استعراضٌ لقصة " لبلب وعنتر" - للأطفال - للكاتب سليم نفاع/ الدكتور حاتم جوعيه

 


مقدمة : الكاتبُ والأديبُ الأستاذ سليم  نفاع من سكان  مدينة شفاعمرو، حاصلٌ على شهادةِ الماجستير في التربيةِ من كلية أورانيم وموضوع رسالة الماجستير عن انعكاس القيم في قصص الأطفال.  وقد اصدر عشرات القصص  للأطفال والفتيان مترعة بالجمال والخيال والإمتاع والإبداع . ولهُ الكثيرُ من المقالاتِ والدراساِت القيِّمةِ  في التربية وأدب الأطفالِ ممَّا ساهمَ في إثراءِ المكتبةِ العربيةِ وإسعادِ الأطفال والكبار أيضا بالقصِص الجميلة ، التي توَّجَتْ رحلته الطويلة والمثمرة من العطاءِ والإنتاج الغزير الهادف  في مجالِ أدب الأطفال . وقد شاركتْ معظمُ  قصصِ الأستاذ سليم نفاع في مسيرةِ الكتاب في المدارس العربية ، وشاركت كتاباتهُ ومؤلفاتهُ أيضا في  معارض محليةٍ وعالميَّة للكتاب . عملَ الأستاذُ سليم نفاع سكرتيرا للجنة متابعة التعليمِ العربي لمدةِ عشر سنوات، وهذا أعطاهُ وأكسَبهُ المزيدَ من المعرفة في الأدب واللغة العربية والثقافة بشكل شامل.  وأدار فرع الجامعةِ المفتوحة في مدينة شفاعمرو ومنطقة الشمال لأكثر من عشر سنوات . حاز على شخصيةِ العام الثقافية وتمَّ  تكريمُهُ في احتفالِ تكريم الشخصيَّات الشفاعمريّة عام 2022 . وأقام مشروع "أجمل اللغات" في الكتابةِ الإبداعيّة ، وعمل من أجل  تقدم ورقي  مجتمعه . وقد أهداني مجموعةً من كتبهِ التي ألّفها للأطفال ويُسعدُني جدا أن اكتبَ عن بعضٍ من أعمالِهِ وابداعاتِهِ الأدبيَّة.

  سأتناولُ في هذه المقالةِ قصةً له للأطفالِ بعنوان " ( لبلب وعنتر ) من خلال الاستعراض والتحليل.

   تقعُ هذه القصَّة في 32 صفحة من الحجم الكبير- تأليف الكاتب الأستاذ سليم  نفاع  من مدينة شفاعمرو ، إصدار : أ . دار الهدى ع . زحالقة  للطباعة والنشر - 2018 ، رسومات الفنانة التشكيلية  منار نعيرات .

 كُتِبتْ هذا القصة على ألسنةِ الحيواناتِ ( الفأر لبلب والقط عنتر).. تتحدثُ بشكل متسلسلٍ وبأسلوب حميلٍ وشائقٍ عن الفأر والقط اللذين كانا يعيشان  في منزل فلاح  نشيط ومكافح يعملُ بشكل دؤوب لإعالةِ عائلتهِ. وكانت أرضُ هذا الفلاح خصبةً وكل سنة تأتي بالبركةِ وتطفحُ بالخيرِ والمحاصيل الوافرةِ من الحبوب والثمار المتراكمة والشهيّة. وكان الفأرُ لبلب ( الاسم الذي أطلقهُ عليه كاتبُ القصَّة) مُشاغبًا وسلبيًّا بطبيعتهِ وفطرتِهِ ودائما يتجوَّلُ في جميع زوايا منزل الفلاح  ويُخرِّبُ ويَعبثُ في محتوياتهِ ويتلفُ كلَّ شيء يصادفهُ ويراهُ أمامَه، فيمزّقُ الأكياسَ المُمتلئةَ بالحبوبِ والمحاصيل المتنوعة التي يتعبُ ويشقى الفلاحُ في زرعها وحصدها وجمعها.  وكان هذا الفلاحُ النشيط يُطلقُ هذه الجملة دائما : ( من جدَّّ وجد ومن زرع حصد ) . 

  وكان يعيشُ في منزلِ هذا الفلاح المكافح  قطٌّ  اسمهُ عنتر أبيض اللون  سمين ومدلَّل  يعتني به الفلاحُ جيدا فيعاملهُ أحسنَ معاملةٍ لأنهُ حارسٌ امين .  وحاولَ هذا القط المحبوب والمُقرَّب والأثير من أصحاب المنزل عدَّةَ مرات الذهاب إلى جحر الفأر لكي يصطادَه  ولكنه لم ينجحْ في هذه المهمَّةِ لأنَّ لبلبَ فأرٌ ذكيٌّ جدًّا وصاحبُ حيلةٍ ويعرفُ جيدا  كيف يتخلّصَ من القطِّ عنتر وينجو منه بسهولة.. فكان هذا الفأرُ المشاغبُ يأكلُ ثمارَ الموز والبطاطا  ويرمي قشورَها  في طريقِ عنتر لكي يتزحلقَ ولا يستطيع اللحاقَ والإمساكَ بهِ فيقع القطُّ  مرات عديدة على وجههِ غاضبا. وعند المساء كان عنتر ينامُ  قريبا من الفلاح على سجَّادةٍ  وفيرةٍ  ناعمةٍ  مفروشة في أرض الغرفةِ. وكانت فرصة مناسبة في هذا الوقت للفأر لبلب لكي يتجوَّلَ  ويسرح ويمرحَ  في جميع وزوايا وأنحاءِ المنزل ويأكل ويلتهمَ كلَّ ما يصادفهُ  ويراهُ أمامه . وكان في بعض الأحيان  يُمزّقُ الملابسَ ويفسدُ  محاصيلَ الفلاح  والمونة التي يحزنها ويتركُ وراءَه الكثيرَ من الأضرارِ والخرابِ

  وعندما  كان القط عنتر يسمعُ ضجيجَ  وقرقعةَ الأدواتِ والأواني المنزليَّة  التي يُحرّكها  لبلب أثناءَ صولاتهِ وجولاتهِ التخريبيّة في أنحاءِ المنزل يغضب وَيُحاول أن  يجري وراءَه  لكي يمسكَ به، ولكن لبلب يتحرَّكُ بخفيَّة  مثل كلِّ مرة  ويلقي بالطناجر والأواني المنزليةِ والصحونِ والأكياسِ على رأسِ  القط عنتر، وينجو من القطِّ عنتر ويختبئُ في جحرهِ.. ويرجعُ القط عنتر إلى صاحبهِ الفلاح  صفرَ اليدين وبخفيِّ حنين كما يقولُ المثل القديم وعليه ملامح  الحزنِ والألم والخيبة،  فيلاطفهُ الفلاحُ  ويشجِّعهُ  ويَدعُمهُ معنويَّا  وَيُقوِّي من معنوياتِه المُنهارة .  

   وعاشت أيضا بجانب هذا المنزل الذي يسكن فيه الفلاحُ وأسرتهُ والقط عنترعنزةٌ وادعةٌ ولطيفة اسمها "سمُّورة "، وكانت سخيّةً وتعطي أصحابَ البيت كلَّ  يوم  كميات من الحليب وافرة ولذيذة  فيصنعون من هذا الحليب اللبنَ والجبنة والبة .   وحدث وفي أحد الأيام إذ كانت زوجةُ الفلاح منهمكةً ومنشغلةً في حلبِ العنزة سَمُّورة  فيغافلها الفأرُ لبلب ويتقدَّمُ بشكل خفيٍّ

وبهدوءٍ ويبدأ  يشربُ من  إناءِ الحليب الموضوع على الطاولة  فينسكب كلُّ الحليب على الأرض .فتبدأ المرأةُ  زوجةُ الفلاح تصرخ وتصيح  بصوت عال : يا ويلي  يا ويلي  ( كما جاء في القصَّة )  فيسمعُ صوتها القط عنتر  ويسرعُ لنجدتِها وجرى وراءَ الفأر لبلب  لكي يعاقبه على فعلته وجريرتهِ النكراء فيقفز لبلب إلى أعلى خزائن الملابس.. وأطلَّ لبلب من أعلى الحزانة  ثمَّ بدأ  لبلب وعنتر يتجادلان  بصوتٍ عالٍ  وبصرخاتٍ على بعض وبعنف . ووبَّخهُ القط عنتر على فعلته وسكبه لإناءِ الحليب على الطاولة وأنه أزعجَ وأقلق راحةَ جميع أصحاب البيت، وطلبَ منه أن يخرجَ ويغرُبَ عن وجوههم ويتركهم .. فأجابهُ لبلب وقال له: إنكَ قطٌّ مُدلَّل  يا عنتر تحصلُ على كلِّ شيءٍ تُريدُه من أصحاب المنزل وأمَّا الفأر لبلب فلا أحد يُحبٌّهُ وأصحابُ المنزل يعتبرونهُ غريبا ودخيلا.. فردَّ عليه القطُّ عنتر قائلا :  إنَّكَ تُثيرُ البلبلةَ وتنشرُ الفسادَ والخرابَ وتفسدُ وتتلفُ محاصيلَ الفلاح وتثقبَ الملابسَ الثمينة . فقالَ وأكّدَ لهُ  لبلب: إنهُ لا يقصدُ تمزيق الملابس ولا إفساد وإتلاف المحاصيل، بل هو يريدُ  لقمة مُقمَّرة على الأقل  يسدُّ رمقهُ ويُطفئُ  بها جوعَهُ .  فجاوبهُ القط  عندها بلهجة ونبرةٍ فيها نوع من الترحيب: إسمعْ  يا لبلب أخي القط مرمر لقد اصطادَ الكثيرَ من  أفرادِ عائلتك الفئران  وأما أنا  فأريدُ أن أقيمَ معاهدةً دائمةً وسلاما ومحبَّة وتفاهما بيني وبينك، فجاوبه الفأرُ لبلب: وأنا أيضا بالمثل أحبُّ السلامَ ولا أريدُ أن تكونَ هناكَ خلافاتٌ وعداوةٌ بيننا. وسألَ عنتر باستغراب: هل بالإمكان أن يكون سلامٌ دائمٌ  بين جميع القطط والفئران ؟؟!!. فيجيبهُ لبلب: نعم بالإمكان  تحقيق هذا الأمر إذا توفَّرَ الطعامُ للجميع وعندما تكونُ جميعُ الأطرافِ في شبع ولا تُعاني فئة ومجموعة ما من القِلّةِ والفقر ِوالجوع ..وإذا توفّرَ الطعامُ للجميع  فعندها بالتأكيد سيحلُّ ويعمُّ السلام  الحقيقي الشامل. فأجابهُ عنتر: صدقت يا لبلب وسأترك لكَ قليلا من الطعام الذي للفلاح  لكي تأكلَ منه  ما تريد وحسب حاجتك . فأكّدَ له لبلب بعد سماع هذا الكلام من عنتر قائلا: من الآن فصاعدا ومنذ هذه اللحظة  لن أزعجَ أصحابَ هذه الدار الساكنين فيها ولن اقومَ بأيِّ عملٍ  تخريبيٍّ  يزعجُهم ولن أمزِّقَ ثيابَهم  ولا أمسّ طعامهم .

  وتنتهي القصَّةُ هنا هذه النهاية  شبه المفتوحة على غرار الكثير من قصص الأطفال الأجنبية والعالميَّة .

تحليلُ القصّة: هذه القصةُ كُتِبَتْ على ألسنةِ الحيوانات ( القط عنتر والفأر لبلب) وتُستَهَلُّ بأسلوبٍ سرديّ وبعدها ينتقلُ الكاتبُ إلى الحوار الدرامي  والحديثِ المتبادل ( ديالوج ) بين أبطال القصَّة ( الفأر والقط) .  

  لقد أدخلَ الكاتبُ شخصيَّات أخرى في القصة، مثل: الفلاح  وزوجته والعنزة "سمُّورة" وبشكلٍ مُقتضب ولم يدخلهما في أيِّ حوارٍ أو حديثٍ مباشر، ومعظمُ أحداث القصَّة تدورُ بين القطِّ والفأر.

   هذه القصّةُ ليست طويلةً وكان بإمكان الكاتبِ أن يتوسعَ أكثرَ في السناريو وفي أحداثها ومشاهدها الدراميّة، وأن يضيفَ إليها بعضَ الشخصياتِ الجديدة . هو تحدَّثَ عن الفلاحِ صاحب البيت وزوجتهِ بشكلٍ سريع ولكنه لم  يدخلهما في الحوارِ ومجرى الاحداثِ  - كما ذكرَ أعلاه -، ولم يذكرْ إطلاقا  أولادَ الفلاح وزوجتهِ، ولم يضعهمْ في القصةِ، ولم يُدخلْ شخصيات أخرى أيضا مثل: الأصدقاء والأقارب  والجيران . ومن المحتملِ أنهُ فعل هذا الشيء تفاديًا من الإطالةِ ولمنع حدوثِ المللِ لدى القارئِ . وقصصُ الأطفال من المُفضَّلِ أن تكونَ قصيرةً نوعا ما حتى لا تُرهق ذهنَ الطفلِ الصغير، ولكي يستطيعَ أن يستوعبَ  مجرى أحداثِها  وجميع تفاصيلها، وخاصة إذا كُتِبَتْ وَنُسِجَتْ بلغةٍ مُبسَّطةٍ ومفهومة وغير مُمِلّة . 

 وهذه القصَّةُ  ظريفة ومُمتعة وناجحة بكلِّ معنى الكلمة  وتحوي جميعَ الأسس والعناصر الهامة التي يجب ان تتوفَّرَ في كلِّ قصَّة تكتب للأطفال، وخاصّة لجيل الطفولة المبكر- سواء كانت  القصَّةُ طويلة أو قصيرة.. سردية أو حواريَّة ( ديالوج ) أو مزيح بين السرد والحوار .

    تضمُّ وتحوي هذه القصَّة عناصرَ عديدة وهامَّة، مثل:

1 - العنصرُ الفانتازي الخيالي: وهو العنصرُالأساسي والهام للأطفال وبدونه تكون القصَّة ناقصةً ومبتورة. وهذه القصة يُترعُها ويغمرُها الطابعُ الفانتازي من البداية للنهايةِ، وتدورُ معظمُ أحداثِها بين القط والفأر، ويبرز هذا الشيءُ بوضوح في الحوار المُطوَّل الذي يجري بينهما  في الفصول الأخيرة منها . والطفلُ الصغير بطبيعتهِ يُحبُّ الحيوانات وكلَّ حديث وموضوع يتعلّقُ بعالم الحيوان، وخاصة الحيوانات الأليفة  والداجنة كالقط والكلب . 

2 -  عنصرُ التشويق والإثارة : يظهرُ هذا في جميع  صفحاتِ وفصول القصَّة، والقصة من بدايتها للنهاية طريفة ومسليّة  تشدُّ الطفل وتجذبهُ للاستماع إليها أو لقراءتها دونما توقّف .

3 - العنصرُ الفنِّي والجمالي : يظهرُ ويبرزُ في جميع صفحات القصة.

4 -الجانبُ التَّرفيهي: وهو أكثر جانب يهتمُّ به معظمُ الذين يكتبون ويؤلفون قصصًا  للأطفال . والقصة بأكملها هي ترفيهية ومسليَّة وممتعة للطفل الصغير وللكبير أيضا، وتذكرنا بأفلام ومسلسلات البيكيماوس (  الأفلام الكارتونيَّة) التي يحبُّ مشاهدتها الصغار والكبار أيضا .

5 - البعدُ الإنساني والاجتماعي: نلمسُ هذا الجانب على شكل توريةٍ في الصفحات الأخيرة من القصَّة .

6- موضوعُ المحبّةِ والسلام والتعايش السلمي مع الجميع  وخاصة عندما يتحقق هذا الأمر مع الأطرافِ المتناقضة والمتخاصمة.... ...وهذا الجانبُ إنسانيٌّ من الدرجة الأولى، وقلائل من الكُتَّابِ والادباءِ المحليين الذين كتبوا قصصا للأطفال قد تطرقوا إليه .                       وتناولَ كاتبُنا هذا الموضوع الهام عن طريقِ الحوار بين الحيوانات ( القط عنتر والفأر لبلب ).

   وهذه القصَّة تذكّرنا بكتاب "كليلة ودمنة" الذي ألِّفَ على ألسنةِ الحيواناتِ وترجَمَهُ إلى اللغةِ العربيَّة مع بعض الإضافاتِ والتعديلات الكاتبُ والأبيبُ الفارسي الكبير "عبد الله بن المقفع " .  وكان هدفُ ابنِ المقفع من تعريب وترجمةِ هذا الكتاب للعربيةِ من أجلِ انتقاد الوضع الاجتماعي والسياسي آنذاك، وانتقاد الخليفة العباسي بشكلٍ خاص عن طريق التَّورية وبشكل غر مباشر، وذلك من خلالِ قصصِ الكتاب التي تجري على ألسنة الحيوانات . ونجدُ طابع وفحوى قصَّةِ كاتِبنا القدير والمبدع الأستاذ سليم نفاع أيضا على هذا النجو تقريبا . ولقد ألّفَ قصَّتَهُ هذه للأطفال على لسانِ الحيوانات ( القط عنتر والفأر لبلب ) ويرمزُ من خلالِ مجرى أحداث القصة، وخاصَّة في الأحداثِ والمشاهد الأخيرة منها، ومن خلال الحوار الطريف الذي يجري  بين أبطال القصَّةِ وأهم المحاور فيها ( القط والفأر) إلى أهداف وأبعاد عديدةٍ، وأهمها : البعد الإنساني ثمّ البعد الاجتماعي والسياسي. فالفأر لبلب في هذه القصَّة يرمزُ ويشيرُ إلى عدّةِ أشياء ، مثلا : يرمز إلى الجهات والفئات الشرّيرة والمعاديَّة التي تريدُ أن تسطو وتُسيطرَ على أملاكِ  وأراضي وحقوق الغير وَتنشُرَ الفوضى والفساد . ويرمز الفأرُ أيضا للدولِ المعتديةِ والاستعمارية  التي تحاولُ أن تسيطرَ على الدولِ الأخرى الضعيفة عسكريًّا والغنيّة من ناحية الموارد الطبيعيّة، ولكي تنهبَ جميعَ خيراتها ومواردها ( البعد السياسي ونستطيع أن نقول أيضا: البُعد الاقتصادي – البيزنس).  ويرمز الفأرُ أيضا ( مع أنهُ سلبيٌّ  دائما ومثال للشرِّ والعداء ولنشر الفوضى والخراب ) إلى الإنسانِ أو الفئة والجهة الفقيرة والمسحوقة  والمقموعة التي تُعاني من الجوع والحرمانِ، وتحاولُ بشتى الوسائل أن تحصلَ على لقمة العيش لكي تبقى على قيد الحياة -( البعد الإنساني والسياسي ).

 أما الفلاحُ وزوجتهُ فيرمزون إلى الوطنِ والأرضِ وإلى أصحابِ الحقِّ الشرعي، وإلى الشعبِ الذي يعيشُ في أرضهِ ووطنهِ بأمنٍ بسلام  وتحاولُ جهاتٌ خارجيَّة شرّيرة ومعادية أن تسطو وَتُسطرَ على أرضهِ وأملاكهِ بالقوَّةِ .  وأما القط عنتر فيرمزُ إلى المواطنِ الصالح والإنسانِ الحُرِّ والأبيِّ والشجاع الذي يدافعُ عن أهله وشعبهِ، ويحاولُ أن يمنعَ كلَّ جهةٍ غريبةٍ ومعاديةٍ وشريرة أن تدخلَ إلى وطنه وتنشرَ الفسادَ والخراب.   ونستطيعُ أن نقول وبكلَّ جدارةٍ : إن هذه القصة ( لبلب وعنتر) ناجحة ومتألقة من  جميع المقاييس النقديَّةِ والذوقيّة، ويجب أن  يقرأها ويستمعَ إليها كلُّ طفلٍ لأنها تُعلمهُ أشياءً وأمورا كثيرة جوهرية وهامة كالتفاهم والمحبّة والتعايش السلمي ..وأنهُ يجبُ أن يكونَ هناكَ حوارٌ منطقيٌّ وَبنَّاءٌ ومفاوضاتٌ بين الجهاتِ والفئاتِ والأطراف المتناقضةِ والمُتخاصمةِ لكي يصلَ الجميعُ إلى حلٍّ عادلٍ ومنطقيٍّ وينعم الجمعُ بعد ذلك بالهدوءِ والاستقرارِ والأمن والأمان .  وتستحقُّ  هذه  القصَّةُ أن تكون في كل مكتبة وفي كل مدرسة وبيت وأن تُدرَّسَ للأطفال لجميعِ مراحل الطفولة.. وأن تُكتَبَ عنها الدراساتُ والمقالاتُ القيمة  والمُوَسَّعةُ من قبلِ كبارِ الكُتَّاب والنقادِ: عربيًّا وعالميًّا. وهذه القصّةُ تذكّرُنا أيضا بقصصِ الأطفالِ العالمية لكبار الكتاب الأجانب والعالميين والتي تنتهي معظمُها نهاية مفتوحة أو شبه مفتوحة. ومعظمُ قصصِ الأطفال الأجنبية والعالمية تحوي كل العناصر والأمور الهامة، وتحملُ رسالة إنسانية واجتماعية وفكرية ومبدئية وليس فقط  ترفيهيَّة ومن أجلِ التسلية وقتل الوقت والروتين والملل.  وقصةُ كاتبنا أيضا نلمس فيها نفس الشيء وهي على نفس الحذو والمسار، وتحملُ نفسَ الأهداف والتطلعات السامية والمنطلق الإبداعي المميَّز ومن أجل خدمة الادب والفكر والإبداع الحقيقي.. بالإضافة أبعادٍ أخرى ربما  قد تمَّ التطرُّقُ إليها 

 في قصص الأطفال الأجنبية  كالبعد الوطني والسياسي ..وهذا الجانب موجود بشكل غير مباشر وعلى شكل تورية في قصة كاتبنا  سليم  نفاع ( لبلب وعنتر) .

 وأريد ان أضيفَ : إنَّ الكتابةَ للطفل ليست بالأمر الهيِّنِ والبسيط  كما يعتقدُ الكثيرون ، فهي نحتاجُ إلى موهبةٍ فذَّةٍ وقدراتٍ فنية ولغويّة وأدبية وثقافة واسعةٍ وشاملة في شتّى الميادين، ويجبُ على الكاتبِ قبل كلّ شيء أن يحملَ رسالة سامية ومُقدّسة من خلالِ كتابة أيِّ عملٍ أدبيٍّ وفكري للطفل وللكبير أيضا وقبل أن يكون مُتمكّنا من أدواته الكتابيَّة.. وهذه الجملة أقولها أنا دائما عن بعض النقاد ( النُّويقدين) المحليِّين أيضا الذي لا يعرفون أصول ومناهج النقد الادبي العلمي الموضوعي والنزيه والصحيح، وهؤلاء لا يوجدُ عندهم أيُّ نوع من النزاهة  والأمانة والمصداقية في كتباتهم  وخزعبلاتهم التي يسمُّونها نقدا وتقييما أدبيا ...فهنالك كتب وقصص عديدة كُتبت للأطفالِ قد  تُسيءُ إلي الأطفالِ وتضرُّهم: نفسيا  وفكريًّا وسلوكيًّا  وأخلاقيًّا وإنسانيًّا، وقد  تعقِّدُ الطفلَ وتُحطّمُ وتُدمِّرُ شخصَّيتة ، وحتى الكبير في السن أيضا - كالعديد من كتب وقصص الأطفال المحلية التي لا يوجد عليها أيُّ نوع من الرقابةِ . وهذه الكتبُ العقيمةُ التي أعنيها  لا تحملُ في طياتها أيَّةَ رسالةٍ قيِّمةٍ وهادفة، ولا يوجدُ لها أيُّ منطلقٍ وهدفٍ إيجابيِّ بنَّاء عدا مستواها الهابط والمُتدنِّي للحضيض..

  وأمَّا قصَّةُ (  لبلب وعنتر) للكاتب سليم نفاع فهي مُمَيَّزة عن الكثير من قصص الأطفال المحليَّة فهي تنتهي نهاية شبهَ مفتوحة ونهايتها جميلة وسعيدة ومترعة بالتفاؤل والبهجة، وتُدخلُ إلى الطفلِ الصَّغير الارتياحَ النفسي والاطمئنان وتُعطيهِ الفرحَ والسعادةَ والحبورَ والاملَ والتفاؤل وليس الرّعبَ والحوفَ والهلعَ  واليأسَ والاحباطَ  والاكتئاب. وتُدخلُ الطفلَ إلى أجواء جميلة مُشعَّة بالمحبةَِّ والجمال.. وتُعلّمُ الطفلَ المحبَّة والتَّسامحَ  وحبَّ الخيرِ والعطاء، وأنَّ التعايشَ السلمي يمكنُ أن  يتحقَّقَ دائما وفي كل الظروف والأوضاع  والحالات المتناقضة وعندها  سيحلُّ الرَّخاء والخير والبركة ويعمُّ الأمنُ والسلام . وتختلفُ قصَّةُ الأستاذ سليم نفاع عن قصص كثيرة محليَّة كتبت للأطفال كان مفادها  ومنطلقها  وفحواها سلبيًّا جدا حيث تُعقّدُ الطفلَ  وتشوّهُ شخصيّته وتدخلُ إليهِ الخوفَ والرّعبَ  والفكرَ العدائي واليأس والقنوط .. وقصة ( لبلب وعنتر)  لسليم نفاع لقد جاءت في زمن ووقت كثر فيه العنفُ وانتشرت بشكل كبير ورهيب ظاهرةُ القتل والفوضى  والفساد ليس هذا في مجتمعنا المحلي فقط بل في الكثير من البلدان والمجتمعات الأخرى.. فالقصَّة تعلّمُ الطفلَ كلَّ شيءٍ إيجابيّ  وكلّ ما هو جميل وجيد  وبنَّاء لهذا المجتمع الي يسرُ نحو الانحدار .

وأخيرا وليس آخرا: هذه القصةُ (عنتر ولبلب ) على مستوى أدبيٍّ فنِّيّ وجماليّ راقٍ ومن أحسن وأفضل قصص الأطفال التي كُتِبَتْ محليًّا حتى الآن، وفيها كلُّ العناصر والأسُسُ الهامة التي ذُكِرت أعلاه.  ونتمنَّى ونأملُ من الكاتبِ والأديب القدير الأستاذ سليم نفاع أن يتسمرَّ في مجالِ الكتابة والإبداع  دونما انقطاع ويتحفنا دائما بإصدارات جديدة في جميع المجالات والألوان الأدبيَّة، وخاصة في مجال  قصص الأطفال لأن هذا النوع من الأدب كان قبل أكثر من 60 سنة شبهَ معدومٍ على الصعيد المحلي والكتابة للأطفال كانت آنذاك مغامرة.


اهلُ نينوى وقائِدهُمُ الآشوري فِي الكِتابِ المُقَدَّس/ د. زِيِادْ مُحَمَّد حمُود السَبعَاوِي


الإمبراطورية الآشورية الحديثة هي إمبراطورية نشأت في ما بين النهرين استمرت منذ سنة 934 ق.م. وحتى سنة 609 ق.م ، نافست هذه المملكة كل من بابل وأورارتو وعيلام ومصر على زعامة العالم القديم، وأصبحت بمجيء تغلاث بلاسر الثالث أقوى إمبراطورية في العالم القديم بعد أن تمكنت من الإنتصار على هذه الممالك ، واستمرت هذه الإمبراطورية حتى سقوط عاصمتها نينوى بيد البابليين والميديين سنة 612 ق.م ، إعتنق أهل نينوى التوحيد على يد نبيهم يونس بن متى "عليه السلام" وقد بدأ الغزو الآشوري لفلسطين عام (723) ق.م حيث قاد الملك الأشوري (شيلمنصر الخامس) حملة على المملكة الشمالية إحتل الآشوريون إثرها كل البلاد ما عدا العاصمة الإسرائيلية (السامرة) التي كانت حصينة وإستطاعت أن تقاوم الحصار لِثلاثِ سِنين ، إستطاع الآشوريين بعدها أن يحتلّوا العاصمة الإسرائيلية (السامرة) في عهد الملِك الآشوري (سرجون الثاني) وكان ذلك في سنة 722 ق.م (سفر الملوك الثاني 17: 6 ، 18: 9) وبعد تدمير مدينة (السامرة) تمّت إعادة تنظيم إدارة إسرائيل وأصبحت البلاد مُجرد ولاية آشورية بإسم "سامريا" يحكمها حاكِم آشوري ، وقد تطرقنا في مقالنا الموسوم (بالأمَسِ إغتِيلَتْ نِينِوى الحَدْباءُ ... وَغَداً سَتُغْتَالَ أخُتُها بَابِلُ الفَيْحَاءُ) بإسهاب للتفاصيل المتعلقة بالغزو الآشوري والبابلي ....

ورد ذِكرُ نينوى وأهلها مقروناً بِذكرِ القائِد الآشوري في الكتابِ المُقَدَّس في تفاسير حزقيال ، دانيال ، أشعياء وكما يلي : " ستكون هناك قوتان متضاربتان على مراكز السيادة على العالم ، دول غرب أوربا والآشوري" 

 وأوردوا في التفسير عن مهمته بما يأتي :

" ويل الآشوريون ، قضيب غضبي الحاملين بأيديهم عصا سخطي ، أرسلهم إلى أمة منافقة ، وأوصيهم على شعبي الذي غضبت عليه ، ليغنموا غنائمهم ، ويستولوا على أسلابهم ، ويطأوهم كما يطئون الوحل، لكن ملك أشور لا يعلم أنى أنا الذي أرسلته " (سفر أشعياء 10 : 5)

هنا تبيان إن ملك أشور مرسل من عندِ الله فهو منصورٌ وإن جمعوا عليه الدنيا وما فيها فان النصر سيكون حليفه لأنه كما في النص عصا الرب" فهل تنكسر عصا الرب؟؟ كما هم يعتقدون أنهم إذا قتلوا ملك آشور أنهم سينجون من العقاب !! ألم يعتبروا هؤلاء مما فعله فرعون عندما قتل أبناء بني إسرائيل حتى ينجو من العقاب وكان الله سبحانهُ أكبر من مكر فرعون عندما حجم عقله وعلمه وقدرته وجعل موسى الطفل ينشأ في بيته وعلى يديه حتى إشتد عوده وجاء وعد الله وقضى عليه فهل من هؤلاء من يعتبر ! ونسألُ هُنا : مَنْ هو الآشوري ؟

(هو يد الله التي ستضرب بواسطة الآشوري ، وسيكون هو عدوَّ إسرائيل آخِر الزمان ، وسيرسله الله على أمَّة منافِقة هي شَعْبُه) وذكروا في تفسيرهم عن شعب القائد الآشوري : 

(شعبه قويٌّ لم يكن له نظير من الأزل ، ولا يكون بعده ، قُدَّامه نارٌ تأكل ، وخلفه لهيب يحرق ، وأمامه جنةُ عدن  يَجْرُون كالأبطال ، رجالُ حربٍ ، يمشون كل واحدٍ في طريقه ولا يغيرون سُبُلَهم ، ولا يزاحم بعضُهم بعضًا ، وبين الأسلحة يقعون ولا ينكسرون ، إنه هو الذي سيستخدمه الربُّ في القضاء على الشعب اليهودي ، وسيحقل الآشوري نصف إسرائيل في أول أيامه ، وسيستخدم العصا على إسرائيل ، وسيضرب قاضيها بقضيب على خدِّه) .

ولقد ذُكِرَتْ معركة في أصول أهل الكتاب وهذه المعركة لها ملامحٌ في أصول الاسلام ، معركةٌ تَدورُ رحاها في المستقبل ،

 قال أهل الكتاب عن أطرافها : 

(ستكون هناك قوتان متضاربتان متنافستان على مركز السيادة على العالم : (دول غرب أوروبا والأشوري) (تفسير حزقيال / شرح الكتاب المقدس - القمص أنطونيوس فكري ص 231 ، تفسير دانيال / حنا 193) . () 

- وقالوا في التفسير عن مهمته :

 "... يد الله هي التي ستضرب بواسطة الأشوري " (تفسير أشعيا / حنا 123) وسيكون هو عدو إسرائيل آخر الزمان (تفسير دانيال / إيرنسايد ص 95) وسيرسله الله على أمة منافقة هذه الأمة هي شعبه (تفسير أشعيا / حنا ص 123) 

وتحدثت تفاسير أهل الكتاب للتوراة : أن فلسطين هي محور النزاع في معارك الآشوري مع اليهود يقول إيرنسايد في تفسير دانيال :

 "سيكون هناك تحالف غربي وتحالف شرقي وتكون فلسطين هي موضوع النزاع" نقلاً عن كتاب سقوط إسرائيل من العلو والإفساد الى الزوال ()

وقالوا في التفسير عن شعبه : 

" شعبه قوي ، لم يكن له نظير في الأزل ، ولا يكون بعده ، قدامه نار تأكل ، وخلفه لهيب يحرق ، وأمامه جنة عدن (أي الشهادة) يجرون كالأبطال رجال حرب يمشون كلُ واحدٍ في طريقه ، ولا يغيرون سُبُلَهُم ولا يزاحم بعضهم بعضاً وبين الأسلحةِ يقعون ولا ينكسرون " ()   

و قالوا : " أنه هو الذي سيستخدمه الرب في القضاء على الشعب اليهودي "  ( أشعيا / حنا 123/1)  

) " وسيحتل الآشوري نصف إسرائيل في أول أيامه " (حزقيال / فكري 341 ) ( دانيال / حنا 191

والآن فلنتمعن بالرُقعةِ التي دَونها الأمير نور الدين زَنكي (ولد في الموصل سنة 1118م توفي 1174م) في حواره مع الكاهِن اليهودي :

هذه الرقعة دونها الأمير نور الدين زنكي عام 551 هجريه الموافق 1158م (( أنا المنتصر بالله المجاهد في سبيله الأمير نور الدين زنكي ، طلبت كتابة هذه الحادثة ليقرأها من له علم بالقرآن والتوراة والإنجيل وعلم الفلك :

في شهر صفر من عام 551 هجري كنا نجاهد الإفرنج في انطاكيا وقد حاصرنا حصناً إسمه حارم و أثناء حصارنا نظرت فرأيت بيت من عيدان الشجر فقلت لمن هذا البيت فقالوا إنه لكاهنٍ يهودي ، فقلت أحضروه بين يدي فلما أحضروه لاطفته بالكلام فعرفت أنه تجاوز المائة عام من عمره ، فسألته ما علمك ؟ فقال الكثير .

فقلت : عن أمتي وأمتك ؛ فقال أتصدقني لو قلت يأتي زمان نقبض أربع أركان الأرض فيه ؟

فقلت ألا لعنة الله عليك كيف ؟

فقال أتصدقني لو قلت لك سوف نعلو عليكم ونقتل صغاركم ورجالكم ونُتَوِجُ عليكم ملوككم ؟

فقلت: انك لكاذب 

قال: أتصدقني لو قلت لك في ذاك الزمان نطعم ونسقي نجوع ونميت وبإشارة من إبهامنا نَدُكُ المدن وأعظم الملوك يركع لنا فقلت انك لشيطان ومن يدمركم وكيف تنتهون فقال :

( لا نخشى إلا من ملك بابل فإنه طاغية جبار عنيد ينقلب علينا بعد أن توجناه ... فقلت له أكمل حديثك ، فقال : نجمع عليه أهل الأرض مرتين وجنود لا طاقة له بها ويأتي طيرٌ من السماء يُلقي ما في بطنه فيظن الناس وجنده وأهله أنه إنتهى فيمرح أعداؤه ويبتهجون ولكن لا تكتمل البهجة ، ويظهر بعد أيام معدودة كأنه عفريت من الجن، فيتبعه رجالٌ ظَلَمَة لا رحمة في قلوبهم فيكونُ سبباً في قتل بشرٍ لا يحصون وتكون نهايتنا على يديه ويقتل منا ما لا يتخيله بشر ويموت بالحمى في وادي السيسبان ، فقلت والله انك لكاذب .

فقال : والله يا مولاي لو قرأت كتابكم وحديث رسولكم بحفظ وعلم لوجدتني صادقاً ) .() 

وقد ورد في سِفر حزقيال : 

" لهذا حي أنا يقول السيد الرب لأنك دنست قدسي بكل أصنامك المكروهة وبجميع رجاستك فأنا استأصل ، ولا تترأف عليك عيني ولا أعفو ثلث سكانك يموتون بالوباء والجوع في وسطك ، وثلث يقتل حولك بالسيف ، وثلث أخير أشتته بين الأمم أتعقبه بسيف مسلول، وهكذا انفس عن غضبي ويخمد سخطي إذ أكون قد انتقمت ، وحيث يستكين حنقي عليهم يدركون أنى أنا الرب الذي أصدرت قضائي في إحتدام غيرتي " (سِفر حزقيال : 5-6 ) (حنا 192 ، زكريا 255) ( 16-27  )

" لا تفرحي يا كلّ فلسطين (إسرائيل)، لأن القضيب الذي ضربك قد إنكسر، فإنه من أصل تلك الأفعى يخرج أُفعوان ، وذريّته تكون ثعباناً سامّاً طيّاراً، ولول أيّها الباب ، ونوحي أيّتها المدينة ، ذوبي خوفاً يا فلسطين قاطبة ،لأن جيشا مُدرّباً قد زحف نحوك من الشمال ، لا تفرحي يا كل فلسطين (إسرائيل) ولا تبتهجي بأنك استطعت أن تكسري صولجان ملك بابل لأن الرب سيعاقبكم به ، وما هي إلاّ أيام معدودة فقد تحول بينكم وبين ملك بابل الذي جمعتم له الدنيا وظننتم أنكم قد قضيتم عليه فانه سيخرج لكم كعفريت من الجن وسيدوسكم كما يدوس الوحل " . ( سفر إشعياء 14: 29)

وفي قرائه تفسيرية من كتاب الحياة : 

" إلى أن يأتي صاحب الحكم فأعطيه إياه" فمن هو صاحب ذلك الحكم الذي تشير إليه النبوءة والذي سيتم به القضاء على دولة الغاصب وإقامة الحكم العربي الإسلامي صاحب الحكم الحقيقي ...!! ()

خِتاماً نوجه الخِطَاب لأهلنا في الموصل الحدباء وهم شَعبُ القائِد الآشوري الذي أعدهم الله لهذه المهمة العظيمة الجليلة ألا ينبغي أن نُعيد حسابنا ونرتقي لنكون أهل لهذا التكليف الرباني الذي إنتقانا الله وإختارنا وإصطفانا دون سائر خلقه لنكون أهل لذلك متى حان أوانه ...!!!؟؟؟


دراسة مقارنة بين الذات والعالم والآخر عند هوسرل وهيدجر وسارتر وميرلوبونتي، مقاربة فينومينولوجية/ د زهير الخويلدي



مقدمة


في قلب الفينومينولوجيا، التي تُعنى بدراسة الظواهر كما تظهر للوعي دون افتراضات مسبقة، يبرز مفهوم الذات كمحور أساسي يربط بين العالم والآخر. إدموند هوسرل، مؤسس هذه المدرسة، يركز على الوعي المتعالي كأساس لكل معرفة، بينما يطور جان بول سارتر هذا النهج في اتجاه وجودي يؤكد على الحرية والصراع، ويأتي موريس ميرلوبونتي ليدمج الجسد كوسيط أساسي بين الذات والعالم. علاقتهم تسلسلية ونقدية: سارتر وميرلوبونتي ينطلقان من هوسرل لكنهما ينتقدانه، حيث يرى سارتر فيه مثالية زائدة، ويؤكد ميرلوبونتي على الجسدية التي يغفلها هوسرل. في هذه الدراسة المقارنة، سنستكشف الذات والعالم والآخر من منظور فينومينولوجي، مع التركيز على كيفية تطور هذه المفاهيم من الوعي الخالص إلى الوجود المتجسد، مما يكشف عن تناقضات الفينومينولوجيا في فهم الإنسان ككائن يتجاوز ذاته نحو العالم والآخر. هذه المقاربة لا تكشف فقط عن الاختلافات الفلسفية، بل تقدم إلهامًا لفهم الذات في عصرنا الذي يمزج بين الوعي الرقمي والتجسد اليومي. كيف تم تعريف الذات وفق المنهج الفينومينولوجي؟ لماذا يتم التنصيص على وجودها في العالم؟ ما علاقتها بالآخر؟ ومتى تصبح المقاربة الفينومينولوجية تحولا جذريا في تاريخ الفلسفة تكمن قيمته في النوافذ والأبواب التي فتحتها اكثر من الآراء التي حطمتها؟


مفهوم الذات


يبدأ فهم الذات عند هوسرل من مفهوم الوعي المتعالي، حيث يرى الذات كجوهر نقي يتجاوز العالم المادي من خلال الإبوخي، أي تعليق الحكم على الوجود الخارجي للتركيز على الظواهر كما تظهر. الذات هنا هي "الأنا المتعالي"، مصدر كل معنى ومعرفة، غير متأثر بالعالم الخارجي، بل يشكله من خلال الجوهرانية، أي التوجه نحو الموضوعات. هذه الذات مثالية ومطلقة، تكشف عن العالم من خلال الاختزال الفينومينولوجي، مما يجعلها أساس كل فلسفة علمية صارمة. هوسرل يرى الذات ككيان منعزل نسبيًا، يبني المعرفة من خلال الوعي الخالص، بعيدًا عن التأثيرات الجسدية أو الاجتماعية، مما يعكس رؤية فينومينولوجية ترى الذات كمصدر لليقين في عالم مليء بالشك. سارتر، بدوره، ينتقد هوسرل ويطور الذات في اتجاه وجودي، حيث يفرق بين "الوجود لذاته" (pour-soi) كذات حرة وواعية، وبين "الوجود في ذاته" (en-soi) كعالم مادي جامد. الذات عنده هي "لا شيء"، أي حرية مطلقة تختار نفسها في كل لحظة، لكنها محكومة بالقلق والمسؤولية، كما في مفهوم "الإيمان السيء" حيث يهرب الإنسان من حريته. الذات هنا ليست منعزلة بل مفتوحة على العالم، لكنها تتعرض للاغتراب من خلال الآخر، مما يجعلها ديناميكية وصراعية، تعكس الوجود الإنساني كمشروع مستمر. ميرلوبونتي، من جهته، ينقد كلا هوسرل وسارتر لإغفالهما الجسد، ويرى الذات كـ"جسد-ذات" (corps-sujet)، أي جسد مدرك يتداخل مع العالم. الذات عنده ليست وعيًا خالصًا بل تجسدًا، حيث يصبح الجسد وسيطًا للإدراك، كما في مفهوم "الجسد الخاص" الذي يرى العالم من خلال الحواس والحركة. هذا النهج يجعل الذات مترابطة مع العالم، غير منفصلة، مما يعكس فينومينولوجيا جسدية ترى الذات كجزء من نسيج الوجود. في المقارنة، تتطور الذات من المتعالي الخالص عند هوسرل، إلى الحر الصراعي عند سارتر، ثم إلى المتجسد الإدراكي عند ميرلوبونتي، مما يكشف عن انتقال من المثالية إلى الوجودية ثم إلى الجسدية في الفينومينولوجيا.


مفهوم العالم


أما العالم، فيُعتبر عند هوسرل "عالم الحياة" ، أي الواقع اليومي الذي يُبنى من خلال الوعي المتعالي. من خلال الإبوخي، يعلق هوسرل الحكم على وجود العالم الخارجي ليدرس الظواهر كما تظهر، مما يجعل العالم موضوعًا للوعي، غير مستقل بل مشكلًا من خلال الجوهرانية. العالم هنا مثالي نسبيًا، يفقد استقلاليته لصالح الذات، مما يعكس رؤية فينومينولوجية ترى العالم كبناء وعيي يمكن اختزاله إلى جواهره. سارتر ينتقد هذا ويقدم العالم كـ"في ذاته"، أي كيان مادي جامد وغير ذي معنى، يواجهه "اللذاته" كحرية تمنحه معنى من خلال الاختيار. العالم عنده مليء باللزوجة والاغتراب، كما في وصفه للأشياء كثقيلة ومضادة للحرية، لكنه أيضًا مجال للمشروع الإنساني، حيث يصبح العالم ساحة للصراع والإبداع. هذا النهج يجعل العالم وجوديًا، غير محايد بل معادٍ أحيانًا، مما يعكس فينومينولوجيا ترى العالم كخلفية للحرية الإنسانية. ميرلوبونتي، بدوره، يرى العالم كـ"لحم العالم" ، أي نسيج مترابط يتداخل مع الجسد المدرك. العالم ليس موضوعًا للوعي بل ممتدًا للجسد، حيث يصبح الإدراك جسديًا يربط بين الذات والعالم في "التشابك". العالم عنده حيوي ومفتوح، غير جامد بل مليء بالإمكانيات الإدراكية، مما يجعله أقرب إلى الواقعية الجسدية. في المقارنة، يتطور العالم من بناء وعيي عند هوسرل، إلى ساحة صراع عند سارتر، ثم إلى نسيج جسدي عند ميرلوبونتي، مما يكشف عن تحول من الذاتية إلى التفاعلية في الفينومينولوجيا.


مفهوم الآخر


أخيرًا، يُمثل الآخر تحديًا أساسيًا في فهم الذات والعالم. عند هوسرل، الآخر يُبنى من خلال الجوهرانية، حيث يرى الذات الآخر كظاهرة في وعيها، لكنه يواجه مشكلة الذاتية المطلقة، مما يجعل الآخر موضوعًا للاختزال دون استقلال حقيقي. الآخر هنا جزء من عالم الحياة، لكنه يظل ثانويًا للذات المتعالية، مما يعكس رؤية فينومينولوجية ترى الآخر كبناء وعيي. سارتر يطور هذا إلى صراع جذري، حيث الآخر هو "النظرة" (le regard) التي تحول الذات إلى موضوع، كما في مفهوم "الجحيم هو الآخرون"، حيث يصبح الآخر مصدر الاغتراب والصراع على الحرية. الآخر عنده مستقل ومعادٍ، يحدد الذات من خلال النظرة، مما يجعل العلاقة وجودية مليئة بالتوتر والمسؤولية. ميرلوبونتي، بدوره، ينقد سارتر ويجعل الآخر جزءًا من التشابك الجسدي، حيث يصبح الآخر جسدًا مدركًا يتفاعل مع الذات في العالم المشترك. الآخر ليس معاديًا بل ممتدًا للذات، كما في الإدراك المتبادل الذي يبني التواصل، مما يجعله أقرب إلى التضامن الجسدي. في المقارنة، يتطور الآخر من موضوع وعيي عند هوسرل، إلى مصدر صراع عند سارتر، ثم إلى شريك تفاعلي عند ميرلوبونتي، مما يكشف عن انتقال من الذاتية إلى الاجتماعية في الفينومينولوجيا.


مقارنة مع هيدجر


في أعماق الفينومينولوجيا، التي تسعى إلى وصف الظواهر كما تظهر للوعي دون افتراضات سابقة، يبرز مفهوم الذات كمحور يتداخل مع العالم والآخر في نسيج معقد من الوعي والوجود. إدموند هوسرل، مؤسس هذه المدرسة، يركز على الوعي المتعالي كأساس لكل معرفة، بينما يطور مارتن هيدغر هذا النهج نحو أنطولوجيا الدازاين (الوجود هناك) الذي يفتح على العالم، ويأتي جان بول سارتر ليضيف بعدًا وجوديًا صراعيًا يؤكد على الحرية، أما موريس ميرلوبونتي فيدمج الجسد كوسيط أساسي. علاقتهم معقدة ونقدية: هيدجر تلميذ هوسرل لكنه يبتعد عن المثالية نحو الوجود، وسارتر وميرلوبونتي ينطلقان من هيدجر لكن ينتقدانه، حيث يرى سارتر فيه عدم التركيز على الحرية، ويؤكد ميرلوبونتي على الجسدية التي يغفلها هيدغر جزئيًا. في هذه الدراسة المقارنة، سنستكشف الذات والعالم والآخر من منظور فينومينولوجي، مع التركيز على كيفية تطور هذه المفاهيم من الوعي الخالص إلى الوجود في العالم ثم إلى الحرية الصراعية وأخيرًا إلى التجسد، مما يكشف عن تناقضات الفينومينولوجيا في فهم الإنسان ككائن يتجاوز نفسه نحو الآخرين والعالم. هذه المقاربة لا تسلط الضوء على الاختلافات الفلسفية فحسب، بل تقدم رؤى لفهم الذات في عصرنا الذي يمزج بين الوجود الرقمي والتجسد اليومي.


يبدأ فهم الذات عند هوسرل من الوعي المتعالي، حيث الذات هي "الأنا النقي" الذي يتجاوز العالم من خلال الإبوخي، تعليق الحكم على الوجود الخارجي للتركيز على الظواهر كما تظهر. الذات هنا مصدر كل معنى، غير متأثرة بالعالم بل تشكله عبر الجوهرانية، التوجه نحو الموضوعات، مما يجعلها مثالية ومطلقة، أساس لمعرفة علمية صارمة. هيدغر ينقد هوسرل لتركيزه على الوعي المعرفي، ويقدم الذات كـ"دازاين"، أي الوجود هناك، كائن يسأل عن وجوده نفسه، مفتوح على العالم من خلال "الكشف" (aletheia). الذات عنده ليست منعزلة بل "رمي" في العالم، تتعامل مع القلق والزمن كأبعاد أساسية، مما يجعلها أنطولوجية وليست معرفية فقط، تعكس الوجود الإنساني كسعي نحو الأصالة. سارتر يطور هيدغر نحو الوجودية الراديكالية، حيث الذات هي "لذاته" ، حرية مطلقة و"لا شيء" تختار نفسها في كل لحظة، محكومة بالقلق والمسؤولية، كما في "الإيمان السيء" حيث تهرب من حريتها. الذات هنا صراعية، مفتوحة على العالم لكنها تتعرض للاغتراب. ميرلوبونتي ينقد الجميع لإغفالهم الجسد، ويرى الذات كـ"جسد-ذات"، جسد مدرك يتداخل مع العالم من خلال الإدراك الحسي. الذات عنده ليست وعيًا خالصًا بل تجسدًا، حيث يصبح الجسد وسيطًا للوجود، مما يجعلها مترابطة وغير منفصلة. في المقارنة، تتطور الذات من المتعالي عند هوسرل، إلى الدازاين الوجودي عند هيدجر، ثم إلى الحر الصراعي عند سارتر، وأخيرًا إلى المتجسد عند ميرلوبونتي، مما يكشف عن تحول من المثالية إلى الجسدية في الفينومينولوجيا. أما العالم، فيُمثل عند هوسرل "عالم الحياة"، الواقع اليومي الذي يُبنى من خلال الوعي، حيث يعلق الإبوخي وجوده ليدرس الظواهر، مما يجعله موضوعًا للذات غير مستقل بل مشكلًا من خلال الجوهرانية. العالم هنا مثالي، يفقد استقلاليته لصالح الوعي، مما يعكس رؤية ترى العالم كبناء معرفي. هيدغر ينقد هذا ويقدم العالم كـ"العالمية"، أي البنية الأساسية للدازاين الذي يكون "في العالم"، حيث يُكشف العالم من خلال الأدوات والاستعمال اليومي، كما في "الأداة الجاهزة" مقابل "الموجود الحاضر". العالم عنده ليس موضوعًا بل خلفية وجودية، مليئة بالقلق عند الكشف عن الفراغ. سارتر يطور هيدغر لكن يجعل العالم "في ذاته"، ماديًا جامدًا وغير ذي معنى، يواجهه "اللذاته" كحرية تمنحه معنى عبر الاختيار، لكنه مليء باللزوجة والمقاومة، مما يجعله ساحة للمشروع الإنساني والاغتراب. العالم هنا وجودي، غير محايد بل معادٍ أحيانًا. ميرلوبونتي يرى العالم كـ"لحم العالم"، نسيج مترابط يتداخل مع الجسد المدرك في "التشابك"، حيث يصبح العالم ممتدًا للجسد، حيويًا ومفتوحًا على الإمكانيات الإدراكية. في المقارنة، يتطور العالم من بناء وعيي عند هوسرل، إلى خلفية وجودية عند هيدغر، ثم إلى ساحة صراع عند سارتر، وأخيرًا إلى نسيج جسدي عند ميرلوبونتي، مما يكشف عن انتقال من الذاتية إلى التفاعلية.أخيرًا، يُشكل الآخر تحديًا مركزيًا. عند هوسرل، الآخر يُبنى كظاهرة في الوعي، لكنه يواجه مشكلة الاناوحدية، حيث يصبح الآخر موضوعًا للذات دون استقلال حقيقي. هيدغر يرى الآخر كـ"مع الآخرين"، جزءًا من عالم الدازاين اليومي، حيث يصبح الآخر "الآخرون" الذين يفرضون الإملاء الاجتماعي، مما يهدد الأصالة لكنه ضروري للوجود المشترك. الآخر عنده ليس صراعيًا بل جزءًا من البنية الوجودية. سارتر يجعل الآخر مصدر صراع، حيث "النظرة" تحول الذات إلى موضوع، كما في "الجحيم هو الآخرون"، مما يجعل العلاقة توترية مليئة بالاغتراب والمسؤولية. ميرلوبونتي ينقد سارتر ويجعل الآخر شريكًا في التشابك الجسدي، حيث يصبح الآخر جسدًا مدركًا يتفاعل مع الذات في العالم المشترك، مما يبني التواصل والتضامن عبر الإدراك المتبادل. في المقارنة، يتطور الآخر من موضوع وعيي عند هوسرل، إلى جزء اجتماعي عند هيدجر، ثم إلى مصدر صراع عند سارتر، وأخيرًا إلى شريك تفاعلي عند ميرلوبونتي، مما يكشف عن تحول من الذاتية إلى الاجتماعية.


خاتمة


تكشف هذه الدراسة المقارنة عن ثراء الفينومينولوجيا في فهم الذات والعالم والآخر، حيث يمثل هوسرل البداية المثالية، سارتر التوتر الوجودي، وميرلوبونتي الدمج الجسدي. رغم الاختلافات، يشتركون في التركيز على الوعي كمفتاح للوجود، مما يدعونا إلى تأمل مستمر في كيفية تشكل ذواتنا في عالم مترابط مع الآخرين. هذا المنهج الفينومينولوجي لا يزال حيًا، يساعد في مواجهة تحديات عصرنا مثل الاغتراب الرقمي والتفاعل الاجتماعي. تثري هذه الدراسة المقارنة الفينومينولوجيا بفهم عميق للذات والعالم والآخر، حيث يمثل هوسرل الأساس المثالي، هيدجر الفتح الأنطولوجي، سارتر الصراع الوجودي، وميرلوبونتي الدمج الجسدي. رغم التناقضات، يشتركون في التركيز على الوعي كمفتاح للوجود، مما يدعونا إلى تأمل في كيفية تشكل ذواتنا في عالم مترابط مع الآخرين. هذا النهج لا يزال حيويًا، يساعد في مواجهة تحديات مثل الاغتراب في العصر الرقمي. كيف يمكن الاستفادة من هذا التحول في فلسفتنا؟


كاتب فلسفي

مقاربة نقدية في ديوان ( كل من عليها بان ) للشاعر علاء عيسى/ مجدي جعفر




عن الهيئة المصرية العامة للكناب، صدر ديوان ( كل من عليها بان ) بالعامية المصرية 2025م للشاعر علاء عيسى.

قسم الشاعر الديوان إلى سبعة محاور، متصلة، منفصلة، ووضع لكل محور عنوانا، وهي كالتالي :

1 – المحور الأول : أحاديات للموت.

يضم ( 11 ) نصا شعريا : ميت حي، كداب، خوّان، سلطان، واحد مات، يا بن بطن الوطن، إنسان، الشهيد الحي، ضحكة شهيد، ضحك بالفدادين، توحد.

2 المحور الثاني : باب النيات.

ويضم أربع قصائد : هبطل شعر، يا فارساني، مجرد ملاحظة، خيانة قابلة للتفاوض.

3 – المحور الثالث : باب الاعترافات.

ويضم ( 6 ) قصائد : أقول لك سر( سر أول – سر تاني )، مفتتح قصيدة، اعترافات، حرامي، سلطانة سلاطيني، عاشق مرفوع بالضمة.

4 – المحور الرابع :فاكسات.

فاكس1، فاكس 2، فاكس 3، فاكس 4، فاكس 5.

5 - المحور الخامس : باب الممكنات.

ويضم ( 5 ) قصائد : تباديل وتلافيق، شيزوفرنيا، فلان الفلاني، المزة بتفرح، صباح بلدي.

6 - المحور السادس : باب الافتكاسات.

ويضم ( 8 ) قصائد : إنتي اللي فيهم وطن، فعل فاضح، باطل، كسوف، الثالتة تابتة، مع مرتبة الشرف، وقالت لي : ، سنارة.

 7 – المحور السابع : باب الخربشات.

ويضم ( 4 ) قصائد : صباح الخير، محطات، جون، شق شقة.

..........................................................

والشاعر يفصح في إحدى قصائده عن رأيه في الشعر، ومنهجه في تناوله وطرائق كتابته للقصيدة، فهل هو من يكتب القصيدة أم القصيدة هي التي تكتبه؟ فعلاء عيسى التي قاربت تجربته على الثلاثين عاما، نجده مُقلا في انتاجه بالنسبة للكثيرين من أبناء جيله، وقد أجاب عن سبب قلة إنتاجه، فيقول قي قصيدة ( هبطل شعر ) :

( نويت والنية مشروطة

أبطل أني أكتب شعر

وأسيب الشعر يكتبني )

وفي مقطع تال في القصيدة يقول :

( وأسيب روحي لإحساسي

يمليني

وأي كلام يخطر وقتها 

ع البال

ها سيبه ينزل الشارع

بدون تعديل )

وفي مقطع ثالث، يقول :

( وأيه الشعر غير

معنى بيترجم

على الورقة

ويتنفس

تحسّه أنه لحم ودم

يتحرك ويتنطط

ويعرض روحه للسامعين

وللشايفين )

وعلاء عيسى لا يستحق لقب الشاعر فحسب، بل يستحق أن يضاف إليه لقب الفنان، فهذا الشاعر الفنان، الشعر عنده :

( كأنه حلم يتحرر

يطلع روحه م العتمة

ويشوف النور

ويفتح صدره للدنيا

ويكتم كل أنفاسه ويضغطها

وفجأة يسيبها تتحرر ) ص 40.

ولعلنا نكون قد عرفنا بأن القصيدة هي التي تكتبه، وليس هو من يكتب القصيدة، فالفارق شاسع بين من يكتب القصيدة ومن تكتبه القصيدة، فالفارق هنا بين النظم والفن، بين الناظم والفنان.

.................................................................

وإذا نظرنا إلى العنوان وطريقة كتابته، والغلاف، ولوحة الغلاف كفضاء بصري، والإهداء، حيث يوليها المنهج السميولوجي اهتماما بالغا، فنجد :

على لوحة الغلاف طائر قناص، وعلى مقربة منه جثة لآدمي ممددة، وكُتب أسفل الطائر المتأهب للقنص :

( الموت قناص 

بيشاور على أي فريسة

وبدون ترتيب يقطفها )

وعند رأس الجثة :

( الموت عمره ما هزر ولا عدى وفات

الموت ما بيظهرشي إلا لواحد فعلا مات )

ويتدلى من منقار الطائر القناص سنارة بلون الدم، ومعقود في نهائة طرف السنارة كلمة شعر، ومصوبة نحو رأس الجثة  الممددة، وأسفل الجثة كُتب عنوان الديوان بطريقة رأسية :

( كل

من 

عليها

بان )

وكل كلمة من كلمات العنوان تم تلوينها باللون الأحمر، وخلفية اللوحة أخذت درجة من درجات اللون الأخضر ( رمز الدنيا ).

والشاعر يقيم من خلال عنوانه ( كل من عليها بان ) مقابلة مع جزء من الآية القرآنية ( كل من عليها فان ) محاولا أن يُحدث المفارقة التصويرية، من خلال كلمتي ( فان ) و ( بان )، يقول الشاعر :

( الموت بيقول للناس الملهية ف حب الدنيا :

اصحوا يا ناس

الدنيا مكانها

مش فوق الراس

الدنيا مداس ) 

ويقول أيضا :

( الموت مخلوق 

يعني الموت هيموت

هو كمان 

ولا يبقى غير الله

الواحد الديان ) ص 15

وفي مقطع ثالث يقول، محقرا من الدنيا :

( خوانة يا دنيا وسرّاقة

بتلاغي ف روحنا المشتاقة

وتاخدنا في دايرة متاهيها

نفرح ونآمن خطاويها

من غير ما نحس بفتح الشيش

على سهوة يفتح شباكه

ويخطف واحد من بينا

والناس مصدومة من الموقف

واقفين على بابه بيتباكوا ) ص 17.

إذن هو في المقطع الأول يوقظ الناس ( اصحوا ) من غفلتهم، ويبين لهم حقيقة الدنيا ( دار الفناء ) التي انشغلوا بها عن الآخرة ( دار البقاء )، ويذكرهم بالموت، ولا يبقى في النهاية غير الواحد الديان، وهو هنا يؤكد الجزء الثاني من الآية الكريمة ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام )

ويأتي الإهداء : 

( للروح العايشة في توب الموت )

وهنا يكون القارئ قد تهيأ تماما لتلقي القضية التي يطرحها الشاعر، وهي قضية الموت في مقابلة الحياة، وهي قضية فلسفية وجودية، شغلت الكُتّاب والفلاسفة والمفكرين والشعراء ورجال الدين منذ قديم الأزل، فالميلاد يعقبه موت، تعاقب مستمر في سيرورة دائمة، والشاعر يحاول جاهدا أن يزيل الغشاوة عن العيون، ويلفت انتباه الذين انشغلوا بالدنيا، فجسد الموت، وصوره تصويرا مبهرا ومدهشا، ( انسنه ) لقارئه، وجعله من لحم ودم، وكتب في محور ( أحاديات الموت ) إحدى عشر نصا شعريا، امتازت بتعدد زوايا الرؤية، والنظر إليه من كل الزوايا، وتقليبه على شتى الجوانب، وتراوحت قصائد هذا المحور بين القصر والطول، فأقصر القصائد لا تتجاوز البيتين، وأطولها تتجاوز ( 110 ) سطرا شعريا، فزاوية الرؤية من قصيدة ( ميت حي ) ص 9.

( أنا حد ميت من يوم ما اتولدت

بس واخد فرصة أشوف الدنيا

بعيون حد عاش )

هذا الميت الحي قدم لنا رؤية عميقة، مغايرة تماما لرؤى الأحياء الذين انغمسوا في ملذات الدنيا.

ويوجه خطابه إلى الأحياء الذين يزعمون بأنهم رأوا الموت، ولهم رؤاهم الخاصة في مسألة الموت، فيتهمهم ويصفهم بالكذب، فيقول قي نصه المختزل والمكثف، والذي جاء في ومضة شعرية مثل البرق الخاطف، بعنوان ( كداب ) ص 10، يقول فيها :

( اللي يقول لك شاف الموت بعنيه كداب

الموت على سهوة بييجي يزق الباب

الموت عمرة ما هزر ولا عدى وفات

الموت ما بيظهرشي إلا لواحد فعلا مات )

فالرؤية لا تكون بالعين، ولكنها بالبصيرة، وجاءت باقي قصائد الموت كاشفة ومجسدة له، وراصدة لمسار حركاته وسكناته، وسماته وصفاته، انظر كيف وصفه  في قصيدة ( خوّان ) ص 11:

1 – الموت خوّان وجبان.

( الموت خوّان

أجبن من إنه يبان )

2 – الموت مُخادع.

( شاطر بس يساهي الناس ويخطف في الجدعان )

3 – علاقة الموت بالزمان والمكان :

( الموت ما بيعرفش زمان

وما لوهش مكان )

4 – علاقته بالبشر :

( الموت عمره ما آمن يوم بالسن ولا بالنوع

ولا بالحال

دايما بيعدد في الأشكال )

5 – ومن خصائصه :

( الموت طيّار

وما لوش عنوان )

6 – ومن وظائفه ( النكد ) :

( الموت شغلانته بس ينكد

ويهدد في الإنسان )

7 – ومن صفاته ( الطمع ) :

( الموت طمّاع

عمره ما يشبع

ها يعيش عطشان

ويموت عطشان )

8 – ومن صفاته ( القنص والصيد ) :

( الموت صياد

وشباكه فاردها في كل مكان )

( الموت قناص

بيشاور على أي فريسة

وبدون ترتيب يقطفها )

9 – مشاعر الموت وأحاسيسه :

( الموت ما بيعرفش يحب

الموت خطّاف

الموت خوّاف )

10 – ومن سماته وخصائصه( التخفي ) :

( الموت متداري خلف ستارة

ومنشن ع الإنسان )

== وفي قصيدة ( واحد مات ) ص 18 يقدم لنا الشاعر في هذه القصيدة الطويلة عدة مشاهد، مشهد طلوع الروح، مشهد الابن، مشهد الابنة، مشهد الزوجة، مشهد الأهل والجيران وغيرها من المشاهد.

واختار الشاعر من نفسه بطلا لهذا النص :

( بيقولوا علاء ابن الحاج السيد مات

-علاء عيسى الشاعر؟

-أيوه يا عم الحاج هو اللي اسمه علاء )

 فالشاعر نفسه هو من عاش تجربة الموت، ويبدو أنه قد عاش هذه التجربة إعاشة كاملة، عاشها بوجدانه وخياله، وطاردته في صحوه ومنامه، أو فجرها من مات له من الأهل والأصدقاء والمحبين،  وقد استخدم ضمير المتكلم ليوهم قارئه بواقعية المشهد، وسنحاول أن ننقل بعض المشاهد دون تعليق، تاركين للقارئ استكشاف كيف كان الشاعر منفتحا على فن السرد، مستفيدا من جمالياته، وكيف نسج القصيدة / الحكاية في عدة مشاهد، مشهد الشاعر أثناء طلوع الروح، والحالة النفسية التي كانت عليها الزوجة والابنة والابن وبعض الأقارب والجيران المتحلقون حوله أثناء طلوع الروح وبعد إعلان الطبيب وفاته، ومشهد الغُسل، ومشهد الإعلان عن طقوس الدفن وموعد الجنازة، مشاهد وصور استفاد فيها أيضا من تقنية المونتاج السينمائي

1 – مشهد طلوع الروح ( وهو خاص بالشاعر ) :

( والروح 

عمالة بتتسحب جوايا

لاجل ما تطلع

وأنا أكتر واحد بابقى حاسسها

واتخيل كل الناس حواليا 

بتبص ومش فاهمة

إيه اللي بيحصل جوايا )

وعلاقته بمن حوله أثناء طلوع الروح :

( ولكني خلاص 

ما بقتش أملك أي قرار

في الداخل والخارج )

والناس المتحلقه حوله وهو على فراش الموت :

( كل التركيز حواليك على شكلك

تفاصيلك

وملامحك )

اما هو :

( وأنا بس لوحدي

اللي مركز في اللي بيحصل جوايا )

( شريط العمر ف لحظة يمر

وكأني ما عشتش إلا ثواني

وعيوني خلاص بتشرّق وتغرّب )

2 – مشهد الزوجة :

( وانا سامع همس مراتي

لاخواتي وأهلي وعيلتي

عمالة بتترجى

وهي بتطلب منهم حل

ظنا منها إن الحل في إيدهم )

( ومرات تقرب من وشي بتراقب أنفاسي

ومستنية

يطلع مني شهيق وزفير

يخبط في خدودها

وهو معدي عليها

ويطمنها أني مازلت

باتنفس وأني أنا عايش )

( وعنيها التايهة ما بينهم

مستنية حد يطمنها ولو بالكذب )

2 – البنتان :

( وبناتي واحدة بتسند راسها على ركن الأوضة

لاجل تداري بكاها

والتانية مخبية الحزن في كتف مامتها )

3 – الولد :

( إحساس صعب لما تشوف

قي عيون ابنك

نظرة ضعف

والدنيا على سهوة بتنفض إيدها وتخلابه )

وعند إعلان الطبيب نبأ الموت :

( والواد بينزل على راسه جبال

منشار بيشق في ضهرة

فيحس

بفراغ يحصل له

وفجأة ..

ما بين لازم يتماسك

وما بين ينهار

فيلاقي نفسه انهار )

( بقى مطلوب منه 

يجهز للخارجة 

ويكون واقف ساعة الغّسل

وعنيه بتداري عوراتي من خوفه لتظهر وأنا تحت إيدين الراجل اللي مُوكل يغسلني ويسلمني لأول سكة في الدنيا الباقية )

4 – مشهد الناس من حوله :

( الله معاه ويخفف عنه )

( والباب مفتوح وانت ممدد والناس حواليك داخلين طالعين

والحيرة ما بينهم

واحد طالع على واحد داخل )

( واحد منهم بيقرب مني ويتصنت على قلبي لاجل ما يسمع دقاته

واحد تاني بيمسك إيدي يجس النبض )

5 – الطبيب :

( لما الدكتور يعلنها صريحة

...................... مات

ويغطي ملامحي عن كل الخلق )

6 – الإعلان عبر المساجد :

( والمكرفونات 

صوتها

بيقابل بعض في جوامع حتتنا )

== 

وفي قصيدتي ( يا بن بطن الوطن ) و ( إنسان ) يُعلي الشاعر من شأن وقدر الذين استشهدوا بيد الغدر، يد كل إرهابي امتدت إلى مسلم أو مسيحي وطعنته غيلة:

( ما تقولش ع اللي اتقتل

كانت ديانته أيه

قول اللي مات إنسان )

( يا ارهابيين الأرض

يا سفاكين الدم

غوروا بأطماعكم

إحنا وطنا أهم

كفايانا هم وغم

ومسيرها تتعدل

مسلم مع مسيحي

طول ما احنا إيد واحدة

بكرة الجراح هتلم )

== 

وشهداء الوطن هم الأعلى قدرا ومنزلة، كما في قصائد : ( الشهيد الحي ) و ( ضحكة شهيد ) و ( ضحك بالفدادين ).

 في قصيدة ( ضحكة شهيد ) ص 31.

( يا هل ترى يا جدع

ساعة طلوع الروح

مين دا اللي كان وياك؟

قاعد يستناك!!

طبطب على روحك

وداوى في جروحك

أيه اللي شفته هناك

قوللي حكايتك إيه؟

خلاك تحس برضا

طب قولي قالك إيه

خلاك بتضحك كده؟ )

أثار الشاعر بعض الأسئلة، وترك الإجابات عنها للقارئ، وترك فضاءات واسعة في النص تثير خيال القارئ وتدفعه إلى إعمال عقلة.

==

وفي نص ( ضحك بالفدادين ) ص 33، والذي جاء على شكل ( الرباعيات ) يقدم لنا من خلال تلك الرباعيات أحوال شهداء الوطن، وهم سعداء ويضحكون، وضحكهم بالفدادين، فهم الفرسان والرجال الحقيقيون، فكل منهم بذل روحه، وقدمها عن قناعة وطيب خاطر فداء للوطن :

( يا أمي قومي افرحي ابنك هناك راجل

حالف ل يفدي الوطن وبروحه بيناضل

وقت الشدايد أسد وقت الهزار حبُّوب

تلاقيه في ساعة المحن فارس وبيقاتل )

فهو مؤمن بالله وبقضية الوطن العادلة :

( واللي معاه ربنا ما في حد بيهمُّه

واخد معاه بسمته على وشه بتضمه

أصل الإيمان بالوطن هو الأساس دايما

عقيدة في التربية وساكنة في دمه )

وينهي الشاعر قصائد الموت بقصيدة ( توحد ) ص 35، وهي تلخص فلسفته ورؤاه في الميلاد والموت.

......................................................................

المرأة بطلا.

خصص الشاعر معظم أبواب قصائد الديوان للمرأة / الأنثى / الحبيبة، والتي ترمز أحيانا إلى الوطن، وكان للمرأة حضورها الطاغي، ففي ( باب النيات )، في قصيدة ( يا فارساني ) ص 42، يوقفنا على حال الشاب الذي هام حبا بفتاته، واستاثرت على كل ما عنده من عاطفة وهوى، ولكنها تسوق الدلال عليه، ولا تبل ريقه ولو بكلمة حلوة، فيقول :

( يا نسياني وناكراني

ومن براكي بايعاني

باحبك وانتي سايباني أقرب لك

وأحبك وانتي رافضاني

ومانعاني )

ورغم معاناته في حبها، يظل يحدوه الأمل، فيقول :

( أنا ها فضل هنا واقف

لحد ما تفتحي بابك

يا حابساني )

==

وفي قصيدة ( خيانة قابلة للتفاوض ) ص46، يجهر لحبيبته بنيته صراحة :

( نويت أني أخونك

نادتني عيونك

فخونتك معاها )

ويقول في مقطع تال :

( نويت أني أحبك

وكله بأوانه )

وأرجو أن يلاحظ القارئ، كيف كان اهتمام الشاعر، منصبا على ..

1 – العناية برسم ملامح المرأة الحسية.

2 – وعنايته بالكشف عن خلجات نفسها.

فانظر إليه في ( باب الاعترافات ) وهو يبوح لها بسرين، السر الأول ( 123 ) سطرا شعريا، موزعا على خمسة مقاطع، وهي أطول قصائد الديوان، وهو معني في معظم مشاهدها، بالكشف عن مفاتنها الحسية، ومدى تأثير هذه المفاتن عليه.

1 – العيون.

أ - ( واحدة واحدة

ع العيون

ياللي في عيونك بالاقي

كل معنى للغرام )

ب - ( والغرام كله في عيونك )

ج - ( يا عيونك 

ياللي بحر وموجه عالي

أحتمي فيها بعيوني )

2 – الرموش.

( والمسك في رموش رموشك

يا رموشك!!

لما تتكحل عشاني )

3 – الخدود.

( يا خدودك لما تتورد لعيني )

4 – الشعر .

( لما تلمح عيني شعرك

يا دي شعرك )

وأفاعيله بشعرها :

( بالمسه مرة بإيدي

وأمسحه مرة بعيني

يتنكش من بوح مشاعري

يتكسف بلمس مشاعري )

5 – الشفايف.

( كل ما انوي للشفايف

ألقى نفسي تهت مني

أرجع أوصف حاجة غيرها

بس عيني رايحة جاية

ع الشفايف )

( كل رعشة م الشفايف

والشفايف لما نادت

التقيت أحاسيسي سابت )

6 – الصوت.

( ألقى روحي تحب صوتك

حتى في سكوتك معايا )

ومن الصور الحسية، الجامعة للحواس :

( كنت با حضن في الشفايف

والعينين حاضنة العينين

والإيدين سارحة بتهمس

في الكفوف تقرا الصوابع )

( ياللي شُهدك شُهده أحلى

من فواكه أحلى عشق )

وفي نهاية القصيدة، يكشف لمحبوبته سر الحب والغرام والعشق، الذي جمع بينهما، وجاء الكشف في نهاية السر الأول والسر الثاني، وكان حاسما، من واقع تجربة الحب التي اكتوى بها قلبيهما.

= وتتوالى الصور الحسية في محبوبته في قصيدة ( مفتتح قصة ) وهي نفس الصور السابقة، ولكنها جاءت أكثر اختزالا وتكثيفا وإحكاما.

ومن البوح بالأسرار إلى الاعتراف، تاتي قصيدة ( اعترافات ) ص 63، والقصيدة عشرة أسطر فقط، عبارة عن دفقة شعورية، فيها صفاء الشعر، وصفاء الحب، ونقاء سريرة المُحب أو العاشق.

=وتأتي قصيدة ( حرامي )ص 64وهي لا تتجاوز ثلاثة أسطر شعرية :

( أنا الحرامي وأفتخر

خطفت قلبك من على شط الحياة

ولحقته قبل

ما ينتحر .. )

نص حداثي، اتخذ الشاعر لنفسه في كتابته أسلوبا متقدما في الكتابة، تتعدد فيه الدلالات والتأويلات، ومضة شعرية مركزة ومكثفة، وترك الشاعر لقارئه فضاءات واسعة في النص، ليحاول هذا القارئ ملء هذه الفضاءات، ومشاركة الشاعر في إنتاجه، إن كلمتي ( شط الحياة ) ورمزيتها و كلمة ( انتحار ) ودلالتها، تجعل القارئ يعيد التفكير من جديد، ويطرح على نفسه عشرات الأسئلة، ويحاول أن يجب عن هذه الأسئلة، ومن ثم يحاول أن يعيد هو – أي القارئ – نسج القصيدة، وفقا لثقافته وذائقته.

= وبعد ( الاعترافات )، ونجاح الشاعر المبهر في خطف قلب حبيبته، تأتي قصيدة ( سلطانة سلاطيني )، كأعنية شعبية، تعبر عن الأمل، فأصبحت الصباحات أكثر إشراقا، وارتفعت المحبوبة عنده إلى مقام السلطانة، بل سلطانة سلاطينه.

فهذه المحبوبة أعادت رسم الضحكة فوق خده، ومسحت الدموع من عينيه، فاصبح الصباح :

( صباح أبيض بلون وشك

صباح نسماته تشبه لك

صباح ناعم كما أدك

صباح يشبه ورود خدك

صياح جامع لكل جميل )

وتتوالى صباحات الشاعر المشرقة.

= وهذا المحب العاشق، صار يملك من الجرأة، والإقدام على الفعل، ويتحول إلى فاعل مقدام جرئ، كما في قصيدة ( عاشق مرفوع بالضمة ) 

( ها قرّب بكيفي واحبك براحتي

عشان تبقي عارفة جرأتي وصراحتي

وإيدي ها تسرح وتتملى فيكي )

ويقول أيضا :

( شفايفي  دي حالفة هتقطف ورودك

وتبدر مكانها وتسقي خدودك )

وينهي قصيدته بقوله :

( راح أخدك في حضني وأضمك وأبوسك )

===

وفي محور ( فاكسات ) يحاول الشاعر أن يثري نصوصه الشعرية، بالاستفادة من الفنون الأخرى، فاختار فنا أظنه صار مهملا اليوم، وهو فن الرسالة، فاعاد لنا إحياء هذا الفن، وقدم لنا خمس رسائل شعرية، أرسلها لمحبوبته عبر الفاكس.

والرسالة فنا من النثر، وهي مثل فنون النثر الأخرى ( القصة، المسرحية، السيرة الذاتية، ... ) وللرسالة خصائصها المميزة التي تجعلها فنا قائما بذاته، ففي رسالته الثانية مثلا، يقول :

سيادة معالي /

الجميل الرقيق

في بُعدك سيادتك

بتمسكني خنقة وروحي تضيق 

وأحس بحاجات على محتاجات )

ويستمر في حكيه، وسمح قالب الرسالة للشاعر، بالبوح والفضفضة.

====

وفي باب ( الممكنات ) يتماس الشاعر مع هموم الوطن، ففي قصيدته ( تباديل وتلافيق ) ص 80، يرصد في مشهدين ماتعين بعضا من أمراض المجتمع، والتي تفشت واستشرت، وأصبحت أفة سرطانية قد تقوض أركان المجتمع وتودي به إلى التهلكة، وحسب الكاتب أو الشاعر أن يشير أو يومئ ولو من بعيد إلى بعض الافات والعيوب والأمراض الاجتماعية والأخلاقية، وإلى مكامن الداء ومظاهر الخلل في حياتنا الاجتماعية والنفسية،  وعلى السياسي أن يقوم بدوره في علاج هذه الآفات والمثالب والعيوب.

ففي المشهد الأول من القصيدة ( تباديل ) ص 80، يتتقد توسيد الأمر لغير أهله، وانتشار الوساطة والمحسوبية، يقول :

( أنا قاعد مكان اللي كان قاعد مكاني

وغيري اللي قاعد وواخد مكاني

ياريت بعد إذنك

تسيب لي مكاني

وترجع مكانك )

ويبرر ذلك بقوله :

( عشان انت أكتر واحد بتفهم 

هاتخدم بلدنا وانت ف مكانك

وأنا برضه زيّك

لو أقعد مكاني 

هنبني بلدنا

بخيرة ولادنا

وكله بأوانه )

==

والمشهد الثاني ( تلافيق ) ص 81، من المشاهد المؤثرة، والمؤلمة، ولقطة بارعة لسيدة عجوز، تفنرش الشارع بسباطة موز، ونستشف من ثنايا القصة بأنه لا زوج لها ولا ولد، ولا عائل لها، ويأتي أحد المسئولين ليسلبها هذه السباطة – مصدر رزقها الوحيد، مشهد عبقري قدمه لنا الشاعر في قصة قصيرة جدا، قصة ومضة، قصة شعرية، أفاد الشاعر في كتابتها من تقنيات القصة القصيرة جدا، كتبها برهافة شديدة وبنبل وشفافية، وهذه قصة ومضة شعرية بامتياز :

( أبوس إيديك يا ابني

سيب لي سباطة الموز

بتشد ليه حيلك 

على ست حيلها عجوز

لا أنا قاعدة أتسوّل

ولا شفتني باسرق

ارحم ياواد شيبتي

خليني أسترزق

يا مصورين صورتي

وشايفني بترجاه

قولوله في الآخرة

أنا هشتكيه لله )

==

وإذا كان الشاعر قد استفاد من تقنيات القصة القصيرة جدا والقصة الومضة في كتابة نصه ( تلافيق )، فإنه قد استفاد من من الصيغة القانونية لكتابة الإقرار في كتابة قصيدته ( فلان الفلاني ) ص83، ومطلعها :

( أقر .. وأعترف

أنا المدعو واسمي فلان الفلاني

المُنادى بمواطن )

هذا المواطن الفلاني الذي أهملته السلطة، فيستحلفهم بكل الأنبياء والرسل، ويتوسل إليهم بالعدرا وبأولياء الله الصالحين، بأن يضعوه في حسبانهم، وبأن يشعل ولو سنتيمترات قليلة من مساحة تفكيرهم :

( حلفتكم بيهم وبكل رسل الله

تفكروا فيا مرة لوجه الله

حطوني في الحسبة يا محسنين لله

صبري فرغ مني وروحي منكسرة )

== ويختتم الشاعر هذا الباب ( باب الممكنات ) بقصيدة ( صباح بلدي ) ص 88، وصباحاته ال ( 16 ) التي يستهل بها أبيات قصيدته، ينثر من خللها رغم العتمة زخات الأمل، ويبشر بحياة ممكنة في حاضر أفضل وغد أسعد.

====

نجح الشاعر علاء عيسى نجاحا لافتا ومُبهرا في قصائده القصيرة جدا، فجاءت وامضة ورامزة ومشعة، لا زوائد فيها ولا فضول، وخلت من اللغو والثرثرة، قصائد تضعه في مصاف الشعراء الكبار، وتثري قصيدة العامية المصرية، ومن هذه القصائد على سبيل المثال لا الحصر :

محطات، شق شقة، باطل، فعل فاضح، شيزوفرينيا، حرامي، اعترافات، توحد، ضحك بالفدادين، كداب، ميت حي.

مثل هذه القصائد تستحق أن يتحلق حولها النقاد الذين يبحثون عن الشعر المُصفى والمُقطر، قدمها الشاعر في صورة ومضات مركزة، أظنها ستبقى في ذاكرة من يقرأها، ولا تغادرها أبدا، وستعيش أمادا طويلة، طالما بقي الإنسان وبقي الشعر.

==

وبعد ..

حرصت في هذه المقاربة النقدية على مساعدة القارئ لها، في تكوين رأي شخصي عن هذا الديوان، وذلك بإعطائه نماذج كافية من أشعار الشاعر للتوضيح والتمثيل، ولعل القارئ الكريم يكون قد تبين معي بأن قصائد هذا الديوان، تتوجه إلى القارئ الذي يعيش في هذا العصر الذي يعيشه الشاعر، فالشاعر يناقش في جُل قصائده هموم الواقع المعيش، ويعبر عن الإنسان العادي والبسيط والمهمش، عن أفراحه القليلة، وأحزانه الكثيرة، عن تطلعاته في حياة كريمة وعن إحباطاته وانكساراته، وقدم الشاعر في ديوانه رؤى جمالية متعددة، ومتنوعة ومختلفة، وما كان ليتحقق ذلك له إلا من خلال سعيه الدءوب والحميم لمعانقة الأجناس الأدبية الأخرى، والاستفادة منها، فقد استفاد من تقنيات السرد وخاصة في القصائد الطويلة ومن السينما ومن تقنية ( المونتاج ) ويمكن الرجوع إلى قصيدتي ( واحد مات وأقول لك سر ) وكيف كان يرتب اللقطات / المشاهد / الصور ويركبها وفقا للأثر الذي يمكن أن تُحدثه في المتلقي، سواء جاء هذا الترتيب والتركيب على التوالي أو على التوازي، أو تداخل اللقطات والصور، وتقاطعها، وكيف استفاد من النحت والتصوير، ومن القصة القصيرة جدا، في تقديم ومضات قصصية شعرية في اتسمت بالجودة والإحكام الشديدين، وكيف استفاد من فن الرسالة في كتابة خمس رسائل شعرية ، وكيف وظف الحوار في بعض قصائده، والحلم أيضا، للدرجة التي جعلته يقيس الحلم بالمللي، وكيف استفاد من كتابة الإقرار ( وهو صيغة قانونية ) في كتابة قصيدة له، وكيف قامت المفارقة التصويرية بدور بنائي هام في القصيدة، سواء كانت المفارقة التصويرية الجزئية التي يستخدمها في جزء من القصيدة أو المفارقة التصويرية الكلية والتي تنتظم القصيدة كلها، وكيف استخدم الرمز الإيحائي البسيط، ولم يستخدم الرمز التراثي إلا مرة واحدة عندما ذكر موسى والفرعون، ولم يلجأ أبدا إلى الرمز المراوغ، وبفنية واثبة وبجمال آخاذ، استطاع الشاعر أن يعالج قضايا الواقع، وأقر وأعترف بأن الديوان لم يبح بعد بكل أسراره، وأرجو أن أكون قد نثرت ولو القليل من قطرات الضوء على قصائد هذا الديوان، وهو إضافة حقيقية لشعر العامية المصرية وللمكتبة العربية.

......................................................................

ورقة نقدية لمناقشة الديوان بمعرض القاهرة الدولي للكتاب الرابعة عصرا يوم الاثنين المصادف 2/ 2 / 2026م بقاعة الشعر.

سُرور والسّمكة/ محمود شباط

 


من مجموعتي القصصية "على صهوة حلم أبيض"

العبرة: في حالات معينة نجد حيوانات أوفى من بعض البشر وتدرك أكثر منهم.


اقْـتَـعَـدَ "سُـرُور" الأصمّ الأبكم صخرةً تحت خيمته البدائية الدائمة التي نصبها على شاطىء البحر كي تقيه حرارة الشمس بينما هو يصطاد السمكَ ليعيل زوجته وأطفاله. يرافقه في عمله كلبه الذي كان يشرع بنباحٍ غريب حين يلمح رأس بشريّ على مبعدة أمتار في البحر، يعوم الرأس في النهر للحظات كما لو أنه كان يراقب سلة سرور الخالية من السمك ويشفق عليه، ثم يختفي غاطساً في الماء بعد أن يرشقه سرور   بالحصى.

في صبيحة اليوم التالي الباكرة نبح الكلبُ حين تنسّم رائحةَ سمكٍ في مكانٍ قريب، اتّـجـه نحو مصدر الرائحة، وجد سمكةً حَـيّـة تُـحرّكُ زعانفها ورأسها فأحضرها إلى صاحبه الذي قَـلَّبها وفحصها ثم وضعها في السلة مبتسماً مبتهجاً وربّت على رقبة كلبه.   

تكـرّرت رحلات الكلب فصار يغيب لفترة من الوقت ثم يعود كل مرّة بسمكة طازجة حـيّة ويضعها في السلة. فأضحى الكلب يصيد من السمك أكثر بكثير مما يصيد صاحبه.

رمىى سرور الصنارةَ ومكث ينتظر اهتزاز خيطها كي يكمل تعبئة سلّـته، وبذات الوقت يـتـمنّى لو يتمكّن من اصطياد صغير القرش الذي قِـيلَ بأنه يجوبُ المنطقة فيخيف رُوّاد البحر للسباحة والتنـزّه، وكذلك الصيادين، ولكي يثبت الصيادُ لزملائه الذين يسخرون منه كونه أصم أبكم هو أمهرهم وأشجعهم، وكذلك للانتقام من القرش الذي ينافسه في صيد السمك في تلك المنطقة.

في صبيحة باكرة أخرى كان بهيرُ الضّوءِ يزداد ذهبيةً إيذاناً بنهوض قرص الشمس من خلف الجبال. موج مياه البحر ينساب برقّـة وعذوبة كما لو كان يرقص ببطء على ألحان شبابة النسيم البحري. أطلّ من الماء رأسُ فتاةٍ جميلة جداً، تبيّـن لسرور حين غطست بأنّ نصفها الأسفل سمكي وليس بشري. فاجأه المشهد فارتدّ إلى الخلف وتشبّث بكلبه. لقد رأى قبلاً العديد من مخلوقات البحر ولكنه لم يَـرَ حوريةً سمع بها، وظنَّ بأنــّها من بنات أفكار من رواها له. 

مُجدَّداً مرَّت الحورية من هناك. أطلّت من أهازيج حفيف الموج الخفيف وزبده الناعس، بيضاء حلوة صبوحة الـمُحيّـا. غابت عن ناظريه ولكن صورتها ظلت ماكـثةً على شبكـيّـته دون صنارته. رمى الصنارةَ بسرعةٍ وعجل أملاً في اللحاق بها وصيدها. لبث يحدِّقُ في دوائر المكان الـمُـزبد الذي كانت فيه وغاصت في الماء بينما هو بِـحيرةٍ يُـتـمتم متسائلاً ويفرك عينـيه.

روى سرور للآخرين بالإشارة ما رأى. أو ما ظنَّ بأنه رأى. ضحك السامعون، حتى أصغر أطفاله ابتسم بخبث. وحين يئس من عدم تصديقهم لِرِوايته صار هو نفسه يميل للتشكيك بصحّة الحدث. مُعزِياً ذلك إلى ما أشيع عن القرش الشرس الذي قضمَ شبكة صياده الأبكم ونفذ منها ثم ارتدَّ نحوه ليفترسه، وبأنه لا يزال يجوب منطقة الضِّفاف الصخرية. 

في يوم آخر. كانت شمسُ الربيع تبثّ دفقاً من الـدِّفء الحميم. والبحر يتألّـق بجلبابه الأزرق الصّقيل النقي كعريس في صبيحة زفافه. مضت ساعتان فـَقـَدَ سرورٌ خلالها الكثير من الطعوم دون طائل، إذ كالعادة كان ما يتوفر في سلته من سمك نتيجة جهد كلبه. ثم فجأة، وعلى بعد أمتار قليلة تحت الماء ظهر مخلوقٌ مائـيٌّ يقارب حجم القرش الصغير. تأكدَ منه سرور وتابع مراقبة الوحش البحري بمزيج من الهلع والتصميم لاصطياده بينما هو يمخر المياه بسرعة مُتعقِّـباً طرائده. ولكن حين رشقه سرور بحصاةٍ أصابَـتْهُ انعطف الوحش بسرعةٍ صوب الصيّاد الذي هلع وسحب الصنارة بارتباك من الماء خائفاً، بينما ابتعد الوحش ملاحقاً طريدته وغطس صوب المنطقة العميقة.

بُـعَيدَ دقائق عادت المياه إلى هدوءها، ونبضات قلب سرور إلى القريب من معدّلها. كما عادت إليه شجاعته وقراره بالتحدي، رمى طعم الصنارة في الماء مجدّداً ومكث ينتظر، ثم بدأت المعركة الحاسمة.  تقوّست القصبة وتوتّـر خيطها وارتعش بشدّة غير معهودة. جذبها سرور، بل حاول جذبها ولكنه لم يـُفلـِح . كان الصيدُ ثقيلاً كما لو كان عدّة رجال يشدُّون به إلى الأسفل. 

ارتعدت فرائص الصيّاد لافتراضه بأنَّ  القرشَ الشرسَ يناور لاصطياد صياده. تشبّـث بالقصبة بقوّة الخائف الـمُرتعب المرتجف بينما طريدته تصارع بقوّة وعنف ثم شدته نحوها فانزلقت قدماه، وكاد يهوي نحو فَـكَّــي طريدته حسبما اعتقد، توقّف عن الإنزلاق حين انقطع الخيطُ وفرَّت الطريدةُ مبتعدةً، فنبح الكلب.

بيدين مُتوتّرتين مرتجفتين ووجهٍ متجهّمٍ غاضب مصمِّمٍ على الانتقام، استبدلَ سرور خيطَ القصبة باثنين، جدل أحدَهما حول الآخر، ثم شبك في نهايتيهما الخطّـافَـين الكبيرين وتمترس خلف صخرة مُسنداً قدميه إليها بتوتر. مكث ينتظر ويراقب، إلى أن رَصَدَ ظلاً يقاربُ القرش حجماً على عمقٍ ضحلٍ يجوب المياه.

وما هي إلا لحظات حتى حانت ساعة الحسم حين انثنت القصبة بسرعة وبتقوُّسٍ نصف دائري كاد يؤدي إلى انكسارها. خمَّنَ سرورٌ بأن الصيدَ ابتلع الطعم. ثبت في موقعه كي لا يجرّه الوحشُ نحوه. شرع بمناورته، الوحش البحري يقترب قليلاً ثم يبتعد فيشدّه سرور بقوة ثم يرخي الصنارة بحدود مدروسة حين يشعر بالخطر بأن الوحشَ يشدّه نحوه في حركاته العنيفة السريعة وهو يدور ويغطس ويطفو ويصعد بانعطافات حادّة وعنيفة وشرسة أربكت سرور وضعضعته، وكاد يـُـفـْلتُ القصبةَ لو لم تهدأ الطريدةُ فرجَّحَ بأن يكون الوحش البحري قد دخل في طور الاستسلام. 

تنفّس الصيّاد الأصمّ الأبكم بارتياح مَنْ مَرَّ بقطوع وظنَّ بأنــّه نجا من عواقبه، ثم بدأ الجذبَ باحتراس خوفاً من أن يغدرَ به القرشُ وينهش قدميه حين يصل إلى مقربة منه. تغيّرت صورة طريدته الآن. الطريدة ليست سمكة قرش. بل حوريّـة البحر الجميلة.

مكث يشدُّها شِبراً شبرا نحوه فيتبدَّل مشهدُها مع اقترابها أكثر فأكثر. اتضحت ملامِحُها، إنها الحورية الصَبوحة التي ذكر بأنه رآها سابقاً وشكّك السامعون بروايته، وشكّك هو بنفسه حين رواها. هي الصّبوحة بعينها. بل بعينيها الحلوتين جداً، وشعرها الأسود المبلل، ووجهها الأبيض الجميل كما لو أنها غادرت للتو يَـدَي مُزيِّـنٍ ماهر محترف. 

ركَّزت نجلاويها نحو صيادها تستعطفه، ثم رفعت ذراعيها الجميلتين الشمعيتين في الهواء كجناحي يمامة كبيرة مستسلمة. اطمأن لأسرها حين رأى خطّـافاً مُنغرزاً بكتفها، ربط الخيطين بخرم صخرة قربه. ثم استلَّ سكينه ذات النّصل الحادّ من غمده في حزامه الجلدي وأومأ لها أن تقترب فامتثلت، وصارت تتجه نحوه ببطء شديد وبارتعاب المحكوم بالإعدام من شفرة المقصلة، ثم حوّلت ناظريها ورنَتْ مطوّلاً نحو الكلب ثم نحو السلة التي يجمع فيها صيده، لم يفهم سرور بأنها هي من كانت تصطاد السمك وتضعه أمام الكلب الذي ينقله إلى سلة سرور. استنفر الكلب وشرع بنباحٍ عال ومتواصل.

 لو أدرك سرور ذلك لما أصر على ذبحها انتقاماً منها لاعتقاده بأنها هي من كانت تنافسه في صيد السمك، استلّ سكينه بحزم وعزم المصمم على الـذّبح، وشرع يهمهم بشماتة المنتصر ويجذب طريدته بعنفٍ وقسوة. فاجأه الكلب باختطاف السكين من يده وقفز إلى الماء ثم شرع في قطع الخيط كي يحرر الحورية.

سرعان ما ذبلَ الورد/ محمود شلاط



احدى القصص في مجموعتي القصصية الأخيرة "على صهوة حلم أبيض" مع إجراء بعض التعديلات.


16

يُعيدني الحنينُ إلى بداياتِ البداية، إلى الطّور الباكر لتفتّق براعم الطفولة.  أرتحلتُ يومها عَـبْـرَ شراع الـتّوق صوب أعوامي الأربعة الأوَل فأنصهرتُ وجداً لرشف قطرةٍ من رحيق أطياف أحبّـة رحلوا منذ زمن، أعزّهم وأقربهم إلى القلب عَـلـيّ،ابن قريب لنا و رفيق فجر العمر.

لم أكن أدرِك في حينه بأن الموت يحطّم النفسَ إلى ذلك الحد، ولم أكن أعلم بأنّ رحيلَ علـيٍّ الأبدي سيثقلني بقسوته ما حييت، وبأن لا عزاء لي حيال تلك المأساة المبكرة سوى إدراكي لـحـتـمية اللقاء يوماً، يوم يختلط الرميمُ بالرميم.

ليست هي المرّة الأولى التي تستيقظُ بي ذكراه بعدَ كلّ تلك السنين. ولكنها كانت الأشدّ أيلاما. 

آنذاك، رجعت بالخاطر إلى فسحةٍ صغيرة أمام بيتنا الطيني في ضيعتنا الجبلية، الفسحةُ عبارة عن نصف دائرة ضئيلة كانت تسمّيها أمّـي مصطبة الدار، يؤطِّـرها جدارٌ حجري بارتفاع قامة طفل في الخامسة وما دون، تُظـلِّـل تربتها المدموكة شجرة توت شاميّ مُعمّرة. هناك كنت ألعبُ مع رفِيـقَـي طفولتي سالم و علي. لم أكن أعرف يومها بأن سالم يكبرنا بحدود السنتين وبأن علياً أصغر مني بحدود السنة، ولكني أذكر تماماً بأنّ زمام قيادتنا، أنا وعلي، كان دائماً بيد سالم الشرس، النزِق، السريع الغضب الذي كنا نخافه، نتضايق منه ولكن دون أن نغامر بالتذمّر الـمُعلَن، أو الردّ خشية انتقامه منا، ولأنه كان يحمينا من الأولاد الآخرين، ولأنه هو "القائد" القاسي الصارم الذي يقرّر ماذا نقول، ماذا نُـغنّـي، متى نسرق البيض، متى نرشق الحجارة على المارّة، متى نعبث بثوب العجوز الضريرة "أم يوسف" و نسرق عكازها ولا نعيده لها إلا بأمر من سالم، ومتى نشتم المارّة، ومتى نلعب ومتى نقعد وأين ومتى نقف.

 يعاقبنا سالم بقضيب رمّـان يتسلّح به على الدوام، وإلا فبصفعةٍ على الوجه أو ركلة على المؤخّرة، وبعد معاقبتنا ينطق بقرار محكمته المبجلة: "حكمت عليك المحكمة بالإعدام ألف سنة". وكان حكمه علينا بالإعدام ألف سنة يتكرّر ما تكرّرت أخطاؤنا.

عـُدْتُ في عصر يومٍ من جولةٍ مع سالم وعلي فوجدت أمّي جالسة على المصطبة تـُجَهـِّـزُ العشاء. غسلت يديها، نفضتهما عدة مرات في الهواء لتنشيفهما، ركَّزتْ ناظِـرَيْـها نحو قَدَمَيّ وهي تهمهم بغضب من غفلتي حيال طريقة انتعالي لصندلي، حيث كنت أضع القدم اليسرى في الفردة اليمنى والعكس بالعكس. فأدركتُ بأني مقترف جريمة " الانتعال بالمقلوب" للمرة العشرين ربما. 

زجرتني للتقدم نحوها، وحين وصلتُ إلى حيث كانت تقف صفعتني وطلبت مني الجلوس على الإفريز الطيني، أمَرتني أن أَخْـَلَع فَـرْدتـَي الصندل وأن أمدَّ قدمِي اليمنى، لم أجرؤ على الحركة، انتظرتني للحظات لترى فيما إذا كنت قد أصبحت أعرف الآن يُسرايَ من يُـمْـنَاي. نظراتي المرتعبة وسكوني أوحيا لها بأني لا زلت أجهل الفرقَ بين اليمين واليسار، كررت طلبها مني بصوت أعلى فخفت أكثر وارتبكت ثم مدَدتُ إحدى قَـدَمَـي، صفعتني عليها و صرخت بي: "قلت لك الإجر اليمين".  

ذات صباحٍ جاء سالم إلى بيتنا مُصطحباً عَلـيّـاً كالعادة ممسكاً بيده ويجرّه خلفه كما يجرّ الجـزّار الشّياه نحو المسلخ، أشار إلي من بعيد فتبعته. وبعد أن غبنا عن نظر أمّـي، ودون أن أتكلّم أو أخطىء شدّني سالم من شعري بعنف وجرّني خلفه إلى أن وصلنا أسفل الزقاق الـمُفضي إلى منزل أهله، تطلّـع إلى الأعلى نحو الجبل المحاذي للضيعة من جهة الشرق ثم صرخ بي : " أنت لا تعرف ما وراء هذا الجبل، ولا هذا الغبي الأبله علي يعرف " تفرّس بوجهي بشراسةٍ للحظات ثم قال : "وأنت أيضاً غبي وأبله"، انتظرَني إلى أن وافقته على توصيفه لي، ثم أصدر أمرَ المهمّة وركض فركضنا أنا وعلي خلفه. 

بلغنا منتصف المسافة صعوداً نحو التلَّـة عـَدْواً. كان يُـصرّ على إبقاء مسافةٍ بيننا وبينه ليـميز نفسه عنا فيجري أمامنا بزهو الأقوى، سَبـَقـَنـَا ثم انتَظَرَنا ونَهَرَنا لِحثّنا على الإسراع في الركض، توسّله علـيّ بتذلُّلٍ كي يسمحَ لنا بإكمال المشوار مَشياً لأنّ علياً بدأ يلهث وساوره الإرهاق. تواضع سالم وقـَـبـِلَ التماسَ علي.

 هدأ طبع سالم. توسَّطَنا، ألقى بذراعيه على كتف كل منا وراح يروي لنا، قصصا عن شجاعته، يرويها لنا للمرة العشرين ربما، قصصاً عن شجاعته الخارقة، طلبت مني أمي عدم تصديقها، منها معاركه في قتل الضباع والثعابين الضخمة والذئاب والغيلان، وأخبرنا بأن خلف الجبل حافّـة صخريّـة حادَّةٍ هي نهاية الكون، أو "الدنيي" كما كان يلفظها، وعتمة أين منها عتمة ليل قريتنا التي لم تكن شبكة الكهرباء قد وصلتها بعد في حينه. 

ملَّ سالم وتيرة مشينا البطيء فانطلق عدواً صوب الذروة، كان يركض صعوداً ويأمَـرنا أن نركض خلفه، وبينما كنا نجري بدا الإنهاك على علـيّ مرة أخرى، واقتعد الأرض يبكي فتوقَّـفتُ ووقفتُ بجانبه. رجع سالم ركضاً وهو يهدِّد ويتوعَّـد وانهال بالصّفع والـرّكل على رفيقي الصغير الذي كان يتوسّله ويحاول الإحتماء بي ولكني خذلته خشية أن ينالني ما يناله، فابتعدت عنهما إلى الخلف رغم تعاطُـفي الشديد مع عليّ وإشفاقي عليه. 

بعد هدوء عاصفة غَضْبة سالم و تعبه من ضرب عـَـلـِيِّ، أرغم عـَـلِـيٌّ نفسه على النهوض ووقف مُتنهنهاً بصمت فاقتربت منه بحذر بينما عيناي على وجه سالم ويديه، أمسكتُ بيد عليِّ وتابعنا رحلتنا نحو "حافة الكون" . 

بلغنا القمّة حيث الـرّيـح تصهل بجموحٍ في عِـزِّ الصيف، لم نَـــرَ أثراً لحافّـة الكونِ ولا للعتمة اللـتين ذكَرهما سالم، بل تراءت لنا في البعيد قمم أخرى عالية مبقعة بالأبيض. من خلال النظرات البريئة المتسائلة المتبادلة بيني وبين عليّ أدرك سالم بأننا كشفنا كذبته عن نهاية الكون والعتمة فشرع بالتوضيح والتبرير: "هذا الأبيض ثلج" ثم أكمل يهذر ويثرثر دون أن يرفَّ له جفن عن كذبته الطازجة : " أرأيتما كم هي كبيرة "الدنيي"؟ لقد قلت لكما بأنها كبيرة أليس كذلك؟ سايرناه أنا وعلي برأسينا تأكيداً لـ "صِدقِه" .

في طريق عودتنا من الجبل كانت حالةُ علي تزداد تفاقماً، خَذلته رجلاه فحمله سالم على ظهره متذمّراً متـبرّماً، حين يتعب بحمله يطرحه أرضاً ويعنّف ضعفه ويلومه على تكرار اقترافه لخطيئة الضعف والوهن والمرض والسّعال والتّعب ووجع البطن والصّدر. وبينما سالم يلهث ويستريح جالساً على حجر كان يحدجني، أزمُّ جسدي الصغير خوفاً من أن يطلب مني أن أحمل رفيقنا المرهق. لبثتُ أنكمشُ أكثر حين يثابر سالم على رشقي بنظرات شرسة تخترق ما تبقى من أغشية واهية في دفاع عزيمتي. ثابر في إرسال نظراته وثابرتُ في اختبائي خلف انكماش جسدي إلى أن زعق بي : "أحمل قريبك !"

ارتعبت وامتثلت امتثال العبد إزاء سيّده، وما إن صار عَلِيٌّ على ظهري حتى وقعنا معاً فسارع"القائد" إلى ركلنا معاً مستخفّـاً كالعادة بضعفنا وأنهى جزاءه لنا بحكم آخر بالإعدام ألف سنة، وأصدر فرمان مهمة الغد ليعاقبنا بتعليمنا السباحة في المياه الباردة في بركة الضيعة، ثم حمل عـَـلـِيـّاً على ظهره ومشى به مترنحاً فتبعته صاغراً. 

بُعـَيدَ المغرب بقليل جاءت أمُّ علـيّ ركضاً تحمل علـيّـاً النائم بين يديها، تُـقَـبِّـله وتُولول، ثم سلّمته إلى جدّتي "طبيبة القرية" ورجتها أن تعالجه بتدليك صدره وبطنه بزيت الزيتون الفاتر "المقروء عليه". اقتربتُ داسّـاً رأسي بين أم علـيّ و جدّتي فرأيت وجهَ علـيّ هادئاً مُحايداً. عيناه ساكنتان مُغمضتان. دلَّـكته جدّتي ورَقَتهُ ولكن الصبيّ لم يفتح عينيه، ولم يصرخ ألَـمـاً كما يفعل الصّغار حين تُدلّـكهم جدّتي، نادته باسمه بصوتٍ عالٍ فلم يستجب. حينها انحنت أمُّـه بسرعةٍ فوقه واحتضنته وغادرت بسرعةٍ مولولة فتبعتها جدَّتي وأمِّـي وهُـمـا تبكيان بصمت.

باكراً جِدّاً في صبيحة اليوم التالي كانت أمّـي تُرتِّـبُ أغراضَ البيت القليلة على عجلٍ بينما هي مرتدية فستانها الأسود ومنديلها الأبيض الجديد. عَرفتُ بأنها بصدد مشوار أو مناسبة، طلبتُ منها أن تأخذني معها وسألتها : "لوين رايحه؟ خذيني معك" فلم تكترث بالردّ علي بل دسّت بيدي "عروسة لبنة" لأتناول فطوري وأوصتني بألا "أتشيطن"  وغادرتْ مسرعة. 

لبثتُ ملتصقاً بالإفريز الطيني أمضغ لقيمات "عروستي" ، وأنتظـرُ سالماً وعلـيَّـاً كي يصطحبنا سالم ويعلّمنا السِّباحة في بركة الضيعة. أنهيتُ فطوري وطال انتظاري لهما ولكنهما لم يأتيا. خفت أن يعاقبني سالم إن تأخرت عليه فرحت صوب بيت أهله القريب منّـا، والمجاور لبيت أهل عليّ. رأيتُ سالماً يبكي. لم أغامر في استفساره عن السبب لأنه ممنوع علينا أن نسأله. اقتربتُ قليلاً فرأيتُ المكانَ مزدحماً بالنّسوة. أطربني النواحُ الشجي والنّدب النسائي العذب فابتسمت ولكني أطفأت ابتسامتي فجأة وبسرعة حين اقترب مني سالم ليأمرني بعدم التبسم لأنّ علياً مات. لم أقدِّر جيداً في حينه ما قاله لي معتقداً بأن علياً سوف يعود للعب معنا حتى بعد موته. ولم أحسّ بالأسى آنئذ. بعد قليل تحرّك عددٌ من الرجال يحملون على أكتافهم صندوقاً خشبياً مستطيلاً لم أدرك أنّ في داخله جثمان علي. عدت إلى الإفريز الطيني في بيتنا أنتظر سالماً وعَليَّا، ولكنهما لم يأتيا، ولم أرَ عَـلِـيَّـاً بعد ذلك اليوم.

رُبَّ أخ لـَكَ/ محمود شباط



 إحدى القصص المنشورة في مجموعتي القصصية "على صهوة حلمٍ أبيض"، مع بعض التعديلات.


13

حِـينَ وَلَـجَ بَـحرَ ثلاثيناته كَـوَتْـهُ جمرةُ الفشل الكلوي والغسْـل. اكفهرَّ وجهُ الأيّــام و دَجَت سحنةُ الدّهر، فَـقَـدَ عمله فانغمس في بحر البطالة والملل. يغادر المنزل لساعاتٍ لـتَـزجِيةِ الوقت عند صديقٍ أو قريب. حيث يجد هناك الكل يهذر مُردِّداً ما نقله الناس أو وسائل الإعلام عن مرجعه السياسي، الكل يتمسك بصوابية الرأي الذي يروقه ويتمناه.

مطارق عبثية السياسة تدقُّ على الجزء الألين من الدِّماغ، وتُـمَـهِّد الطريقَ للتصديق عن طريق القلب والعاطفة، حيث يتقاعد الـمخُّ والـمُخيخ وكل ما يوجبُ تسيُّد التفكير والمنطق. وإلى أن تصبحَ لازمةُ " الفوهرر يفكّر عنّا " هي النهج الأثير والببغاوية توأمها.

في إحدى جلساته على شرفةِ منزلهم الـمُطلَّـة على جزءٍ من البلدة، حيث ينعمُ فضاؤها بالنسيم العذب المنهمر بسخاء من الـجُّرد. كان حامد يتصفح ألبوم الصور، مر بصورة تجمعه بصديقٍ حميم من أصدقاء طفولته جان ابن الجندي الشمالي الذي كان يلعب معه حين كان والده ضمن عديد اللواء المتمركز في البلدة. ولكن وشائج التواصل استمرت حيّة بين الأسرتَين. تذكَّر حامد يوم أنقذ الطفل جان من الغرق في مستنقع مياه على أطراف البلدة، قَـبَّـلَ الصورة وأعادها إلى الألبوم برفق وعناية. 

بعد تجواله بالخاطر على صُورٍ جميلة من الماضي عاد  به الواقعُ الأليم إلى حاضره الأليم، عاد ليتفَـكَّرَ في حلٍّ لاستبدال كليته الـمُصابة. كـَثـُـرَ المتبرِّعون من شقيقات وأقارب وأصدقاء، ولكن الطبيب المعالج لم يعتمد نتائج التحاليل المختبرية وإجراء الجراحة على أساسها. 

 بعد ظُهر يوم سبت عَرض حامد على أمّه وشققتيه هويدا ورويدا أن  يقوموا بزيارة إلى بيت "عمِّه أبي جان". وفي منزل المضيف بينما كان الفتيان يتحادثان، عَرف جان بأنَّ حامد بحاجة لكلية، وبأنّ حياته في خطر. 

بعد اسبوعين من تلك الزيارة، وبينما كان حامد يجلس على الشرفة، توقفت سيارة في فسحة ترابية تحت منزل أهل حامد، استطلع هويـّة القادم فتعرَّف على السائق ذي الشباب النضر، الذي لاقاه حامد، وقبل أن يصلا إلى باب المنزل كان جان قد أخبر حامد بأنــّه آتٍ ليذهبَ معه إلى المستشفى ليهبه كليته، وأقسم له بأنه لن يراه ثانيةَ إن رفض العرض.

راغت عَينا حامد بدموعِ الإمتنان وأخبرَ والدته وشقيقتيه بالنبأ. اعترضت أمّ حامد ورجت جان ألا يفعل لأنهم يتوقَّعون واهباً آخر اتصل بهم ويتوقعون حضوره خلال أيام. فقال لها جان بأنه هو "الواهب الآخر"، وبأنه أنهى كل الإجراءات المطلوبة للتبرع بكليته، وبأنه جاء لِـيفِـي "أخيه" حامد ديناً لا يمكنه وفاءه بالمال. وذكَّرها بقصة إنقاذ حامد له من الموت غرقاً يوم كانا يسبحان في المستنقع.   

أثناء إجراء العمليـَّـتين الجراحيـَّتين للفتيين في المستشفى؛ استئصال كلية من جسدِ جان وزرعها في جسد حامد، كانت هويدا تحمل هَـمَّ الآتي، وتـُتـَمْتـِمُ بما يجول في خاطرها: "رُبَّ أخٍ لك لم تلده أمُّكَ يا حامد".

لم يـُفـْتـَحْ بعد باب غرفة العمليّات العريض الأبيض. الثّواني تـَمُرُّ كدهور، رويدا وهويدا تروحان وتجيئان في ردهة المستشفى بعيونٍ دامعة ثم تعودان إلى بابِ غرفةِ العمليات، تبتهلان وتتمنـَّيان استعجال معرفة النتيجة وسلامة الفتيين. 

بعد طول انتظار أُخـْرِجَ الفتيان من غرفة العمليات، هُرعتا لتقبيل شقيقهما وهنأتاه بالسلامة، ثم توجَّهتا نحو جان، أو ما صارتا تعتبرانه أخاهما الجديد.  

   لم يستجب جان لتدابير الإنعاش بالسرعة المطلوبة، استعاد وعيه بعد فترة طالت واستطالت، وحين صحا كان شاحب الوجه، مـُنهكاً، زائغ النظرات يعاني عوارض التقيؤ والإرتعاش والضياع، بقيت رويدا مع شقيقها حامد الخارج للتوِّ من غرفة العمليَّات وتفرَّغت هويدا لمساعدة جان وإسعافه، لم يكن بإمكانه التكلـّم فشكرها بابتسامة رضى، وبترميش بطيء من هدبيه.  

أثناء خروج المريضين، كانت مـمرّات المستشفى، وفقط لمن يستطيع أن يبصر، تشعُّ بنجومٍ تبثّ دفئاً إنسانياً حضارياً أصيلاً نقيَّاً خالصاً، يُومِضُ بإعلاء راية الإنسانية فوق الأديان والمذاهب والعشائر والقبائل والوثنيات الخشبية، ويهفّ هسيسه الناعم بأن كلا من الكلية، كما القلب والدماغ، عضو حياديّ عابر للمذاهب والأديان. وبأن الدم هو الدم في كل أجساد البشر.