُعلن بموجبها مساحات واسعة من الضفة الغربية كأراضٍ تابعة للدولة الإسرائيلية، مكّن من تحويل آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية الفلسطينية إلى مشاريع استيطانية جديدة. ووفق بيانات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (OCHA)، فقد خسر الفلسطينيون خلال العقدين الأخيرين عشرات آلاف الهكتارات من أراضيهم، فيما ارتفعت وتيرة البناء الاستيطاني بنسبة تفوق 20% سنوياً في بعض المناطق الحساسة مثل محيط القدس والخليل ونابلس.

الأثر المباشر لهذه السياسات يتجلى في حياة المزارعين الفلسطينيين الذين يُحرمون من الوصول إلى أراضيهم، ويواجهون اعتداءات يومية من المستوطنين تحت حماية الجيش الإسرائيلي. تقارير منظمات حقوقية مثل "بتسيلم" و"هيومن رايتس ووتش" وثّقت مئات الحالات التي تعرّض فيها المزارعون للضرب، أو اقتلاع أشجار الزيتون، أو منعهم من جني محاصيلهم، في محاولة منهجية لاقتلاعهم من أرضهم ودفعهم إلى الهجرة القسرية.

إن ما يحدث ليس مجرد توسع عمراني أو نزاع على ملكية أراضٍ، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى تفكيك الجغرافيا الفلسطينية وتحويل المدن والقرى إلى جزر معزولة، محاطة بالمستوطنات والطرق الالتفافية، بحيث يصبح من الصعب تصور قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. هي إستراتيجية سياسية طويلة الأمد تهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا في فلسطين التاريخية، بحيث يصبح الوجود الفلسطيني محاصراً ومفتتاً، وتغدو فكرة الدولة الفلسطينية مجرد وهم. وبينما ينشغل العالم بمشاهد الحرب في غزة، يجري في الضفة الغربية والقدس مسار "صامت" قد يؤدي في النهاية إلى محو الهوية المكانية الفلسطينية بالكامل، لنصحو يوماً على واقع لا نجد فيه مدينة فلسطينية واحدة متماسكة، ولا قرية قائمة بذاتها، بل مجرد تجمعات صغيرة محاصرة وسط بحر من المستوطنات.


البعد التاريخي للاستيطان في فلسطين

منذ بدايات المشروع الصهيوني في أواخر القرن التاسع عشر، ارتبطت فكرة إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين بمفهوم الاستيطان. الحركة الصهيونية التي نشأت في أوروبا اعتمدت على مقولة شهيرة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، وهي مقولة شكلت الأساس الأيديولوجي لتبرير الهجرة المنظمة إلى فلسطين، رغم أن الأرض كانت مأهولة بشعبها الفلسطيني منذ قرون طويلة.

مع الانتداب البريطاني على فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى، بدأت موجات الهجرة اليهودية تتزايد بشكل ملحوظ. ففي الفترة بين عامي 1920 و1947 وصل إلى فلسطين أكثر من نصف مليون مهاجر يهودي، بدعم مباشر من سلطات الانتداب التي وفرت لهم الأراضي والغطاء القانوني. هذه الهجرات أسست البنية الأولى للمستوطنات الزراعية والصناعية التي شكلت لاحقاً قاعدة الدولة الإسرائيلية.

عام 1948 كان نقطة التحول الكبرى، حيث أعلنت إسرائيل قيامها على أنقاض أكثر من 500 قرية فلسطينية دمرت أو أُفرغت من سكانها خلال النكبة، فيما شُرّد نحو 750 ألف فلسطيني خارج ديارهم. منذ ذلك التاريخ، لم يتوقف التوسع الاستيطاني، بل اتخذ أشكالاً جديدة مع كل مرحلة من مراحل الصراع.

بعد حرب 1967 واحتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، دخل الاستيطان مرحلة أكثر تنظيماً. إسرائيل بدأت ببناء مستوطنات دائمة في الأراضي المحتلة، واعتبرت هذه الأراضي "قابلة للتصرف" وفق قوانينها الداخلية. في غضون سنوات قليلة، ظهرت عشرات المستوطنات في الضفة الغربية، خاصة حول القدس والخليل ونابلس، بهدف خلق واقع ديموغرافي جديد يغير طبيعة الأرض ويصعّب أي انسحاب مستقبلي.

بحسب مركز الأبحاث الفلسطيني، تضاعف عدد المستوطنين في الضفة الغربية بشكل متسارع منذ السبعينيات. ففي عام 1972 كان عددهم لا يتجاوز 1,500 مستوطن، بينما وصل في منتصف الثمانينيات إلى نحو 50 ألفاً، ثم قفز إلى أكثر من 200 ألف بحلول منتصف التسعينيات. اليوم، تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن العدد تجاوز 700 ألف مستوطن موزعين على 279 مستوطنة وبؤرة استيطانية، وهو رقم يعكس حجم التوسع المستمر رغم الإدانات الدولية.

هذا التوسع لم يكن عشوائياً، بل جاء وفق خطط مدروسة. إسرائيل اعتمدت سياسة "الأطواق الاستيطانية" حول المدن الفلسطينية الكبرى، مثل القدس ورام الله ونابلس، بحيث تُحاصر هذه المدن بمستوطنات وطرق التفافية، ما يؤدي إلى تقطيع أوصال الجغرافيا الفلسطينية وتحويلها إلى كانتونات معزولة. كما أن بناء الجدار العازل منذ عام 2002 أضاف بعداً جديداً للاستيطان، حيث ضم فعلياً مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية إلى الجانب الإسرائيلي، وحرم آلاف الفلسطينيين من أراضيهم الزراعية.

إذن، البعد التاريخي للاستيطان ليس مجرد خلفية، بل هو مسار متواصل منذ أكثر من قرن، بدأ بالهجرة المنظمة، مروراً بالنكبة، ثم الاحتلال عام 1967، وصولاً إلى التوسع القانوني والتشريعي في العقود الأخيرة. الأرقام والإحصاءات تكشف أن الاستيطان لم يكن يوماً ظاهرة هامشية، بل هو جوهر المشروع الإسرائيلي، وأداة أساسية لإعادة تشكيل الأرض والهوية في فلسطين.


الأطر القانونية والتشريعية للاستيطان

إذا كان الاستيطان في بداياته قد اعتمد على الهجرة المنظمة والدعم السياسي من القوى الاستعمارية، فإن المرحلة اللاحقة اتخذت طابعاً أكثر مؤسساتية، حيث وفرت الدولة الإسرائيلية منظومة قانونية وتشريعية متكاملة لتبرير التوسع الاستيطاني وإضفاء شرعية داخلية عليه، رغم مخالفته الصريحة للقانون الدولي. هذه الأطر القانونية لم تكن مجرد نصوص جامدة، بل أدوات فاعلة لتغيير الواقع على الأرض، وتحويل الأراضي الفلسطينية إلى مساحات قابلة للمصادرة والبناء الاستيطاني.

من أبرز هذه الأطر ما يُعرف بسياسة "أراضي الدولة". منذ عام 1979، بدأت السلطات الإسرائيلية بإعلان مساحات واسعة من الضفة الغربية كأراضٍ تابعة للدولة، استناداً إلى تفسير خاص للقوانين العثمانية القديمة التي كانت سارية قبل الانتداب البريطاني. هذا التفسير سمح باعتبار الأراضي غير المزروعة أو غير المسجلة رسمياً ملكاً للدولة، وبالتالي قابلة للتخصيص لصالح المستوطنات. ووفق تقارير منظمات حقوقية، فإن هذه السياسة أدت إلى مصادرة أكثر من 900 ألف دونم من أراضي الضفة الغربية، أي ما يقارب 16% من مساحتها.

إلى جانب ذلك، جاء "قانون تنظيم المستوطنات" الذي أقره الكنيست الإسرائيلي عام 2017 ليشكل نقطة تحول خطيرة. هذا القانون منح غطاءً قانونياً للبؤر الاستيطانية التي كانت تُعتبر غير مرخصة حتى وفق القانون الإسرائيلي نفسه، وسمح بمصادرة أراضٍ خاصة يملكها فلسطينيون إذا بُنيت عليها مستوطنات أو بؤر استيطانية. القانون أثار موجة واسعة من الانتقادات الدولية، حيث اعتبرته الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي خطوة نحو شرعنة الاستيطان بشكل كامل، في مخالفة لقرار مجلس الأمن رقم 2334 لعام 2016 الذي أكد أن المستوطنات "ليس لها أي شرعية قانونية وتشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي".

كما أن المحاكم الإسرائيلية لعبت دوراً محورياً في تكريس هذه السياسات. المحكمة العليا الإسرائيلية، التي يُفترض أن تكون حامية للحقوق، أصدرت في عدة مناسبات قرارات تسمح بمصادرة أراضٍ فلسطينية بذريعة "الضرورة الأمنية" أو "المصلحة العامة"، وهي مصطلحات فضفاضة تُستخدم لتبرير التوسع الاستيطاني. على سبيل المثال، في قضية مستوطنة "بيت إيل"، أقرّت المحكمة مصادرة أراضٍ خاصة رغم اعترافها بملكية الفلسطينيين لها، بحجة أن المستوطنين بنوا عليها منذ سنوات وأن إخلاءهم سيشكل "ضرراً كبيراً".

القوانين الإسرائيلية الداخلية تتناقض بشكل مباشر مع القانون الدولي الإنساني، وخاصة اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر على القوة المحتلة نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها. كما تتعارض مع قرارات مجلس الأمن المتكررة، بدءاً من القرار 242 لعام 1967 الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، وصولاً إلى القرار 2334 لعام 2016 الذي شدد على عدم شرعية المستوطنات. ومع ذلك، فإن إسرائيل تستمر في استخدام منظومتها القانونية الداخلية كأداة لتجاوز هذه الالتزامات الدولية.

الأثر العملي لهذه الأطر القانونية هو خلق واقع جديد على الأرض: مستوطنات محمية بالقانون الإسرائيلي، أراضٍ فلسطينية مصادرة بقرارات رسمية، ومزارعون محرومون من أراضيهم بحكم قضائي. هذا الواقع يجعل من الصعب على الفلسطينيين الدفاع عن حقوقهم، إذ يجدون أنفسهم أمام منظومة قانونية لا تعترف بملكيتهم، ومحاكم لا تنصفهم، وحكومة تسن القوانين لتسهيل الاستيطان لا لوقفه.

إن المحور القانوني يكشف أن الاستيطان ليس مجرد فعل ميداني، بل هو مشروع سياسي مؤسس على تشريعات وقوانين، تُستخدم لتغيير الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية بشكل ممنهج. وهذا ما يجعل الاستيطان أخطر من الحرب العسكرية، لأنه يُنفّذ ببطء، تحت غطاء قانوني، وبصورة يصعب على المجتمع الدولي مواجهتها إلا عبر الضغط السياسي والدبلوماسي.


الأبعاد الديموغرافية والجغرافية للاستيطان

الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة لم يكن مجرد بناء وحدات سكنية جديدة، بل هو مشروع شامل لإعادة تشكيل الخريطة السكانية والجغرافية في الضفة الغربية والقدس الشرقية. هذا البعد هو الأكثر وضوحاً في نتائجه اليومية، لأنه يترجم مباشرة إلى واقع يعيشه الفلسطينيون على الأرض، حيث تتحول مدنهم وقراهم إلى جزر معزولة وسط بحر من المستوطنات والطرق الالتفافية والجدار العازل.

من الناحية الديموغرافية، تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن عدد المستوطنين في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية تجاوز 700 ألف مستوطن حتى عام 2024، موزعين على أكثر من 279 مستوطنة وبؤرة استيطانية. هذا الرقم يعكس تضاعفاً هائلاً مقارنة بما كان عليه الوضع قبل ثلاثة عقود، حيث لم يتجاوز عدد المستوطنين في بداية التسعينيات نحو 200 ألف. النمو السكاني في المستوطنات يفوق بكثير النمو الطبيعي في المجتمع الإسرائيلي، إذ يُشجَّع المستوطنون على الانتقال إلى الضفة الغربية عبر حوافز اقتصادية مثل تخفيض أسعار الأراضي، وتقديم إعفاءات ضريبية، ودعم حكومي للبنية التحتية.

أما من الناحية الجغرافية، فإن توزيع المستوطنات ليس عشوائياً، بل يخضع لخطط مدروسة تهدف إلى السيطرة على المناطق الحيوية. المستوطنات تُبنى عادة على التلال والمرتفعات، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً يطل على القرى الفلسطينية، ويتيح السيطرة الأمنية والعسكرية. كما أن الطرق الالتفافية التي تربط هذه المستوطنات ببعضها وبالداخل الإسرائيلي تقطع أوصال الضفة الغربية، وتحول المدن الفلسطينية إلى كانتونات صغيرة منفصلة عن بعضها البعض. على سبيل المثال، مدينة القدس الشرقية محاطة بطوق من المستوطنات مثل "معاليه أدوميم" و"بسغات زئيف"، ما يجعل التواصل الجغرافي بين القدس والضفة الغربية شبه مستحيل.

الجدار العازل الذي بدأ بناؤه عام 2002 أضاف بعداً جديداً لهذه السيطرة الجغرافية. فبينما يُسوَّق الجدار باعتباره إجراءً أمنياً، فإنه في الواقع ضم فعلياً مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية إلى الجانب الإسرائيلي. تقارير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) تشير إلى أن أكثر من 10% من أراضي الضفة الغربية أصبحت معزولة خلف الجدار، ما حرم عشرات آلاف الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم الزراعية ومصادر رزقهم. هذا العزل الجغرافي أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي الفلسطيني بشكل كبير، وأثر على الأمن الغذائي للسكان.

الأثر الديموغرافي والجغرافي للاستيطان يتجاوز الحاضر ليهدد المستقبل. فمع استمرار التوسع، يصبح من الصعب تصور قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات تواصل جغرافي. المدن الفلسطينية الكبرى مثل رام الله ونابلس والخليل محاطة بمستوطنات وطرق عسكرية، والقرى الصغيرة تتعرض لضغوط يومية من المستوطنين الذين يعتدون على المزارعين ويمنعونهم من الوصول إلى أراضيهم. هذا الواقع يخلق بيئة طاردة للفلسطينيين، ويدفع الكثيرين إلى الهجرة أو الانتقال إلى مناطق أقل عرضة للاعتداءات، ما يعزز التغيير الديموغرافي الذي تسعى إليه إسرائيل.

إن البعد الديموغرافي والجغرافي يكشف أن الاستيطان ليس مجرد توسع عمراني، بل هو أداة استراتيجية لإعادة تشكيل الأرض والسكان، بحيث يُحاصر الوجود الفلسطيني ويُفتت جغرافيته، ويُستبدل تدريجياً بواقع جديد تهيمن عليه المستوطنات. هذا المسار، إذا استمر، قد يؤدي إلى محو الهوية المكانية الفلسطينية، وتحويلها إلى مجرد تجمعات صغيرة بلا قدرة على الاستمرار أو النمو.


الأثر الاقتصادي والاجتماعي للاستيطان

الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية لا يقتصر على تغيير الجغرافيا والديموغرافيا، بل يمتد أثره العميق إلى الحياة الاقتصادية والاجتماعية للفلسطينيين، حيث ينعكس بشكل مباشر على مصادر رزقهم، وعلى نسيجهم الاجتماعي، وعلى قدرتهم على الاستمرار في أرضهم. هذا المحور يكشف الوجه اليومي للاستيطان، بعيداً عن الأرقام والسياسات، من خلال معاناة المزارعين والعمال والعائلات الفلسطينية التي تجد نفسها محاصرة ومحرومة من أبسط حقوقها.

من الناحية الاقتصادية، يشكل القطاع الزراعي أحد أهم ركائز الاقتصاد الفلسطيني، خاصة في الضفة الغربية. لكن هذا القطاع تعرض لضربات متتالية بسبب مصادرة الأراضي، واقتلاع الأشجار، ومنع المزارعين من الوصول إلى حقولهم. تقارير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (OCHA) تشير إلى أن الفلسطينيين فقدوا خلال العقدين الأخيرين عشرات آلاف الهكتارات من أراضيهم الزراعية نتيجة التوسع الاستيطاني والجدار العازل. وحدها أشجار الزيتون، التي تُعد رمزاً للهوية الفلسطينية، تعرضت لاقتلاع أو تخريب عشرات آلاف الأشجار على يد المستوطنين، ما أدى إلى خسائر بملايين الدولارات سنوياً، فضلاً عن الأثر الرمزي والنفسي لهذه الاعتداءات.

الاعتداءات اليومية على المزارعين أصبحت جزءاً من المشهد المعتاد في مناطق مثل نابلس والخليل وقلقيلية. منظمات حقوقية مثل "بتسيلم" و"هيومن رايتس ووتش" وثّقت مئات الحالات التي تعرّض فيها المزارعون للضرب أو الطرد أثناء محاولتهم جني محاصيلهم، في ظل حماية مباشرة من الجيش الإسرائيلي للمستوطنين. هذه الاعتداءات لا تؤدي فقط إلى خسائر اقتصادية، بل تخلق بيئة طاردة تدفع الكثير من العائلات إلى ترك أراضيها والانتقال إلى مناطق أكثر أمناً، وهو ما يخدم الهدف الاستيطاني المتمثل في إفراغ الأرض من سكانها الأصليين.

الأثر الاجتماعي للاستيطان لا يقل خطورة. فالمجتمع الفلسطيني يعاني من تفكك جغرافي بسبب الطرق الالتفافية والجدار العازل، ما يجعل التواصل بين المدن والقرى صعباً، ويؤثر على العلاقات الاجتماعية والاقتصادية. العائلات الفلسطينية تجد نفسها محاصرة في كانتونات صغيرة، حيث الوصول إلى المدارس والمستشفيات والأسواق يتطلب المرور عبر حواجز عسكرية أو طرق طويلة ومعقدة. هذا الواقع يضعف الروابط الاجتماعية، ويزيد من معدلات البطالة والفقر، ويؤثر على الصحة النفسية للسكان الذين يعيشون تحت ضغط دائم.

كما أن الاستيطان يخلق حالة من التمييز البنيوي، حيث يحصل المستوطنون على خدمات وبنية تحتية متطورة، بينما يُحرم الفلسطينيون من أبسط الحقوق. الطرق المعبدة، شبكات الكهرباء والمياه، والخدمات الصحية والتعليمية تُبنى خصيصاً للمستوطنات، في حين يعاني الفلسطينيون من نقص حاد في هذه الخدمات. هذا التمييز يعكس سياسة فصل عنصري غير معلنة، لكنها محسوسة يومياً في حياة الفلسطينيين.

الأثر الاقتصادي والاجتماعي للاستيطان إذن ليس مجرد نتيجة جانبية، بل جزء من الإستراتيجية الشاملة لإضعاف المجتمع الفلسطيني، وإفقاده القدرة على الصمود، ودفعه تدريجياً إلى الهجرة أو الانسحاب من أرضه. هذه السياسة، التي تُنفّذ ببطء وبصمت، قد تكون أكثر خطورة من الحرب العسكرية، لأنها تستهدف البنية العميقة للمجتمع، وتعمل على تفكيكه من الداخل.


الموقف الدولي من الاستيطان

الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة لم يكن يوماً قضية داخلية تخص الفلسطينيين وحدهم، بل ظلّ محوراً أساسياً في النقاشات الدولية، لأنه يمسّ جوهر القانون الدولي ويهدد فرص السلام في المنطقة. الموقف الدولي من الاستيطان اتسم تاريخياً بالتنديد والإدانة، لكنه في كثير من الأحيان افتقر إلى آليات عملية للضغط أو المحاسبة، ما سمح لإسرائيل بالاستمرار في سياساتها دون رادع فعلي.

منذ احتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية عام 1967، أصدر مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة عشرات القرارات التي تؤكد عدم شرعية المستوطنات. أبرز هذه القرارات هو القرار 242 لعام 1967 الذي دعا إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي المحتلة، والقرار 446 لعام 1979 الذي نصّ صراحة على أن سياسة الاستيطان "ليس لها أي شرعية قانونية وتشكل عقبة أمام السلام". وفي عام 2016، جاء القرار 2334 ليؤكد مجدداً أن المستوطنات "انتهاك صارخ للقانون الدولي"، مطالباً إسرائيل بوقف جميع الأنشطة الاستيطانية فوراً. ومع ذلك، فإن هذه القرارات بقيت حبراً على ورق، بسبب غياب آليات إلزامية لتنفيذها، وبسبب الدعم السياسي الذي تحظى به إسرائيل من بعض القوى الكبرى.

الاتحاد الأوروبي، من جانبه، اتخذ موقفاً واضحاً ضد الاستيطان، حيث اعتبره غير شرعي، وفرض قيوداً على التعامل مع منتجات المستوطنات، مثل وضع علامات خاصة على السلع المنتجة في المستوطنات لتمييزها عن تلك القادمة من داخل إسرائيل. لكن هذه الإجراءات بقيت محدودة الأثر، ولم تصل إلى حد فرض عقوبات شاملة أو ضغوط اقتصادية كبيرة يمكن أن تغير سلوك إسرائيل.

الولايات المتحدة، القوة الأكثر تأثيراً في هذا الملف، اتسم موقفها بالتذبذب. ففي بعض المراحل، خاصة خلال إدارة الرئيس باراك أوباما، عبّرت واشنطن عن رفضها للاستيطان، وامتنعت عن استخدام حق النقض (الفيتو) ضد القرار 2334، ما سمح بتمريره. لكن في مراحل أخرى، خصوصاً خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب، اتخذت الولايات المتحدة موقفاً مغايراً، حيث اعتبرت أن المستوطنات "لا تتعارض بالضرورة مع القانون الدولي"، وهو ما شكّل دعماً سياسياً كبيراً لإسرائيل في مواصلة مشروعها الاستيطاني.

على مستوى المنظمات الحقوقية الدولية، مثل "هيومن رايتس ووتش" و"العفو الدولية"، صدرت تقارير عديدة توثق الانتهاكات المرتبطة بالاستيطان، بما في ذلك الاعتداءات على المزارعين، مصادرة الأراضي، وسياسة الفصل العنصري غير المعلنة. هذه المنظمات طالبت مراراً بفرض عقوبات على إسرائيل، وبمحاسبة المسؤولين عن هذه السياسات أمام المحكمة الجنائية الدولية، التي أعلنت في عام 2021 فتح تحقيق في جرائم الحرب المحتملة في الأراضي الفلسطينية، بما يشمل ملف الاستيطان.

رغم كل هذه الإدانات، فإن الموقف الدولي يعاني من فجوة كبيرة بين الأقوال والأفعال. فبينما تُعلن الدول والمنظمات رفضها للاستيطان، تظل إسرائيل قادرة على توسيع مستوطناتها دون مواجهة عقوبات جدية أو ضغوط حقيقية. هذه الفجوة تعكس اختلال ميزان القوى في النظام الدولي، حيث تُحرم الشعوب الضعيفة من حماية القانون الدولي، بينما تتمتع الدول القوية بقدرة على تجاوزه أو إعادة تفسيره بما يخدم مصالحها.

إن الموقف الدولي من الاستيطان يوضح أن القضية ليست فقط صراعاً محلياً، بل اختباراً لمصداقية النظام الدولي نفسه. فاستمرار الاستيطان رغم عشرات القرارات الأممية يكشف ضعف آليات المحاسبة، ويطرح سؤالاً جوهرياً حول جدوى القانون الدولي إذا لم يُطبق على أرض الواقع. وهذا ما يجعل الفلسطينيين يشعرون بأنهم يواجهون ليس فقط الاحتلال الإسرائيلي، بل أيضاً عجز المجتمع الدولي عن حمايتهم أو إنصافهم.


السيناريوهات المستقبلية للاستيطان

إذا كان الاستيطان قد شكّل منذ بداياته أداة لإعادة تشكيل الأرض والهوية الفلسطينية، فإن استمراره بهذا الشكل المتسارع يفتح الباب أمام سيناريوهات مستقبلية بالغة الخطورة، ليس فقط على الفلسطينيين، بل على المنطقة بأسرها وعلى النظام الدولي الذي يفترض أن يحمي القانون والعدالة.

السيناريو الأول يتمثل في محو الهوية المكانية الفلسطينية تدريجياً. مع استمرار مصادرة الأراضي وبناء المزيد من المستوطنات، قد نصحو يوماً على واقع لا نجد فيه مدينة فلسطينية واحدة متماسكة، ولا قرية قائمة بذاتها، بل مجرد تجمعات صغيرة محاصرة وسط بحر من المستوطنات. هذا الواقع سيجعل من المستحيل عملياً الحديث عن دولة فلسطينية قابلة للحياة، وسيحوّل الفلسطينيين إلى سكان معزولين بلا سيادة ولا قدرة على إدارة شؤونهم.

السيناريو الثاني هو انهيار حل الدولتين. المجتمع الدولي ظل لعقود يطرح هذا الحل باعتباره المخرج السياسي للصراع، لكن التوسع الاستيطاني يقوّض أسسه يوماً بعد يوم. إذا استمر البناء الاستيطاني بوتيرته الحالية، فإن أي تقسيم للأرض سيصبح غير ممكن، لأن المستوطنات ستغطي مساحات واسعة من الضفة الغربية، وستجعل التواصل الجغرافي بين المدن الفلسطينية شبه مستحيل. في هذه الحالة، قد ينهار مشروع الدولة الفلسطينية، ويُطرح بدلاً منه سيناريو "الدولة الواحدة"، وهو سيناريو محفوف بمخاطر التمييز والفصل العنصري.

السيناريو الثالث هو تصاعد المقاومة الشعبية. الفلسطينيون الذين يعيشون تحت ضغط يومي من المستوطنين والجيش الإسرائيلي قد يجدون أنفسهم مضطرين إلى تكثيف أشكال المقاومة، سواء عبر الاحتجاجات الشعبية، أو عبر أشكال أخرى من الصمود مثل إعادة زراعة الأراضي المهددة، أو بناء مبادرات اقتصادية محلية. هذه المقاومة قد تخلق واقعاً جديداً يفرض على المجتمع الدولي إعادة النظر في موقفه، لكنها أيضاً قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد والعنف إذا لم تُرافق بضغط دولي حقيقي على إسرائيل.

السيناريو الرابع يرتبط بـ الموقف الدولي. إذا استمر المجتمع الدولي في الاكتفاء بالإدانات دون إجراءات عملية، فإن إسرائيل ستواصل مشروعها الاستيطاني دون رادع. لكن إذا حدث تحول في المواقف، مثل فرض عقوبات اقتصادية أو مقاطعة منتجات المستوطنات بشكل واسع، فقد يشكل ذلك ضغطاً حقيقياً يحد من التوسع. المحكمة الجنائية الدولية، التي أعلنت فتح تحقيق في جرائم الحرب المحتملة، قد تلعب دوراً محورياً إذا مضت في محاسبة المسؤولين عن الاستيطان، لكن هذا السيناريو يظل رهناً بالإرادة السياسية للدول الكبرى.

السيناريو الخامس والأكثر خطورة هو الهجرة القسرية للفلسطينيين. مع استمرار الاعتداءات اليومية على المزارعين، وحرمان العائلات من أراضيها، وتفكك النسيج الاجتماعي، قد يجد الكثير من الفلسطينيين أنفسهم مضطرين إلى مغادرة أرضهم بحثاً عن حياة أكثر أمناً. هذا السيناريو يخدم الهدف الاستيطاني المتمثل في إفراغ الأرض من سكانها الأصليين، ويعيد إنتاج مشهد النكبة بشكل بطيء وصامت.

في النهاية، السيناريوهات المستقبلية تكشف أن الاستيطان ليس مجرد قضية حالية، بل مشروع طويل الأمد يهدد وجود الشعب الفلسطيني على أرضه. ما يجري اليوم في الضفة الغربية والقدس ليس مجرد توسع عمراني، بل عملية منهجية لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا، قد تؤدي في النهاية إلى محو الهوية الفلسطينية بالكامل إذا لم يُواجه بضغط دولي حقيقي، وبصمود فلسطيني متجدد.

متاهات سوداء/ بن يونس ماجن



منذ عقود 

وأنا أحرث أرض بور

أنا الآن

في طبور الخبز

اربط حجارة 

على بطني البائس

وأنين الجوع

يطحن عظامي

جائع مثل الذئب

أبحث عن كفن 

يستر عورتي

وأبحث في قمامة الزعيم

عن عظام أسماك نتنة

وأصرخ ملء حنجرتي:

اخرجوا ذلك الوطن

الذي دفنتموه حيا


ليس لدي آبار النفط

أو مناجم الذهب

لأوزع ثروة بلدي

على أعدائي المقربين

فهم يستحقون كل ما أملك

لست مسؤولا

عن الكلاب والقطط الضالة

في هذا الزمن المتعفن

صار للضالمين 

أنصار من عرب وعجم

زعماء باعوا أنفسهم للشيطان


سراب في فلاة

تطارده ناقة عوراء

عشب على سطح القمر

تقضمه بقرة حلوب

يحرسها قناص

من رواد الفضاء


بين المنفى والرحيل

أخوض حربا 

ضد المتاهات السوداء

كم مرة ومن جحرين

قاسيت عضات الافاعي

كنت أمارس طقوسي

في رماد المنجمين

لانني لم أكن أدري

أن طالعي الفلكي

آفل مع الآفلين


تحت قنطرة معتمة

خفافيش تنتظر

هبوط الليل

أرتعد هلعا

اثر دقات الباب

فزوار الفجر

لا يستأذنون أحدا

حتى كلب الحراسة

انقلب علي 

وتواطأ معهم


كتبت على مناديل ورقية

ومضات شعرية

مصابة بالكآبة


في حفلات توقيع دواوين

شعراء الانترنت

حضر الدعوة ضفدع المستنقعات

لالقاء قصائده

التي نظمها تحت ضوء القمر


الشعراء

لا يحدقون في المرآة

جميع المرايا

لديها حياة طويلة مملة

ولايظهر فيها أحد

سوى انعكاسات 

وهلوسات  قوس قزح 


هاربات ماركوز بين المقاربة الجذرية التحررية والفلسفة الاجتماعية النقدية/ د زهير الخويلدي



مقدمة

هربرت ماركوز (1898-1979)، أحد أبرز أعضاء مدرسة فرانكفورت للنظرية النقدية، يمثل صوتاً راديكالياً في الفلسفة الاجتماعية النقدية، حيث يجمع بين الماركسية، التحليل النفسي الفرويدي، والفينومينولوجيا لنقد الهيمنة في المجتمعات الصناعية المتقدمة. فلسفته تتركز على مواجهة "الفاشية الجديدة"، التي ليست مجرد إعادة للفاشية التاريخية (كالنازية)، بل شكل معاصر يتجلى في الإدارة الشمولية والقمع الخفي داخل الديمقراطيات الرأسمالية. في هذا السياق، يبرز التوتر بين "اغتراب الإنسان ذي البعد الواحد" في الحضارة الرأسمالية الاستهلاكية، كما في كتابه الشهير الإنسان ذو البعد الواحد (1964)، وبين "إيروسية البعد الجمالي" كوسيلة تحررية، مستمدة من الإيروس والحضارة (1955) ومقالة في التحرر (1969). هذه الدراسة تهدف إلى استكشاف هذا التوتر بشكل موسع، مستندة إلى النظرية النقدية لماركوز، مع التركيز على كيفية استخدام الجماليات والإيروس لمواجهة الاغتراب والفاشية. سنبدأ بالسياق الفلسفي، ثم ننتقل إلى تحليل الاغتراب، مروراً بمواجهة الفاشية، لنختم بدور البعد الجمالي والإيروس.


السياق الفلسفي: النظرية النقدية ومدرسة فرانكفورت

تنبع فلسفة ماركوز من مدرسة فرانكفورت، التي أسسها ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، والتي تهدف إلى نقد الهيمنة الرأسمالية من خلال دمج الماركسية بالتحليل النفسي والفلسفة الهيغلية. فر ماركوز من ألمانيا النازية عام 1933، مما شكل تجربته الشخصية في مواجهة الفاشية، حيث عمل في مكتب الخدمات الاستراتيجية الأمريكي أثناء الحرب العالمية الثانية لتحليل النزعات الفاشية. في كتابه تكنولوجيا، حرب، وفاشية (1998، نشر بعد وفاته)، يرى ماركوز الفاشية كنتيجة للرأسمالية المتأخرة، حيث تتحول التكنولوجيا إلى أداة للقمع الشمولي.  يعتمد ماركوز على مفهوم "التنوير كخدعة" من أدورنو وهوركهايمر، لكن يضيف بعدًا تحرريًا من خلال الإيروس، مستلهما فرويد، حيث يرى في الغرائز الإنسانية (الإيروس كغريزة الحياة مقابل الثاناتوس كغريزة الموت) إمكانية لمجتمع غير قمعي. هذا السياق يجعل فلسفته نقدية اجتماعية، تركز على "الرفض الكبير"ضد الواقع القمعي، خاصة في حركات الستينيات التي أثر فيها ماركوز كـ"أب اليسار الجديد".  الفاشية الجديدة، حسب ماركوز، ليست عودة للنازية بل شكل معاصر يتجلى في "التسامح القمعي" ، حيث تسمح الديمقراطية بالقمع تحت ستار الحرية.


اغتراب الإنسان ذي البعد الواحد في الحضارة الرأسمالية الاستهلاكية

في الإنسان ذو البعد الواحد، يصف ماركوز كيف تحول الحضارة الرأسمالية الاستهلاكية الإنسان إلى كائن أحادي البعد، يفقد قدرته على التفكير النقدي والثوري. الاغتراب هنا مستمد من ماركس (في مخطوطات 1844)، حيث يصبح العمل أداة للاستلاب، لكن ماركوز يوسعه إلى الاستهلاك: "في ظل الرأسمالية المتقدمة، يصبح الإنسان يرغب في ما يُفترض أن يرغبه".  هذا الاغتراب ينتج عن "القمع الفائض"، الذي يتجاوز القمع الضروري للحضارة، مما يجعل الإنسان يتطابق مع نظام يستغله. في المجتمع الاستهلاكي، تُسوى التناقضات الاجتماعية (مثل الغنى مقابل الفقر) عبر السلع، مما يولد "حرية غير حرة، سلسة، معقولة، ديمقراطية".  الإنسان ذو البعد الواحد يفقد البعد الثاني (النقدي)، حيث تتحول الثقافة إلى صناعة تروج للاستهلاك، مما يعزز الاغتراب الاجتماعي والنفسي. هذا الاغتراب يمهد للفاشية الجديدة، حيث تصبح الإدارة الشمولية شكلاً من أشكال الهيمنة غير الشخصية: "مع عقلنة الجهاز الإنتاجي... يصبح كل هيمنة شكلاً من أشكال الإدارة". في هذا السياق، يرى ماركوز أن الرأسمالية الاستهلاكية تخلق "مجتمع مُدار بالكامل"، حيث يفقد الإنسان قدرته على التمرد، مما يشبه الفاشية في قمع الوعي النقدي.


مواجهة الفاشية الجديدة في فلسفة ماركوز

ترى فلسفة ماركوز الفاشية الجديدة كامتداد للرأسمالية، حيث تتحول التكنولوجيا والإعلام إلى أدوات للقمع الخفي. في تكنولوجيا، حرب، وفاشية، يحلل ماركوز كيف أعد النازية للفاشية من خلال الاقتصاد الآلي، لكن في العصر الحديث، تظهر الفاشية في "الديمقراطية غير الحرة"، حيث يُستغل الإحباط الشعبي لدعم أنظمة استبدادية (كما في صعود اليمين المتطرف في الولايات المتحدة أثناء عهد نيكسون).  الفاشية الجديدة تستفيد من الاغتراب ذي البعد الواحد، حيث يصبح الإنسان عرضة للدعاية، كما في "التسامح القمعي" الذي يشرعن القمع تحت ستار التسامح. يدعو ماركوز إلى "الفكر السلبي" كأداة لكشف التناقضات، حيث يرى أن الفاشية تستغل الغرائز المكبوتة لتعزيز الولاء للنظام. في نحو نظرية نقدية للمجتمع (نحو نظرية نقدية للمجتمع ، 1969)، يحذر ماركوز من أن الرأسمالية تعد لفاشية جديدة من خلال الاقتصاد الآلي والإعلام، مما يجعل الثورة ضرورية لاستعادة الوعي النقدي.  هذه المواجهة تتجاوز السياسي إلى النفسي، حيث يربط ماركوز بين القمع الاجتماعي والنفسي، معتبراً أن الفاشية تحول الغرائز إلى أدوات للهيمنة.


إيروسية البعد الجمالي كوسيلة للتحرر

مقابل الاغتراب، يقدم ماركوز "البعد الجمالي" و"الإيروس" كأدوات تحررية. في الإيروس والحضارة، يرى أن الإيروس (غريزة الحياة) يُقمع في الحضارة لصالح "مبدأ الأداء"، لكن يمكن تحريره لخلق مجتمع غير قمعي. "أيديولوجيا الندرة" تخفي الوفرة، مما يفرض عملاً غير ضروري.  البعد الجمالي، في البعد الجمالي (1978)، يخلق "مساحات نقدية" حيث يعبر الفن عن حقائق ثورية: "الفن كفن يعبر عن حقيقة... ضرورية للثورة". ان الإيروسية هنا تعني دمج الرغبة بالعقل في "عقلانية الإشباع"، مما يواجه الفاشية بإعادة تشكيل الذاتية. في مقالة في التحرر، يدعو إلى "حساسية جديدة" مستلهمة من حركات الستينيات، حيث يصبح الفن أداة للرفض الكبير، محولاً التكنولوجيا نحو الإشباع الإنساني. هذا البعد يواجه الاغتراب بإعادة الاغتراب عن الواقع القمعي، مما يفتح أفقاً لمجتمع تحرري يجمع بين الإيروس واللوغوس.


الرفض الراديكالي في مواجهة المجتمع الصناعي المتقدم

يشكل مفهوم "الرفض الكبير" محوراً أساسياً في فلسفة هربرت ماركوز (1898-1979)، أحد رواد النظرية النقدية في مدرسة فرانكفورت. يُعرف الرفض الكبير كفعل ثوري راديكالي يرفض الهيمنة الشمولية للمجتمع الصناعي المتقدم، الذي يُخفي قمعه تحت ستار الديمقراطية والاستهلاك. هذا المفهوم، الذي يظهر بشكل بارز في كتاب ماركوز الإنسان ذو البعد الواحد (1964)، ليس مجرد رفض سياسي بل هو نفي شامل للقيم والاحتياجات الكاذبة التي يفرضها النظام الرأسمالي، مما يفتح أفقاً لتحرير الغرائز الإنسانية وإعادة بناء مجتمع غير قمعي.  تهدف هذه الدراسة إلى تحليل مفصل لهذا المفهوم، مستندة إلى سياقه الفلسفي، تعريفه، أبعاده النفسية والاجتماعية، تطبيقاته في الحركات الاجتماعية، والنقود الموجهة إليه. سنعتمد على أعمال ماركوز الرئيسية مثل الإيروس والحضارة ( 1955) ومقالة في التحرر ( 1969)، مع التركيز على كيفية تحول الرفض الكبير إلى أداة لمواجهة "الفاشية الجديدة" في العصر الحديث. كما يأتي مفهوم الرفض الكبير ضمن إطار النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، التي أسسها ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، والتي تهدف إلى نقد الهيمنة الرأسمالية من خلال دمج الماركسية بالتحليل النفسي الفرويدي والفينومينولوجيا الهيغلية. فر ماركوز من ألمانيا النازية عام 1933، مما شكل تجربته الشخصية في مواجهة الفاشية، حيث عمل في مكتب الخدمات الاستراتيجية الأمريكي أثناء الحرب العالمية الثانية لتحليل النزعات الفاشية.  في كتابه التكنولوجيا، الحرب، والفاشية (1998)، يرى ماركوز الفاشية كنتيجة للرأسمالية المتأخرة، حيث تتحول التكنولوجيا إلى أداة للقمع الشمولي. يعتمد ماركوز على مفهوم "التنوير كخدعة" من أدورنو وهوركهايمر، لكنه يضيف بعداً تحررياً من خلال الإيروس، مستلهما فرويد، حيث يرى في الغرائز الإنسانية (الإيروس كغريزة الحياة مقابل الثاناتوس كغريزة الموت) إمكانية لمجتمع غير قمعي.  نشأ الرفض الكبير من تجارب ماركوز في ألمانيا الويمارية، حيث أدى الانهيار الاقتصادي والأخلاقي بعد الحرب العالمية الأولى إلى صعود النازية، مما يعكس فشل اليسار في مواجهة الفاشية. في الإنسان ذو البعد الواحد، يتهم ماركوز الديمقراطيات الغربية بعد الحرب بإغلاق الخيارات الإنسانية الحقيقية من خلال إخفاء الهيمنة عبر الإيديولوجيا. تأثر ماركوز بـهيغل، ماركس، فرويد، وهايدغر، حيث يجمع بين الجدل الهيغلي (النفي الجدلي للواقع) والتحليل الماركسي للاغتراب، مع التأكيد على الجانب النفسي للقمع. هذا السياق يجعل الرفض الكبير رمزاً للسياسة في الستينيات، حيث أصبح ماركوز "أب اليسار الجديد"، مستلهماً حركات الاحتجاج ضد حرب فيتنام والرأسمالية. من الناحية الدلالية، يُعرف الرفض الكبير كرفض راديكالي للهيمنة في المجتمع الصناعي المتقدم، الذي يُوصف بأنه "أكثر أنظمة الهيمنة كفاءة"، بما في ذلك الديمقراطيات. إنه نفي للاحتياجات الكاذبة التي يفرضها النظام، مع الاعتراف بالفقر الروحي والسياسي حتى في أمريكا الغنية. يعتمد ماركوز على "التفكير السلبي" لتفكيك قبضة الهيمنة والاغتراب، مما يسمح باكتشاف الاحتياجات الحقيقية وتحرير "السلاسل الذهنية المزورة".  يشمل الرفض الكبير مجموعات متنوعة مثل "المهمشين والمضطهدين، العاطلين عن العمل، شباب الطبقة الوسطى البيضاء في اليسار الجديد، والطبقة السوداء السفلى، وجبهة التحرير الوطني في فيتنام، والثوار الكوبيين". من الناحية الإجرائية، يتجاوز الرفض الكبير الرفض السلبي إلى نفي جدلي ينفي "الواقع" (الظاهر) لتأكيد "الواجب" (الجوهر)، مطالبًا بتدمير الظروف الملموسة التي تحول دون الحرية. يعتمد على "القمع الفائض"، الذي يتجاوز القمع الأساسي الضروري للحضارة، مما يجعل الإنسان يرغب فيما يُفرض عليه. في المجتمع الاستهلاكي، تُحل التناقضات الاجتماعية عبر السلع، مما يولد "حرية غير حرة، سلسة، معقولة، ديمقراطية".  يفقد الإنسان البعد الثاني (النقدي)، حيث تتحول الثقافة إلى صناعة تروج للاستهلاك، مما يعزز الاغتراب الاجتماعي والنفسي. فلسفياً، يعتمد على هايدغر (السقوط في "الآخرين" اللامجهول)، هيغل (النفي الجدلي)، ماركس (الاغتراب عن العمل)، وفرويد (الإيروس مقابل الثاناتوس). يدعو إلى "حساسية جديدة" تعتمد على الجماليات والفن لكسر الاحتياجات الكاذبة، مما يجعل الرفض الكبير عملية تغيير وعي قبل الفعل الجماعي. لقد وجد الرفض الكبير تطبيقاته في حركات الستينيات، مثل الاحتجاجات ضد حرب فيتنام والرأسمالية، حيث أثر ماركوز في اليسار الجديد. في مقالة في التحرر، يدعو إلى "مسيرة طويلة" عبر الصراع الممتد، معتمداً على التحالفات بين المثقفين والطبقات المستغلة والمهمشين. الفن يلعب دوراً رئيسياً، حيث يُعد "الأكثر فعالية في إظهار التفكير السلبي"، كما في رفض الاستهلاك والتكنوقراطية.

معاصرًا، يُطبق المفهوم في حركات مثل "أوكيوباي وال ستريت" أو "بلاك لايفز ماتر"، حيث يُرى كرفض للرأسمالية الجديدة والعنصرية. في كتاب الرفض الكبير: هربرت ماركوز والحركات الاجتماعية المعاصرة (2017)، يُحلل كيف يساعد الرفض الكبير في فهم الاحتجاجات العالمية ضد النيوليبرالية، مع التركيز على "الجديد اليسار" في أوروبا وأمريكا.  كما يرتبط بالنضال البيئي، حيث يرفض استغلال الطبيعة كامتداد للقمع الرأسمالي. ومع ذلك، يُنتقد ماركوز لعدم توقعه رد الفعل اليميني، مثل صعود رونالد ريغان أو اليمين المتطرف في أوروبا. رغم أهميته، واجه الرفض الكبير نقوداً، مثل عدم تفاعل ماركوز مع الاعتراضات أو عدم تقديره لمرونة الرأسمالية، التي لم تنهار كما توقع. يُنتقد افتراضه بأن الرأسمالية أنهت الندرة، مع تجاهل الفجوات المتزايدة في الثروة. كما يُرى تناقض بين الإيروس والحضارة (التكنولوجيا كمحررة) والإنسان ذو البعد الواحد (التكنولوجيا كقمعية).  معاصرًا، يُعتبر إرث ماركوز محدوداً، حيث تركز اليسار على تعزيز الديمقراطية بدلاً من رفضها، لكن مفهومه يظل ذا صلة في مواجهة الأزمات مثل التفاوت الاقتصادي والتغير المناخي.


الخاتمة

في الختام، تمثل فلسفة ماركوز النقدية الاجتماعية مواجهة جذرية للفاشية الجديدة، من خلال نقد اغتراب الإنسان ذي البعد الواحد في الرأسمالية الاستهلاكية، مقابل تحرير الإيروس والبعد الجمالي. هذا التوتر يعكس أملاً في الثورة، لكن يحذر من مخاطر الاندماج. الدراسات المستقبلية قد تستكشف تطبيقاته في العصر الرقمي، حيث تتجدد الفاشية عبر الإعلام الاجتماعي. يمثل الرفض الكبير عند ماركوز تحولاً في النظرية النقدية، من نقد الاغتراب إلى فعل ثوري يعتمد على الإيروس والجماليات لتحرير الإنسان من البعد الواحد. رغم النقود، يظل المفهوم أداة لفهم الحركات المعاصرة، مع الحاجة إلى تكييفه مع التحديات الرقمية والعولمية. الدراسات المستقبلية قد تستكشف دوره في الذكاء الاصطناعي والفاشية الرقمية. فمتى يتم تفعيل مسيرة الرفض العربي الكبير للاجتياح الصهيوامبريالي للعمق الاستراتيجي لحضارة أقرأ؟


كاتب فلسفي

ثرثرةٌ في بغداد/ د. عدنان الظاهر

 


ثرثارُ ثرُّ

ثرثرةٌ لا طائلَ منها أو فيها

في مشفى صالةِ تجميلِ الموتى قبلَ الدفنِ

أو في قاعاتٍ أخرى لا حصرَ لها لا عدُّ

نرجيلةُ ثرثرةٍ لا تحسمُ أمرا

لا فوقَ النيلِ ولا في غيرِ النيلِ

تسألُ هل من حلِّ ؟

هل مَنْ يوقفُ نزفَ الشريانِ البغدادي

أو يكشفُ سرّا

ثرثرةٌ تتجاوزُ مألوفَ المعيارِ

يزفرُها صدرٌ معطوبٌ مخدوشٌ مِهذارُ

شَجَناً تعزفهُ آلاتُ نِحاسٍ وأنابيبُ هواءٍ مدفوعِ

 صَخَباً في بحّةِ جرحِ الأبواقِ

إغلقْ هذا التختَ الشرقيَّ وهذا المقهى أيّاً ما كانا

العزفُ عروقٌ ناتئةٌ تدمى

يختلطٌ العازفُ والنازفُ والجوقُ نشازُ فيها 

حتّى طلعةِ نجمِ الفجرِ.

يا هذا

أضحى قلبُكَ طبلاً مخروقا

يمضغُ سُمَّ الأفعى تِبْغاً تخديرا

يلعبُ حَبْلا

سقطتْ أسنانُ المشطِ جميعا

سقطَ المشطُ وكسّرها سِنّاً سِنّا

لا ترفعْ صوتا

إحملْ جازاً أو عُكّازاً واعزفْ لَحنا

الكونُ الدائرُ لا يعرفُ أرضا

يمخرُ أمواهَ بحارِ سمواتٍ عليا

ينفخُ أبواقَ الصدرِ المفتوحِ زعيقا

يقتلني صَبْراً ـ شَنْقا

كي لا أعبرَ جسرا 

للشامِ وبغدادَ وميدانِ التحريرِ وأبوابِ القدسِ

 والزابُ الأعلى قتلى قتلى قتلى 

في مخمورَ وفي " طوزِ الخُرْماتو " .

وجّهتُ رسالةَ شكوى

أدعو فيها مَنْ أدعو

أكشفُ عمّا أُخفي في صدري

أعبرُ قاراتِ الدنيا مخفيّاً زحْفا

أركبُ موجاتِ البحرِ المنذورِ لصبري

ماءُ البحرِ شرابي

ملحاً منقوعاً مصهورا

الموجُ الكالحُ يجرفني موجاً موجا

مخلوبَ اللُبِّ كسيرَ الظهرِ

هيّا قوموا

قوموا صلّوا صلواتِ الغائبِ عن جثمانِ الأمِّ

نَذرتْ جوهرها قُربانَ خلاصي من موتٍ غَرَقاً في بحرِ

ـ ها قد قُتلتْ في بابلَ قبلي ـ

كانت تبكي وَطناً يسفحُ دمعاً

يترقرقُ كالزئبقِ في أحداقِ مرايا العينِ

وتُقيمُ صلاةَ الفجرِ على صخرةِ شاهدةِ قبْرِ

تتعلّقُ بالأستارِ الخُضرِ نذورا ..

ليتَكَ ما كُنتَ وما كُنّا

لم تسمعْ صوتاً أو لَغْطا يضربُ أخشابَ الأبوابِ

الصمتُ جُسورٌ

الرايةُ لا تعبرُ جِسراً إلاّ غَصْبا

حاولْ أنْ تعبرَ جسراً حُرّاً أو قَهْرا

قهرُ الجسرِ من البابِ الخلفي

لا يُفتُحُ إلاّ سِرَا

أُعبْرْ أُعبْرْ أو خففْ

من سرعةِ مُنزَلقِ الدمعةِ في أحداقِ النهرِ

لا تأمنْ تُجّارَ وحكّامَ الأسواقِ السوداءِ

السوقُ الأسودُ مبغى !

اللقيا مَحضُ رجاءٍ

يتأرّجحُ بين الكرخِ وتمثالِ " رُصافيٍّ " يتهاوى إخفاقا

إخلعْ ثوبيكَ وقاومْ حتّى آذانِ سقوطِ الفجرِ

مدَّ اللُجةِ والموجِ

إيّاكَ وما قالَ الساقي في الباقي من كأسِ الخمرِ

والحارسُ في أبوابِ قصورٍ خُضْرِ

زمنٌ هذا ؟

قَدَرٌ هذا ؟

دُنيانا ليلٌ في شهرِ !

شاءَ الوطنُ المثقوبُ المنهوبُ

أمْ كفكفَ تحت الأجفانِ دموعا

البحرُ سريرُ الموتى غَرْقى

فلماذا تركوا أرضاً كانت وَطَناً وحِزاماً أمنيّا

 ما أنتَ ومَنْ مثلي في الأرضِ الأخرى ؟

أُمٌّ تبكي

تندبُ حظّا

تسألُ تابوتا

جسدٌ لا يتحركُ فيه

لا يسمعُ للأمِّ الثكلى صوتا

قوموا يا غرقى

قوموا يا موتى !

في الكفّةِ ميزانُ غموضِ الأشياءِ

لا حاكمَ إلاّ مطلوبُ 

لا يسمعُ صفّاراتِ الإنذارِ

تسحبُهُ نارُ الجنِّ وتُرديهِ قتيلا

لا عِظةٌ تنفعُ لا مفتاحٌ في بابٍ لا قنديلُ

القصّةُ أقوى

لا آخرَ يُنهيها .

قوموا لاحَ الفجرُ

شرقيّاً فضيّاً وضّاحا

قوموا صلّوا تأميماً

الرملُ كثيرُ.


قِصّةُ قِراءةٍ: تداعيات في محراب القراءة: "إبادة الكتب" نموذجاً/ فراس حج محمد

 

كتاب "إبادة الكتب"؛ اقتنيته عام 2018، وقد صدر في حينه مترجماً عن سلسلة عالم المعرفة الكويتيّة، ومكث في رفّ مكتبتـي، غارقاً في عتمة الممرّ الحاضن للمكتبة سبع سنين بل أكثر، كلّما بحثت عن كتابٍ احتجت إليه رأيته أمامي، بل إنّه يصادفني في المكتبة التـي أزورها بين الفينة والأخرى لشراء الدوريّات والكتب الجديدة مرّات عديدة، أعود إلى البيت، وأودع الكتب الجديدة على الرفّ، كيفما اتّفق حسب ما هو متاح من فراغ بين الكتب أو أعلى الرفوف المكتظّة، وأراه أمامي كذلك. لن أبالغ لو قلت إنّني أراه يوميّاً منذ اقتنيته، ولم أفكّر يوماً بقراءته، إذاً، هو الكتاب الذي لن أتوه عنه، ولم أتعب في العثور عليه.

في شهر ديسمبر وأنا أودّع عام 2025 رأيته، وقفت أمامه، وقرّرت قراءته، رأيته كتاباً مختلفاً ومهمّاً جدّاً، أثار فيّ أسئلة شتّى، حول المفهوم وعلاقته بالمفاهيم الأخرى التـي ترتبط به (الإبادة الجماعيّة، الإبادة الإثنيّة الثقافيّة، العنصريّة)، لماذا لم أنتبه من قبلُ لموضوعه وعنوانه؟ إنّه يتحدّث عن أفعال أراها يوميّاً، ورأيتها فيما سبق، وتابعتها إعلاميّاً، فحالتان من الحالات التـي تحدّثت عنها المؤلّفة ربيكا نوث (Rebecca Knuth) كنت واعياً لها، احتلال صدّام حسين للكويت، وحدوث مذبحة سبيرنتشا، وأمّا الحالات الأخرى فليست بعيدة عن اهتمامي، وكنت قرأت عنها، إلّا أنّ الكتاب أدخلني في تفاصيل لم أكن صادفتها وقرأت عنها، فحتّى المفهوم "إبادة الكتب" لم يكن من ضمن المفاهيم التـي صادفتني أو قرأت عنها قبل هذا الكتاب، وتقرّ المؤلّفة أنّه مفهوم حديث غير مستقرّ، وظلّ تعريفه مع غيره من المفاهيم المرتبطة به "في حالة سيولة".

لم يفدني الكتاب فقط في موضوع إبادة الكتب، وإظهار الحقد البشري على الكتب بوصفها كائنات حيّة لها روح، وإنّما جعلني أفكّر في مسائل رمزيّة، تتعلّق بالكتاب والتخلّص منه، حادثة أبي حيّان التوحيدي وما شاع من أنّه أحرق كتبه، لقد اكتشفتُ في أحد المصادر التـي قرأتها ونسيتها أنّ الكاتب يقول إنّ التوحيدي لم يحرق كتبه التـي ألّفها، وإنّما أحرق كتبه التـي يملكها، وفي المسألة نظر، وهذه الحالة إن كانت فعلاً هكذا فإنّ أبا حيّان التوحيدي قد أباد مكتبته، وتخلّص منها، ولكنْ إذا تخلّص من كتبه التـي ألّفها فالمسألة مختلفة، تندرج في باب التراجع عمّا كتب، والتأسُّف عليها، لأنّه رأها لا معنـى لها، وهذه الحالة ليست "إبادة كتب"، فثمّة مؤلّفون تخلّصوا من كتب ألّفوها لعلمهم أنّها لم تَعُدْ مهمّة أو أنّها كتب تافهة، كما حدث مع محمود درويش في تخلّصه من ديوانه الأوّل "عصافير بلا أجنحة" (1960). إنّه كتاب مراهق بالفعل، وقد قرأته مؤخّراً، لكنّه يحمل بذور إبداع درويش الشعري، حادثة أبي حيّان التوحيدي أرجعتني كذلك لشخصيّة "مرزوق أبو الحسن" في مسلسل "سامحوني ماكنش قصدي" حيث أحرق كتابه.

يتّصل بهذه المسألة كذلك من يتخلّص من مكتبته ليتبـرع بها، إنّها مسألة في غاية الأهمّيّة، إنّ كثيرين من العلماء والأساتذة يصلون إلى مرحلة لم يعودوا قادرين على القراءة أو الاستفادة من الكتب، فيتبرّعون بها إلى مكتبات الجامعات أو المكتبات العامّة، وربّما دفعهم لذلك أنْ لا يوجد لديهم ابن أو ابنة أو أخ له اهتمام بالكتب، فلمن يتـركون هذه الثروة العظيمة؟ فالحلّ الأنسب التبـرّع بها، إنّهم بهذه الطريقة يحافظون عليها، ويوفّرون لها عمراً افتراضيّاً طويلاً قد يمتدّ إلى مئات السنوات، وقد شهدتُ شيئاً من ذلك في مكتبة بلديّة نابلس العامّة، حيث مكتبات كلّ من الأستاذ حافظ طوقان، والأديب عادل زعيتر، والشيخ عادل صلاح، والأستاذ راسم يونس، والدكتور والباحث محمود عطا الله، إنّها موجودة بكلّ أشيائها ومراجعها ورفوفها، إنّ هذا الفعل نوع من الخلود لأصحابها ولكتبهم وتكشف عن اهتماماتهم، ودراساتهم، وبحدّ ذاتها تصلح لتكون موضوع دراسة في علم الاجتماع الثقافي.

ثمّة آخرون يتخلّصون من مكتباتهم لأنّهم لا يريدون أن يقرؤوا، لقد وصلوا إلى حافّة لا يرون منفعة في الكتب، ولا في قراءتها، وتتحوّل إلى عبء إضافيّ في البيت، وتشوّه (الديكورات) العصريّة، سيحتفظ هؤلاء فقط بكميّة مختارة من الكتب لإكمال (الديكور)، ولإعطاء وَهْمٍ للزوّار أنّه مثقّف، ذو ثقافة نخبويّة كلاسيكيّة وأجنبيّة، لا سيّما إنْ ترك في مكتبته كتباً مكتوبة بلغات أجنبيّة، على الرغم من أنّه قد لا يحسن القراءة بتلك اللغات، وأيضاً عايشت مثل هذه الحالات، إنّهم يتخلّصون من الكتب، لا يتبرّعون بها، ولا يعنيهم مصيرها، ويا للمفارقة، لقد وصلني بفعل هذه الجناية كمّ هائل من الكتب المهمّة والمجلّات الأدبيّة التـي يندر وجودها في فلسطين.

وإضافة لهذه الجوانب من التعامل مع المكتبات الشخصيّة، ثمّة من يبيع كتبه أو يفكّر ببيعها، كما حدث مع الكاتبة المصريّة صفيناز كاظم التـي أعلنت على صفحتها في الفيسبوك أنّها تنوي بيع مكتبتها بمليون جنيه، ربّما جاء الإعلان من أجل الحصول على المال، وربّما أرادت التخلّص منها، لكنْ ليس دون ثمن، على أيّة حال، كثيرون من يفكّرون ببيع مكتباتهم، ومررْتُ بما يشبه ذلك، وكنتُ أنوي بيع مكتبتي لظرف قاسٍ مررْت به، لكنّها نجت، وإن لم أنجُ أنا نهائيّاً من هذه المحنة.

مسألة أخرى، تفتّحت مناقشتها معي وأنا أقرأ كتاب "إبادة الكتب"، وهي نزعة الانتقام بالكتب ومن الكتب، فما يسيّر هؤلاء الطغاة هو نزعة الانتقام من شعب، لأنّه شعب ذو تراث، وذو حضارة وتاريخ عريق، لكنّني أخذت الانتقام إلى فلك الانتقام الشخصيّ، فكيف تكيد إنساناً يحبّ كتبه إلّا بالانتقام منه بإبادتها؟

قرأت في كتاب مصطفى السباعي "من روائع حضارتنا" في آخر فصل خصّصه للحديث عن الكتب: "كان للأمير ابن فاتك- من أمراء مصر في القرن الخامس الهجري- مكتبة ضخمة، يجلس فيها أكثـر أوقاته ولا يفارقها، وله زوجة كبيـرة القدْر من أرباب الدولة، ولكنْ داخلتها الغيـرة من الكتب، فلما توفّي نهضت هي وجواريها إلى خزائن كتبه وفي قلبها لوعة من الكتب؛ لأنّه كان يشتغل بها عنها، فجعلت تبكيه وتندبه، وفي أثناء ذلك ترمي الكتب في بركة ماء كبيـرة في وسط الدار هي وجواريها، هكذا فعلت زوجة أحنقها ولع زوجها بالكتب، فانتقمت من الكتب بعد وفاته". "وقديماً كانت زوجة الإمام الزهري تقول له حين تراه غارقاً في الكتب: "والله لهذه الكتب أشدّ عليّ من ثلاث ضرائر!"، ويتّصل بهذا الانتقام تهديد الزوجة لزوجها إن تزوّج عليها أن تطعم كتبه النار، وتحرق قلبه عليها.

أمّا المسألة الثالثة التـي تأخذ بعداً رمزيّاً في مسألة "إبادة الكتب"، ما شاع في الغرب من مشهديّات الانتقام من المسلمين والإسلام بحرق نسخ من المصحف الشريف. تتكرّر هذه الحوادث بين فينة وأخرى في كثيـر من البلدان الغربيّة، يقوم بها أشخاص جهلة وحاقدون على الإسلام والمسلمين، معتبـرين أنّ أساس الشرّ والإرهاب هو هذا القرآن الكريم، فيقومون بحرق نسخ منه، إنّهم بالتأكيد لا يستطيعون "إبادة القرآن الكريم" لكنّها مشهديّة تحمل معنـى رمزيّاً تحريضيّاً على المسلمين، وتزجّهم في خانة الإرهاب والإرهابيّين، ومهما فعلوا أو قدّموا للمجتمعات الغربيّة من خدمات جليلة واستثنائيّة، فإنّهم سيظلّون يحملون صفة "الإرهابي المحتمل" في أيّة لحظة.

إنّ حوادث حرق المصحف الشريف في الغرب مقبولة في الذهنيّة الغربيّة الاستعماريّة، فلا تفسّر لديهم في القانون إلّا أنّها "حرّيّة تعبيـر"، بينما وطء علَم من أعلام الدول الاستعماريّة أو حرقه في مظاهرة غاضبة فإنّه عمل مُجَرّم وعنصري ويستحقّ فاعله المحاكمة.

يتّصل بإبادة الكتب محاربة الكتاب وقتلهم أو نفيهم، أو اضطهادهم في بلدانهم وسجنهم، وحرمانهم من الوظيفة، ومحاصرتهم. لقد ناقش الكتاب تلك الجرائم الذي فعلها النظام السياسي الصيني في عقد من الزمن (1966- 1976) في ما عرف بالثورة الثقافيّة، كيف عاقب كثيراً من المعلّمين والكتّاب والمثقّفين، وصادر كتبهم، وأجاد أيّما إجادة في ترويعهم بدءاً من الاعتقال والتعذيب حتّى القتل، ليضطرّ بعضهم أن يتخلّص بنفسه من كتبه. 

يرتدّ بي الزمن أيّام الانتفاضة الأولى (1987- 1993)، وكنت يافعاً عاشقاً للكتب، ثمّ طالباً في الجامعة، وشغوفاً بجمع الكتب ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، رأيتُ خوف العائلة من احتفاظي ببعض الكتب السياسيّة والمجلّات الحزبيّة، وكانوا يطالبونني دوماً بالتخلّص منها، كنت أسمع عن مداهمات دوريّات الاحتلال الليليّة لبعض البيوت في القريّة أو القرى المجاورة، ومعاقبة من يُضبط عنده كتب ممنوعة، فكانت العائلة تزداد خوفاً عليّ، فليس لي طاقة "على البهدلة والسجن"، لقد تخلّصت من تلك المواد التحريضيّة بطريقة مغايرة، ومخاتلة، فاستبدلت بها كتباً أدبيّة من صديق لي، اكتشفت بعد سنوات عديدة أنّه اضطر للتخلّص منها بالحرق، نظراً لمعارضة والده لوجودها، فعندما سُجن قامت عائلته بحرقها، كأنّها موادّ وأدلّة على جُرْم كبير.

أستذكر في هذا السياق رواية الكاتبة الفلسطينيّة كوثر الزين "ذاكرة في الحِجْر" حيث تحتلّ المكتبة والكتب والقراءة وما فيها ودلالتها مساحة مهمّة من السرد، فتتعرّض للتفتيش من قبل قوّات الأمن، وتفكّر الأمّ ببيعها لسداد فواتير الكهرباء؛ كي لا يظلّوا على ضوء الشمعة، وتظهر المكتبة ضمن الأجواء الرومانسيّة، وجسراً للعاطفة، عندما عدْتُ للرواية، وراجعت دَوْر المكتبة في الحدث الروائي وجدتها تشكل عصباً رئيسيّاً من أعصاب السرد.

إنّ الكتب الممنوعة مسألة شائعة في حياتنا- نحن الفلسطينييّـن- فمن عنده كتب كمن عنده "مخدّرات" أو "أسلحة"، وخاصّة تلك الكتب المحظورة، هذه المسألة لا تتّصل بالعلاقة مع الاحتلال فقط، بل أيضاً يعاني منها الفلسطيني تحت حكم "سلطة أوسلو" التـي منعت منذ سنواتها الأولى تداول كتب إدوارد سعيد بناء على موقفه السياسي من اتّفاقيّة أوسلو، ومنعوا تداول كتاب "فيصل درّاج" "بؤس الثقافة في المؤسّسة الفلسطينيّة" وكتب أخرى كثيرة بعد ذلك، وسحبوا من المدارس كتاب "فلسطين التاريخ المصوّر" للمفكّر الكويتي طارق سويدان، وذلك "بحجّة أنّ الكتاب يحتوي على مضامين جهاديّة يعتبرها الاحتلال تحريضيّة، بالإضافة إلى انتقاد الكاتب لعمليّة التسوية بين السلطة الفلسطينيّة والاحتلال"، وهذه المسألة تتشعّب وتطول، ليختلف المنع تبعاً للوزير المسؤول ومن حوله ممّن يلقّنه التعليمات، فقد سُحب أيضاً كتاب "قول يا طير" بحجّة اشتماله على ألفاظ خادشة للحياء العامّ، كما رفضت وزارة التربية والتعليم إدخال كتاب أحلام بشارات "اسمي الحركي فراشة" بحجّة مخالفته للقيم والتقاليد الاجتماعيّة، والأسباب كثيرة ومتنوّعة مع كلّ كتاب يقرّر الرقيب الغبيّ منعه.

في كتاب "إبادة الكتب" ثمّة حديث مطوّل حول "الثورة الثقافيّة" في الصين وما رافقها من تحديد من هو الصالح من الطالح بناء على ولائه الحزبي، والشيء نفسه تقوم به "سلطة أوسلو" عندما تقرّر من هو صالح للتعليم أو التعيين في الوظائف الحكوميّة، عليك أن تجتاز الفحص المخابراتي والأمن الوقائي لتكون محظيّاً بالوظيفة، وإلّا لن يكون لك دور في ذلك، إنّها مكارثيّة بشكل أو بآخر، لقد كان لهذه السياسة المتهوّرة عوائد سقيمة على كلّ المناحي، فتسلّم الوظائفَ اللصوص والمنافقون وغيـر الأكْفاء والمحميّون بأحد المتنفّذين، وصارت جودة كلّ إنتاج تتراجع بشكل مذهل، وها أنا أعيش ذلك وأشاهده في المحيط الذي أعمل فيه، فلا شيء يوقف التراجع والتردّي والرداءة ما دام هذا النهج الفاسد جدّاً هو العامل الحاسم فيمن يقود البلد ومن يعمل في مفاصلها الحيويّة، إنّ تلك العقليّة لا يمكن لها أن تبني مجتمعاً متماسكاً وقويّاً يعدّه القادة المفترضون أنّهم وطنيّون لمجابهة الاحتلال ومقاومته، إنّ هذه السياسة لن تزيد المجتمع ومؤسّساته إلّا بؤساً وتخلّفاً، فمتى يجنـي المرء عنباً وقد زرع الشوك؟ ولكنْ هيهات لكلّ هؤلاء الغارقين في أوهامهم أن يدركوا عظم الكارثة، ما داموا مستفيدين وتحقّق مصالحهم الآنيّة، داسّين رؤوسهم في الرمل كالنعامات لا يريدون أن يروا الحقيقة.

لقد تراجعت الصين عن ثورتها الثقافية تلك بعد عقد من انتهاجها وأدركت خطأها، ولكنّني لا أظنّ أنّ "سلطة أسلو" ستتخلّى- كونها صورة ممسوخة عن أسوأ نظام عربي- عن نهجها هذا؛ لأنّها "سلطة" ليس لديها مفكّرون، أو عقول راجحة قادرة على أن تراجع السياسات وخطرها ومآلاتها الواقعيّة، لذلك ستظلّ "سلطة أوسلو" برموزها المتسلّطين يعملون على خراب المجتمع لينهار بهم، فيكونوا أوّل ضحاياه، لأنّ لكلّ فاسد نهاية، هكذا يعلّمنا التاريخ، ولا يعلّمهم إلّا بعد فوات الأوان، على الرغم من أنّ كتاب روبيكا نوث "إبادة الكتب" لا يقول هذا صراحة أو ضمناً، لكنّ شواهد التاريخ خارج دفّتيْ هذا الكتاب تقول أكثر ممّا يظنّ أيّ قارئ سطحي عَجول لكتاب على هذا النحو من الأهمّيّة والفائدة.