نصّ مفتوح ومتخيّل: ما لم يقله محمود درويش عن ريتا/ فراس حج محمد


هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود في تلك الزوبعة التي تعرفونها.

هل غضب زوج ريتا وناح على شرفه المهدور في سرير العرب؟ ربّما لا، بل أغلب الظنّ لا، فلا شيء ينفي عن الجنين هُوِيّتَه، ما دام أنّه نبت في رحم ريتا، لا يهمّ من أيّ ماء جاء، اليهوديّ لا يقف عند هذا التفصيل الثانوي، اقرأوا إن شئتم حوار والتر ليفي مع ابنته أورانيت في مسرحية "المستوطتة السعيدة"، أمّها خانته كثيـراً وكثيراً، كان يعلم، ولم يتأثّر؛ لأنّ ذلك لن يؤثّر في يهوديّتها، ستظلّ دماء اليهود تجري في العروق.

لم يكن درويش ليقلق كلّ هذا القلق على المصير الوجوديِّ له لو كانت المرأة ذات الجنين عربيّة في رسالته لسميح القاسم، الرواة الثقاة احتفظوا بهذا السرّ، وسرّبوه بعد حدوث الحمل بسنوات، ريتا ليست قلقة، إنّما عملها أن تصطاد الأجنّة من بين أصلاب الرجال وقُضُبهم المنتصبة مثل الألف الفارقة التي تفرّق بين الممكن والمستحيل، ليأخذ التأويل شكلاً دائريّاً، ويتّسعَ الخيالُ.

في البندقيّة اختطفت ريتا البروة والأرض والتاريخ والأسماء والشهداء وقطعة الغيم والمعنى، وفي القصيدة اغتالت تلك الحقيقة نفسها، واللغة والوطن المجازيّ المحتمَل، وفي المضاجعة اغتالت حيوانات درويش المنوية، وصنعت منها بندقيّة أخرى لزمن جديد. لم تقلق ريتا، بل سعت لتورّط الشاعر وتكسب منه ابنة تقاتله بها إلى الأبد، ليواجه بعضاً منه في معارك المصير الوجوديّ المشترك في الحفرة المشتركة.

رحل الشاعر حتّى لا تنمو ابنة يهوديّة بين ناظريه، ولا يستطيع تبنّيها أو مقاومتها، مع أنّه لم يكن يرغب بغير السلام الشيوعيّ الجميل الذي أذهب عنا البلاد، وأبقى لنا القصيدة في الوطن، والوطن اللغوي البغوي الآسر الفتّان والفتّاك. 

رحل؛ لأنّه لا يرغب في أن ينجب عدوّاً من صلبه، لكنّه أنجب آلاف الأعداءِ رغماً عنه. درسٌ لم يتعلَّمْه الفلسطينيون وكانوا أوفياء لفكرة إنجاب الأعداء بفعل مائهم الحيوي الذي طالما أهرقوه في أرحام اليهوديّات فصاروا "دراويش الجماع السياسيّ"، حدّث عن ذلك ولا حرج، حتّى السجّانة في زمن آخر في بقعة مُسَيّجَةٍ من الأرض المغتصبة تسمى السجن تفعل مثل ريتا، وتنجب مقاتلاً مدجّجاً بالأيديولوجيا القاتلة من صلب سجين عربي!

كثير من المجنّدين الآن أبناء عرب، لكنّهم يهود باعتبار دمغة المصنع والرحم والتربية! يقتلنا أبناؤنا إذاً ونقتل أبناءنا بلا شكّ، كلّ ذلك لأنّهم أبناء أمّهات يهوديّات.

ماذا كان يريد درويش أن يكتب لريتا لو لم يكتشف أنّها حامل، وقد أوقعته في الشِّرْك الأنثروبولوجيِّ، وفي الشرَك؟ ربما وجد الرواة هذا النصّ المدجّن المعجون بالنثر والإيقاع معاً، أيّهما كان النثر؟ وأيّهما كان الشعر؟ هل النثر أنثى مثل ريتا؛ تُضاجع وتحبل وتنجب القصائد، والشعر فحل وذكَر، والفحل صاحب إيقاع، لكنّ الإيقاع هنا مكسور بفِعْلة التاريخ الأعوج المكتظّ بالموتى وصوت الدم.

القصيدة إذاً أيّها الرواة والثقاة والقرّاء خدعتنا زمناً طويلاً بالحبّ والشعر ورائحة الإناث في مواسم زهر اللوز، بقيت لريتا صورتها الصبيّة مع درويش النحيل الذي شابَ على ما شبّ عليه، وشبا على جسد الحبيبة:

لها رمّانتان لذيذتانِ، شهيّتان، وساقان ملساوان، سمراوان، وعجيزة تعجز اللغة عن تصوّرها.

في الليل بعد أن تتنحى البندقيّة قليلاً في المسافة الفاصلة بين عيني ريتا ومحمود، لا تنسى المرأة أصلها، والشاعر يصبح خاوياً من التاريخ، والجغرافيا ولا يفكّران سويّة إلّا بما يجعل التسوية في السرير ممكنة الحدوث.

هنالك في تلك البقعة المقدّسة من أسرار الهيكل العظميّ واللحميّ والعصبيّ للمرأة المتّقدة، يصبح الإنسان ذئباً ومتّقداً كذلك، ويخلع كلّ أعضائه الثكلى ليفرغ ما فيها من التقوى على فخذين ناعمتين مشربتين كأس الخمرة النهديّ، تنفرجان، وتفصحان عن وردة ناعمة صغيرة بحجم قُبلةِ فَم، ويبدأ التاريخ يمحو نفسه بفعل هذا الحدّ.

ألا أيّها الليل الطويل ألا أستطلْ، وأطِلْ ذراعَيْ عاشقين يلتفّان مثل جذعَيْ شجرة، يدخل الشرقيُّ في الغربيِّ، وتتّقد الحجارة تحت أقدام السرير الهارب من جحيم الحرب في أرض الجنوب.

يا صبحُ نمْ نوماً طويلاً هادئاً لا تطلُعَنْ، واغسل هواجسك القديمة بالجسد الشهي، ريتا تفرّغت من محتواها العدائيِّ وصارت زنبقة، أو زئبقة، أو ريماً على القاع بين حيفا والجليل، أو توتة ناضجة بين الشفتين تختلطان بالشعر المحلّى بقوة الأيروس، ويقتلان معاً جنون الوقت في التابوت.

ريتا في السرير الآن، تقوم على ألف، وتنام في جنب فحلٍ محترف، وشاعر وجد البلاد، وما تبقّى من بروة في الجليل على سُرّة البنت التي احتملت حماقة التلمود في التوصيف، واغتسلت بموج البحر.

ريتا الآن تبدّل للشاعر جلده، ليصير أفعواناً يداعب أفعى، وتبني مع الشاعر الحيويّ وطناً بديلاً في القصيدة والحبيبة واللغة، فالمرأة منفى، وملقى، وملفى، وملهى، ومنسى، ومجرى، وآلاف الحروف تنوح على تلك الرواية في الرواية.

ريتا تفتّش بعد عمر عن قناعتها، وتأخذ للبندقيّة زينة أخرى من الدم المخمّر بالرصاص، وتحمل عدّة الحرب الثقيلة والطويلة والسريعة كي تنام على سرير الشعر والشعراء والبسطاء والأشجار، وتسرق الوطنَ اللغويَّ، تفكّك المعنى تماماً، وترمي ما تبقى من عظام الكلْبِ لجنديٍّ مصاب بالكلَب، وتعيد أغنية السذاجة الأولى: 

"بين ريتا وعيوني بندقيّة، 

والذي يعرف ريتا، ينحني

ويصلّي

لإلهٍ في العيون العسليّةْ ".

وتضحك في وجوه الموت والموتى وتستلقي على متن تلبّد بالنبيذ، وصار السرد أسطورة لا تُعَرّفُ أو تُحارب. 

وقف الجميع أمام هذا الشيء حيرى!

27 فبراير 2026


يا حضرة القاضي/ فؤاد نعمان الخوري



 تكريم القاضي ابراهيم علاّم

في صالون الدكتوره بهيّه أبو حمد

،،،،،

كلمه من ابن الخوري

لْ قاضي الحقّ الدستوري:

ميّة أهلا وسهلا فيك

ب قلب القصر الجمهوري!

،،،،،

يا حضرة القاضي أنا بهنّيكْ

صيتَك ورد من هون لَ هونيكْ؛

لْ متلك قضاة، قلال ها الايامْ

ما في حدا يغويك أو يلويكْ...

قالت بهيّه وصدرت الأحكامْ

أوفى محاميّه عم تحيّيكْ،

ليلة الجمعه جلجله وآلامْ

صارت عرس لمّا التقينا فيكْ!

،،،،،

عندي قضيّه بينَك وبينِي

مع ستّ، فلشة شَعرها جنينهْ

وكلما بتتبسّم بيصير النّورْ

يوزّع عَ العصافير حلوَينهْ..


اسما بهيّه، والشِعر مسحورْ

بيشهق لها وبيقول: يا عَيني!

وقلبا قصر مَنّو متل القصورْ

متلو حلو مش شايفه عَيني.


وكل القضيّه في نزاع مْرورْ

عا قلبها، ومش عارفه وَينِي:

يا تقول: فؤاد الحلُو القمّورْ

يا تقول: عاجبني جورج منصورْ

يا تقول: بدّي شربل بعَيني!

،،،،،


الى أبونا يوسف: في صوتكَ... صبركَ... كبريائكَ/ هديل نوفل

 



إلى أبونا… الذي يشبه العراق 

العراقُ ليس وطناً،

العراقُ امرأةٌ

إذا مشتْ

اهتزّ التاريخُ تحت كعبيها،

وتعثّر الزمنُ

بخطوتها الأولى.

امرأةٌ

سرّحت شعرها

فانسدل دجلةُ حريراً أزرق،

وغسلت وجهها

فاستيقظ الفراتُ

من نوم الأساطير.

أيُّ امرأةٍ هذه

التي تضع بابلَ

قرطاً من ذهبٍ في أذنها،

وتعلّق آشورَ

قلادةً من نارٍ

على صدرها،

وتخطّ سومرَ

وشماً أبدياً

على معصم الطين؟

أيُّ امرأةٍ

كانت تعرف الكتابة

قبل أن يعرف العالم

كيف ينطق اسمه؟

وتخترع الأبجدية

كي لا يضيع الحبّ

بين قبيلتين؟

في العراق

لم تكن الحضارةُ معجزةً،

كانت زينتها اليومية،

كانت تمشي

بطين سومر

كأنه عطرٌ ملكيّ،

وتكتب بالقلم المسماري

رسائل عشقٍ

إلى الأبد…

إلى ما بعد الأبد.

هذه امرأةٌ

إذا ابتسمت

أزهرت النخيلُ حتى آخر الجنوب،

وإذا بكت

تحوّل المطرُ

إلى قصيدةٍ

تُتلى على أبواب السماء.

امرأةٌ

جرّبوا أن يحاصروها،

فحاصرتهم بلغتها.

جرّبوا أن يكسّروا أساورها،

فاكتشفوا

أن أساورها

مصنوعة من زمنٍ لا يُكسَر.

العراقُ ليس ماضياً نبكيه،

العراقُ جسدٌ

كلّما طعنوه

أنجبَ حضارةً جديدة،

كلّما أطفأوه

أشعلَ شمساً أخرى.

هو امرأةٌ

لا تموت…

تبدّل ثوبها فقط،

وتخرج إلينا

بألف اسم،

وألف أسطورة،

وألف قصيدةٍ

ترفض أن تُهزم.

في عينيها

تجلس أورُ

كملكةٍ لا تنام،

وفي ضفائرها

تختبئ الأساطير

كأطفالٍ خائفين من الغياب،

وفي شفتيها

ينام أوّل قانون

كتبه البشر

كي لا يضيع العدل

في زحام القوة.

إذا سألوك عن العراق

فلا تقل وطن.

قل لهم:

هي المرأةُ الوحيدة

التي علّمت البشرية

كيف يكون الخلود

عادةً يومية.

قل لهم:

هي الأنثى

التي أنجبت اللغة،

وأرضعت الشعر،

وربّت التاريخ

على كتفيها

كما تُربّي الأمُّ طفلها الأول.

قل لهم:

العراقُ

ليس بلداً خرج من حرب،

بل امرأةٌ

كلّما احترقت

أضاءت،

وكلّما سقطت

وقفت

أطولَ من السقوط.

وأنا 

حين رأيتُك يا أبونا…

فهمتُ.

فهمتُ

أن في صوتكَ

شيئاً من دجلة،

وفي صبركَ

شيئاً من النخيل،

وفي كبريائكَ

شيئاً من تلكَ جبلة الطين 

التي اسمها العراق

حول ( واقعية الكم ) Quantum Realism لمحمود صبري/ د. عدنان الظاهر



  حين كنت أقوم بتدريس طلبة السنة الرابعة ( كيمياء ) في كلية العلوم مادة Quantum Chemistry ، كلفني ربيع عام 1973 قسم الكيمياء أن أقابل الفنان العراقي محمود صبري الذي كان وما زال مقيما في العاصمة الجيكية براغ وأن أقوم بتقويم نظريته الجديدة في الرسم التي أطلق عليها إسم ( واقعية الكم ). تم بيننا اللقاء الأول في مطبعة وأوفست رمزي فتبادلنا أطراف الحديث حول نظريته مطولا. ثم زودني الرجل بالكثير من تفصيلات نظريته وكان قد أعد كتيبا عنها باللغة العربية وآخر بالإنجليزية مزودين بلوحات ملونة جميلة. وعدته أن أكتب دراسة عن الموضوع وأن أقرأ هذه الدراسة أثناء تقديمي له في الأمسية الخاصة التي نظمها له إتحاد الفنانين العراقيين في مقره في المنصور مقابل منتزه الزوراء في بغداد. قلت له سأكون شديدا في نقدي وسأقول ما لك وما عليك. ردَّ الرجل بكل أدب وتواضع وثقة ( قلْ ما شئت ).

 

قرأت دراستي في مساء اليوم المحدد على حدائق مقر الإتحاد وقدّمت الفنان أمام حشد كبير من الفنانين وأساتذة معهد وأكاديمية الفنون الجميلة وكان المرحوم الروائي جبرا إبراهيم جبرا جالسا في الصف الأول. كما كان حاضرا زميلي في قسم الكيمياء الدكتور غازي عبد الوهاب درويش ( نسيب الفنان حافظ الدروبي ). تكلم الفنان محمود صبري بعدي شارحا أسس نظريته الجديدة في الرسم وعارضاً سلايدات لبعض رسوماته. كانت مناسبة قلّما شهد عالم الفن مثيلا لها في بغداد. الغريب أن السيد فائز الزبيدي اعتذر عن نشر دراستي التقويمية لهذه النظرية في مجلة ( الثقافة الجديدة ). كنت شديد الدفاع عنها، رغم ما فيها من ثغرات علمية، نظراً لطرافتها ولكونها طريقا جديدا في الرسم غير مسبوق. ثم تشجيعاً لفنان عراقي مغترب ليس له في العراق مثيل. وردّاً على موقف مسؤول القسم الأدبي والفني في مجلة ( الثقافة الجديدة ) سعيت إلى ترتيب لقاء آخر للفنان في مقر المركز الثقافي السوفياتي الواقع على شارع أبي نؤاس في بغداد والمطل على نهر دجلة. كان تجاوب المسؤول السوفياتي عن المركز مع إقتراحي وديا وحاراً فسارع إلى الإعلان عن محاضرة يلقيها الفنان محمود صبري مساء يوم حدده في الإعلان الذي نشرته بعض الصحف الصادرة في بغداد بل، وتم طبع وتوزيع رقاع للدعوة غاية في جودة الطباعة والإخراج. حصل اللقاء الذي لم يحضره - خلافا لتوقعاتي - جمهور كبير. كما أصر أحد موظفي المركز السوفياتي من العراقيين ( مهدي العبيدي ) أن يقوم هو لا أنا بتقديم الفنان لمن حضر تلك الأمسية !! وهكذا كان. 

أما المفاجأة الأخرى فهي اللقاء مع شفيق الكمالي الذي كان يومذاك وزيرا للثقافة والإعلام. فلقد دعاني محمود صبري ( أبو ياسمين ) إلى لقاء على عشاء ضم الوزير الكمالي والكاتب محمد كامل عارف. تم اللقاء مساءً في حديقة نادٍ أو مطعم - الذاكرة تخون أحياناً - وكان موضوعه الرئيس محاولة إقناع الوزير بتأسيس مركز فني للدراسات النظرية والتطبيقية يكون الفنان محمود صبري مديره والمسؤول عنه مع إستعداده لمغادرة مقر إقامته في براغ والعودة إلى بغداد. لا أتذكر جيدا مواقف الكمالي من هذا المشروع لكني أعرف جيدا إنه لم يُكتبْ له النجاح ولم يرَ النور... ربما بسبب إعفاء الكمالي من وزارة الثقافة والإعلام العراقية.

 

إلتقيت بعد ذلك الفنان محمود صبري ثلاث مرات في مدينة براغ عاصمة جيكوسلوفاكيا حينئذ. كانت المرة الأولى في صيف عام 1977 أثناء سياحة قمت بها بسيارتي مع زوجتي وولدي أمثل ( سبع سنوات ) وطفلتي قرطبة ( خمس سنوات ) في بعض البلدان الأوربية زرنا خلالها هنغاريا والنمسا وجيكوسلوفاكيا ثم بولندا وبلغاريا مرورا بتركيا ويوغوسلافيا. إستغرقت هذه السياحة شهرين كاملين قطعت فيها أربعة عشر ألف كيلومترا من المسافات والطرق .

وتم اللقاء الثاني صيف 1979 حيث زرت وعائلتي عدة مدن أوربية كانت براغ إحداها قادمين من طرابلس في ليبيا حيث مارست بعد أن تركت العراق في تموز 1978 التدريس أستاذاً للكيمياء في جامعة الفاتح في مدينة طرابلس. في هذه الزيارة خرجنا ذات مساء معاً إلى محل صيفي كبير جداً فشربنا القليل من البيرة. لاحظت هناك حشدا كبيرا من الطلبة العراقيين يشربون البيرة الجيكية الشهيرة تحت الأشجار الباسقة ويصدحون بالأغاني محتفلين بذكرى ثورة الرابع عشر من تموز 1958.

أما اللقاء الثالث والأخير فقد تم في بيت الفنان في براغ صيف 1981 على هامش سياحة أوربية أخرى شملت سويسرا وجيكوسلوفاكيا قمت بها وعائلتي طائرين من طرابلس في ليبيا حيث كنت ما زلت أمارس التدريس في جامعة الفاتح بعقد يُجدّدُ سنويا في نهاية كل عام دراسي . 

ناقشنا خلال هذه الزيارات بإسهاب الجوانب المختلفة لنظرية ( واقعية الكم ) وأدهشتني ثقة الفنان بنفسه ووجهات نظره الجديدة تماما، لكني أحسست خلال اللقاءات الأخيرة أن هناك ظلا خفيفاً من الإحباط يُخفيه الفنان بتصميم شديد الكبرياء ناجم - كما أحسب - عن البطء في سرعة إنتشار وذيوع نظريته وعدم تشجيعها أوتبنيها من قبل حكومةالعراق وفنانيه فضلا عن الفنانين الأجانب والدول الأجنبية ومؤسساتها الفنية من معاهد وأكاديميات.

لقد فرض الرجل على نفسه نوعا من عزلة الزهد والتنسك التي تذكرني برجال أمثال المسيح والخليل بن أحمد الفراهيدي والفارابي ورهبان الكنائس وصومعات التعبد. لقد لفتت نظري قناعة الرجل بما لديه وبساطة نمط حياته ونحول قامته ووسامة وجهه ذي العينين الزرقاوين بلون السماء وشعر رأسه الرمادي، ثم تواضعه الجم وخلقه الإنساني الرفيع .

 

كيف يرسم محمود صبري لوحاته حسب نظرية واقعية الكم ؟ 

للإجابة عن هذا السؤال لا بد من شرح بعض الأمور الأساسية حول الأطياف وطبيعتها والفرق بين أطياف ذرة الهايدروجين وأطياف المركبات الكيميائية.

الأطياف نوعان : أطياف إمتصاص Absorption Spectra وأطياف إنبعاث Emission Spectra . طيف الامتصاص ينجم عن إنتقال ألكترون من مستوى محدد للطاقة إلى مستوى أعلى منه. فإذا ما عاد الألكترون إلى مستواه الأدنى الذي قفز منه يتحرر قدر محدد من الطاقة مساوٍ للفرق بين مستويي الطاقة، أو بالضبط القدر الذي إمتصه في صعوده إلى المستوى الأعلى.

وهذا ما يسمى عادة بطيف الإنبعاث. وطيف الإنبعاث هو أشعة ذات طول موجي محدد قد تكون مرئية أي ملونة وقد لا تكون مرئية مثل الأشعة فوق البنفسجية والأشعة تحت الحمراء. فجوهر الظاهرة ما هو إلاّ إنتقالات ألكترونية تحدث تحت تأثير حاثٍّ خارجي كتعرض الذرة أو المركب الكيميائي للضوء أو قصف الذرة بقذائف من الألكترونات السريعة أو بالشرارة الكهربائية أو تحت تاثير الحرارة العالية. فالطيف المرئي لذرة الهايدروجين - وهي أبسط الذرات ولها ألكترون واحد فقط - إنما يُحتثُّ بالشرر الكهربائي في أنابيب زجاجية خاصة محكمة الغلق تحت ضغط واطيء شديد الإختزال. فالعملية مصطنعة أساسا تجري تحت شروط خاصة يستجيب لها ألكترون ذرة الهايدروجين، والهايدروجين غاز كما هو معلوم. 

أما المركبات الملونة فهي في الأغلب مركبات سائلة أو صلبة. وهي ملونة أساسا دونما إصطناع. فضوء النهار ( الفوتونات الشمسية ) يكفي لتحفيز الألكترونات كيما تقوم بالإنتقالات المحسوبة إمتصاصاً ثم إنبعاثاً الأمر الذي يؤدي إلى إنطلاق أشعة كهرو - مغناطيسية بشكل موجات تتحسس شبكية عين الإنسان أطوالها الموجية، إي تراها كألوان . 

إنتقالات ألكترونات المركبات الكيميائية أيسر من إنتقالات ألكترون الهايدروجين بكثير، وذلك لقرب مدار دوران هذا الألكترون حول بروتون نواة الذرة الوحيد. أي إنه واقع تحت تأثير قوة جذب عالية جدا، الأمر الذي يعرقل حرية حركته خارج حقل جذب النواة. لذلك فالمركبات ملوّنةٌ نهاراً بشكل طبيعي. غاز الهايدروجين لا لون له في الظروف الإعتيادية أما بللورات ملح الطعام على سبيل المثال فإنها بيضاء اللون لأنها تعكس لا تمتص النور الساقط عليها. الماء والكحول تمتص موجات الطيف الشمسي الكهرو - مغناطيسية غير المرئية. 

المركبات الكيميائية ليست مجرد جمع حسابي لمجموعة من الذرات. فالهايدروجين يفقد خصائصه الأصيلة بما فيها أطياف الإنبعاث حال إتحاده بالأوكسجين لتكوين جزيء من الماء. الماء المتكون من هذا الإتحاد عالم آخر ليس له طيف ملون وإنه مركب سائل إعتياديا بينما الهايدروجين غاز. لذلك يقع الفنان محمود صبري في خطأ فادح إذ يعرض أطياف الإنبعاث لذرتي هايدروجين وذرة أوكسجين معاً في لوحة واحدة ملونة على أنها تمثل جزيئة ماء. لو صحَّ هذا المنطق والنهج لصحّتْ المعادلة 

الأب + الأم = الأبن المولود 

نعم، في الوليد الجديد بعض خصائص الأب وبعض خصائص الأم الجينية لكنه قطعا لا يمثلهما تمام التمثيل . 

كذلك الأمر بالنسبة للكحول والطين وباقي المركبات التي رسم محمود لوحاتٍ لها. 

هنا تدخل نظرية " واقعية الكم " في إشكال وتناقض قاتل ينسف أساسياتها من حيث كونها في التطبيق العملي ليست واقعية وليست جدلية وليست دينامية، أي أنها ليست كمية. فالميكانيك الكمي QUANTUM MECHANICS قد حل أعظم معضلتين واجههما الفكر العلمي وهما :

1- العلاقة بين الجسيم والموجة ( هل الألكترون جسيم أم موجة ؟ )

2- العلاقة بين الكتلة والطاقة. 

فأين موقع " واقعية الكم " من هذا ؟ زدْ على ذلك أن مخطط مستويات الطاقة لذرة الهايدروجين الذي يتبناه محمود صبري حرفيا في حسابات ورسم ألوان لوحاته هو واحد من إنجازات العالم الدنماركي ( نيلز بور Niels Bohr ) العظيمة التي إستحق عليها جائزة نوبل عام 1922. عِلماً أن هذه الإنجازات الجليلة كانت قد سبقت تطبيقات نظرية الميكانيك الكمي بسنين. فمن هذه الوجهة في الأقل لا علاقة لواقعية كم محمود صبري بفيزياء الكم. أي أنها مجرد إسم لا يجمعه والمسمّى أي جامع.

صحيح إنَّ الطيف اللوني المرئي هو الهوية اللونية للعناصر ولكن، فات الأستاذ الفنان محمود أنَّ في الإمكان إصطناع أيون لعنصر آخر غير الهايدروجين يحاكيه تماما من حيث الخصائص الطيفية. أي أنهما يحملان نفس الهوية اللونية. أذكر على سبيل المثال أيون ذرة الهيليوم ( He + ) الذي يحمل شحنة موجبة واحدة وأيون ذرة الليثيوم ( Li ++ ) ذا الشحنتين الموجبتين. لكلٍّ من هذين الأيونين ألكترون واحد فقط يسلك تماما سلوك ألكترون ذرة الهايدروجين. 

ثمَّ ما هو موقف الأستاذ الفنان من العناصر الملونة أصلاً وطبيعةً كالذهب والنحاس والكبريت واليود وبعض المركبات الغازية مثل أكاسيد النايتروجين ؟ كيف يرسم محمود طيف عنصر الذهب مثلا وخصائصه وهويته اللونية قد عرفها الأنسان القديم منذ سومر وبابل ومصر الفرعونية ؟؟ 

الكيميائي والفيزيائي يهتمان بالأطياف كافة، ما يُرى منها بالحث الضوئي أو الألكتروني وما لا يرى بالعين المجردة. الطيف الذي لا تراه العين يُكشف عنه بالأفلام. فأشعة أكس ( الأشعة السينية ) لا يراها الطبيب ولا يراها المريض لكن كليهما يستطيع رؤية آثارها في اللوح الفوتوغرافي المستخدم في تصوير الصدور والعظام وأحشاء الأنسان الداخلية. في هذا المقام أود أن أسأل فناننا هل في مقدوره أن يرسم لوحات ملونة للموجات الكهرو- مغناطيسية ( أشعة أكس ) والأشعة فوق البنفسجية وتحت الحمراء وكلها لا تراها العين وإنها أمواج وإنَّ الفنان يحسب الأطوال الموجية وفق معادلة بسيطة معروفة ؟

أسعدني أن أعلم أن الفنان محمود صبري قد وسع منهاجه فأنجز لوحة يصور فيها الطيف الكهرومغناطيسي لذرة الهايدروجين كاملا، المرئي وغير المرئي. لكني أتساءل كيف يتمكن الفنان من رسم شيء لا يراه وأيَّ لون يُعطيه ؟ خاصةً وأنَّ عالم الرسم هو عالم الأصباغ والألوان لا وجود له بدونهما، تلك هي المعضلة. 

ثمة سؤال قديم - جديد يطرأ على بال الإنسان فحواه : هل رسمُ أطياف الألكترون غير المرئية هو هدف الفن ورسالة الفنان أم الإنسان وواقعه الملموس والمرئي جدا جدا ؟؟ 

في الختام وبعيدا عن عالم الفيزياء والكيمياء لا بد من كلمة أقولها بحق الفنان محمود صبري تنصب على جهوده الدؤوبة وصبره النادر. إنه رجل يجتهد والمجتهد مُثاب أخطأ أو أصاب. لقد شق الرجل طريقا لم يسبقه إليه أحدٌ حسب علمي. وإنه يسعى لإقتناص وتثبيت اللون النادر الأصيل الذي لم تجبله يد صانع أو صبّاغ ٍأو فنان. إنه يحسب ويثبت هذا اللون على لوحة، فالأطياف هي أطوال موجية يمكن حسابها وتحويلها الى ألوان بإستخدام معادلة " ماكس بلانك " التالية

E = hc/ Lambda 

حيث تمثل Lambda طول موجة الطيف . 

محمود صبري مسحور باللون الفذ الفريد والأصيل وبكل ما يمت لجوهر الأشياء بصلة. وعلى هذا الأساس فإنَّ فلسفته في عالم الفن هي فلسفة إنسانية خالصة ونهجه نهج خُلُقى سامٍ لأنه يسعى - وقد سعى - للكشف عن فن مؤَسَسٍ على قواعد وأسس علمية، فن نابع من حقائق علم الطبيعة. 

ولأن الرجل عاشق للحقيقة، فإني كصديق وضعت أمامه ما أعرف من أمور تخص عالمي الكيمياء والفيزياء. 


27.09.2013

ملحق / عثرتُ أخيراً على كارد كان الفنان الراحل قد بعثه لي من مدينة براغ إلى ألمانيا أواسط تسعينيات القرن الماضي لمناسبة العام الجديد 1995 وهو واحد من رسائل وكرود غير قليلة كانت تردني منه بين حين وآخر حين كنّا نتبادل الرسائل والأخبار منذ عام 1973 وحتى قُبيل رحيله أواخر السنوات العشر من هذا القرن .

لم أجد الرسائل الأخرى لشديد الأسف وخاصة تلك المتعلقة بمنهجه في رسم لوحاته والكتيب الذي أرسله لي بعد محاضرته ومعرضه في قاعة أو كاليريه 

( تيت ) في العاصمة البريطانية لندن في عام 1987 .

أنقل هنا نص الكارد المُشار إليه للتوّ وأحاول تصويره وإلحاقه بهذه الدراسة تخليداً لذكرى الفنان ولبعض ما ترك في الحياة :

 (( العزيز أبا أمثل

شكراً لتحياتك وتمنياتك الجميلة متمنياً لك ولجميع أفراد العائلة كل المسرة والخير والنجاح بمناسبة 1995 .

يؤسفني أنْ أسمعَ أنك مريض ، آمل أنْ تكون قد تماثلتَ للشفاء الآن .

أتوقع أنْ أسافر إلى انكلترا قريباً لزيارة إبنتي ياسمين .

 المناخ عندنا بائس هذه الأيام ـ ثلج وبرد بأستمرار ولكن طبعاً هذا هو الشتاء عادةً .

أما بالنسبة لرغبتك في زيارة براغ فأفترض أن أفضل وقت لزيارتها هو في الصيف .فهذا الموسم المفضل حيث أن براغ تظهر فيه بأحسن أحوالها .

كل عام وأنتم بخير

التوقيع ))

صورة الرسالة بخط الفنان الراحل :


"لا صلح مع السمّ" ـ شعرية "رأس المال"/ د. هايل علي المذابي


قرأت ديوان "لا صلح مع السمّ" للشاعر اللبناني شوقي مسلماني  ووجدت إدهاشاً حقيقيّاً من حيث التجريب في المبنى والمعنى، إنّه لمن النادر جدّاً أن نجد شعراً يتناول الفكر الإقتصادي الإشتراكي،  ولو قلنا أن ديوان شوقي مسلماني حاشية على أفكار ماركس في كتاب رأس المال فذلك صحيح لولا أن الديوان أكثر من ذلك، فهو حاشية شعرية فكرية واقتصادية للحياة والناس والتاريخ والدين والسياسة والمرأة، لكنها لا تفسّر ما بتلك المتون بل تعرّيها وتشرّحها بمبضع جرّاح ماهر غير منتمٍ حتى للإشتراكية ولو زعم ذلك، ولكن للإنسان وحده ولا غيره، ثم ترتقي بعد كل ذلك لتصير متناً، 

لننظر هنا: "الله يحبّ أن يرى أثر نعمته على واحدٍ أم على الكلّ؟"،

وفي هذا القول جوهر الاشتراكيّة وبيت القصيد، 

ولننظر هنا: "الكائنُ يصدرُ عن الفكرِ أم يصدرُ الفكرُ عن الكائن؟"،

وفي هذا القول تلخيص بليغ لموضوع هو محلّ جدل تاريخيّ بين فلاسفة الماديّة وفلاسفة المثاليّة، وقد ذكّرني بالإضافة إلى ما ورد عن الإمبرياليّة والتكنولوجيا التي تقرّب من محتوى مقال حول "فلسفة الوعي والوجود في فعّالية التكنولوجيا!؟" الذي أقول فيه:

يتّصف النظام المعرفي العالمي وأدواته بأنه نظام له قطبين أحدهما اشتراكي والآخر رأسمالي؛ مثلا، يقول كارل ماركس عن الاشتراكيّة بأنّه يمكن اختصارها بجملة واحدة هي: "تحطيم الخصوصيّة"؛ ولعلّ هذا هو ما يمكن أن نراه بوضوح في فعاليّة السوشيال ميديا التي يعيشها العالم والتي تلغي خصوصيّة الأفراد بشكلٍ أو بآخر، كما يقول أيضا تعبيراً عن المسار نفسه الذي تقوم عليه نظريّة إقتصاد المعرفة: "الإنسان أثمن رأسمال في الوجود"،

أما الرأسماليّة فنراها بوضوح في السلطة المركزيّة المطلقة التي تتحكّم بفضاءات السوشيال ميديا ثم توزّعها على شكل مركزيّات صغرى في كلّ تفريعاتها، ومفاد القول أن النظام المعرفي العالمي يجمع بين نقيضين تشبه نظريّة هيجل وهما المركزيّة واللامركزيّة في آن، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل استطاع الواقع الافتراضي أن يحسم الجدل الفلسفي التاريخي حول الوعي والوجود؟ وأيّهما يحدد الآخر؟! أم هل ثمّة نظريّة فلسفيّة جديدة تؤسِّس لها فعاليّة التكنولوجيا بخصوص الوعي والوجود؟. 

نعم هكذا: هل استطاعت مواقع التواصل الاجتماعي وأدوات ووسائل التكنولوجيا أن تقدم إضافة جديدة بما قد يفرض نظريّة جديدة فيما يخصّ وعي الإنسان ووجوده ـ بيئته، وأيهما يحدّد الآخر؟ والتي مثّلت على مرّ تاريخ الفلسفة جدلاً واسعاً بين الفلاسفة المادييّن والفلاسفة المثالييّن بما لا يمكن تجاوزه بسهولة أو عدم التفكير فيه؟، 

لتوضيح ذلك نعود إلى أهم مقولات الفلاسفة حول الوعي والوجود، ولنبدأ بقول كارل ماركس: "ليس وعي الناس هو الذي يحدّد وجودهم إنما وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدّد وعيهم"؛ وقال إنجلز معبّراً عن رأي ماركس وفلسفته الماديّة مع فارق توجّهه أكثر باتجاه الايديولوجيا: "إن نمط تفكيرنا يختلف حسب وجودنا في قصر أوفي كوخ".  

وبحسب فريدريك أنجلز فإن الايديولوجيا أو الأفكار الفلسفية تتمّ صياغتها وفقاً لمصالح الطبقة الحاكمة أو نمط الإنتاج، فكان أفلاطون وأرسطو مثلاً وضعا ضمن قوانين فلسفتهما العلاقة بين السيّد والعبد، ضمن سياق الأمر الواقع، وإضفاء صفة المعقوليّة والشرعيّة عليها!، وبالتالي عدم حقّ العبيد في أثينا أن يشاركوا في العمليّة السياسيّة الديمقراطيّة لأن ذلك قد يضعف من امتيازات الاحرار المالكين للعبيد والأراضي ووسائل الانتاج.!

ويقول ماركس: "لقد اقتصر الفلاسفة حتى الآن على تأويل ـ تصوُّر العالم بطرقٍ متنوعةٍ، لكن المهمّ هو تغيير هذا العالم".

ويقول هايدجر معلقًا على قول ماركس: "إن تغيير العالم يفترض تغيير تأويلنا ـ تصوُّرنا لهذا العالم، وامتلاك تأويل ـ تصوُّر صحيح له". ويستند ماركس إلى تأويل ـ تصوُّر خاص جدًّا للعالم ليقول إن المهم هو تغييره.  

ويقول ماركس في كتابه "رأس المال": "إن منهجي الديالكتيكي لا يختلف عن المنهج الجدلي الهيجيلي من حيث الأساس وحسب، بل إنه الضد المقابل له مباشرة، فالبنسبة لهيجل: إن عمليّة تطوّر الفكر ونموّه، هذه العمليّة التي يشخّصها ويعتبرها مستقلّة ويطلق عليها اسم الفكرة هي في نظره خالقة الواقع، فما الواقع في نظره إلاّ المظهر الخارجي للفكر، أما بالنسبة لي فإن عالم الأفكار ليس إلاّ العالم المادّي منقولاً إلى الذهن البشريّ ومترجماً فيه."

ويقول كارل ماركس : "إنّ عدم تسليح الجماهير بالوعي الطبقي لإدراك مصالحها الحقيقيّة سيجعلها معادية لمصالح طبقتها"، 

وفي الطرف الآخر الذي يعبّر عن الفلسفة المثاليّة كان هناك كانط وأيضا هيجل الذي يرى أن الوعي هو ما يصنع البيئة المثقّفة  والواقع المثالي وهذا هو شرط تحصيل الوعي لدى الأفراد، 

وبرأيي أن التكنولوجيا وفّرت واقعاً إضافيّاً افتراضيّاً بديلاً، بما يسمح للأفراد أن يحظوا بفرصة إيجاد وجود اجتماعي، وهو ما يحقّق وعيهم المفقود، بخلاف واقعهم الحقيقي الذي يعيق امتلاكهم لوعي يمكن التعويل عليه، بمعنى أن هذا الواقع الافتراضي البديل يمثّل القصر على حد تعبير إنجلز، وهو رأي الفلاسفة الماديين عموماً، وأما الجانب الآخر الذي يتقاطع فيه الواقع الافتراضي البديل مع فلسفة المثاليين هو أن الواقع الافتراضي الذي توفّره وسائل التكنولوجيا يسمح بإمكانية خلق وعي مما يجعل إمكانية وجود بيئة أو واقع مثالي أمراً حقيقياً ممكناً.

مفاد القول إن التكنولوجيا تفرض نظريّة جديدة تتقاطع فيها الفلسفتان المادّية والمثاليّة؛ ويبقى الإشارة إلى مسألة مهمّة وهي مسألة الأخلاق، والتي لم يتطرّق إليها الماديّون ولا المثاليون في سياق جدليّة الواقع والوجود؛ حيث أن لها دوراً مهماً في الواقع الافتراضي وتحديد نوع العالم الذي يجد الأفراد أنفسهم فيه، أو بالأصح يصنعونه؛ فبالأخلاق وحدها يمكن إيجاد واقع مثالي ووعي حقيقي وبيئة بديلة وبدونها يصبح الأمر سيّان بالنسبة للأفراد في الواقع الحقيقي أو في الواقع الافتراضي.

شوقي هو هذا الشاعر المبدع والمثقّف المفكّر الذي يمتلك عدسة عين السمكة التي ترى فتحيط بكل شيء في المشهد الذي تراه، بل هو عقل الناقد حين يطلّ على العالم من فوق مميّزاً الخبيث من الطيّب في الأفكار وحوادث التاريخ وقضايا الأمّة.


تفكير المرء بنفسه باستخدام عقله الخاص دون ترك الأمور تجري وفقاً للظروف علامة على الاستنارة والشجاعة/ د زهير الخويلدي

 


في الفكر الإنساني، يبرز مفهوم التفكير الذاتي كأحد أبرز العلامات على تطور الوعي البشري، حيث يتحرر الإنسان من قيود التبعية والسلبية ليصبح فاعلاً في تشكيل مصيره. هذا التفكير، الذي يعتمد على استخدام العقل الخاص بشكل مستقل دون الاستسلام لتدفق الظروف الخارجية، ليس مجرد عملية ذهنية، بل هو فعل شجاع يعكس الاستنارة، أي التنوير الفكري الذي ينير دروب الحياة ويحرر الإنسان من الظلام الذي يفرضه الجهل أو الخوف. من منظور حضاري، يمثل هذا المفهوم تحولاً جذرياً في تاريخ البشرية، حيث انتقل الإنسان من كونه جزءاً من قطيع يتبع التيارات الاجتماعية أو السياسية أو الدينية دون تمحيص، إلى كائن يتحمل مسؤولية اختياراته، مما يجعله قادراً على مواجهة التحديات بوعي وجرأة. في هذه الدراسة، سنستعرض هذا المفهوم من خلال أبعاده الفلسفية، النفسية، والاجتماعية، محاولين كشف كيف أن التفكير الذاتي ليس مجرد خيار، بل ضرورة حضارية تعكس الشجاعة في مواجهة الغموض والتغيير، مع الحفاظ على تدفق مسترسل يربط بين هذه الأبعاد ليبرز أهميته كعلامة على الاستنارة.


بدءاً من البعد الفلسفي، يُعتبر التفكير المرء بنفسه باستخدام عقله الخاص دون الاعتماد على الظروف الخارجية جوهر التنوير الفكري، إذ يعني الخروج من حالة القصور الذاتي الذي يفرضه الإنسان على نفسه. هذا القصور ليس نقصاً فطرياً في القدرات العقلية، بل نتيجة للاستسلام للقوى الخارجية مثل التقاليد الموروثة، السلطات الدينية أو السياسية، أو حتى الرأي العام الذي يشكل آراءنا دون تدخل شخصي. الشجاعة هنا تكمن في الجرأة على استخدام العقل بشكل مستقل، مما يتطلب مواجهة الخوف من الخطأ أو الرفض الاجتماعي. فلسفياً، يعكس هذا النهج تحولاً من الفكر الدوغماتي، الذي يقبل الحقائق كمسلمات، إلى الفكر النقدي الذي يسأل ويحلل ويبني استنتاجاته الخاصة. على سبيل المثال، في مواجهة الظروف الاجتماعية المتغيرة، يختار الإنسان المستنير عدم الانسياق مع التيار، بل يفحص الظروف بعقله، محاولاً فهم أسبابها وتأثيراتها، مما يؤدي إلى قرارات مدروسة تعكس حريته الحقيقية. هذا التفكير الذاتي يصبح علامة على الاستنارة لأنه يحرر الإنسان من الوهم بأن الظروف تحدد مصيره، ويؤكد أن العقل هو الأداة الأسمى لتشكيل الواقع. في هذا السياق، تبرز الشجاعة كعنصر أساسي، إذ يتطلب التفكير المستقل مواجهة المجهول، حيث قد تؤدي الظروف إلى نتائج غير متوقعة، لكن الإنسان الشجاع يفضل المخاطرة بالخطأ على الاستسلام للقدرية. من الناحية النفسية، يمثل التفكير بنفسه دون ترك الأمور تجري وفقاً للظروف عملية نمو داخلي تعزز الثقة بالذات والاستقلال العاطفي. نفسياً، يعاني الكثيرون من حالة التبعية النفسية، حيث يتركون قراراتهم للآخرين أو للصدفة، خوفاً من المسؤولية أو الفشل. هذا الاستسلام يولد شعوراً بالعجز، مما يعيق النمو الشخصي، بينما يقدم التفكير الذاتي علاجاً لهذه الحالة من خلال بناء الوعي الذاتي. الاستنارة هنا تظهر كقدرة على التحليل الذاتي، حيث يستخدم الإنسان عقله لفهم دوافعه الداخلية وتأثير الظروف عليها، مما يؤدي إلى قرارات متوازنة تعكس قيمه الشخصية. الشجاعة النفسية تكمن في مواجهة التناقضات الداخلية، مثل الصراع بين الرغبة في الأمان والحاجة إلى التغيير، حيث يختار المستنير عدم الانتظار لتغير الظروف، بل يشكلها بعقله. هذا النهج يعزز الصحة النفسية، إذ يقلل من التوتر الناتج عن عدم السيطرة، ويبني مرونة نفسية تجعل الإنسان قادراً على التكيف مع التحديات دون الانهيار. في مجتمعات تفرض الظروف ضغوطاً هائلة، مثل الأزمات الاقتصادية أو الاجتماعية، يصبح التفكير الذاتي علامة على الشجاعة، إذ يحول الإنسان من ضحية للظروف إلى صانع لمصيره، مما يعكس استنارة نفسية تتجاوز الفرد لتصبح قدوة اجتماعية.


أما من البعد الاجتماعي، فإن التفكير المرء بنفسه باستخدام عقله الخاص يمثل أساس التغيير الاجتماعي والتقدم الحضاري، إذ يحرر المجتمعات من الركود الناتج عن التبعية العمياء للتقاليد أو السلطات. اجتماعياً، غالباً ما تفرض الظروف قيوداً مثل الأعراف الثقافية أو الضغوط الاقتصادية، التي تجعل الأفراد يتركون الأمور تجري دون تدخل، لكن الاستنارة تظهر في الجرأة على نقد هذه الظروف وإعادة تشكيلها. هذا التفكير الذاتي يصبح شجاعة جماعية عندما ينتشر، إذ يؤدي إلى ثورات فكرية أو إصلاحات اجتماعية، مثل تلك التي شهدتها العصور الحديثة في مواجهة الاستبداد أو الجهل. الشجاعة هنا تكمن في تحدي الرأي العام، حيث قد يواجه المفكر المستقل الرفض أو الإقصاء، لكنه يستمر في استخدام عقله لصالح المجتمع. على سبيل المثال، في مواجهة الظروف السياسية القمعية، يختار الإنسان المستنير عدم الاستسلام، بل يحلل الأوضاع بعقله ويقترح حلولاً، مما يعكس استنارة تحول المجتمع من حالة الركود إلى حالة التقدم. هذا البعد الاجتماعي يبرز كيف أن التفكير الذاتي ليس أنانياً، بل مسؤولية جماعية، إذ يساهم في بناء مجتمعات حرة تعتمد على العقل الجماعي المستقل، مما يقلل من تأثير الظروف العشوائية ويعزز الاستقرار الحضاري.


بالإضافة إلى ذلك، يتجاوز تأثير هذا التفكير الأبعاد الفردية ليصبح أداة للتقدم العلمي والأخلاقي، إذ يشجع على البحث والابتكار دون الاعتماد على الموروثات. علمياً، يعني استخدام العقل الخاص في مواجهة الظروف الطبيعية أو الاجتماعية، مثل الأوبئة أو الكوارث، عدم الاستسلام للقدر، بل تحليله بعقلانية لإيجاد حلول. أخلاقياً، يصبح هذا التفكير شجاعة في مواجهة الديلما الأخلاقية، حيث يختار الإنسان ما يراه صواباً بعقله، دون الانسياق مع الظروف أو الضغوط. هذا الجانب يعزز الاستنارة كقيمة إنسانية عامة، تجعل الإنسان قادراً على بناء عالم أفضل.


في الختام، يظهر التفكير المرء بنفسه باستخدام عقله الخاص دون ترك الأمور تجري وفقاً للظروف كعلامة أساسية على الاستنارة والشجاعة، إذ يحرر الإنسان من قيود التبعية ويجعله فاعلاً في تشكيل مصيره. من خلال أبعاده الفلسفية والنفسية والاجتماعية، يصبح هذا التفكير ليس مجرد خيار، بل ضرورة حضارية تعكس قدرة الإنسان على تجاوز الظروف نحو عالم أكثر حرية ووعياً، مما يؤكد أن الشجاعة الحقيقية تبدأ بالعقل المستقل.


كاتب فلسفي


 

صرصور مالبورن/ شوقي مسلماني



قصّ الصديق الأستاذ المربّي جورج هاشم أن أحد معارفه، ويدعى أسعد، قد دخل في الثمانينات من القرن الفائت بيت إبن عمٍّ له يدعى موسى في مدينة مالبورن مصطحباً صديقاً ضيفاً من مدينة سيدني يدعى إبراهيم شاهين. 

وهم يحتسون القهوة سرعان ما انزلق الحديث إلى السياسة التي ما اجتمع لبنانيّان في ذلك العصر والأوان، وأكيد إلى الآن، إلاّ كانت السياسة ثالثهم. 

وتعبيراً عن نفاد صبر بعدما تنافرت الآراء بين ابني العمّ، عاموديّاً وأفقيّاً،  قال موسى: "بدّنا نذبحهن، وزغيرهن قبل كبيرهن". 

والحقّ يُقال أنّ إبراهيم شاهين كان يستمع أكثر ممّا كان يتكلّم، وإذا تكلّم كان مثل من "يمشي بين النقاط"، لا يقول موقفاً محدّداً، وليس من دون عُذر، حتى بدا لصاحب البيت متواضعاً أو لطيفاً جدّاً. 

وبعد كلّ ما سمعه قام ابن العمّ أسعد من مقعده وقصد المطبخ من فوره واستلّ سكّيناً "الّلهم عافينا"، قولوا هي ساطور، وقدّمها لموسى بحركة مسرحيّة فيها تحدّي: "يالله تفضّلْ، قومْ، بلّشْ بالذبح"، وأشار صوب إبراهيم شاهين مضيفاً: "ابراهيم شاهين، ضيفنا من سيدني، واحد منهم".  

وفي اليوم التالي قصد موسى إبنَ عمّه أسعد في بيته وقال له والغصّة تكاد تأكله: "الله يسامحكْ يا ابن عمّي، ولو.. لمّحلي، اغمزني، الفتلِي نظري، اعطيني إشارة، والله صرتْ قدّامه قدّ الصرصور". 


تحيَّةٌ الى روحِ الشَّهيد "رفيق الحريري"/ مي سمعان



عَقْدانِ من عُمْرِ الغِيَابِ ولَوْعَةٌ  لمّا تًزَلْ نِيرانُها  متَأَجِّجَهْ

رَحَلَ الرَّفيقُ وما سَلَونا فَقْدَهُ  فالقلبُ يَشكو للعُيونِ لواعِجَهْ

ذكْرى الرَّحيلِ  لَطَعْنَةٌ فًتّاكةٌ  في صَدرِ كٌلِّ العاشِقينَ مُضَرِّجَهْ

عبَثَ المَصِيرُ تهافَتَتْ أَرْزاؤُهُ   مُذْ سَطَّرَتْ أيدي الغَدورِ مَنَاهِجَهْ

شَيْخُ المَهابةِ والشَّهامَة إنّنَا  نُلْقي التّحِيّة غُصَّةً ُمتَهدِّجَهْ

طَودٌ هَوى ،فالأًرْزُ أَدْرَكَهُ الأسى  والنَّسْرُ يفْتًقِدُ الذُّرى ، ومَبَاهِجَهْ

بَعَثَ المَدينةَ من شَرَانِقِ حَتفِها  أًرسَى مفَاتِنَها فأًضْحَتْ مُبْهِجَهْ

واسْتَلَّ مِن قلْبِ الدَّمَارِ مَلاحِمًا  لاحَتْ بيارِقُ مَجْدِها  متَوَهّجَهْ

أمّا الحًسُودُ  فلَمْ يَرُقْهُ بَهاؤُها  فاخْتَارَ أن يُدمِي الإٍخا وَوَشَائِجَهْ

لَنْ تًسْلَمي يا وَردةً مِنْ سَطْوَتِي  مَهما بَدَوتِ  فِتْنَةً مُتَبَرِّجَهْ

غَصَّتْ شراييني ،تغَضَّنَ حاجِبي إِنٍّي اشْتِعًالٌ يَسْتَدٍرُّ  مُعالَجَهْ

بَيروتُ سِحْرٌ وانْبِلاجٌ سَاطِعٌ   زَهْوٌ، دَلالٌ، يَا لَها مُتَغنِّجَةْ !

حُورِيّةٌ غَسَلَ العُبَابُ جَبينَها   بِنْتُ الأشِعَّةِ بالضِّياءِ مُتَوَّجَهْ

والشَّاطِيءُ السَّاجي نِدَاءٌ صَادِحٌ  والأبيضُ المَلهوفُ خَالَسَ دُمْلُجَهْ

واليَمُّ أَشْرِعةٌ وأَريَاحٌ دَعَتْ   والحُلْمُ تِيهٌ  والرُّؤَى مُتَمَوِّجّهْ

مُنذُ السَّحيقِ وَنَحنُ شأوٌ باهِرٌ   ما هَابَنا طَبْعٌ يدَاهُ مُدَجَّجَهْ

كَنْعانُ جهْدٌ والبِحارٌ تَشَاطَأتْ  ترمي التَّلاقي والمِلاحَةُ رَائِجَهْ

يا مَوطِنًا  للعِشقِ كًرَّسً سَعيَهُ

ُيغري الجَسُورَ ويَستَفزّ بَوارِجَهْ

نحنُ الحَضارَةُ مُذ بَزغْنَا غَابِرًا 

واليومَ عهْدٌ قَدْ أتَمَّ تَزاوُجَهْ  مُسْتشرِقونَ تَوافَدوا واسْتَوطَنُوا   أَعرابُ جاؤوا بالحِدا  والهَوْدَجَهْ

بِئْسًا لكمْ يا مَن صَبَبْتُمْ  غًيظَكُمْ   كَيفَ اسْتَطابَ السَّمْعُ تلكَ الحَشْرَجَهْ!

للضّيْفِ إكرامٌ وحُضنٌ دَافيءٌ  والبَابُ لَمْ يُقفِلْ لَدينا مَزالِجَهْ

فاهْنأ شَهيدًا في ثَراكَ مُمَجَّدًا  دَرْبُ السَّماءِ لَقَدْ سَلكْتَ مَعارِجَهْ

لا بُدّ للأزهارِ مِن ريحِ الصَّبَا  ما شاع عِطر والجِهاتُ مُسَيّجَةْ

الذّلّ غرم للحقود ووصمةٌ  لا يُجْنَى تَمْرٌ مِنْ ازاهِرِ عَوسَجَهْ

إنْ مَزّقوا جَسَدًا فَما نالوا مُنىً  قمْحُ الفضِيلَةِ يَستَسيغُ نَوارِجَهْ

ذاكَ الضّريحُ لعَبرةٌ أو عِبرةٌ  خيطُ الحريرِ لَنْ تَزولَ مَحَالِجَهْ

خَيطُ المَحَبَّةِ والمَودَّةِ والتُّقَى  نَبْضُ العُرُوبةِ لنْ نُمِيتَ خَوالِجَهْ

                     

                     في ١٣ شباط ٢٠٢٦


رشفةٌ مِن كتاب: وأعطشهُ الظمأ لِرشفةٍ مِنكِ!/ هديل نوفل



 شاعرة من سورية مغتربة


ليس هذا كتابًا يُقرأ،

بل نافذة تُفتح على ليلٍ طويلٍ من الحنين.

هنا…

يمشي كاتبٌ مثقلٌ بمدنٍ في قلبه،

يحمل بغداد في جيبه كتعويذة،

ويُخبّئ الشام تحت وسادته،

ويترك على أرصفة الغربة

خطواتٍ لم تجد بعدُ عنوانها الأخير.

هذا الكتاب ليس أوراقًا مرصوصة،

إنّه دفقاتُ قلبٍ تعلّم أن يكتب بدل أن يصرخ،

أن يصلّي بدل أن يخاصم،

أن يعشق المدن كما تُعشق النساء،

وأن يُخاطب امرأةً

لا ندري أهي وطنٌ أم حبيبة،

أم ذاكرةٌ تأبى الرحيل.

في هذه الصفحات

يتكئ المطر على نافذة الغربة،

ويغفو القمر على كتف القصيدة،

وتنهض الكمنجة من رمادها

لتعزف اعترافًا أخيرًا

لرجلٍ أتعبه السؤال:

كيف يُطفئ العطشَ

وهو الذي يسقي الآخرين؟

إنه عطشٌ لا يُروى بالماء،

بل برشفةٍ من حضور،

بابتسامةٍ تعيد ترتيب الفوضى،

باسمٍ يُقال همسًا

فيوقظ في القلب مدائن بأكملها.

هنا ستجدون

صلاةً في لجّة الطوفان،

وشارعًا يمشي وحيدًا في الغربة،

ومطارًا يودّع أكثر مما يستقبل،

وقلبًا يركض نحو امرأةٍ

كلّما اقترب منها

ازدادت المسافات اتساعًا.

هذا كتابُ مَن تعلّم

أن يكون نقيض نفسه،

أن يحبّ حتى الاحتراق،

وأن يكتب كمن يُلقي زجاجةً في بحرٍ بعيد

لعلّها تصل ذات مساء

إلى يدٍ تعرف أن تقرأ النبض.

فإن فتحتَ هذه الصفحات،

فلا تبحث عن قصّةٍ مكتملة،

ولا عن نهايةٍ مطمئنّة…

بل ابحث عن نفسك بين السطور،

فربّما تجد عطشك القديم

يناديك باسمٍ يشبه اسمه.

وإن شعرتَ بشيءٍ من البلل في عينيك،

فلا تقل إنها دموع…

قد تكون رشفةً من ذلك الظمأ

الذي أعطشه الانتظار.

أبو مرزوق والبغل/ سعيد نفّاع



قصّة... أيّ تشابه بالأسماء ربّما محض صدفة! 

كان باديًا على "أبو مرزوق" التعبُ، والهمُ أكثر، حين دخل مكتبي، رغم البسمة العريضة التي كانت تنطلق من تحت شاربيه الكبيرين الكثّين، وتخالط تجاعيد وجهه العميقة الشاهدة الحيّة على كدّ أمثاله من فلّاحي البلد حفاظًا على ما تبقّى لهم من أرض جبليّة صعبة المراس لقمةً للعيش. 

_ مسا الخير حضرة الأستاذ المحامي.. كيف أهلك عمّي.. انشالله طيبين؟

وقفت.. فمّد يده الخشنة مصافحًا شادّا بعض الشيء على كفّي. خالطتْ نعومة أصابعي خشونة كفّه، فهزّت شيئًا ما في داخلي لم أدرك كنهه.       

_ مسا الأنوار عمّي أبو مرزوق.. حضرتك بِالخير.. تفضّل استريح – مشيرًا بكفّي بعد أن عفت عنها كفّه إلى كرسيّ أمام طاولة مكتبي - أهلي طيبين يسألوا خاطرك.. لكن بلاها هاي حضرتك والأستاذ.. خلّيها على عمّي!

_ لا.. الأصول أصول.. الله يعلّي مقامك ومراتبك!

قالها وقد اعرضّت بسمته وجلس.

وجدت نفسي خاسرًا في هذه المواجهة مع أبو مرزوق. كان أبو مرزوق آت برفقة مرزوق الذي اتّخذ الكرسيّ المقابل لوالده، كي يوقّع تنازلًا عن أرض الدار رهنًا للبنك ضمانًا لقرض الإسكان- مشكنتا-، كما درجت تسميته على لسان الناس حتّى الذين مثل أبو مرزوق ولا يعرفون من العبريّة شيئًا.

بعد أن استعرضت أمام أبو مرزوق بإسهاب ورويّة الموضوع، وجدته يقول: 

_ الاتّكال على الله... أخذ اليهود أرظنا غصِبْ عنّا.. وهيّانا بْرِظانا عمّال نِمْظيلهم على البقيّة رهْن لبْنوكِتهم.. الله يستر من الجايات.. عمّرنا بيوتنا من عرقنا.. لا بـْ هاي اللي تسمّوها مشكنتا ولا بلّوط!

_ لا تخاف ولا تقلق يابا.. مثل ما حكيت لك في البيت ما راح أكسِر خاطرك!

_ الله يجيب اللّي فيه الخير.. ويوفقك يا ابني.. لكن أقلّك ما أنا خايف.. لا.. خايف كثير.. هات عمّي.. هات الأوراق حتّى أمظي والاتّكال على ربّ العباد!

طرحت أمامه نماذج التنازل، وياما كان أكثرها، سائلًا إن كان يعرف الكتابة أم سيستعمل "البصّامة"؟

 _ علّمونا ونحن صْغار كم شهر عند "الخطيب" حتّى نفكّ الحرف.. يعني اعرف أكتب اسمي لكن زيّ فعفلة الجاج عـَ التراب.. ينفع؟

كان معروفًا عن أبو مرزوق في البلد خفّة الدم، ضحكت وضحك مرزوق.

_ ينفع!   

ناولته القلم ورحت أشير له إلى الأمكنة التي يجب أن يوقّع فيها، فراح يخطّ أحرف اسمه؛ نجيب، بتأنٍّ يجمعها على بعضها كيفما اتّفق خائنة تنقيطها على الغالب. كانت النماذج المطلوب توقيعها كثيرة، أناوله إيّاها تباعًا شارحًا ماهيّة كلّ نموذج. لا أعرف لماذا رحت أتخيّل أنّه لو كان للقلم روح لملأ المطرح أنينه. حينما قلت له أنّ هذا آخر نموذج تنفّس صعداء، وبادرني:

_ عمّي.. أقول لك شي؟

_ نعم.. تفظّل!

_ هـَ التواقيع هاي على اوْراقك.. لو كاين حارث كلّ النهار أرض مِعِشْبة على بغلنا الحرون لكان أهون لي! 

ضحكنا كثيرًا.. أحضرتْ السكرتيرة القهوة تناولها أبو مرزوق على عجل رغم سخونتها، في حين كنّا؛ مرزوق وأنا نرشفها رشفًا خوفًا على شفاهنا الناعمة. 

_ دايمِه قهوتك عمّي.. واسأل خاطر الوالد!

_ خاطْرك مسؤول.. عمّي نجيب!

وقف فوقفت مرافقًا حتّى باب المكتب.

وما أن غادر ومرزوق المكتب وقفلت عائدًا حتّى تملّكني السؤال: ما الذي قصده أبو مرزوق بقوله الأخير هذا عن البغل الحرون والحراث.. ففي قوله أوجه؛ هل اعتبر خطّ توقيعه بهذا الكمّ من الصعوبة بمكان لهذه الدرجة؟ أم اعتبر ما وراء توقيعه هو الهمّ الصعب؟!

خمّنت.. وظلّ تخميني سيّد الموقف كلّما عدت إلى الملفّ أتابع العمل فيه.


شباط 2026   

شوقي مسلماني في "لا صلح مع السمّ"/ سعيد ابراهيم



صدر كتاب "لا صلح مع السمّ" عن دار الشنفرى ـ تونس ـ 2026 ـ في 138 صفحة من القطع الوسط ويتضمّن أربعة مفاصل ـ 1 "لا غيبَ في نشرات الطقس" ـ 2 "صدفة، خطأ وحظّ" ـ 3 "رعاة عند الرمل" ـ 4 "الصخور ماعز والرياح رعاة". والكتاب هو"شقائق، أجنحة، خواطر وملامح" فيها كما ذكر الكاتب هايل علي المذابي "إدهاش حقيقيّ من حيث التجريب في المبنى والمعنى"، و"حاشية شعريّة فكريّة واقتصاديّة للحياة والناس والتاريخ والدين والسياسة والمرأة". 

ومن الأجواء كيفما اتّفق: 

ـ "القصد الذكي 

حديثُ خرافة يا أمّ عمرو". 

 

ـ "البورصة روليت 

سيّدها صائد وعبيدها طرائد". 


ـ "الشركاتُ المتعدّدة الجنسيّة 

موّلتِ الإنقلابَ على الرئيس التشيلي

سلفادور اللّندي 

بإشراف وكالةِ المخابراتِ المركزيّةِ الأميركيّة CIA

ومباركةِ كبارِ رجالِ دين،

نفّذتْه قطاعاتٌ مسلّحةٌ بقيادةِ الجنرال بينوشيه

في 11 أيلول _ Eleven Of September". 


ـ "الشعوبُ تغييبُها لا يُلغي إرادتَها، 

الإمبرياليّةُ لا تمنح دولاً ذات سيادة، 

الإمبرياليّة تمنح كانتونات للإبادة". 


ـ " العربُ  قدّسوا الحَمامَ، الغزالَ، 

الجَمَلَ، الحصانَ، النسِرَ، الكلبَ الأسود،

قداسةَ إستفادةٍ وخوف،

ومثلما في كعبةِ مكّة المكرّمة

كانت العربُ في كعبة ذي الخلّصة

تهدي وتطوف". 


ـ "الفوضى الخلاّقة 

أكثر ما تنشط في البلاد الرخوة". 


ـ "المدنيّةُ تَمنحُ 

والوحشيّةُ تستبيح". 


ـ "إنتهابُ السيادة على أسبابِ الحياة

إنتهابٌ للسيادةِ على حريّةِ الإختيارات". 


ـ "يُطلُّ على الشمسِ،

يلوِّنُ، ينثرُ الأريجَ، يقصُّ قصصاً،

يكرُّ، يفرُّ، يعملُ، يأملُ، يحلمُ،

يسمنُ، يتهافتُ، يتناسى،  يؤسّسُ للطاعةِ،

للإستسلامِ وعدمِ النقد ضِيقاً لمصلحةٍ خاصّةٍ، 

الفرَحُ يُصنَع وآخر ما يموت هو الأمل".


العولمة الإمبراطورية هي المرحلة الأخيرة من الرأسمالية الغربية/ د زهير الخويلدي



في سياق التطورات الاقتصادية والسياسية العالمية، يمثل مفهوم العولمة الإمبراطورية ذروة التناقضات الداخلية للرأسمالية الغربية، حيث تتحول هذه الرأسمالية من نموذج إنتاجي محلي إلى نظام عالمي يعتمد على السيطرة الإمبريالية للحفاظ على استمراريتها. العولمة الإمبراطورية ليست مجرد توسع تجاري أو ثقافي، بل هي مرحلة حاسمة تكشف عن انحسار الرأسمالية الغربية، حيث تصبح الإمبراطورية الاقتصادية أداة لاستنزاف الموارد العالمية وإعادة إنتاج التراكم الرأسمالي في ظل أزمات متزايدة. هذه الدراسة تستعرض بشكل موسع ومعمق هذا المفهوم، من خلال تحليل تاريخي لتطور الرأسمالية، وكيف أدت إلى ظهور العولمة الإمبراطورية كمرحلة نهائية، مع التركيز على الآليات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تؤكد على طبيعتها كذروة الانهيار الداخلي. فكيف تمثل العولمة الإمبراطورية كمرحلة أخيرة من الرأسمالية الغربية: تحليل نظري وتاريخي؟


بدءاً من أصول الرأسمالية الغربية، يمكن القول إنها نشأت في أوروبا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر كنتيجة للثورة الصناعية والاكتشافات الجغرافية، حيث اعتمدت على تراكم رأس المال من خلال الاستغلال الداخلي للعمالة والتوسع الاستعماري. في مراحلها الأولى، كانت الرأسمالية تعتمد على المنافسة الحرة داخل الأسواق المحلية، مع التركيز على الإنتاج السلعي والابتكار التكنولوجي لزيادة الربحية. ومع ذلك، سرعان ما أدى التراكم الرأسمالي إلى تركز الثروة في أيدي قلة من الشركات الكبرى، مما أدى إلى ظهور الاحتكارات في أواخر القرن التاسع عشر. هذا التركز لم يكن مجرد تحول اقتصادي، بل كان ضرورياً للحفاظ على معدلات الربح في ظل انخفاض الفرص الداخلية، حيث أصبحت الرأسمالية بحاجة إلى أسواق خارجية لتصريف الإنتاج الفائض واستيراد المواد الخام الرخيصة. هنا يبرز الارتباط الجوهري بين الرأسمالية والإمبريالية، حيث تحولت الدول الغربية إلى قوى إمبريالية تسيطر على المستعمرات لضمان تدفق الثروات، كما حدث في تقسيم أفريقيا وآسيا خلال عصر الاستعمار.


مع دخول القرن العشرين، تطورت الرأسمالية الغربية إلى مرحلة الإمبريالية الكلاسيكية، حيث أصبحت الاحتكارات الدولية، مدعومة بالقوة العسكرية والدبلوماسية، أداة للسيطرة على العالم. هذه المرحلة شهدت صراعات عالمية مثل الحربين العالميتين، اللتين كانتا نتيجة للتنافس على الموارد والأسواق، مما أدى إلى إعادة تقسيم العالم بين القوى الرأسمالية الرئيسية. بعد الحرب العالمية الثانية، أدت هيمنة الولايات المتحدة إلى ظهور نموذج جديد من الرأسمالية، يعتمد على المساعدات الاقتصادية مثل خطة مارشال ومؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، التي كانت في جوهرها أدوات لتعزيز النفوذ الغربي. هنا بدأت العولمة تظهر كوجه جديد للإمبريالية، حيث أصبحت التجارة الحرة والاستثمارات الأجنبية وسيلة لاختراق الاقتصادات النامية دون الحاجة إلى احتلال عسكري مباشر. العولمة الإمبراطورية، إذن، هي تطور طبيعي لهذه المرحلة، حيث تندمج الرأسمالية مع العولمة لتشكل نظاماً عالمياً يعتمد على السيطرة غير المباشرة من خلال الشركات متعددة الجنسيات والمعاهدات التجارية.


في جوهر العولمة الإمبراطورية يكمن التناقض الأساسي للرأسمالية الغربية: الحاجة إلى توسع مستمر لمواجهة انخفاض معدلات الربح. مع نهاية الحرب الباردة في أوائل التسعينيات، أدى انهيار الاتحاد السوفييتي إلى فتح أسواق جديدة للرأسمالية الغربية، مما سمح بتوسع غير مسبوق في العولمة. أصبحت الشركات الغربية، مثل تلك في قطاع التكنولوجيا والمال، قادرة على نقل الإنتاج إلى دول ذات تكاليف عمالة منخفضة مثل الصين والهند، مع الحفاظ على السيطرة على الابتكار والتوزيع. هذا التوسع لم يكن محايداً، بل كان إمبراطورياً في طبيعته، حيث فرضت الدول الغربية شروطاً اقتصادية من خلال اتفاقيات مثل منظمة التجارة العالمية، التي أجبرت الدول النامية على فتح أسواقها دون مقابل متساوٍ. نتيجة لذلك، أدت العولمة إلى تعميق الفجوة بين الشمال الغني والجنوب الفقير، حيث أصبحت الدول النامية مصدراً للموارد الرخيصة والعمالة المستغلة، بينما تراكمت الثروات في المراكز الرأسمالية الغربية. هذا النموذج أدى إلى أزمات مالية متكررة، مثل أزمة 2008، التي كشفت عن هشاشة النظام الرأسمالي العالمي، حيث أصبح الاعتماد على الديون والمضاربات المالية بديلاً عن الإنتاج الحقيقي.


مع ذلك، تكمن أهمية العولمة الإمبراطورية في كونها المرحلة الأخيرة للرأسمالية الغربية، لأنها تكشف عن حدود النظام نفسه. في هذه المرحلة، أصبحت الرأسمالية غير قادرة على الابتكار الداخلي دون الاعتماد على الاستغلال الخارجي، مما يؤدي إلى تصاعد التناقضات الطبقية والجيوسياسية. على المستوى الاجتماعي، أدت العولمة إلى تفكك المجتمعات المحلية في الغرب نفسه، حيث أدى نقل الوظائف إلى الخارج إلى ارتفاع البطالة وزيادة الاستياء الشعبي، كما يظهر في صعود الحركات الشعبوية في أوروبا والولايات المتحدة. سياسياً، أصبحت الدول الغربية مجبرة على استخدام القوة العسكرية للحفاظ على نفوذها، كما في التدخلات في الشرق الأوسط وأفريقيا، التي تهدف إلى السيطرة على الموارد الاستراتيجية مثل النفط والمعادن النادرة. هذه التدخلات ليست استثناءات، بل جزء أساسي من العولمة الإمبراطورية، حيث تندمج الاقتصاد مع السياسة لضمان استمرار التراكم الرأسمالي.


علاوة على ذلك، تؤدي العولمة الإمبراطورية إلى أزمات بيئية غير مسبوقة، حيث يصبح الاستنزاف اللامحدود للموارد الطبيعية ضرورياً للحفاظ على نمو الرأسمالية. الاحتباس الحراري والتلوث الناتج عن الإنتاج الصناعي العالمي يكشفان عن عدم استدامة هذا النموذج، مما يجعل المرحلة الإمبراطورية انتقالية نحو انهيار محتمل. في الوقت نفسه، أدى صعود قوى اقتصادية جديدة مثل الصين وروسيا إلى تحدي الهيمنة الغربية، حيث أصبحت هذه الدول قادرة على بناء نماذج بديلة تعتمد على التعاون الإقليمي بدلاً من السيطرة الإمبراطورية. هذا التحدي يعجل من نهاية الرأسمالية الغربية، حيث أصبحت غير قادرة على الحفاظ على تفوقها دون اللجوء إلى صراعات عالمية قد تؤدي إلى كارثة بيئية حقيقية.


في الختام، تمثل العولمة الإمبراطورية ذروة الرأسمالية الغربية، حيث تكشف عن تناقضاتها الداخلية التي تجعلها غير قابلة للاستمرار. من خلال الاعتماد على السيطرة العالمية لمواجهة أزماتها، أصبحت هذه المرحلة انتقالية نحو تحولات جذرية، سواء كانت ثورات اجتماعية أو نماذج اقتصادية بديلة. هذا التحليل يؤكد أن الرأسمالية، في صورتها الإمبراطورية، ليست خالدة، بل هي مرحلة تاريخية تنتهي بسبب قوانينها الداخلية نفسها، مما يفتح الباب لإمكانيات جديدة في العالم ما بعد الرأسمالي. فما تأثير العولمة على اقتصاديات الدول النامية؟


كاتب فلسفي

مخالب القرش الأبيض/ بن يونس ماجن



في أعماق غياهب بحر الظلمات

ومحيطات الخوف

ومثلث برمودا الرهيب

يسبح القرش الأبيض في الامواج المارقة

ويعود الى اليابسة

ليتحول الى اخطبوط مدبوغ

ثم يمارس طقوسه الشيطانية

لقد فشل في ضم المساحات الفارغة

من الأطلال والأنقاض والجماجم

الى قصوره الفارهة

رأى في منامه كبوسا سماه "مجلس السلام"                                     

مجلس لتكريم مجرمي الحرب والابادة الجماعية

وحتما سيخر السقف على "مجلس السلام"

لا السلام المزعوم ولا راحة البال للمعمورة


القرش الأبيض مهوس بالغطرسة

سوف يشعل حربا عالمية ثالثة

يتضايق من وجود المقاومين الأحرار

على أرض  الشهداء الأبرار

ويتباهى ويتبجح ويتمادى ويتنمر


القرش الابيض الذي يتقمص القطب الواحد

يستحم كثيرا في وحل مستنقعات الآخرين

كي يراوغ التماسيح ويكشر أنيابه للأرانب

ويقتسم حبل الغسيل مع رفقاء السوء والاشرار

ما أجهل  وأحقر هذا الأرعن اللعين

يشهر مخالبه بحجة انه "رسول سلام"

بعث ليعيد ترتيب دوران الكرة الأرضية

وتغيير العالم حسب أهواء سيدته

صاحبة الأمر والنهي والتدبير والقرار


سؤال وجواب/ شوقي مسلماني


سؤال: أستراليا موافقة على جريمة الإبادة المرتَكبَة من قبل "إسرائيل" بحق شعب غزّة؟، قوانين جديدة يجري تداولها لفرضها على شعب أستراليا ومنها معاقبة كلّ من يهتف بشعار فلسطين حرّة من البحر إلى النهر والحدّ من حركة المظاهرات المناصرة لفلسطين واعتبار انتقاد الصهيونيّة أو سياسات إسرائيل عداء للسامية؟.   

جواب: إنها الحكومة الفيدراليّة التي ترتضي الخنوع للإباديين وتستهين بالمقابل بالشعب الأسترالي الذي نزل بمظاهرة مليونيّة على جسر هاربر ـ هاربر بريدج ـ سيدني. 

هي المسؤولة ولا أحد غيرها عن الإساءة التي لحقت بسمعة أستراليا عالميّاً بدعوتها رئيس دولة متّهمَة بالإبادة تجويعاً. 

وإذا كانت حكومة البانيزي الفيدراليّة مستهتِرة فإن حكومة ولاية نيو ساوث ويلز، وعلى رأسها المدعو كريس مينس، هي أكثر صهيونيّة من الصهاينة أنفسهم. 

وشعب أستراليا يتظاهر منذ أكثر من سنتين اسبوعيّاً بعشرات ومئات الآلاف  وبالأخص في مدينة سيدني ـ أكبر مدن أستراليا وعمودها الفقري ـ ضدّ الإبادة بحقّ غزّة. 

كثيرون  نزلوا إلى الشوارع هاتفين: الخزي والعار للقتلة، اعتقِلوا بنيامين نتنياهو، اعتقِلوا كريس مينس. 

حريّة القول والتعبير والحركة من أهم الأقانيم المقدّسة في مجتمع أستراليا المتعدّد الثقافات والقائم على الديمقراطيّة المكتسَبَة بنضالات مفكّرين ومثقّفين وأحزاب ونقابات وناشطين، وقدّمتْ التضحيات الجسام لتكون أستراليا على ما هي اليوم ولا لأحد أيّاً كان أن يعيدها إلى العنصريّة، إلى  "أستراليا البيضاء". 

أستراليا تريد أن تتقدّم، تعشق الحريّة، شعبها لا يمثّله مخادعون لا أحاسيس فيهم مثل كريس مينس الذي يفتخر بوقاحة غير معهودة أن يقف إلى جوار رئيس دولة الكيان الصهيوني إسحق هرتزوغ  رافعاً له مظلّة قد تقيه الشمس أو المطر ولكن لن تقيهما معاً مقتَ المواطنين وقرفهم من هكذا مشهد إلى هذا الحدّ منحطّ. 


التشابهات التاريخية بين الضغوط على إيران المعاصرة والغزو الأمريكي للعراق فاعل مشترك، مستفيد واحد، وذريعة فلسطينية متكررة/ د زهير الخويلدي



في سياق الجيوسياسة الإقليمية للشرق الأوسط، يبرز نمط تاريخي يعكس كيفية استخدام القوى الدولية الكبرى للذرائع السياسية لتبرير التدخلات العسكرية والاقتصادية ضد دول معينة، مع التركيز على إيران في الفترة الحالية (حتى فبراير 2026) مقارنة بما حدث للعراق في العقود السابقة، خاصة في الفترة السابقة لغزو عام 2003. هذا النمط يتمثل في وجود فاعل رئيسي مشترك، وهو التحالف الأمريكي-الإسرائيلي، الذي يعمل كمحرك أساسي للتصعيد، بينما يظهر مستفيد واحد بارز، غالباً ما يكون إسرائيل في سياق تعزيز أمنها الإقليمي وتوسيع نفوذها، وتكون الذريعة الرئيسية هي مساندة فلسطين، التي تُستخدم كغطاء لاتهامات أوسع تتعلق بدعم "الإرهاب" أو "التهديدات الإقليمية". هذه الدراسة تسلط الضوء على هذه التشابهات بشكل معمق ومسترسل، مع التركيز على الديناميكيات السياسية والعسكرية والاقتصادية، لتكشف كيف أن التاريخ يعيد نفسه في المنطقة، ليس كصدفة، بل كاستراتيجية مدروسة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. فمن هو الفاعل؟ ومن المستفيد؟ وماهي الذريعة التي يلوح بها الطرف المستقوي؟


لنبدأ بالعودة إلى السياق التاريخي للعراق، الذي يمثل نموذجاً كلاسيكياً لهذا النمط. في الثمانينيات والتسعينيات، كان العراق تحت قيادة صدام حسين يُنظر إليه كقوة إقليمية صاعدة، خاصة بعد حربه مع إيران (1980-1988)، التي تلقت دعماً غربياً ضمنياً لاحتواء الثورة الإيرانية. ومع ذلك، سرعان ما تحولت الصورة بعد غزو الكويت عام 1990، حيث بدأت حملة دولية بقيادة الولايات المتحدة لعزل العراق اقتصادياً وسياسياً. هنا، برزت الذريعة الفلسطينية كعنصر مركزي في الخطاب الغربي والإسرائيلي ضد بغداد. كان صدام حسين قد أعلن دعمه الصريح للقضية الفلسطينية، خاصة خلال انتفاضة الأقصى الأولى (1987-1993)، حيث أطلق صواريخ سكود على إسرائيل خلال حرب الخليج الأولى عام 1991، مما جعله بطلاً شعبياً في العالم العربي كمن يواجه "العدو الصهيوني". كما قدم مكافآت مالية لعائلات الشهداء الفلسطينيين، ووصف نفسه كمدافع عن فلسطين ضد الاحتلال الإسرائيلي. هذا الدعم لم يكن مجرد خطاب، بل كان جزءاً من استراتيجية صدام لتعزيز شرعيته الإقليمية، لكنه أصبح ذريعة مثالية للولايات المتحدة وإسرائيل لتصويره كداعم للإرهاب. في الواقع، كانت الاتهامات الرسمية تشمل أسلحة الدمار الشامل، لكن الخطاب الإعلامي والسياسي غالباً ما ربط دعم العراق لفلسطين بدعم "الإرهابيين"، مما ساهم في بناء الرأي العام الدولي لتبرير العقوبات الاقتصادية الخانقة التي أدت إلى معاناة إنسانية هائلة، وصولاً إلى الغزو عام 2003. هذا الغزو، الذي قادته الولايات المتحدة بدعم إسرائيلي قوي، لم يكن فقط عن الأسلحة، بل عن إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط لصالح مصالح غربية، مع إضعاف أي قوة عربية قد تهدد إسرائيل.الآن، ننتقل إلى الوضع الراهن في إيران، حيث يتكرر النمط نفسه بشكل مذهل. في فبراير 2026، تواجه إيران تصعيداً عسكرياً وسياسياً غير مسبوق، مع بناء عسكري أمريكي هائل في المنطقة، يُعتبر الأكبر منذ غزو العراق عام 2003. تشمل هذه التحركات نشر حاملات طائرات مثل يو إس إس جيرالد آر فورد، وطائرات مقاتلة، وتعزيز القواعد في الخليج، في سياق فشل المحادثات النووية واتهامات باستمرار إيران في برنامجها النووي. ومع ذلك، تبرز الذريعة الفلسطينية كعنصر أساسي في هذا التصعيد. إيران، منذ ثورتها عام 1979، جعلت دعم القضية الفلسطينية جزءاً أصيلاً من هويتها السياسية، معتبرة إسرائيل "الكيان الصهيوني" عدواً مشتركاً. هذا الدعم يتجلى في مساندة حركات المقاومة مثل حماس وحزب الله، اللذين يقاتلان الاحتلال الإسرائيلي في غزة ولبنان. في السنوات الأخيرة، خاصة بعد هجوم 7 أكتوبر 2023 وما تلاه من تصعيد في غزة، زادت إيران من دعمها لهذه المجموعات، مما أدى إلى هجمات إسرائيلية مباشرة على أهداف إيرانية، بما في ذلك ضربات على منشآت نووية مثل تلك في بارشين عام 2024، وصولاً إلى حرب قصيرة مدتها 12 يوماً بين إيران وإسرائيل عام 2025، انضمت إليها الولايات المتحدة. اليوم، مع قمع الاحتجاجات الداخلية في إيران، التي أسفرت عن آلاف القتلى والاعتقالات، يستخدم التحالف الأمريكي-الإسرائيلي هذه الأحداث لتعزيز الضغط، لكن الخطاب الرسمي يربط دائماً بين دعم إيران لفلسطين وبين "التهديد الإقليمي"، مما يجعل مساندة فلسطين ذريعة لتبرير الضربات المحتملة. تقارير حديثة تشير إلى أن الولايات المتحدة، تحت قيادة الرئيس دونالد ترامب، تدرس ضربات "محدودة" على إيران لإجبارها على اتفاق نووي جديد، لكن هذه الضربات قد تكون "واسعة النطاق" و"طويلة الأمد"، كما وصفها مصادر إسرائيلية، مع تركيز على تدمير قدرات إيران الصاروخية والنووية، التي تُعتبر ضرورية لدعمها للمقاومة الفلسطينية.


عند مقارنة الوضعين، يتضح أن الفاعل هو نفسه: الولايات المتحدة، بدعم إسرائيلي مباشر. في حالة العراق، كانت واشنطن تقود التحالف الدولي، مع لوبي إسرائيلي قوي في الكونغرس والإعلام الأمريكي، يدفع نحو الغزو لإزالة تهديد محتمل لإسرائيل. اليوم، يجتمع ترامب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لمناقشة إيران، حيث يقدم الأخير "أدلة" على قمع الاحتجاجات الإيرانية، ويضغط لعدم التفاوض على الصواريخ الباليستية الإيرانية، التي تهدد إسرائيل مباشرة. هذا التحالف ليس جديداً؛ إنه امتداد لاستراتيجية أمريكية ترى في إسرائيل حليفاً استراتيجياً للسيطرة على الشرق الأوسط، مستخدمة القوة العسكرية لإضعاف أي دولة تتحدى هذا التوازن. أما المستفيد، فهو نفسه أيضاً: إسرائيل، التي استفادت من غزو العراق بإضعاف جيش عربي قوي، وتوسيع نفوذها في المنطقة، حيث أصبح العراق بعد 2003 أقل تهديداً، بل وأكثر انقساماً، مما سمح لإسرائيل بتركيز جهودها على جبهات أخرى. في إيران اليوم، يُتوقع أن يؤدي أي تصعيد إلى إضعاف "محور المقاومة"، الذي يشمل حماس وحزب الله، مما يعزز أمن إسرائيل ويسمح لها بمواصلة سياساتها في غزة، مثل خطط ترامب لـ"لوحة السلام" التي تحول غزة إلى منتجع سياحي، مع نزع سلاح حماس، وهو ما يعني فعلياً تعزيز الاحتلال. هذا الاستفادة ليست اقتصادية فقط، بل جيوسياسية، حيث تقلل من التهديدات الإقليمية وتعزز السيطرة على الموارد النفطية والممرات البحرية.


أما الذريعة، فهي الأكثر تكراراً: مساندة فلسطين. في العراق، كانت هذه المساندة تُستخدم لربط صدام بدعم "الإرهاب"، مما ساهم في عزله دولياً، رغم أن الذريعة الرسمية كانت الأسلحة. اليوم في إيران، يُستخدم دعمها لفلسطين، من خلال "شبكة الحلفاء" في المنطقة، كغطاء للاتهامات النووية والصاروخية. إيران تقوي منشآتها مثل بارشين ونتانز ضد الهجمات، لكن الخطاب الغربي يركز على كيفية استخدام هذه القدرات لدعم المقاومة الفلسطينية، مما يجعل أي هجوم مبرراً كـ"دفاع عن السلام". هذا الربط ليس عفوياً؛ إنه جزء من استراتيجية لتحويل القضية الفلسطينية إلى أداة للضغط على أي دولة تتحداها، مع تجاهل الاحتلال الإسرائيلي نفسه كمصدر للتوتر.


في الختام، يعكس ما يحدث لإيران اليوم تكراراً لتجربة العراق، ليس كحادث تاريخي، بل كدليل على استمرارية الاستراتيجيات الإمبريالية في الشرق الأوسط. الفاعل المشترك، المستفيد الثابت، والذريعة المتكررة تكشف عن نمط يهدف إلى إضعاف الدول المستقلة، مع الحفاظ على هيمنة إسرائيلية-أمريكية. هذا النمط لا يؤدي إلى السلام، بل إلى مزيد من الاضطرابات، حيث يولد مقاومة جديدة ويفاقم الصراعات الإقليمية، مما يطرح تساؤلات عميقة حول إمكانية كسر هذه الدورة في المستقبل. الا تعد آثار العقوبات الاقتصادية أشد خطورة من الغزو العسكري؟


كاتب فلسفي

مصيرنا بين الحروب : الجبهة الايرانية وجبهة الانتخابات الاسرائيلية وجبهتنا الداخلية/ جواد بولس



تشهد وسائل الاعلام الاسرائيلية في الأيام الأخيرة تصاعدا ملحوظا في تأكيداتها على أن المواجهة العسكرية التي تجهز لها أمريكا واسرائيل ضد إيران باتت وشيكةً؛ وبعد أن رجحت معظم منصات الأخبار ومواقع المحللين في الأسابيع الأخيرة عزم الأطراف على استنفاد خيار المفاوضات، امتلأت الصحف بتعليمات طوارىء الحرب الموجهة للمواطنين والتأكيد على قرب وقوعها.


لا يستطيع أحد أن يجزم بشكل قاطع إن كانت ستندلع الحرب أم لا؛ بيد أن الرهان على رجاحة منطق الرئيس دونالد ترامب يبقى مغامرة خاسرة على الأغلب، والاطمئنان إلى رغبته في تجنيب دول المنطقة وشعوبها نتائج حرب من المتوقع أن تكون مدمرة ومريعة، قد يُستحب من باب التمني أو التوهم وحسب. أما إذا أضفنا الى رغبة ترامب تصفية حساباته مع النظام الايراني دوافع بنيامين نتنياهو الخاصة ومعه دوافع قيادات المؤسسة العسكرية الأمنية الاسرائيلية، تصبح احتمالات وقوع المواجهة كبيرة.


ليس سرًّا أن بنيامين نتنياهو يدفع الأمريكيين لاشعال الجبهة الايرانية؛ ولا تعنيه تبعاتها المدمرة. فهو يأمل أنها ستعطيه فرصة لالغاء موعد الانتخابات الاسرائيلية القادمة والبقاء رئيسا للحكومة مع كنيست موالية ومنظومة حكم كاملة تأتمر لارادته.


قد نكون نحن المواطنين العرب في إسرائيل، من أكثر المجتمعات غير المعنية باندلاع هذه الحرب، ليس درءًا لما قد تسببه من دمار وقتل أرواح بريئة وحسب، بل لأنها ستستغل من قبل هذه الحكومة اليمينية المتطرفة لتضييق الخناق علينا وتعطيل اجراء الانتخابات وتقويض فرصة ثمينة لنا لاستنهاض قوة مجتمعنا وتنظيمه كي يستعيد مكانته الاجتماعية وقدرته السياسية الحقيقية في الدفاع عن مصالحه ومواجهة المخاطر والأزمات التي تعصف به.


لندع احتمالات نشوب الحرب جانبًا لأننا لا نملك أية قوة للتأثير على حدوثها أو منعها ؛ ولتفترض الأحزاب والحركات السياسية والمؤسسات المدنية أن الانتخابات ستجري كما مقرر لها، وليسعوا منذ هذه اللحظة  لتذليل العقبات التي تقف في وجه تشكيل القائمة المشتركة أو التشويش على عملية بنائها، أو قد تؤدي إلى انخفاض نسبة التصويت بين المواطنين العرب.


لقد كان توقيع قادة الأحزاب الأربعة في سخنين على التزامهم بتشكيل القائمة المشتركة بمثابة الخطوة الاشهارية الأولى على طريق بنائها؛ لكننا نعرف أن غضب الناس، الذين شاركوا في مظاهرة سخنين ضد العنف والقتل المستشريين داخل مجتمعنا، وضغطهم، هي التي أجبرت الرؤساء على التوقيع في مشهد مفاجىء اختتمت به تداعيات تلك المظاهرة.


وقد يكون أدق لو قلنا أن منصور عباس، وحركته تحديدا، لم يكونوا مهيّئين للتوقيع على تشكيل "قائمة مشتركة معوّمة" والالتزام بوحدة "بيضاء عرجاء" أنضجتها ظروف استثنائية عابرة. وبناء على تجارب الماضي وتعقبًا لتصريحات  النائب عباس في الآونة الأخيرة، نستطيع أن نتكهن أن تشكيل القائمة المشتركة والتفاهم على برنامج عمل سياسي أساسي يضمن لحمة مركباتها ويستغل كونها القوة الثالثة داخل الكنيست، ستكون مهمة عسيرة أو ربما مستحيلة. أتمنى لو أكون مخطئًا، فالغد لناظره قريب.


الى جانب العمل على تدبير مطامع كل حزب ومطالبه التي سيحاول مفاوضوه ضمانها أثناء تشكيل القائمة، يتوجب على جميع قيادات تلك الاحزاب الاتفاق على بناء خطاب في مواجهة الجهات التي تطالب بمقاطعة الانتخابات، وهي، كما نعرف، مختلفة الدوافع والمبررات. فمواجهة أتباع الحركة الاسلامية الشمالية، التي تدعو الى مقاطعة الانتخابات لأسباب عقائدية شرعية، تتطلب تجنيد حجج مختلفة عن تلك التي يجب أن تواجه بها قطاعات وشرائح واسعه داخل مجتمعنا قررت، لأسباب مختلفة، العزوف عن المشاركة في الانتخابات كخطوة احتجاجية أو كتعبير عن يأسها وفقدان ثقتها بالمشهد السياسي المأزوم. أمّا مخاطبة المطالبين بمقاطعة "البرلمان الصهيوني" لأسباب قومية أيديولجية فتحتاج إلى خطاب مختلف وحجج سياسية تكشف خطورة المقاطعة في هذه المعركة.


لا أبالغ إن قلت أن نتائج الانتخابات المقبلة ستؤثر على مكانة المواطنين العرب في الدولة وستحسم شكل علاقاتهم مع مؤسساتها وحدود مواطنتهم وما تتيحه لهم من حقوق وما تمليه من واجبات. يتوجب على كل من يؤمن بهذا التقييم أن يعمل لاسناد القائمة بأقوى وأمتن شراكة سياسية، وأن يرفدها بمصادر قوة جديدة من شرائح كانت مستبعدة مثل اشراك شخصيات اعتبارية ذات رصيد اجتماعي مشهود وقدرة على القيادة والمواجهة والتأثير، واشراك المرأة ودمجها في عمليات اتخاذ القرار.


لقد لفتت انتباهي رسالة وقعت عليها خمسون ناشطة وقيادية عربية يطالبن فيها بتخصيص 50% من أول عشرة مقاعد في القائمة المشتركة للنساء. وقد جاء في الرسالة: "في ظل الجهود المبذولة لإعادة توحيد الأحزاب العربية والنقاشات الاستراتيجية الجارية إستعدادا للانتخابات القادمة" رأت الموقعات "إن غياب النساء ليس مجرد خلل قيمي بل إخفاق سياسي يضعف القائمة ويقوّض ثقة الجمهور." وقد طالبت الموقعات بضرورة إجراء  تغيير بنيوي وطالبن "بشراكة دائمة وجوهرية للنساء في كل منتدى استراتيجي وإطار تنسيق سياسي؛ وتخصيص نصف المقاعد العشرة الاولى في القائمة للنساء"؛ وأكدن "أن هذه المطالب ليست نسوية وحسب، بل  هي لصالح المجتمع العربي بأسره، وشرط لبناء قيادة جريئة متقدمة وملائمة للمستقبل "خاصة بعد أن شهدت الكنيست تراجعا في تمثيل النساء العربيات بينما يبلغ عدد النساء العضوات في المجالس البلدية 24 امرأة فقط علمًا أنه "لم تتولَّ أي امرأة عربية حتى اليوم رئاسة سلطة محلية." هكذا كتبوا وأخطأوا في نشر هذه المعلومة ؛ ففي قرية كفرياسيف الجليلية، وهي مسقط رأسي، توّلت السيدة الراحلة فيوليت خوري رئاسة مجلس القرية المحلي العريق في عام 1972 لمدة عامين، وقد كانت فعلا السيدة الأولى المنتخبة التي تتولى هذا المنصب في المنطقة قاطبة .


أتمنى على رؤساء الأحزاب الأربعة أن يتعاطوا مع مضامين الرسالة ومعانيها وأن يجدوا الوسائل للقاء من كتبنها. وإن كان الوقت لا يسعف لتلبية ما طالبن به فليُتفق على الأقل بضرورة متابعة هذه المسألة في جميع الأطر القيادية فورا بعد الانتخابات. إن قضية مكانة المرأة في مجتمعاتنا لم تبدأ ولن تنتهي على أعتاب الكنيست المقبلة، وهي أعمق جذورا من مجرد البحث عن مناصفة في مقاعد القائمة المشتركة أو في كل منتدى استراتيجي، على الرغم من حقهن بالمطالبة بذلك. قد يكون توجه السيدات لرؤساء الأحزاب في هذا الوقت تحديدا من باب استغلال لظرف مؤات، وهو أسهل الطرق لكنه ليس أصوبها. فقصة مكانة المرأة هي وجع مزمن في مجتمعنا ومرض قاتل في بعض حالاته؛ وأنا على قناعة أن السيدات الموقعات يعينها كما نعيها نحن أيضا. تبدأ الحكاية في البيوت، عندما تفرح العائلات لولادة الذكر وتندب حظ الأنثيين، وحين تضاء شموع الفخر وتستعرض"رجولات " أطفالنا على الملأ، بينما لا يتوقف كيل التنبيهات على البنت لضرورة احتشامها وارشادها لأصول العفة وكبت مشاعرها وفطم قلبها عن الحب، وتعنيفها اذا ما غالبتها الطفولة وقفزت بشقاوة ولعبت دون أن تحافظ على "التصاق الساق بالساق" . القصة تبدأ عندما يكنّ في عمر براعم اللوز، فكيف إن تكعبت الصدور وتكوّرت النهود، أو إن ماست قدود وفاحت بالعطر أجياد. إنها نكبة مجتمع ما زالت قطاعات واسعه منه تعتبر أن البنت علة وأن زواجها نجاة وسترة. وأن لا مكان لها من أصله في صفوف الرجال وحتى إذا "رفعت سترها" دفاعًا عن شرف الوطن، فعذر الحسناوات كان غياب/هروب الرجال. تولد مأساة المرأة في البيت أولا وفي أحضان العائلة ثم تكبر في الحارة والمدرسة وتوطد في الكنيسة وفي المسجد، والبقية مرويات وثقافة موروثة وتربية. 


أما اليوم فنحن نقف أمام معركة سياسية حاسمة وفيها ستكون القائمة معهن أقوى، لأن الحياة أصلا معهن أفضل وأجمل. وللحديث بقية، قبل الحرب .. وبعدها ..

الواقعُ أغرب مِن الخيال/ تقدمة شوقي مسلماني


نقلاً عن "فايسبوك" المناضل جورج ابراهيم عبدالله نقلاً عن الكاتب رضوان مرتضى ـ عندما تكون الحقيقة أكثر قسوةً من الخيال:   

‏أمس، في بلدة طلّوسة، كان الشـ..هيد أحمد ترمس (62 عاماً) في زيارة عائلية، جلس مع زوجته في منزل شقيقها. صوتُ مسيّرةٍ في السماء، ثم مسيّرة ثانية. لم يكد يدخل ليجلس حتى رنّ هاتفه. ردّ أحمد. جاءه الصوت بارداً واضحاً: "معنا أحمد ترمس"؟، فأجاب بنعم، ليخبره المتّصل: "معك الجيش الإسر ائيلي يا أحمد، بدّك تموت إنت واللي معك أو لحالك"؟،  فأجاب على الفور: "لحالي".

‏أقفل الهاتف، تغيّر وجهه، نظر إليه شقيق زوجته سليم وسأله: "شو صار يا أحمد"؟. قالها بهدوءٍ حاسم: "هول الإسر ائيليّة، قوموا اطلعوا واتركوني هون، عم بيقولوا يا بتموتوا معي يا بموت لحالي".  

‏لم يتوسّل، لم يصرخ. طلب منهم أن يخرجوا، أن ينجوا، أن يتركوه يواجه المصير وحده. رفضوا في البداية وأخبروه أنهم لن يتركوه وأنهم سيموتون معه. هدّأ من روعهم ثم أقنعهم بالمغادرة.

‏للحظةٍ لم ينتبه أنه ليس في منزله، ثم انتبه، لا يريد أن يكون الموت في بيتٍ ليس بيته، قرّر أن يأخذ الموت بعيداً عنهم، طلب منهم البقاء ليُغادر هو. ودّعهم، صعد إلى سيارته، أدار المحرّك وقاد مبتعداً عن المنزل ثم ركن سيارته. مرّت ثوانٍ، فأطلقت المسيّرة صار وخين.

‏احترقت السيارة، تناثر جسد أحمد، احترق، لكن قصّته باقية، هو واحدٌ من أبطال أيامنا.

‏لقد ودّع أحمد ابنه حسن شهـ يداً قبل سنتين، ثمّ رآه في المنام قبل نحو سنة يخبره بأنه ملاقيه في شهر شباط. أخبر زوجة ابنه بذلك فأجابته ممازحة: "يعني باقية الحرب بعد سنة؟!، بلكي بعد خمس سنين"؟!، فأجابها أنّ ابنه حدّد شباط المقبل. 

صوّره أحدهم وهو يكرّر أنه سيُستـ شهد في شهر شباط، ثم اليوم بدأ أهل بلدته يتداولون ذلك الفيديو كما تداولوا المحادثة على الواتساب.

‏لا أحد يعرف ماذا يشعر إنسان حين يتلقى اتصالاً يخبره بموعد موته، لا أحد يعرف كيف تُوزن الحياة في ثوانٍ، ثم يُطلب منه أن يختار: أن يموت وحده أو يموت معه أحباؤه. أيُّ قلبٍ يحتمل اتصالاً يخيّره بطريقة موته وفراق أحبّته؟، أيُّ صلابةٍ وأيُّ شجاعةٍ وأيُّ إيثارٍ يحمله هؤلاء ليتمكنوا من مجرّد الوقوف على أقدامهم في هكذا لحظة؟. 

‏قبل أحمد، شابٌ آخر كان يقود سيارته وزوجته إلى جانبه، تلقّى الاتصال ذاته، أوقف السيارة، أنزل زوجته، أبعدها، ثم مضى وحده نحو الصار وخ.

‏نماذج تتكرّر في الجنوب. اتصالٌ يفصل بين الحياة والموت. شبابٌ يمشون إلى موتهم بأقدامٍ ثابتة. 

‏ما أقسى هذا الزمن وأوضح مواقفه.

‏تردّدت قبل أن أكتب، لم أعلم إذا كانت تُجدي الكتابة أمام هول ما يحصل، وسألت نفسي: هل يكون ذلك انكساراً أم إيغالاً في حزنٍ لا يمكننا دفعه؟، ثم رأيت أنّ صوتنا وكلماتنا قد تكون شكلاً من أشكال الثبات في وجه آلة القـتل الإسر ائيلية.

‏ما أنبل هؤلاء الشـ هداء فعلاً، العزُّ يبدأ من أشلا ء قـ تلانا.

ـ رضوان مرتضى.