دِرَاسَة ٌلكتاب "عوْدَةِ الآلهة" للشَّاعرة دوريس خوري/ الدكتور حاتم جوعيه

   


( لقد كتبت هذه المقالة قبل وفاة الشاعرة والأديبة القديرة المرحومة خالدة الذكر دوريس خوري بعدة سنوات )

            

  صدرَ هذا الكتاب " عودة الآلهة "  للكاتبةِ والشَّاعرةِ " دوريس  خوري " ، من قرية " البقيعة "- الجليل الأعلى ( وهي من أصل لبناني ) قبل   بضع  سنوات   وهو باكورة إنتاجها  الأدبي المطبوع ، يقع في 112 صفحة  من الحجم  المتوسط  ،  يضمُّ  مجموعة ً من المقالاتِ  والنصوص الأدبيَّة  والخواطر والتأمُّلاتِ الفلسفيَّةِ وبعض القصائد الوجدانيَّة  .   وكتبَ مقدِّمة َهذا الكتاب الرِّوائي الصَّديق  " سهيل كيوان " -  مُحَرِّر الزاوية الادبية في صحيفة " كل العرب "  . 

  الأديبة ُ الشَّاعرة ُ " دوريس خوري " معروفة ٌ على الصَّعيدِ الأدبي والثقافي المحلِّي ، نشرت  كتاباتها  في  مختلفِ الصحف  والمجلات المحليَّة ، ولها  رصيدٌ وكمٌّ  كبيرٌ من الإنتاج ِ الأدبي  قد  يطبعُ  عشرات الكتب .  هي  لا  تكتبُ لظرفٍ آنيٍّ ابن ساعتهِ أو لمناسبةٍ  مُعيَّنة طارئة  فقط  كما  يحدو بمعظم ِ الكتابِ والشُّعراءِ المحلِّيِّين، بل كتاباتها عبارة ٌعن  مواضيع  تأمُّليَّة فلسفيَّة  عميقة وإنسانيَّة  شاملة ، وستبقى  مُحافظة ً على رونقِها  وقيمتِها  الفنيَّة  في كلِّ ظرفٍ ومكان مهما تغيَّرت الأوضاع والأزمان .  

    والجديرُ بالذكر ِ أنَّ  " دوريس "  درَست موضوعَ  الفلسفة  واللاهوت  وكانَ  لهذا الموضوع  تأثيرٌ  كبيرٌ  ومُباشر على ألوان ومواضيع  كتاباتِها   مُؤخَّرًا  .    ومن  ناحيةِ كونها  لبنانيَّة الأصل  فقد  تأثَّرت كثيرًا  بالشِّعر ِ اللبناني ، وخاصَّة  ًالزَّجلي، فكتبت الزَّجلَ والقصائد الكثيرة باللهجةِ  العاميَّةِ البنانيَّة ...  ولكنها لم  تنشرْ  شِعرَهَا  الزَّحلي  بعد  في دواوين  مستقلَّة  .   ونجدُ  في شعرها  أيضًا  ذكرًا لأسماءِ بعض ِالآلهةِ  من الفينيقيِّين أو البابليِّين والكنعانيِّين  والمصريِّين ، وغيرهم .  وتأثَّرت  كثيرًا بحبران خليل جبران  وبالفيلسوف الألماني  " فريد ريك  نيتشه " ، وخاصَّة ً  في  كتابهِ  الشَّهير ( هكذا تكلَّمَ  زارادشت ) كما  يبدو - (( مقال "عودة  الآلهة  "– صفحة 5 - 7 ،  ومقال  "  إله  المال " -  صفحة  8-9  ))  . 

 إنَّ  دوريس خوري  من الكاتباتِ  والشَّاعراتِ المُتميِّزات فنيًّا  والمُبدِعات على الصَّعيد المحلِّي .  تمتازُ  كتاباتها  بالشَّفافيَّةِ والرُّومانسيَّةِ  وبالعباراتِ الحُلوة الجميلة وباللغةِ القويَّةِ  الصَّافية الجذلى  وبالمعاني  الفلسفيَّةِ  العميقةِ  وبالرُّؤيا الإنسانيَّة السَّامية الشَّاملة .  ولا  أبالغُ  إذا  قلتُ  إنَّ  لديها  أسلوبًا   وطابعًا خاصًّا ومُمَيَّزًا في كتاباتِها يختلفُ عن جميع الكتابِ محليًّا وعربيًّا  .    ولكتاباتِهَا جاذبيَّة ٌ وَسِحرٌ أخَّاذ ٌ حيثُ القارىءُ  مهما كانَت نوعيَّتهُ  ومستوى  ثقافتِهِ سيقرأ  كتاباتها  بشغفٍ  وحُبٍّ  كبيرين  ولا يستطيعُ أن يتركَ  مقالا ً أو قصيدة ً لها حتى يأتي على آخرها ( عنصر التشويق ) . وهذهِ  الجاذبيَّة  العظيمة التي  تتمتَّعُ  وتتحلَّى  بها  والأريج الخاص  قد  نجدُهُ  عند  بعض  الشُّعراءِ والكتابِ الكبار، وخاصَّة ًعند بعض ِ شعراء المهجر ، مثل :  جبران  خليل جبران  وميخائل نعيمه ، فهي  تأثَّرت بهم  .  ودوريس  مِمَّا  يُميِّزُهَا  عن الكتابِ المحلِّيِّين أيضًا أنها غير متقوقعة  في الآنيَّة والأمور المحليَّة الضيِّقةِ ،  بل  نجدُ  في  كتاباتِها " الإنسان "  بكلِّ  معنى الكلمة .. الإنسان الذي على أهبَةِ  الإستعدادِ  لكيّ  يهبَ روحَهُ  قربانا ً لأجل ِ شعبِهِ  وللإنسانيَّةِ  . فكتاباتها جميعها ترفلُ  وتزهُو وتسطعُ بالقيم ِ الإنسانيَّةِ  وبالمبادىءِ والمُثل  السَّاميةِ ويشوبُهَا  وَيُترعُهَا روحُ  الإيمان  العميق والعظيم  .  في  كتاباتِهَا الشِّعريَّةِ هي لا  تلتزمُ  بالوزن  ولكن  يوجدُ عندها  موسيقى داخليَّة  أخَّاذة ، كما  أنها  تلتزمُ أحيانا  بالقوافي  في شعرها  - على نمط  شعر التفعيلة .  وهنالك بعضُ المقاطع جاءَتْ موزونة ً ، ( قصائد  " يا  آخر العنقود " – صفحة 69 – 70 ) ، وقصيدة ( أنا رداؤك الأبيّ  تقبَّلني – صفحة 71 ) .   وقصائدُها  في  قمَّةِ  العذوبةِ  والجمال اللفظي  وغنيَّة ٌ  بالصُّور ِ الشِّعريَّةِ المُستوحاة من الطبيعةِ  ومن  صميم الواقع  الذي  نحياهُ   .   في  أشعارها وكتاباتِهَا النثريَّةِ  نُحِسُّ  أيضًا  بجمال ِ لبنان الرَّائع ( وطنها  الأمّ  ومسقط  رأسِها)، وبشموخ الأرز وبالجبال والشَّلالاتِ والسُّهول الخضراءِ والزهور اليانعةِ وبالحياةِ الجميلةِ البريئةِ الخَلابة  الخالية  من  الكدر والحقدِ، يشوبُها ويُترعُها الصَّفاء والنقاء .   فالطبيعة ُ عنصرٌ أساسيٌّ  في كتاباتِ  دوريس ( الشعريَّة والنثريَّة ) فتستوحي إبداعاتِها وشاعريَّتهَا منها فتأخذ ُ عناصرَهَا ورموزَهَا وتوظفها في أشعرها وكتاباتها ، كما أنها تستعملُ بعضَ المصطلحات والرُّموز التاريخيَّة واللاَّهوتيَّة وتدخلها  يشكل ٍ متجانس ٍ متناغم ٍ في قصائدِهَا وكتاباتها ... فجاءت  قصائدُها  بالذاتِ حُلية ً  فاتنة ً  كالرّبيع ِ في  عنفوانهِ يزهو ويتبخترُ  في  ثيابِ السندس والجمال  والبهاء  .  

     لقد استطاعت " دوريس " في كتاباتِها  مَزجَ  عالم الخيال ِ والأساطير  ( ميثولوجيا ) مع عالم ِ الواقع المُباشر والحوار المُباشر ، وذلك من  خلال حواريَّاتها  المُتعدِّدةِ مع  الشخصيَّاتِ  المُؤَلَّهَةِ  التي  ذكرتها المؤلِّفة ُ  .  وتلك الشَّخصيَّاتُ  تبدو وكأنها  واقعٌ  وحقيقة ٌ .  فاستحضرَت أرواحَ  تلكَ الشَّخصيَّات  وخاطبتهم ، بدورها ، كما  تخاطبُ البشرَ  تمامًا . ونحنُ  بإمكاننا تخيُّل الشَّخصيَّات ، وهي : إله  المال ، إله  الحرب ،  إله  الشِّعر ، إله  السِّحر  -  التي  آمنَ  بها  البشرُ  منذ  أقدم ِ العصور واستحوذت على  عقل وفكر الإنسان ، والهدفُ والمفادُ من عبادتِهَا لأجل ِ المكاسب الماديَّةِ والمعنويَّةِ .  ودوريس  ُتثرينا  في حواراتِهَا  مع  تلكَ  الشَّخصيَّاتِ المُؤَلَّهَةِ  بالمعلوماتِ  التاريخيَّةِ والميثولوجيَّةِ  المترعةِ  بأسماءٍ  فينيقيَّةٍ  وفرعونيَّةٍ وكنعانيَّةٍ  وغيرها  من الآلهة  .  فتستجلي التاريخَ القديمَ  وتبرزُهُ  أمامَنا  فترجعُ  تفكيرَنا  إلى الوراءِ آلافَ  السِّنين ، فنجدُهُ  مليئا ً بالحِسِّ الإنساني الرَّفيع والأسلوبِ التَّأمُّلي  الشَّائق العميق  .  هي تنقلنا معها  في رحلةٍ رائعةٍ جميلةٍ إلى جبل ِ المعابد الذي تحدَّثتْ عنهُ الكاتبة ُ وبأبعادِه التاريخيَّة والفلسقيَّة . وهذهِ الصَّبغة ُ والمسحة ُ اللاهوتيَّة  ليست  بمفهوم ِ اللاهوتِ  الديني  والحِسِّي  المُجَرَّد ، بل  بالفكر الفلسفي والأبعاد  التاريخيَّة  والإنسانيَّة  والتَّأمُّليَّة ، فهذهِ  الصُّور والألوان  والمزيج  من التباعد والتقاربِ ما  بين الواقع والخيال والإنطلاق  والولوج في  مجاهل  التاريخ  العابر هو إثباتٌ وشهادة ٌعلى  ثقافةِ  الكاتبةِ  الواسعةِ وكيفيَّة صياغتها الإبداعيَّةِ الفنيَّةِ للعمل الأدبي بأسلوبٍ جميل وبلغةٍ  متماسكةٍ  جزلةٍ تنقلنا من عالم ِالواقع إلى عالم ِالخيال ِ والأساطير . كما أنَّ الرَّمزيَّة َ التي تتخذها الكاتبة ُ  ُتشيرُ إلى الدَّلالاتِ الحسِّيَّة أنَّ المرأة َغير هاربةٍ من  السّرب ، بل هي الرَّمزيَّة  بعينيها عند  تحليلها للمرأةِ الأفعى  وغيرها من الرُّموز التي صوَّرَ التاريخُ  المرأةَ  بصور ٍ متعدِّدةٍ ،  فهي  تعني الإزدواجيَّة َ لدى الشَّعبِ العبري الذي في تصوُّراتِهِ  للمرأةِ  ظلمها  كثيرًا ، فالمرأةُ  بدورها  تفتشُ  عن  الأمان  كباقي  النساءِ   . 

    وفي هذا الكتاب ( المُؤلَّف )  بعضُ القصائد الوجدانيَّة والرُّوحانيَّة  كما ذكرتُ  أعلاه ، فتقولُ  دوريس  مثلا ً :   

( " أنا روحٌ هائمة ٌ في أحضان ِ الطبيعة " .   وفي قصيدةٍ : " أنا  رداؤكَ الآتي فقبِّلني " توظفُ الشَّاعرة ُالطبيعة َ وتجعلها ركنا ً أساسيًّا  من أركان ِ لغتِهَا  الشِّعريَّة  .   وكما  أنها في  كتاباتِها  النثريَّة  تتطرَّقُ  إلى  مواضيع  السِّياسيِّين  والأغنياء  والحكَّام  فتقولُ : 

(  "  اللحيَّة التي  بكرمنا  أوفى  من  الزَّعيم  بضيعتِنا  " -  فهذهِ  العبارة ُ  قد غدت رمزًا ومثلا ً يُردَّدُ على ألسنةِ  الكثيرين  من  الناس  .  ولا  تنسَى  في كتاباتِها أيضًا الفقراء والمُشَرَّدين والمسحوقين ، فكتبت : " آلهة  الصَّعاليك " .

  وفي إحدى مقالاتِها الأدبيَّةِ في هذا الكتابِ  تتطرَّقُ  كاتبتنا إلى  موضوع الإستنسَاخ ، وتتمنَّى  بدورها  أن  تستنسخَ  منها  ثلاث  نساء  حتى  تحقَّقَ  جميعَ  طموحاتها وآمالها وتطلُّعاتها  في الحياة .   وفي الكثير من  كتاباتها  تلجأ إلى الطبيعةِ  كمعظم الشُّعراءِ اللبنانيِّين والمَهجر .  فتعطي  لنفسِها فرصة ً من جديد لتتأمَّلَ الطبيعة َ وتستنطقها كما تستنطقت الآلهة َ وتحادثها في  نصِّ جلبابِ العبوديَّة ، وتحادثُ الطيور والنباتات والبحر، وهذهِ  المُداخلاُت والأسلوب الحواري الجدلي مع الحيواناتِ والبهائم يعيدُ  إلى أذهاننا  كتاب " كليلة  ودمنه  " لإبن  المُقفَّع " الذي ألَّفهُ على ألسنةِ الحيوانات  .   

   وفي رحلتِها الإغريقيَّةِ  مع الآلهة وحوارها الدرامي معهم  نتذكَّر بديهيًّا رسالة  الغفران لأبي  العلاء المعرِّي  وبالكوميديا  الإلهيَّة  لدانتي  . 

  ومن خلال حواريَّاتِهَا  المتعدِّدةِ التي  ذكرتها الكاتبة ُ فهي  تستنبط ُ الفكرَ  الفلسطيني الإنساني من الرّجل وحده ، ولم  تذكر انها استوحت  من المرأةِ شيئا  إلا َّ ما  ذكرتهُ عن شخصيَّات مؤلَّهة من النساءِ  في عصور سابقة  .   وهذا الكتاب ُ بإختصار  يضعُ  القارىءُ  في حيرةٍ  وتساؤلاتٍ  لا  متناهية   في شؤون الحياةِ والموتِ والنهاية وتكوين العالم وتأسيسهِ وحقيقتِهِ  وأسرارهِ  .   

     وبإختصار ٍ هذا الكتاب  مستواهُ  عال جدا وأسلوبُهُ  مُميَّزٌ  ومواضيعُهُ  هامَّة ٌ ومُلفتة ٌ  للنظر ، وربًّما  لم  يكتب في هذا الموضوع  وهذا التوجُّه واللون  أيُّ  كاتبٍ محلِّي ... ولم  يسلكْ في هذا المنحى  والمجال  الأدبي .    ونظرًا للأبعاد الجماليًّةِ والفلسفيَّةِ والفنيَّةِ والشَّطحَاتِ الصوفيَّةِ التي تترعُ  مواد  هذا  الكتابُ  قد  يكونُ  فهمُهُ  صعبًا على الكثيرين من  الناس ... وحتى  لبعض  النقادِ  والأدباء المحلِّيِّين ، وذلك لسبب  ثقافتِهم  المحدودةِ  ولإنشغالهم  في  المواضيع المحليَّة فقط ، فثقافة ُ وكتاباتُ ونقدُ بعض النقاد المحلَّيِّين (معظمهم )   تتمحورُ حولَ  الأمور الهامشيَّةِ  والسَّطحيَّة  وحول الشِّعر الذي  يشوبُهُ  الطالبعُ السياسي ذي الفكر الضيِّق والمحدود وأدب الشِّعارات المحلِّي الذي معظمه  يفتقرُ إلى المستوى الفني الرَّاقي والنظرة الشُّموليَّة والفلسفيَّة العالميَّة  .    وكتابُ  دوريس خوري هذا ((عودة ُ الآلهة )) جاءَ  قمَّة ً في الرَّوعةِ  والإبداع ِ ويستحقُّ أن يُترجمَ  لجميع ِ لغاتِ العالم  لقيمتِهِ الفنيَّةِ  والأدبيَّةِ  والإنسانيَّةِ  .   

 - وأخيرًا– كنَّا نتمنَّى للكاتبةِ والشَّاعرةِ الكبيرة والمُبدعة الزميلة " دوريس خوري " العُمرَ المَديدَ والمزيدَ منَ العطاءِ الشِّعري والنثري والإصدارات الإبداعيَّة المتواصلة فهي رُكنٌ أساسيٌّ  هامٌّ  في حركتِنا ومسيرتِنا الشِّعريَّة المحلِّيَّة، ولكنَّ يدَ المنون لم تهملها طويلا فقد خطفها الموت وهي في أوج العطاء والإبداع بعد صراع مع المرض. 

  

راياتُ التأريخِ/ د. عدنان الظاهر



الرايةُ أرماحُ التأريخِ القابضِ حلقاتِ التوبيخِ

دَرَجاتٍ ومنازلَ تجتاحُ القُدرةَ خاصرةً أضعافا

مَن أترعَ كأسَ الظمآنِ شموعا

وتفاعلَ في عُمْقِ الأعماقِ ضَراماً ونصوعا

ويلَ الراكبِ فوقَ الطاقةِ رأسا

يتلبّسُ أثوابَ أباليسِ التدليسِ

رأسٌ في الأعلى يشمخُ في قاعِ الشُحّةِ ظمآنا

مشغولٌ بصُراخِ النُطفةِ فاغرةً للقبّةِ فاها

ما هذي النارُ تمزّقُ أشلائي إرْباً إربا

تمضغني أنيابُ عفاريتِ شياطينِ المأزقِ في برزخِ نارِ الأطوارِ

حيثُ الموجُ العاتي أبراجُ معادنِ حيتانٍ الأفلاكِ 

ألواحاً وصحائفَ سودا

لا عَلَمٌ يخفقُ في صاريها إلاّ مجروحا

البرزخُ معصوبُ الرأسِ يمدُّ على جسدِ النيرانِ جروحا

لا صوتٌ فيها إلاّ صفّاراتِ الأنذارِ

هذا ما قالَ الطاغوتُ الأحمرُ للراكعِ تحت الأبوابِ ..

أسلخُ نفسي عن جُرْمِ الكينونةِ جِلْداً مدبوغا

تتساقطُ فيهِ الدُنيا حلْقاتٍ من عارِ 

والنجمُ الأزرقُ يسقطُ في عيني دُبّاً قُطبيّا

حيثُ العَتمةُ في ثُقبِ الأنوارِهباءُ ..

أقفزُ من زحمةِ هذا الطاغي خوفا

وأُقلِّبُ ما قال الحافي للماشي خلفَ الركبانِ

لا أعرفُ للراحةِ في شِقّةِ أنفاسي طَعْما

أطفأتُ الشمعةَ من فرطِ سقوطِ الخافي من نورٍفيها

لأُداري هذا الليلَ الحالكَ يسري في عِرْقِ الإنذارِ 

لا نورٌ يُخفي خوفي في ثُقْبِ الفُلْكِ الدوّارِ

خوفي يكبرُ والأمرُ يُكابرُ مُحتدّا

جازَ المُجتازَ وحلّقَ حتى أعيا مُنحازا

يا مَنْ علّقتَ على هامِ النورِ عمودا

لا تُطفئْ شمعَ بخورِ الديجورِ بنارِ الحقدِ المسعورِ

غيرُكَ لا يقوى أنْ ينأى فاعلنْ أنكَ مكسورٌ مأسورُ

لا الصدرُ الدافئُ يحمي من بردٍ عظما

لا الأمُ تقومُ لتسرِجَ في عينيكَ الزيتَ فتيلا.


إيران وفقدان الأمل بالحوار/ شوقي مسلماني



الحرب الأميركيّة ـ الإسرائيليّة على الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران ستكون لها تبعات إقتصاديّة وجيو سياسيّة وارتباكات في توزيع الطاقة "قد تغيّر جوهر النظام العالمي القائم"، كثيرة هي الدول التي سرعان ما رجع إليها الإطمئنان إلى غدها بعد انقضاء أزمة انهيار البرجين في 11 سبتمبر ـ 11 أيلول ـ 2001 ـ وانقضاء أزمة حرب أميركا، بذريعة مكافحة الإرهاب، على أفغانستان، وعلى العراق، وكان لحربها المكشوفة ارتدادات خطيرة على العالم، وكثيرة هي الدول التي سرعان ما رجعت مؤمِّلةً بالمستقبل بعد انقضاء الأزمة الماليّة العالميّة 2007 ـ 2009 ـ  التي أعطت إشارة أنّ النظام الرأسمالي إنّما يشارف على انهيارات كبرى، وكذلك تنفّس العالم الصعداء بعدما تمّ لجم جائحة كورونا ـ 2019 ـ التي أودت بحياة 6 مليون إنسان وتعثّرت معها حركة التجارة في العالم على نحو أنذر بحدوث كوارث، وحتى ظهر "وكأنّ الأرض على مشارف أن تكفّ عن الدوران".  

حربُ أميركا ضدّ الإرهاب بعد 11 سبتمبر ـ أيلول ـ 2001  ـ تركتْ بلداناً مثل أفغانستان والعراق وليبيا واليمن في حال لا تُحسَد عليه تفتيتاً وخراباً إجتماعيّاً واقتصاديّاً ولا تزال، فضلاً عن الدمّ الذي تمّ هدره عبثاً، وذاتها أميركا دفعت أثماناً باهضة بحسب وزارة الدفاع الأميركيّة ـ 2500 قتيل و20 ألف جندي جريح في أفغانستان و4500 قتيل و32 ألف جندي جريح في العراق، وجلّهم أبناء الطبقات الأقلّ ثراء والأقلّ حظّاً ـ ومتى كانت الجيوش بأغلبيّتها من غير أبناء الطبقات المسحوقة؟ ومنذ متى لم تكن الجيوش أداة بأيدي أصحاب الثروات الطائلة يقودونها بإسم عِزّةٍ ما، زوراً وبهتاناً، إلى حيث فرص جديدة لتراكم رأس المال، ولا سؤال عن مصير أوطان وملايين البشر الذين تصير بيوتهم المهدّمة فوق رؤوسهم قبورهم والشوارع والأزقّة مساكنهم والجوع القاهر رفيقهم وانهياراتهم النفسيّة موتهم الأكثر مرارة. 

كانت أميركا بأوج وهجها بعد كسبها الحرب الباردة سنة 1991، وبالسيادة قطباً أوحد في العالم، ووراءها حلف شمال الأطلسي والإتّحاد الأوروبّي الشريكان في النصر، أميركا ينافسها اليوم قطبان صاعدان هما الصين ـ  على  خطّ الحرير الذي يشبك العالم مفتوحاً على عالم آخر تتنافس فيه الأمم ـ وروسيا التي رجعت بعد عقدين من العبث تواجه بصمودِ المنتصِر الحربَ الأميركيّة ـ الأوروبيّة الغربيّة عبر أوكرانيا التي تستحكم بها قوى عنصريّة ـ نازيّة، رأسها "ممثِّل" هو "فلاديمير زيلينسكي" الحامل للجنسيّة الإسرائيليّة ويرتضي أن تكون بلده، وهي أوكرانيا، والناس الذين وثقوا به، كبش فداء صراعِ الأمم. 

كان على "زيلنسكي" أن يتجنّب ذلك بالإرتقاء في حلّ المعضلات القائمة بين أوكرانيا وبين روسيا على قاعدة المستقبل الأجمل، المنشود، عوض الفتك بآلاف المواطنين من أصل روسي بفعل إجرامي من نازيين منغمسين في توسيع الفجوة بين الشعب الأوكراني وبين الشعب الروسي، بإدخال كلمات وجمل لغويّة وتراكيب مختلفة على "اللّغة الأوكرانيّة" لتصعيب التفاهم بلغة جديدة لم تعد متقاربة مع لغة الروسي "الآخر"، وإلى إجراء تغييرات على "الأرثوذكسيّة" طقوساً وعبادات وشعائر ومعاملات حتى تكون الأرثوذكسيّة المنتشرة في المنطقة: أُرثوذكسيّتين ـ إثنتين ـ متقابلتين ـ لا لقاء بينهما ولو بالإيمان الواحد.   

ليس فقط صعود الصيني والروسي ما يُقلق الأميركي بمقدار اهتزاز الصورة في أوروبّا الحليفة كنتيجة لتغوّل أميركا ذاتها، ولتهديدات الرئيس  ترامب بوضعِ اليد على "غرينلاند" الدنمركيّة ـ العضوة في حلف شمالي الأطلسي ـ الناتو ـ وبوضع اليد على بلد كبير جغرافيّاً، وهو حديث نظاماً، ويعتزّ بثقة عالية بالذات وبكرامته وهو كندا، ويقول ترامب بعقيدة "مونرو" ـ سيطرة أميركا الشماليّة على أميركا كلّها ومن ضمنها وسط وجنوب أميركا ـ ولذلك اقتحم فينزويللّا واختطف زعيمها المنتخَب بنسبةِ تصويتٍ تفوق نسبةَ التصويت في أيّ انتخابات نيابيّة ورئاسيّة في أميركا ذاتها، ثمّ إعلانه حرباً متخبّطة على إيران دون أي مشورة حقيقيّة كان "يمكن بنتيجتها أن يشارك الأوروبيّون والأعضاء في حلف الناتو بقناعة" معقولة وسرديّة ممكنة عن الحرب إلى جانب أميركا ضد إيران المُعتدى عليها،  وهي المتطلّعة في التفاوض منذ سنوات على نحو تردّدت الأصداء في معظم القصور الرئاسيّة حول العالم أنّه لا أمل في مفاوضات يمكن إجراؤها مع أميركا، ستكون بالواقع إملاءات أو قتل أي مسؤول وهو في بيته ولو وسط أسرته، ولو هو شخصيّة مثل السيّد علي خامنئي البالغ من العمر 89 عاماً ويرتبط به روحيّاً عميقاً عشرات وعشرات وعشرات ملايين المسلمين الشيعة في إيران والعالم العربي وحول العالم. 

وضغثٌ على إبالة يقول الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبهستيريا لا قبلها ولا بعدها، وهو أحد طبقة أبستين المتوحّشة، إنّه سيقرّر ذاته من سيكون المرشد التالي لإيران بديلاً للمرشد الذي هو اغتاله بينما هو في مقرّه المعروف، رافضاً أن يكون في ملجأ أسوة بإيرانيين لا ملجأ لهم، ويترصّدهم الأعداء المتربّصون بإيران قاطبة منذ انطلاقة ثورتها عام 1978 ـ 1979 لئلاّ تتكامل عناصر نموّها على الصعد كافّة، على رغم تقدّمها واقعاً على أصعدة كثيرة، وكلّ ذلك شأن والفساد الشائع بين أهل السلطات الأوروبيّة المتعاقبة، مع عجزٍ واضحٍ عن المواكبة كنتيجة حتميّة لاعتقاد متخاذل أن العقل الأميركي وحده يكفي، والسير في ركبه كحصان رابح، إلى درجة أنه تمّ وصمِ أوروبّا من خبراء بإسم "أوروبّا العجوزة"، شأن آخر، وكيف لا والراحل محمّد حسنين هيكل ذاته كتب وبرمزيّة أنّ أكبر جنرال أوروبّي في الناتو بالكاد هو غسّال صحون بين يدي أقلّ جنرال أميركي، فضلاً عن انقسام زعامات أوروبيّة حول رؤوى تكشف قلّة كفاءة مقارنةً مع السلف، وخصوصاً في ألمانيا، فماذا القول بمن يصرّح بعدم حقّ إيران أن تلجأ إلى مجلس الأمن أو هيئة الأمم المتّحدة؟  واستناداً إلى أي قانون دولي يستند تبريراً لهذه الدعوة العدوانيّة التي أوّل مظهر من مظاهرها هذا العته ـ البؤس ـ في الفكر وعجزِ الحيلة؟. 

العدوان الأميركي مع إسرائيل على إيران في ظلّ رياح ليست موائمة لأميركا إشارة بنتيجتها حتى الآن غير الموافقة لأمنية المعتدين، وأنّ العالم ككلّ قبل المغامرة الأخيرة والعالم ككلّ بعدها "هما عالمان مختلفان": الأوّل مضى والثاني ها هو يميط اللّثام رويداً رويداً عن وجهه. 

تمّ دفْع إيران إلى الزاوية "بعدما فقدت كلّ أمل بإمكان الحوار"، قتلوا غيفارا غرب آسيا الجنرال قاسم سليماني ذي القاعدة الشعبيّة الواسعة وهو الذي اختبره الأميركيّون ووضحت لهم عقلانيّته في أكثر من حدث، كما اعتقد ربّما، ثمّ وهو في اطمئنانة إلى أنّه يتعامل مع أناس ـ مع بشر ـ  اغتالوه في بغداد واصلاً للتوّ من سوريا وهو إلى جانب  نائب قائد الحشد الشعبي أبي مهدي المهندس، وفرضوا حصاراً على إيران لم تشهد مثله بلد في العالم الحديث قياساً إلى عدد بنود العقوبات، ونقضوا كلّ اتّفاقيّة معها، وآخرها اتّفاقيّة النووي السلمي الإيراني التي وقّعها الإصلاحي جواد ظريف بالنيابة عن الرئيس حسن روحاني سنة 2015، وغدروا بإيران أثناء محادثات حزيران 2025 وقصفوا طهران وجامعاتها ومدناً إيرانيّة كثيرة، وضربوا مواقع لبرامج سلميّة، وكرّروا العدوان بالخديعة إيّاها، وكما قصفوا في المرّة الأولى قصفوا في المرّة الثانية، وفي العدوانين الآثمين تمّ اغتيال العديد من رجالات الصفّ الأوّل ومن ضمنهم القائد الأمّة بحقّ  والذي له مقامه الرفيع في صدور ملايين وملايين المسلمين الشيعة في إيران وخارجها. 

وصل الإيراني إلى قناعة إنّها حرب وجوديّة يعلنونها عليه مهما أبدى من سلميّة، عطّلَ كلَّ اتّصال بالأميركي، قصفَ القواعد الأميركيّة، دمّرَ بفعّاليّة قواعد عسكريّة، ومنها الأهمّ في عموم غرب آسيا، وللأميركي منها أن يتجسّس على نصف الكرة الأرضيّة، ووجَّه الإيراني ضربات إلى حاملات طائرات دفعها للإبتعاد ما أمكن عن ساحة الأحداث، وفيما الأميركي يدّعي أنّ سماء إيران باتت مفتوحة لطيرانه شهد العالم سقوط الطيران الحربي الأمريكي مثل F15  وF16  والطائرة الشبحيّة F35 ، ولكن انفتحت سماء الخليج التي تظلّل الأميركي أمام الصواريخ الإيرانيّة الفرط صوتيّة، وانفتحت سماء فلسطين المحتلّة ـ إسرائيل ـ شريكة الأميركي في العدوان ـ أمام ذات الصواريخ، وآخر صاروخ اجتاز أكثر من 4 آلاف كلم ـ إلى جزيرة دييغو غارسيا في المحيط الهندي ـ وهذا يعني أن إيران باتت تمتلك الصواريخ العابرة للقارّات وأن إيران أمّة حيويّة، كلّما اشتدّ ظلام ليلها اشتدّ وهج قمرها الرامز بقوّة إلى تمسّكها بحقّها أن يكون لها مكان تحت الشمس وأن تكون حقّاً مستقلّة وحقّاً سيّدة في أرضها ومالكة أخيرة لثرواتها الطبيعيّة ومستقرّة وآمنة. 

ليس أمام الجمهوريّة الإسلاميّة التي تمتلك مشروعيّة الدفاع عن نفسها أخلاقيّاً، دينيّاً ودوليّاً، وقد كسبت هذه المشروعيّة متوَّجَةً أخيراً باستقالة مدير مركز مكافحة الإرهاب في أميركا "جوزف كنت" من موقعه احتجاجاً أنّ إيران لم تكن يوماً تهديداً وشيكاً، ولا في المدى المنظور، ممّا يؤكّد أنّها معتدى عليها بإختلاقات "مفبركة"، ليس أمام إيران غير الصمود، وهي قادرة عليه 12 شهراً بوتيرة متتابعة، وقادرة عليه حرباً إستنزافيّة لا أقلّ من ستّ سنوات، مستعينةً بهذا الإلتفاف الشعبي المليوني الذي ينزل إلى الشوارع متضامناً مع قيادة البلاد المتعرّضة لعدوانات ظالمة من إثنين خطيرَين في طبقة أبستين ـ أبشتاين ـ وهما ترامب ونتنياهو، فيما القذائف تتساقط حول المتظاهرين المحتجّين ضدّ أميركا ولا يتزحزح واحد، في مشهد أثار ويثير إعجاب مراقبين تأكّد لهم أنّ الشعب الإيراني أكثر وطنيّة وأكثر ثقافة، هو نتاج أكثر من 250 جامعة ونتاج جامعة الإمام الصادق التي تُخرِّج أكثر من 300 جامعي سنويّاً في حقول القانون والحكم والدبلوماسيّة، ونتاج جامعة بهشتي التي منها أكثر من 200 خرّيج في مختلف حقول المعرفة العلميّة والإختصاصات الكيميائيّة والفيزياء النوويّة، والشعب الإيراني بحيويّته ينزل إلى الشارع لقضايا مطلبيّة كلّ بضع سنوات في ظاهرة هي من المظاهر الديموقراطيّة تنافساً بين إصلاحيين ومحافظين يتداولون السلطة كما في أي دولة متقدّمة تمارس الديمقراطيّة في بلدانها الغربيّة ولكنّها في في آن  تستكثرها على شعب إيران وشعوب دول العالم الثالث أو الدول النامية التي تحاول جاهدة للّحاق بالرّكب دون جدوى بفعل التخريب الذي يمكن للدول القويّة بمقدّراتها الجمّة أن تحدثه في حياة الدول الصاعدة في مسيرتها الإرتقائيّة المأمولة، ولكن إذا استشعر المتظاهر الإيراني وجود مستغلّين لشعاراته المطلبيّة سرعان ما "يفرمل" ويحوّل مظاهرته المطلبيّة إلى مظاهرة تضامنيّة ويتحوّل إلى متنافس لمصافحة القادة المتواجدين في الشوارع مع أهلهم، ومن بينهم الدبلوماسي الراقي والقائد المفكّر والمتخصّص بالفيلسوف الألماني "كانط" د. علي لاريجاني الذي حظي باحترام القريب والبعيد لتضحياته وسموّ أخلاقه ورباطة جأشه وتواضعه الجمّ، وعن عمد اغتالته آلة القتل الأميركيّة لأنّه ذاته كافٍ لكشف حقيقةِ مقولةِ أنّ قادة إيران لا يودّهم شعبهم، فيما الحقيقة هي بعيدة بعد الأرض عن جوّ السماء. 

ليس أمام إيران سوى الإعتصام بالشجاعة والصبر والإقدام، عارفةً، وبتعبير الأستاذ ابراهيم الأمين، أنّ "من يريد الإنتصارات عليه أن يستعدّ لتقديم التضحيات" مهما كانت جمّة وصعبة ومؤلمة، فيما أميركا تتخبّط بما بات يُعرف بفخِّ حربِ فيتنام، إضافة إلى افتتاح جبهات إقتصاديّة لم تظنّ أميركا أن لدى إيران جرأة على افتتاحها ومنها العصيّة ولو جزئيّاً وهي جبهة مضيق هرمز حيث يمرّ ربع الطاقة العالميّة و40 بالمئة من السماد للإنتاج الزراعي الذي من دونه سيكون نقصان في الأمن الغذائي العالمي، وما البال إذا افتتحت إيران جبهة باب المندب في البحر الأحمر، فضلاً عن ضرب الأصول الأميركيّة الخليجيّة، التي هي بالإسم أصول خليجيّة فيما في الواقع الحقيقي لا الإفتراضي هي أميركيّة، هي تأخذ النفط ـ الذهب الأسود، والغاز ـ الفضّة أو الذهب الأبيض، مقابل دولارات سرعان ما تعود إلى أميركا من طريق بيع وشراء أسلحة بمليارات الدولارات، وعلى شكل تمويل فقّاعات الذكاء الإصطناعي وخوارزميّات ببلايين الدولارات، ومن أين للمدد أن يستمرّ إلى تلك الفقّاعات إذا صارت منشآت طاقة الخليج في خبر كان أو سبُل تسويقها بحراً في خبر كان أيضاً؟.  

أميركا "يراقب استنزافها معنويّاً واقتصاديّاًُ المتنافسان على قيادة العالم"  وهما كلّ من  الصين وروسيا اللتين يتدفّق الذهب إليهما خلال الحرب الجارية، ممّا يقوّيهما ويُعزّز في قرب ولادة عالم جديد سيُلزِم أميركا بتقبّل صفعات على جبهة سوق الدولار والبترودولار ـ رأس حربة الحرب الباردة التي أصابت قلب الإتّحاد السوفياتي وتسبّبت بانهياره عاجزاً دون دفع تكاليف  الحرب التي طالت، وكان ضحيّة البترودولار فيما بعد كلّ من الليبي معمّر القذافي ملوّحاً بالدينار الذهبي الإفريقي وقبله العراقي صدّام حسين ملوّحاً باليورو الأوروبّي بديلاً أيضاً عن الدولار الأميركي والبترودولار، وما فشلَ به الليبي، وما فشلَ به العراقي، قد ينفذ به الإيراني ملوّحاً باليوان الصيني الذي "يقرع الخزّان" بقوّة وثقة. 

أميركا "لن تزول بين ليلة وضحاها وسيبقى حضورها الفاعل"، أقلّه في المستقبل المنظور، وعلى المستويات الإقتصاديّة والعلميّة والعسكريّة، ولإخراجها من اشتراكات حربها غير الشعبيّة حتى في أميركا ذاتها، وقد بدأت تظهر تصدّعات في جبهة اليمين المحافظ ـ الجمهوري تحديداً، مع ازدياد الحديث عن خيارات أسلحة "تكتيكيّة" أو "نوويّة" ـ قد يبادر إليها أحد الشريكين في العدوان ـ وآنئذ أي منجى في العالم فيما كلّ باب موصَد وفيما كلّ نافذة مغلقة وفيما كلّ طاقة سُدّت بوجه الغد والأمل بغد أفضل؟. 

يجب على الدول الأوروبيّة و"الدول الصديقة لأميركا مثل اليابان وكوريا الجنوبيّة" وغيرهما شرقاً وغرباً أن "لا تستغرق في نقاش شرعيّة العدوان من عدمه" والتلاعب بالقوانين تطويعاً لتبريره، وعوضاً "يجب أن تعيد صياغة علاقاتها بأميركا على ضوء المستجدّ" الذي يُرى بالتأكيد، ولا ينبئ ولو بسحابة صيف عابرة في سماء الولايات المتّحدة الأميركيّة القاسية في هذا الوقت، وأن تحاورها بشجاعة تنبئ بإمكانه دولةٌ أوروبيّة مثل إسبانيا وأن "تمتنع" عن طلباتها بالإشتراك بالحرب التي لا جدوى حقيقيّة منها، فضلاً عن الخسائر بالأرواح وبالإقتصاد، وكلاهما يلقى اعتراضاً يتنامى بين مواطنيها السلميين أو ذوي النزعة السلميّة ويعرفون أن أبناءهم في الجيوش سيكونون لنيرانها عبثاً ومجّانيّة، وبالتالي هم هكذا يلجمون اندفاعتها نحو حرب أوسع يقرّرها عقل أميركي مأزوم، متخبّط، مثاله طير وقع في شباك صيّاد، كما في قصّة عربيّة قديمة، وكلّما عاند الطيرُ الشبكةَ ليتحرّر منها كلّما أطبقتْ عليه أكثر ليسلّمَ رقبتَه منهَكَاً، صاغِراً، لسكّين الصيّاد أخيراً، ولا بدّ أن يفاتحوا أميركا بهواجسهم صادقين وداعين إلى وقف الحرب فوراً، "بشروط ملزِمة يصرّ عليها المُعتدى عليه"، مستعدّين في آن أن يكونوا وسطاء، و"إشراك روسيا أو الصين أو كليهما" في الوساطة، وهي دعوة لا بدّ أن تخفق لها قلوب شعوب كثيرة في الأرض، وخصوصاً أولئك الذين خبِروا الحروب ولم تزل ذاكراتهم تتزاحم فيها مشاهد مؤلمة، فهل من يسمع؟. 

Shawkimoselmani1957@gmail.com

                        

تجديد الفكر الديني عند مرتضى مطهري بين الرؤية التوحيدية الكونية والمدد الغيبي للحياة البشرية/ د زهير الخويلدي



مقدمة


في الفكر الإسلامي المعاصر، يبرز مرتضى مطهري كمفكر مجدد يسعى إلى إحياء الدين لا بالانغلاق على النصوص القديمة أو الاستسلام للتقليد الجامد، بل بإعادة صياغة الوعي الديني بما يتناسب مع عمق الإنسان وتحديات وجوده في عالم يتسارع نحو المادية واليأس. تجديد الفكر الديني عنده ليس مجرد إصلاح سطحي أو تكييف شكلي، بل هو عملية جذرية تعيد الدين إلى حيويته كرؤية شاملة للكون والحياة، تجعل منه قوة دافعة للإنسان نحو الكمال. هذا التجديد يتجلى بوضوح في التوازن الدقيق الذي يقيمه مطهري بين رؤيتين متكاملتين: الرؤية التوحيدية الكونية التي تكشف عن وحدة الوجود وانسجامه تحت إرادة إلهية واحدة، والمدد الإلهي الذي يمنح الحياة البشرية العون الغيبي في مواجهة واقعها اليومي. ويأتي الربط بينهما عبر مقاربة تيوديسية عميقة، تجيب على إشكالية الشر والمعاناة دون أن تنفي عدل الله أو توحيده، بل تكشف كيف أن الشرور ذاتها جزء من نظام كوني أفضل يدعم نمو الإنسان ويفتح له أبواب المدد الإلهي. كيف يدافع مطهري عن العدل الالهي في ظل وجود الشر في العالم؟


الرؤية التوحيدية الكونية والمدد الغيبي للحياة


يبدأ تجديد مطهري للفكر الديني من الوعي بأن الدين، في أصله، ليس مجموعة من الطقوس الميتة أو المعتقدات النظرية المعزولة عن الواقع، بل هو حياة كاملة تمنح الإنسان معنى وهدفاً ومسؤولية. في عصر يواجه فيه الإسلام تحديات المادية الغربية والتشاؤم الفلسفي، يرى مطهري أن التجديد يقتضي إعادة اكتشاف الدين كقوة عقلانية فلسفية قادرة على مواجهة الإشكالات المعاصرة. هذا التجديد يرفض الجمود الذي يحول الدين إلى تراث ماضوي، ويرفض كذلك الانهيار أمام الثقافات الوافدة التي تنكر الغيب والروح. بدلاً من ذلك، يقدم مطهري الدين كمشروع حيوي يعتمد على العقل والبرهان، ويربط بين الاعتقاد والعمل، بين النظرية والتطبيق. التجديد هنا يعني إحياء الإيمان بجعله قادراً على تفسير الكون والإنسان والتاريخ، ومنحه القدرة على تحريك الإنسان نحو بناء مجتمع يعكس القيم الإلهية. وفي هذا السياق، يصبح التجديد جسراً بين الرؤية الكونية الشاملة التي تكشف وحدة الوجود، والعون الإلهي الذي يدعم الإنسان في رحلته اليومية، حيث تتحول الإشكالات الوجودية – كالشر والمعاناة – إلى فرص للنمو لا إلى مبررات للشك. لذلك تُشكل الرؤية التوحيدية الكونية عند مطهري الأساس النظري لهذا التجديد، إذ تتجاوز التوحيد مجرد عقيدة لفظية أو إيمان قلبي سطحي، لتصبح رؤية شاملة للوجود كله. في هذه الرؤية، ليس الكون مجموعة من الكائنات المنفصلة أو الفوضى العشوائية، بل نظام متكامل مترابط يسير تحت تدبير إلهي واحد، حيث يعكس كل موجود – من الذرة إلى المجرة – صفات الواحد الأحد. التوحيد هنا ذاتي وصفاتي وفعلي وعبادي: الله واحد في ذاته، صفاته عين ذاته لا زائدة عليها، أفعاله لا شريك لها، وعبادته خالصة دون شرك. هذه الرؤية تكشف عن محدودية المخلوقات ونسبيتها وحاجتها، مما يدل بالضرورة على الواقع المطلق الغني عن كل شيء. الكون، في هذا التصور، ليس مجرد مسرح للأحداث العابرة، بل مدرسة إلهية للإمتحان والتطور، حيث يُجازى الإنسان على نيته وجهده، وتكتسب الأهداف الإنسانية قداسة لأنها مرتبطة بالهدف الكوني الأسمى. هذه الرؤية الكونية تجدد الفكر الديني بمنحه عمقاً فلسفياً يجعله قادراً على مواجهة الرؤى المادية التي تحصر الوجود في المحسوس. إنها تمنح الإنسان إحساساً بالانسجام والغاية، فالحياة ليست عبثاً، والوجود ليس صدفة، بل مسار محكم يسير نحو الكمال. التوحيد الكوني يرفض الثنائية بين الخير والشر كأصلين متساويين، ويؤكد أن الوجود كله خير في جوهره، وأن النظام المتحقق هو أحسن النظم. هكذا، تصبح الرؤية التوحيدية ليست مجرد اعتقاد، بل قوة تحريكية تحول الوعي البشري من التشاؤم إلى الطموح، ومن اليأس إلى المسؤولية. في سياق التجديد، تكشف هذه الرؤية كيف أن الدين يمكنه أن يعيد صياغة الإنسان المعاصر ككائن مسؤول أمام كون مترابط، لا كائن منعزل في فراغ مادي. غير أن هذه الرؤية الكونية الشاملة، مهما كانت عظيمة، تحتاج إلى ترجمتها إلى واقع الحياة البشرية اليومية، وهنا يأتي دور المدد الإلهي أو الغيبي كبعد عملي يربط السماء بالأرض. المدد الغيبي، عند مطهري، هو العون والدعم الذي يأتي للإنسان والمجتمع من عالم ما وراء الحواس، من الغيب الذي يتجاوز الإدراك المادي. ليس هذا المدد اعتباطياً أو سحرياً، بل هو نتيجة للجهد الإنساني المخلص والإخلاص والسعي، وهو امتداد طبيعي للتوحيد: فالله الواحد الغني يفيض برحمته الرحمانية على الكل، ورحمته الرحيمية الخاصة على المؤمنين الذين يسعون إليه. يتجلى هذا المدد في صور متعددة: الإلهام والإشراق الذي يفتح آفاق العلم والمعرفة للمفكرين، والتهيئة الظرفية التي تفتح أبواب التوفيق، والهداية التي تيقظ القلوب، وصولاً إلى البعد الاجتماعي الكبير كما في فكرة المهدي المنتظر، التي تمثل الأمل الغيبي في نهاية الظلم وملء الأرض عدلاً.


في الحياة البشرية، يواجه الإنسان صعوبات ومحن وشروراً تبدو أحياناً كأنها تنفي العدل الإلهي أو تجعل التوحيد مجرد نظرية بعيدة. هنا يبرز المدد الإلهي كقوة دافعة تحول هذه الصعاب إلى فرص. إنه يمنح الإنسان الاطمئنان والأمل، ويمنعه من الاستسلام للمادية التي تنكر أي تأثير روحي أو غيبي. المدد يربط الإنسان بالعالم الأعلى، فيجعله يرى في كفاحه اليومي امتداداً للنظام الكوني التوحيدي. هكذا، يصبح التجديد الديني عملياً: الدين ليس فقط رؤية كونية تتأمل الكون من بعيد، بل مدداً يدعم الإنسان في صراعه مع الواقع، يعطيه قوة داخلية لمواجهة اليأس والفوضى. والآن، تظهر المقاربة التيوديسية عند مطهري كالجسر الحاسم الذي يربط بين الرؤية التوحيدية الكونية والمدد الإلهي للحياة البشرية.


التيوديسيا – أي الدفاع عن عدل الله أمام وجود الشر – ليست عند مطهري مجرد حل نظري لإشكال فلسفي قديم، بل هي قلب التجديد الديني نفسه. في مواجهة تساؤلات الإنسان عن الألم والمعاناة والظلم الذي يبدو في الكون، يقدم مطهري تفسيراً عميقاً ينطلق من التوحيد نفسه. الشر، في هذه المقاربة، ليس وجوداً مستقلاً أو أصلاً متعادلاً مع الخير، بل هو عدمي في جوهره: نقص أو فراغ أو عدم كمال، كالظل الذي ليس إلا غياب النور، أو المرض الذي هو فقدان الصحة. الشر نسبي أيضاً؛ فما هو شر بالنسبة لإنسان قد يكون خيراً في سياق النظام الكلي، كسم الحية الذي يحميها لكنه يضر الإنسان.


هذا التفسير ينسجم تماماً مع الرؤية التوحيدية الكونية: الكون نظام واحد محكم، طولي (مراتب العلة والمعلول) وعرضي (الشروط المادية)، وهو أحسن النظم لأنه يعطي كل موجود ما يستحقه حسب قابليته واستعداده. الاختلافات والنقائص ليست ظلماً، بل لازمة للكمال الكلي؛ فبدون النقص لما برز الكمال، وبدون الشرور الظاهرية لما تحقق الجمال والانسجام. العدل الإلهي هنا ليس معياراً خارجياً يحاكم الله، بل هو صفة ذاتية لأفعاله: الله يفيض الوجود حسب الحكمة، ولا يظلم أحداً لأنه لا شريك له. أما حرية الإنسان – الاختيار بين الخير والقبيح – فهي التي تجعل الشرور الناتجة عن الأفعال البشرية جزءاً من المسؤولية، لا تنفياً للعدل الإلهي.


في هذه المقاربة التيوديسية، يصبح الشر جسراً نحو المدد الإلهي. المحن والشدائد ليست عقاباً عشوائياً، بل تربية وصقل للنفس، تفتح أبواب الإلهام والعون الغيبي لمن يسعى ويخلص. التوحيد الكوني يؤكد أن كل شيء من الله وإليه، والعدل يضمن أن هذا "كل شيء" يخدم الكمال الإنساني.


 هكذا، يجدد التيوديسيا الفكر الديني بجعله قادراً على احتواء التناقضات الظاهرية: الإنسان يعاني في حياته اليومية، لكنه مدعوم غيبياً، والكون موحد ومنسجم رغم الشرور التي هي في الحقيقة غيابات تكمل الصورة الكلية. التجديد يتحقق إذن في هذا التوازن: الرؤية الكونية تعطي الإطار الشامل، والمدد الإلهي يمنح القوة اليومية، والتيوديسيا تذيب الشكوك وتحول المعاناة إلى طريق نحو الله.


المقاربة التيوديسية


في تجديد الفكر الديني عند مرتضى مطهري، تبرز المقاربة التيوديسية كعنصر محوري يعيد صياغة الإيمان بطريقة تجعله قادراً على مواجهة أعمق إشكالات الوجود البشري: لماذا يوجد الشر والألم والمعاناة في عالم يحكمه إله واحد قدير حكيم؟ لا تكتفي هذه المقاربة بالدفاع السلبي عن عدل الله، بل تحولها إلى رؤية إيجابية تحول الشرور ذاتها إلى محركات للكمال الإنساني، وتفتح أبواب المدد الإلهي في الحياة اليومية. إنها ليست مجرد حل فلسفي لمشكلة قديمة، بل هي تجديد جذري يربط الرؤية التوحيدية الكونية – التي ترى الكون نظاماً واحداً مترابطاً – بالعون الغيبي الذي يدعم الإنسان في رحلته الوجودية. بهذا، يصبح التيوديسيا عند مطهري ليس دفاعاً عن الله أمام الشر، بل إعلاناً عن حكمته في نظام يجعل كل نقص وكل ألم جسراً نحو الارتقاء والفيض الإلهي. يقوم مطهري مقاربته التيوديسية بإعادة تعريف العدل الإلهي نفسه، بعيداً عن المفاهيم الاجتماعية البشرية الضيقة. العدل عنده ليس مجرد مساواة أو إعطاء كل ذي حق حقه بمعنى قانوني سطحي، بل هو رعاية الاستحقاق والأهلية في إفاضة الوجود والكمال حسب قابلية كل موجود. الله، بوصفه المالك المطلق للكون، لا يمكن أن يظلم أحداً لأن كل شيء منه وله؛ فالظلم يفترض ملكية مستقلة للمظلوم، وهذا غير وارد في التوحيد الكوني. هذا التعريف يجعل العدل صفة ذاتية لأفعال الله، لا معياراً خارجياً يحاكمه. فالكون ليس موزوناً بالتساوي بين الخلائق، بل بالتناسب مع مراتبها واستعداداتها في سلسلة الوجود. التمييز في الخلق – كالذكاء أو الصحة أو الثراء – ليس ظلماً، بل هو تعبير عن الحكمة الإلهية التي تفيض حسب الاستعداد، كما أن الشمس لا تُلام على أنها لا تضيء كل مكان بنفس القدر. أما جوهر المقاربة التيوديسية، فيكمن في تحليل ماهية الشر نفسه. يرى مطهري أن الشر ليس وجوداً إيجابياً مستقلاً يقف في مقابل الخير كقطب ثانٍ، كما في الثنويات القديمة أو الماديات الحديثة. الشر أمر عدمي في أصله: هو نقص أو غياب أو عدم كمال، كالظلام الذي ليس إلا غياب النور، أو الجهل الذي هو عدم العلم. هذا الفهم ينسجم تماماً مع الرؤية التوحيدية الكونية، حيث الوجود كله خير وفيض إلهي، والنقائص إنما تظهر في المراتب الدنيا من سلسلة العلة والمعلول. فالكون نظام مترابط طولياً (من الله إلى أدنى المخلوقات) وعرضياً (الشروط والعلاقات بين الموجودات)، وهو "أحسن النظم" لأنه يحقق الكمال الكلي رغم النقائص الجزئية. بدون هذه النقائص، لما برز الجمال والتنوع والارتقاء؛ فالشرور الظاهرية ضرورية لإبراز الكمال، كما أن الظل ضروري لإبراز النور. كما يؤكد مطهري على نسبية الشر: ما هو شر بالنسبة لإنسان قد يكون خيراً بالنسبة لمخلوق آخر أو في سياق الكلي. العقرب، مثلاً، ليس شراً في ذاته؛ فسمها يحميها ويحفظ توازنها البيئي، لكنه شر بالنسبة للإنسان. هكذا، يرفض مطهري النظرة الجزئية التي تحكم على الكون من منظور إنساني ضيق، ويدعو إلى النظرة الكلية: الكون كله خير في جوهره، والشرور مجرد جوانب نسبية في نظام يخدم الغاية الأسمى. هذا يحل إشكالية الشرور الطبيعية (كالزلازل والأمراض) بجعلها لازمة للنظام الكوني، وليست اعتباطية أو مخالفة للعدل. أما الشرور الأخلاقية (الظلم البشري)، فتنبع من حرية الإنسان – الاختيار الحقيقي بين الخير والقبيح – التي هي شرط للكمال الإنساني والمسؤولية. الله لا يجبر على الشر، بل يمنح الإنسان القدرة على الاختيار، ويترك له نتائجه، مع أن العدل الإلهي يضمن الجزاء العادل في النهاية.


غير أن مطهري لا يكتفي بهذا التفسير النظري؛ بل يربط الشر بالغاية التربوية والتكاملية للحياة البشرية. الشرور والمحن ليست عقاباً عشوائياً أو دليلاً على غياب العدل، بل هي مدرسة إلهية لصقل النفس وتنمية الروح. الألم يوقظ الوعي، والشدة تبني الصبر والإخلاص، والنقص يدفع نحو السعي والجهاد. هنا يظهر الربط العميق بين التيوديسيا والمدد الإلهي: المعاناة ليست نهاية، بل باب مفتوح للعون الغيبي. فمن يواجه الشر بإخلاص وجهد يتلقى الإلهام والتوفيق والتهيئة الظرفية؛ الله يفيض رحمته الخاصة على من يسعى، فيجعل الشر نفسه وسيلة للمدد. هكذا، يتحول اليأس إلى أمل، والمعاناة إلى فرصة للارتقاء نحو مراتب أعلى في الوجود. في سياق التجديد الديني، تجعل هذه المقاربة التيوديسية الدين قادراً على مواجهة التشاؤم المعاصر والمادية التي ترى العالم فوضى أو صدفة. إنها تؤكد أن الكون موحد ومنسجم رغم الظاهر، وأن الإنسان ليس ضحية بل شريكاً في بناء مصيره تحت رعاية إلهية حكيمة. التوحيد الكوني يعطي الإطار الشامل – الكون نظام واحد يسير نحو الكمال – والتيوديسيا تذيب الشكوك حول العدل، والمدد الإلهي يمنح القوة العملية في الحياة اليومية. بهذا التوازن، يجدد مطهري الفكر الديني: لم يعد الدين مجرد اعتقاد نظري، بل رؤية تحول الشر إلى خير، والمعاناة إلى نمو، والإيمان إلى قوة دافعة للإنسان المعاصر.


الشر كعدم


في مقاربة مرتضى مطهري التيوديسية، يُعد مفهوم «الشر كعدم» أحد أعمق الأسس الفلسفية التي تربط بين التوحيد الكوني والعدل الإلهي، وتفتح الطريق أمام فهم المدد الغيبي كاستجابة حكيمة للنقص البشري. لا يرى مطهري الشر وجوداً إيجابياً مستقلاً يوازي الخير أو ينافسه، كما في بعض الرؤى الثنوية أو المادية التي تتصور الشر قوة كونية معادية. بل هو، في أصله، أمر عدمي: نقص محض، غياب للكمال، فراغ في الوجود، أو عدم تحقق لما ينبغي أن يكون. هذا الفهم ليس مجرد تحليل منطقي، بل هو تعبير عن رؤية توحيدية شاملة ترى أن الوجود كله فيض إلهي خالص، والشر إنما يظهر حيث ينقص هذا الفيض أو يُحجب بسبب محدودية المخلوق. يحرص مطهري على التمييز الدقيق بين الوجود والعدم. الوجود الحقيقي هو ما يفيض به الله تعالى، وهو خير محض لأنه صادر عن الخير المطلق. أما العدم فهو ليس شيئاً موجوداً بذاته، بل هو مجرد غياب الوجود. فالظلام، مثلاً، ليس جوهراً قائماً بذاته يحارب النور؛ إنه ببساطة عدم النور. كذلك المرض ليس وجوداً إيجابياً، بل هو غياب الصحة أو نقص في التوازن الحيوي. والجهل ليس علماً معكوساً، بل غياب العلم. والظلم ليس عدلاً مقلوباً، بل غياب العدل أو عدم تحققه في الفعل البشري. بهذا المعنى، الشر ليس مخلوقاً مستقلاً، ولا هو فعلاً إلهياً مباشراً، بل هو نتيجة حتمية للمراتب المحدودة والناقصة في سلسلة الوجود.هذا التصور ينسجم تماماً مع الرؤية التوحيدية الكونية عند مطهري. فالكون ليس مجموعة من الأشياء المنفصلة، بل نظام واحد مترابط طولياً (من الله كعلة أولى إلى أدنى المخلوقات) وعرضياً (بالعلاقات والشروط بين الموجودات). في هذا النظام، يفيض الوجود على كل شيء بحسب قابليته واستعداده. فالذرة تتلقى وجودها المحدود، والإنسان يتلقى وجوداً أرقى يشمل العقل والإرادة، والملائكة تتلقى وجوداً أنقى. حيث تكون القابلية محدودة، يظهر النقص بالضرورة. هذا النقص ليس ظلماً إلهياً، بل هو لازمة وجودية لتحقق التنوع والمراتب والكمال الكلي. لو كان كل موجود كاملاً مطلقاً، لما كان هناك كون متعدد المراتب، ولما برز الجمال في التنوع، ولما كان هناك مجال للارتقاء والسعي.ويُبرز مطهري نسبية الشر في هذا السياق. فالشر ليس مطلقاً، بل هو نسبي تماماً للمخلوق وللمنظور. ما يُعد شراً بالنسبة لإنسان قد يكون خيراً بالنسبة لمخلوق آخر أو في النظرة الكلية. سم العقرب، على سبيل المثال، شر بالنسبة للإنسان الذي يتعرض له، لكنه خير بالنسبة للعقرب نفسه لأنه يحميها ويحفظ بقاءها. كذلك، الزلزال الذي يدمر مدينة قد يكون شراً جزئياً، لكنه جزء من النظام الجيولوجي الذي يحفظ توازن الأرض ويجدد خصوبتها على المدى الطويل. هذه النسبية تكشف أن الشر ليس مخالفة للنظام الكوني، بل هو جانب من جوانب هذا النظام نفسه حين ننظر إليه من زاوية محدودة. النظرة الكلية – التي تكشفها الرؤية التوحيدية – ترى أن الكون «أحسن النظم» رغم هذه النقائص الجزئية، لأن النظام الكلي يحقق أكبر قدر ممكن من الخير والكمال بالنظر إلى طبيعة المخلوقات.


أما فيما يتعلق بالشرور الأخلاقية (كالكذب والظلم والعدوان)، فيؤكد مطهري أنها أيضاً عدمية في جوهرها. الظلم ليس وجوداً إيجابياً، بل هو غياب العدل في الفعل البشري، أي عدم تحقق العدل الذي ينبغي أن يكون. وهذا الغياب يعود إلى حرية الإنسان وقدرته على الاختيار. الله منح الإنسان الإرادة الحرة ليكون مسؤولاً، وليكون كماله اختيارياً لا جبرياً. لو أجبر الله الإنسان على الخير فقط، لما كان الإنسان إنساناً بل آلة. لذا، أتاح الله مجالاً للنقص والخطأ، لكن هذا النقص ليس من فعل الله المباشر، بل من فعل الإنسان نفسه الذي يختار العدم (الشر) بدلاً من الوجود (الخير). ومع ذلك، فإن العدل الإلهي يضمن أن كل فعل يلقى جزاءه، سواء في الدنيا أو في الآخرة، مما يعيد التوازن إلى النظام الكوني.هذا الفهم للشر كعدم يفتح الباب واسعاً أمام المدد الإلهي في الحياة البشرية. فحيث يوجد النقص (الشر)، تظهر الحاجة إلى الفيض الإلهي. المعاناة والألم والجهل ليست نهايات، بل هي نداء داخلي يدفع الإنسان إلى السعي والإخلاص والجهاد الأكبر. والله، بمقتضى رحمته الرحمانية العامة ورحمته الرحيمية الخاصة، يفيض المدد والعون والإلهام على من يسعى ويطلب. هكذا، يتحول الشر (كغياب) إلى فرصة لتحقق الوجود الأرقى. النقص يصبح محركاً للكمال، والألم يصبح طريقاً للصبر واليقين، والجهل يصبح باباً للعلم والمعرفة. المدد الغيبي إذن ليس تعويضاً عن شر إيجابي، بل هو استجابة حكيمة للنقص الذي يحتاج إلى ملء.


في سياق التجديد الديني، يجعل مفهوم الشر كعدم الفكر الديني قادراً على مواجهة التحديات المعاصرة بثقة عميقة. ففي عصر يرى فيه كثيرون العالم فوضى مليئة بالشرور المطلقة، يقدم مطهري رؤية توحيدية تكشف أن الكون ليس فوضى، وأن الشر ليس قوة مستقلة، بل غياب مؤقت أو نسبي يخدم في النهاية الكمال الكلي. هذا الفهم يحمي الإيمان من الانهيار أمام المآسي، ويحوله إلى قوة إيجابية تحول المعاناة إلى نمو، والنقص إلى سعي، والغياب إلى فيض. بهذا، يصبح الشر كعدم ليس مشكلة تُحل بالدفاع فقط، بل سراً كونياً يكشف عن حكمة الله: أن يسمح بالنقص ليفتح مجالاً للاختيار والارتقاء، وأن يجعل هذا النقص نفسه باباً للمدد الإلهي الذي يملأ الفراغ ويرفع الإنسان نحو مراتب أعلى. هكذا تكتمل الرؤية التوحيدية: الوجود كله من الله وإليه، والعدم (الشر) مجرد لحظة في رحلة العودة إليه، والمدد الغيبي هو اليد الإلهية التي تمد للإنسان في كل نقص لتعيده إلى الكمال.


خاتمة


  يمثل تجديد الفكر الديني عند مرتضى مطهري نموذجاً متكاملاً للإحياء الإسلامي المعاصر. إنه لا يفصل بين النظر الكوني والعمل الإنساني، بل يجعلهما متداخلين عبر المدد الإلهي الذي يربط الغيب بالشهادة. والمقاربة التيوديسية ليست دفاعاً سلبياً عن الله، بل إعلاناً إيجابياً عن حكمته وعدله في نظام يدعم الإنسان ويرفعه. هذا التجديد يدعو الإنسان المعاصر إلى أن يرى في كونه جزءاً من كون توحيدي، وفي معاناته فرصة لمدد إلهي، وفي إيمانه قوة تحول الشر إلى خير واليأس إلى أمل. بهذا، يعود الدين حياً، قادراً على مواجهة العصر بكل تحدياته، ومؤكداً أن التوحيد ليس مجرد كلمة، بل رؤية ومدداً وعدلاً يحيي الحياة البشرية كلها. في النهاية، مقاربة مطهري التيوديسية ليست مجرد فلسفة دفاعية، بل دعوة إلى إعادة اكتشاف الإيمان كحياة كاملة. إنها تجعل الإنسان يرى في كونه جزءاً من كون توحيدي أفضل، وفي ألمه فرصة لمدد إلهي يرفعه، وفي جهده مسؤولية تكمل النظام الكوني. هكذا يعود الدين حياً، قادراً على احتواء تناقضات العصر وتحويلها إلى طاقة بناء، مؤكداً أن العدل الإلهي ليس غياب الشر، بل حكمة تحول الشر إلى طريق نحو الله.


كاتب فلسفي

الأطرش ودروز فلسطين ولماذا نذكره بـذكرى ارتقائه الـ 44/ سعيد نفّاع


وقفات على المفارق

*هذه الوقفات مع: سلطان وَ "العَمْرَه اللّي قُدّامِها لِوانِ!"، وسلطان والتراث الدرزي الإسرائيلي، وسلطان وأدهم خنجر ورجال الدين!، وسلطان وترحيل دروز فلسطين، وسلطان وشهداء النكبة الدروز، وسلطان والدين لله والوطن للجميع، وسلطان وعبد الناصر.       

*الوقفة الأولى.. مع سلطان وَ "العَمْرَه اللّي قُدّامِها لِوانِ!"

قبل سنين وحين كانت الأعراس في قرانا عربيّة عامرة؛ صفّ سحجة عامر والحُداة رائحون غادون أمام الصفّ بلباسهم العربيّ "الروزا" يجودون بما قدّرهم الله عليه وغالبًا من المديح، والحشاة (منظّمو الصفوف) يدأبون على تنظيم الصفّ، ويا ويل من يجرؤ على لخْبَطة الصفّ، فإن كان بالغًا صرخ فيه الحاشي: "عدِّل"، وإن كان منّا نحن الشباب والذي كان مكاننا دائمًا "على الجحشة" (يعني ذيل الصفّ)، فـَ "ظبّت حافرك" أو ما شابهها كانت الغالبة.

كانت إحدى "الردّات" المشهورة: "سلطان يا القْرَيّة يا شمعة الديوانِ – عمّر عمارة حلوِة قُدّامها ليوانِ"، علمًا أنّه لم يكن لدى سلطان عمارة حلوة ولا قدّامها ليوانِ، أقول هذا الكلام كمن زار داره في بلدته القْريّة التي ما زالت قائمة كما كانت وهي أكثر من متواضعة حتّى في زمن عزّها.

*الوقفة الثانية.. مع سلطان والتراث الدرزي الإسرائيلي 

رجال كثُر من عرب فلسطين؛ دروز وغير دروز شاركوا في الثورة متطوّعين بمرحلتها الأولى 1922 ومرحلتها الكبرى الثانية 1925، وهؤلاء رحلوا ورحلت معهم الكثير من الوقائع. أناس كثُر سوريّون دروز فرّوا من ساحات الثورة وجاؤوا فلسطين محمِّلين معهم ممّا هبّ ودبّ عن الثورة وَ "بطولاتهم" فيها والبطولات منهم براء، وَ "الله يجيرنا من شابّ تغرّب"!

%80، إن لم يكن أكثر من دروز فلسطين اليوم؛ جيل مدرسة "التراث الدرزيّ" المُستعربيّة، لا يعرفون عن سلطان إلّا أنّه درزي ثار على الفرنسييّن لأنّهم لم يحترموا حرمة داره ودخلوها عنوة في غيابه واختطفوا دخيلها (أدهم خنجر)، ولا يعرفون حتّى من هو هذا الـ أدهم خنجر، فلا استعمار ولا احتلال ولا عروبة ولا قوميّة ولا إسلام، فقط نزعة ثأريّة "درزيّة" حماية للمستجير، وكفى الله المؤمنين شرّ القتال!

والأنكى أنّ بعضهم يروحون يلومون بقيّة العرب، لماذا لا يحتفون بـ سلطان؟ تقول يعني هم يحتفون بِـ عمر المختار!!!   

*الوقفة الثالثة.. مع سلطان وأدهم خنجر ورجال الدين!         

لم يهدأ بال المستعمر الفرنسيّ يومًا مذ وطأت قدمه سورية فالثورات في كلّ مناطقها ضدّه كانت تشتعل، وفي العام 1922 كان سلطان يطلقها من الجبل وأدهم خنجر اللبنانيّ ابن جبل عامل اللبنانيّ (الشيعيّ إذا حدا يحب أن يعرف) قام بمحاولة اغتيال المندوب السامي "غورو" فأصابه، والتجأ إلى دار سلطان في الجبل فاقتحمها الفرنسيّون واعتقلوا الخنجر وشنقوه لاحقًا، فكانت القشّة التي أشعلت ثورة الـ 22. ما لا يعرفه دروز فلسطين أنّ ثلاثيّة قيادة العقل في الجبل حينها أصدرت بيانًا ضدّ الثورة وسلطان ملقية الحرم عليه وعلى كلّ من والاه (نسخته بين يديّ لمن يُحبّ)، فلم يمهلهم التاريخ فداسهم وسنابك خيل الثورة الكبرى 1925 وعلّى سلطان.

*الوقفة الرابعة.. مع سلطان وترحيل دروز فلسطين           

اشتغلت في مخطّط ترحيل دروز فلسطين إلى سورية في ثلاثينيّات وأربعينيّات القرن الماضي أعلى القيادات الصهيونيّة - حسب المصادر الصهيونيّة؛ من بن غوريون (رئيس حكومة إسرائيل لاحقًا)، وحاييم وايزمن (الرئيس الأوّل لدولة إسرائيل لاحقًا)، ويتسحاك بن تسفي (رئيس دولة إسرائيل الثاني لاحقًا)، وقيادات صهيونية أخرى وازنة؛ آبا حوشي، وإلياهو أفشتاين، ودوف هوز، ويوسف ألفيّة وغيرهم وبعض ما جاء في وثائقهم:    

أوّلا: "المهمة أو من بين المهام المناطة بالمتعاملين الدروز هي كذلك خارجية لإيجاد عملاء للحركة من الدروز خارج حدود فلسطين وبالذات في سورية، لإيصالنا إلى قادة الثورة السورية الكبرى وبالذات سلطان الأطرش".

ثانيًا: "وهذا الأهم تنفيذا للخطة المُبيّتة "الترحيل- الترانسفير""... ففي سنة 1938، تم التداول من جديد وبسرية تامة في مشروع نقل الدروز للتوطين في جبل الدروز وبالذات من قرى الكرمل، وقد صيغت الخطة كذلك بسرية تامة باشتراك قسم من القيادات الدرزية على يد رؤساء الوكالة اليهودية وبموافقة الوجهاء(!) الدروز". 

ثالثا: "لم يكن لدى المستوطنين الصهاينة صعوبات نفسية أو أخلاقية حول فكرة الترحيل شرط أن تكون إرادية وتفسح مكانا للاستيطان اليهودي. كان من آمن أن الفكرة قابلة للتنفيذ لكل العرب وكان من المتشككين كأوسيشكين وشرتوك... فكرة نقل الدروز من قراهم لجبل الدروز دخلت قلوب رؤساء الحركة الصهيونية بضمير مرتاح لأنه كان سيجيئ بالفائدة لتقوية الدروز في الجبل" (!).

سلطان أفشل كلّ هذه الخطّة وما بعدها، فيقول في مذكّراته: "لقد نصحت أبناء الطائفة الدرزية في فلسطين صراحة بعدم مغادرة أرضهم مهما تحملوا أو سيتحملون من وطأة الاحتلال. ولقد دلّت الأيام أن التشبث بالأرض خير من التشرّد في أصقاع الوطن العربي. إن التقصير في حماية الأرض الفلسطينية لم يقف عند هذا الحد، بل إن اللاجئين الفلسطينيين عانوا الأمرّين من معاملة بني جلدتهم رغم شدّة البؤس الذي يعيشون فيه". 

*الوقفة الخامسة... مع سلطان وشهداء النكبة الدروز

ويقول سلطان الأطرش: "لمّا أقرّت الأمم المتحدة تقسيم فلسطين، ورفض العرب قيام دولة صهيونية، وأخذت الحكومات العربية تعد العدّة لتحرير فلسطين وتمنع بالقوة التقسيم حضر إلى الجبل القائد فوزي القاوقجي، وهو صاحب ماض مشرّف في الدفاع عن فلسطين، واجتمع بالمحافظ النّكدي ووجهاء المدينة (السويداء) ثم قدم إلى القْرَيّة (بلدة سلطان) وأطلعني على المهمة الموكلة إليه وهي طلب المتطوّعين في جيش الإنقاذ لمنع وقوع فلسطين في يد الصهاينة. استنهضنا همّة شباب الجبل في تلبية لدعوته فاستجاب الكثيرون لها. ويا ليت الأوضاع العامة في الجبل كانت على غير ما كانت عليه بسبب النزاع الذي حصل بين الشعبيّة والأطارشة، لكنّا زحفنا جميعًا للدفاع عن فلسطين وتعزيز تقاليدنا في الكفاح وحماية الوطن. ولكنّ آثار الفتنة السابقة بين أبناء الجبل جعلت الكثيرين حذرين من مغادرة قراهم. ولقد قدم الجبل عددًا من الشهداء فاق الثمانين شهيدا على أرض فلسطين."   

*الوقفة السادسة... مع سلطان والدين لله والوطن للجميع

"إخواني وأبنائي العرب... لقد أولتني هذه الأمّة، قيادة الثورة السوريّة الكبرى، ضد الاحتلال الفرنسيّ الغادر، فقمت بأمانة القيادة، وطلبت الشهادة وأديت الأمانة... انطلقت الثورة من الجبل الأشم، جبل العرب... وشعارها: الدّين لله والوطن للجميع... لتكن وحدتكم الوطنيّة، وقوّة إيمانكم، وتراصّ صفوفكم، هي سبيلكم لردّ كيد الأعداء، وطرد الغاصبين، وتحرير الأرض... واعلموا بأن ما أُخِذ بالسيف، بالسّيف يؤخذ... وأنّ كأس الحنظل بالعزّ، أشهى من ماء الحياة مع الذّل."

*الوقفة السابعة.. مع سلطان وعبد الناصر

يوم خصّ عبد الناصر إبّان الوحدة الجبل وسلطان في الزيارة التاريخيّة واستقبل في المضافة "التي بلا ليوان"، رحّب به الباشا قائلًا: "أهلاً بالثوار!"، ردّ عبد الناصر التحيّة بأطيب منها وقال: "إن كنّا ثوّارًا فأنت أبو الثوار!"

من أجل كلّ ذلك نحتفي بـ سلطان!

27 آذار 2026

سعيد نفّاع – 7208459- 050

Saeid-naffaa.com    


وراء الباب السابع/ بن يونس ماجن



1

العتمة لا تجيد الانحناء

تحت شلالات ضوء القمر

2

ثمة قبور لا تقبل ان يدفن فيها

جيفة العملاء الخونة

3

من كتب "لا غالب الا الله"

على أسوار غرناطة ؟

4

الانسان الآلي والذكاء الاصطناعي

أيهما أكثر الانجاب؟

5

في حلقة سرية جدا اجتمع الغاوون

وقرروا أن الشعراء سيدخلون الجنة بلا عقاب ولا حساب

6

الحلم الكبيرالذي يراود الصهاينة

أنهم يعرفون أسرار القوة المطلقة

7

العالم الغبي المصاب بالتفاهة

لن يفهم أبدا ما الذي يجري حوله

8

ما جدوى العبودية

اذا كان وهم الحرية مغلغل في خداع الذات

9

أولياء الأمر هل أتوا من السماء الى الارض

وهل هم على قدم المساواة معنا كما يتوهمون؟

10

فتيل الحرب العالمية الثالثة

من سيحرق الشمعة من كلا طرفيها؟

11

وراء الباب السابع

يقبع حلزون أسير في قبضة تمساح حزين

12

كم نمقت سماسرة "السلام" المعلب

انها خناجر تقطر سما وغدرا

13

السكارى يتسللون خلسة الى مقابر الموتى

ويسقطون في حفرة مليئة ببقايا دود

14

أبواق العرب الصهاينة تبتهج بالدعاءات الكاذبة

كمن يجمع الحطب ليلا

15

خائن بلاده

هو ألد الخصام

16

لغز محير جدا

الاغتيال لا يلحق بقادة الكيان الرهيب

17

يجب نزع سلاح الصهاينة الأشرار

ومتابعة مجرمي حرب الابادة الجماعية

18

في حظيرة البهائم والدواجن

يرتع ولاة الأمر وائمة الكفر

19

الفك المفترس 

فقد كل أسنانه بعضة واحدة

20

يختبئ الجندي الجبان في مقصورته

ثم يقذف سمومه على الابرياء

21

وماذا عن الصهيوماسونية

التي توغل في وسائل الاعلام الغربية الفاسدة

22

أجمع الريح في يدي

واغلق أبواب العاصفة بمتاريس الغضب

المعنى الأخيرُ للغة: إلى ريم.../ فراس حج محمد



-١-

امرأةٌ تصبّ جام قبلتها على شفتي

وتُعلي حبل مشنقتي

وعند باب غرفتها تعرّفني- كما أشيائها- على أبواب مقصلتي

وترفع في المدى أنخابَ كأس الحبّ في توليف معضلتي

تروح فيّ

تجيءُ

كأنّها لحن تماوج في أنفاس أغنيتي

-٢-

هيَ امراة

بنت بيني وبين المفردات مسافةً كلّما طال الهوى اتسعت

ضاقت عليّ القواميسُ

واختلف الرواة على معنى "الحبيبة" في القصيدة والرسالة واللغةْ

ريمٌ هيَ اللغةُ التي استعصت على لغتي!

-٣-

(....) ليست على القاعْ

ريمٌ على القمّة

ريمٌ صدى الإمتاعْ

في عبقة النسمةْ

فيها الهوى ملتاعْ

رسم على رسمةْ

-٤-

ريم؛ راءٌ وياءٌ، ميمْ

لكنّها ليس كأيّة راءْ

ليست كأيّة ياءْ

ليست كأيّة ميمْ

ربحتُها فخسرتُ

يممتُها فضللتُ

مسّدتُها بيديّ حتى انتهى قمري الجنونيُّ فتهتُ

-٥-

الأرضُ من ريمي ومنها قُنّة الجبلِ

ومنها مَدّة الدنيا وحلم الخاطرِ العجلِ

ومنها غيمة سبحت تروّي لهفة المُقَلِ

ومنها كلّ زقزقة تغنّت في رؤى الغَزَلِ

ومنها سرّ صوفيّ تُترجم روحه أملي

هيَ الدنيا بأجمعها دنت مع رائها الخجلِ

-٦-

ريمٌ هيَ التعريفُ للمرأةْ

هي التأصيلُ للشغف البهيّ في الذروة

هي التأسيس نحو العالمِ العلويِّ على مدارج الشهوةْ

هي القوّةْ

هي التأويل في عزّ اكتمال الموت للمعنى

هيَ الرحم الذي يمتد فيه الجذر كي يستولد الفكرةْ

هي النصّ الذي لا يستطيع الشاعر المهووس أن ينهي له أمرهْ...


تدبير أحوال الناس ومعاشهم ومعادهم والهدف الأسمى لكل نشاط فلسفي/ د زهير الخويلدي



مقدمة


 تصريح– «أن تدبير أحوال الناس ومعاشهم ومعادهم هو الهدف الأسمى لكل نشاط فلسفي» – ليس مجرد شعار معاصر، بل هو إعادة صياغة جذرية لجوهر الفلسفة العربية الإسلامية في مواجهة تحديات العصر. يجمع هذا التصريح بين «التدبير» (الإدارة العقلية الاستراتيجية) و«المعاش» (الحياة الدنيوية والاقتصادية والاجتماعية) و«المعاد» (المصير الأخروي والخلاص الروحي)، مما يحوّل الفلسفة من تأمل نظري مجرد إلى ممارسة عملية تهدف إلى إصلاح الإنسان والمجتمع في الدارين. هذا الهدف ليس جديداً، بل هو امتداد لتقليد فلسفي يمتد من أفلاطون وأرسطو إلى الفارابي وابن خلدون، مروراً بأدب الآداب السلطانية العربية. غير أن خويلدي يُعطيه بعداً تنويرياً نقدياً معاصراً: الفلسفة ليست ترفاً فكرياً، بل أداة مقاومة للانحطاط، ووسيلة لبناء الإرادة الجماعية والمواطن الحر الذي يعتمد على العقل في تسيير شؤونه الدنيوية والأخروية. في هذه الدراسة، سنتتبع تطور هذا المفهوم تاريخياً، ثم نُبرز دلالته النقدية في سياق الفكر العربي المعاصر، مع الاستناد إلى النصوص الأصلية لإظهار كيف أن الفلسفة الحقيقية هي دائماً «تدبير» للإنسانية جمعاء. فما الهدف الأسمى لكل نشط فلسفي؟ وهل يمكن أن ينحصر في معالجة ماهو عمومي؟


الجذور اليونانية: الفيلسوف كمدبّر للمدينة والنفس


يبدأ مفهوم «التدبير» كغاية فلسفية مع أفلاطون في «الجمهورية» (كتاب السياسة). يرى أفلاطون أن الغاية العليا للفلسفة ليست التأمل المجرد، بل «تدبير» المدينة الفاضلة (kallipolis) لتحقيق العدالة التي تُكمل النفس الفردية. الفيلسوف-الحاكم هو الذي يدبّر أحوال الناس بفضيلة الحكمة (sophia)، فيجمع بين المعاش (توزيع الواجبات والاحتياجات المادية) والمعاد (ترقية النفس نحو عالم المثل والخلود). يقول أفلاطون: «إن المدينة لا تكون سعيدة إلا إذا حكمها الفلاسفة». هنا يظهر التدبير كعمل مشترك بين النظري (معرفة الخير) والعملي (تنفيذه في المجتمع).


أرسطو يُكمل هذا التصور في «الأخلاق النيقوماخية» و«السياسة». السعادة (eudaimonia) ليست متعة فردية، بل كمال الإنسان في المدينة من خلال الفضائل الأخلاقية والفكرية. يربط أرسطو التدبير بالعقل العملي (phronesis)، الذي يدبّر المعاش (الاقتصاد المنزلي والسياسي) ليُمهّد للكمال الأخلاقي الذي يمتد إلى ما بعد الموت. الفلسفة هنا ليست علمًا نظريًا فحسب، بل «فنّ الحياة» الذي يُصلح أحوال الناس في الدنيا ليُحقّق لهم الخير الأعلى.هذا الجذر اليوناني يُشكّل الأساس الذي سينتقل إلى الفلسفة العربية الإسلامية، لكن مع إضافة بعد ديني عميق يجعل «المعاد» غاية أخروية لا تنفصل عن «المعاش».


التدبير في الفلسفة الإسلامية: من الفارابي إلى ابن خلدون


يُعدّ أبو نصر الفارابي (المُعلّم الثاني) أول من صاغ هذا الهدف صياغة فلسفية متكاملة في كتابه «تحصيل السعادة». يرى الفارابي أن الإنسان خلق ليبلغ «السعادة القصوى» في الدارين، وأن الفلسفة هي السبيل الوحيد لذلك. الفلسفة ليست تأملاً، بل «تدبير» للمدينة الفاضلة التي تُعاون مواطنيها على نيل السعادة الدنيوية (من خلال الفضائل الخلقية والصناعات العملية) والسعادة الأخروية (من خلال الفضائل النظرية والكمال العقلي). يقول الفارابي: «الفضائل الفكرية والخلقية والصناعات العملية... حصلت لهم بها السعادة الدنيا في الحياة الأولى والسعادة القصوى في الحياة الآخرة». هنا يصبح التدبير عملياً: الملك الفيلسوف يدبّر أحوال الناس سياسياً وأخلاقياً ليجمع بين المعاش (الاقتصاد والأمن) والمعاد (التقرب إلى الله بالعقل والفضيلة).ابن رشد (أفيروس) يُعمق هذا التصور في «فصل المقال» وتعليقاته على أرسطو. الفلسفة والشريعة يتفقان في الغاية: تدبير مصالح العباد في المعاش والمعاد. الشريعة تُصلح الجمهور بالرموز، والفلسفة تُصلح الخواص بالبراهين، لكن الهدف واحد: إصلاح الإنسان والمجتمع.


أما ابن خلدون في «المقدمة»، فيُقدّم «علم العمران» كتجسيد عملي لهذا الهدف. الملك أو الخليفة يدبّر أحوال الرعية ليحقق العدل في القضاء والعمل، فيُصلح المعاش (الاقتصاد والأمن والازدهار الحضاري) ويُمهّد للمعاد (حراسة الدين). يقول ابن خلدون: «الخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية». التدبير هنا ليس سلطة مطلقة، بل علم اجتماعي يُصلح أحوال الناس ويمنع انهيار العمران. في أدب الآداب السلطانية (مثل رسائل أرسطو إلى الإسكندر، وعبد الحميد الكاتب، وعهد أردشير)، يتطور «التدبير» من معنى الحكمة الشخصية إلى الإدارة السياسية: التفكير في عواقب الأمور، تنظيم الرعية، الزهد في الملذات، والتوازن بين الدنيا والآخرة. هكذا أصبح التدبير جوهر الفلسفة العملية في التراث العربي.


الإستعادة التنويرية النقدية للفلسفة في سياقنا


يُمكن اعادة صياغة هذا التقليد في سياق معاصر يعاني من «عصور الانحطاط». في تصريحه المباشر، يجعل التدبير غاية فلسفية فوق المذاهب والفرق: «الاعتماد على العقل في تدبير الناس في معاشهم ومعادهم». هذا ليس تقليداً تاريخياً فحسب، بل نقد للذهنية القديمة والخيال السياسي الذي ينتظر «المنقذ» أو «الموعود». الفلسفة هي «براكسيس» مقاوم: نقد الخيال العربي، تفكيك الذاكرة الجمعية، وتحميل الشعوب مسؤوليتها في تقرير مصيرها. كما يمكن ربط التدبير بالحرية والمواطنة: الفرد الإنسان الحر هو الذي يدبّر أحواله بنفسه، بعيداً عن الطائفية والتبعية. هذا يُحوّل الفلسفة إلى «استراتيجية مقاومة» تحتاج إليها الشعوب العربية «كحاجتها إلى الهواء النقي». هكذا يصبح الهدف الأسمى للفلسفة ليس النظر في الكون فحسب، بل إصلاح الوجود البشري في الدنيا والآخرة، بما يُحقّق الاستفاقة الكبرى واليقظة الحاسمة.


الأهمية النقدية المعاصرة: الفلسفة كتدبير للأزمة الإنسانية


في عصرنا الراهن، يُكتسب هذا الهدف أهمية حاسمة. الفلسفة التي تبتعد عن تدبير أحوال الناس تصبح ترفاً أو أيديولوجيا فارغة. أما الفلسفة الحقيقية فهي التي تُواجه الأزمات الاقتصادية (المعاش)، الاجتماعية (الأحوال)، والروحية (المعاد). هي تُعيد بناء الإرادة الجماعية، تُقاوم التوحش والجشع (كما في بعض الرؤى المعاصرة للفلسفة الموجهة إلى الناس)، وتُحوّل العقل إلى أداة للعدل والإحسان. هذا التصور يتجاوز الثنائية بين الفلسفة النظرية والعملية؛ إنه يجعلهما وحدة واحدة، كما عند الفارابي. النقد هنا تنويري: الفلسفة لا تُحرّر العقل فحسب، بل تُدبّر الواقع ليصبح أفضل.


خاتمة


إن تدبير أحوال الناس ومعاشهم ومعادهم ليس شعاراً، بل هو الاختبار الحقيقي لأصالة أي نشاط فلسفي. من أفلاطون إلى الفارابي، ومن ابن خلدون إلى اليوم، تظل الفلسفة «فنّ الحكم» و«علم الإصلاح» الذي يجمع بين الدنيا والآخرة. في زمننا، نتذكر أن العرب يحتاجون إلى هذه الفلسفة «كحاجتهم إلى الهواء»، ليخرجوا من الانحطاط ويبنوا مواطنة حرة تعتمد على العقل. هكذا تبقى الفلسفة حيّة: ليست تأملاً في النجوم، بل تدبيراً لمصير الإنسان في الأرض والسماء. فكيف يتحول الهدف الأسمى للفلسفة عندنا الى مقاومة ماهو سائد من استبداد واستعمار والقطع مع التخلف والتشتت وتحقيق التوحد والتقدم؟


كاتب فلسفي

يرحل جنكيز خان وسيرحل ترامب، ويبقى القول ما قال يسوع/ جواد بولس



أثار تصريح بنيامين نتنياهو الذي قارب فيه بين شخصية القائد المغولي جنكيز خان وشخصية يسوع المسيح موجة واسعة من الجدل، لا بسبب غرابته الظاهرة فحسب، بل لأن تشبيهه كان مفاجئًا ومستفزًا ودفع البعض للغوص أكثر لفهم بنية خطاب نتنياهو وما هي مصادر مفاهيمه وقناعاته السياسية والاخلاقية التي تتحكم في قراراته وخياراته في ادارة الصراعات.


لم يلجأ نتنياهو الى ذلك التشبيه صدفة؛ ولا يمكن التعامل معه كزلة لسان أو مجرد استعارة عابرة؛ فقد قال ما قال بالانجليزيه وهو يعرف أن العالم كله سيسمعه، لا سيّما دونالد ترامب ومن يحيطه من المسيحيين الصهاينه، ومسيحيين آخرين هنا وفي العالم؛ سوف يسمعونه ويؤيدونه ولن يجرؤوا على انتقاده. فهم مثله يؤمنون بالاستبداد وبضرورة استعمال القوة مهما كانت تحدياتها الاخلاقية قوية وواضحة، ويؤمنون كذلك، هكذا وفق "تعاليم الأمير" أو إمبراطور هذا الزمن، بأن "الغاية تبرر الوسيلة" خاصة إذا كانت المواجهة بين "الأشرار" ، وهم في حالتنا ايران وقبلها الفلسطينيون وخاصة حركة حماس، وبين "الطيّبين" وهم في حالتنا أمريكا واسرائيل وحلفاؤهما من عرب ومن عجم، مسلمين وهندوسيين. لقد كشف موقف نتنياهو عن رؤية متكاملة كان يؤمن بها منذ يومه الأول في الحكم، ولجأ اليها كلما كانت تصطدم مصالحه وقدرات قوته العسكرية مع موجبات شرعة الأخلاق ومحاذير القيم الانسانية، أو حين كان يشتبك الدين والسياسة في صياغة مبررات الفعل السياسي.    


لقد ثارت العاصفة بعد أن قال نتنياهو في معرض إجابته لاحد الصحفيين أنه "لا توجد أفضلية ليسوع المسيح على جنكيز خان، لأنه إذا كنت قويًا بما فيه الكفاية، وبلا رحمة بما فيه الكفاية فان الشر سوف يتغلب على الخير"، ثم أضاف لاحقا: "لا خيار لديكم، إذا كنتم تنظرون الى العالم في هذه الأيام، يجب أن تكونوا عميان كي لا ترَوا أن الديمقراطيات التي تقودها الولايات المتحدة مجبرة على أن تعيد بناء اراداتها كي تستطيع الدفاع عن أنفسها". لقد انقسمت التعقيبات على هذا التصريح بين من اعتبره زلة لغوية غير محسوبة أو ربما قد أسيء فهمها، وبين من رأوه مساسا بشخص يسوع المسيح؛ فالمقاربة كانت مباشرة ولم تترك فسحة لمن سمعها إلا أن يستعيد ما علق بالمخيال الشائع وبما نمّطته الكتب التي سطّرت تاريخ الشرق وفيها حُفظت صورة المسيح، حتى بين غير المسيحيين، كرمز للسلام وللمحبة، بينما حُفظت شخصية جنكيز خان كغازٍ دموي لا يرحم.


قراءة عميقة لهذا التصريح وما تلاه من توضيحات وتبريرات، تكشف ما هو أبعد من مجرد أزمة لغوية أو أخلاقية أو التباس حول نية السياسي وفكره؛ فحين يقارب نتنياهو بين هاتين الشخصيتين فإنه عمليا لا يسعى الى الموازنة بينهما بقدر ما يعيد تحديد موقعه الى جانب جنكيز خان كنموذج للقوة الحاسمة التي لم ويجب الا تتردد في استخدام القوة المطلقة لاعادة تشكيل العالم ودوله التي يصفها بالديمقراطيات المهددة. انه لا يلجأ للموازنة العلمية بين الشخصيتين، وإن كان قد عزا القول للمؤرخ العالمي بول ديوارت، بل كان يستحضر شخصية المسيح في سياقها الديني وفق الرؤية اليهودية التقليدية التي لا تعترف به مخلّصًا، بل شخصية تاريخية تركت نهجًا وتعاليمًا وأخلاقيات لا أفضلية لها على نهج وأخلاقيات شخصية تاريخية أخرى هي جنكيز خان !


لا يمكننا تناول هذه الحادثة بدون أن نستحضر تصريح بنيامين نتنياهو في شهر سبتمبر/أيلول الماضي حين أعلن أنه يريد أن تكون اسرائيل دولة شبيهة "بسوبر اسبارطة" التي خلدها التاريخ نموذجًا للمدينة/الدولة العسكرية القوية المعتمدة على اكتفاء اقتصادي ذاتي وعزلة عن سائر مدن/دول ذاك العالم. 


لسنا في معرض الحديث عن تاريخ اسبارطة وعن حروبها حتى سقوطها وهي معزولة في نهاية المطاف؛ وهي الحقيقة التي استفزت معارضي نتنياهو داخل اسرائيل ودفعه لتوضيح ما قصده من وراء تلك الاستعارة ووقفها على أمنيته بجعل اسرائيل قادرة على تزويد نفسها بالمعدات والقوة العسكرية وما يتبعها.


في الحالتين نراه يطلق موقفه ويعقبه بالتوضيح والتحفظ بعد أن يكون قد رمى سهامه وأوصل رسائله لعناوينها المختلفة، من أعداء ومن أصدقاء؛ وفي نفس الوقت يزوّد حلفاءه بهوامش اعتذارية تبريرية هشّة كي يقفوا عليها وقفة المتفرجين أو العاجزين أو المتواطئين كما حصل في هذه الحالة وفي جميع الحالات التي تعرضت فيها الرموز المسيحية والأماكن المقدسة المسيحية للمهانة أو للاعتداءات.


لن تتسع هذه العجالة لجرد قائمة الاعتداءات والاهانات التي تعرضت لها الرموز والأماكن المسيحية في اسرائيل وفي فلسطين المحتلة. لقد حظي بعضها باهتمام رؤساء الكنائس فاكتفوا بشجبها والتنديد فيها. أمّا تصريح نتنياهو الأخير لم يحظ بأي ردود فعل من معظم رؤساء الكنائس المحلية والعالمية، بالرغم من خطورته، بالنسبة لهم، ومساسه بشخصية يسوع وتعريضها للمهانة وللتصغير. قرأت موقف المطران عطالله حنا الذي وصف تصريحات نتنياهو بالخطيرة، وكذلك قرأت ادانة راعي كنيسة الميلاد الانجيلية اللوثرية في مدينة رام الله القس منذر اسحق الذي أكد على أن المقارنة التي تمت تمثل "محاولة صريحة لوسم الرسالة المسيحية بالسذاجة وأنها تسخر من أخلاق يسوع" وكذلك فعلت "اللجنة الرئاسية لشؤون الكنائس في فلسطين" حيث أدانت التصريحات بشدة واصفة اياها "بالاساءة الخطيرة". نحن أمام ظاهرة مؤسفة ومستفزة، فخطورة ما صرّح به نتنياهو وجبت أن تدفع كل كنيسة واكليروسها للاعتراض عليه أو شجبه أو على الأقل للتحفظ منه. أقول هذا لا بسبب المقارنة التي أجراها نتنياهو وحسب، إنما بسبب أقواله اللاحقة التي استعان بها كي يشرح مقصده وهو أن بالاخلاق وحدها لا تسود الحضارات "فالحضارة الراقية بأخلاقها تحتاج للقوة كي تدافع عن نفسها". هكذا قال وحاول أن يبرر لماذا لا أفضلية عنده ليسوع على جنكيز خان.  


لم تحظ أقوال نتنياهو بالتنديد من رؤساء الكنائس العالمية ولا من أولئك الذين يتسيّدون كنائسنا المحلية، لكنها لم تلفت للأسف أيضًا أنظار الأطر والمؤسسات غير الدينية التي كان الاحرى بها أن تتحرك وتندد بأقواله التي تبرر عمليا فلسفة القوة والبطش العسكري الذي تمارسه حكومته تحت ذريعة الانتصار على الشر؛ إلا إذا آمن بعضهم مثل نتنياهو وقدوته، جنكيز خان. 


لقد كان متوقعًا ألا يتجرأ رؤساء الكنائس في العالم وفي منطقتنا على التعرض لأقوال نتنياهو، لأنهم كانوا دائما على ضفة ذاك "القيصر" وتحت إمرة عصاته، فما بالكم والحرب الجارية ليست بينه وبين ايران وحسب، إنما بين أمريكا وقيصرها/هم ويسوعه وبين "شياطين الشرق" المسلمين.


إنه منطق القوة الذي خبره ملوك المناذرة حين ذادوا عن حدود فارس، ومقابلهم حالف ملوك الغساسنة امبراطورية بيزنطة؛ وهو منطق المصلحة والقوة الذي أحيا إمبراطوريات وأماتها قبل جنكيز خان وبعده حتى وصل إلى ورثتهم الحاليين؛ أما قضية يسوع فتلك قضية أخرى؛ قضية حزينة وكبيرة. فيسوع، كما أخبرتكم، كان يحب الناس، وكانوا هم يشعرون أنه معهم. لقد كانوا مؤمنين وأنقياء، لكنّهم لم يدركوا أن يسوعهم قد يصير "أزرق العينين" وأكثر من يسوع، وأن يدّعي حبَّه "قيصر" ويصادقه المنافقون ويحتمي به الدجالون ويسوّقه صيارفة الهياكل الجديدة.  


قد يختلف العلماء والفقهاء متى أضاع الشرق يسوعه، وكيف سرق الغرباء هياكله؛ فأنهر الدماء لم تجرها سيوف المغول فقط، بل على طول العصور كانوا يحاربون باسم يسوع يسوعا آخر، وكان يسوعنا، نحن أهل الشرق، يرقد ويبعث من بين الأنقاض وفي صلوات الفقراء. اليوم، وطائرات "بيزنطة" تغير على أصفهان وصواريخ الفرس تمزق سكينة تل ابيب وترعب ليلها، تنام بيت لحم وهي تبكي يسوعها والقدس تحلم بفجره والناصرة تنتظر بشارتها. ينامون في مهده خائفين، كما خاف أهل بغداد من هولاكو، ويرونه بعيدًا عنهم مخبّأً في عباءات كهنة فاسدين وفي جيوب حكّام مارقين يصحبونه في معابدهم ويقلّونه في طائراتهم وهي تقتل أطفالا أبرياء وفقراء.


لطالما أعاد التاريخ مآسيه، فكأني، في هذه الأيام، بعصر جنكيز خان يبعث من جديد، من نار ومن حديد. 


 

مرورُ 33عامًا على وفاة ِ الموسيقارِ المصري الكبير أحمد فؤاد حسن/ الدكتور حاتم جوعيه


     لقد  مرَّ 33 عامًا على  رحيل  الموسيقار الكبير " أحمد فؤاد حسن "  صاحب وقائد الفرقة الماسيَّة  التي صاحبتْ وواكبت كبارَ النجوم ِ  وعمالقة الطربِ في العالمِ  العربي ...   ونقيب  المهنِ   الموسيقيَّة  ورئيس   جمعيَّة المؤلفين والملحنين  وعضو المجلس الأعلى للثقافةِ  والأستاذ بكليَّة ِ التربية ِ الموسيقيَّة سابقا ًالذي أعطى وقدَّمَ للحياةِ الفنيَّةِ الكثيرَ من الأعمالِ الموسيقيَّة ِ والغنائيَّةِ  رفيعةِ  المستوى  ذات الإحساس العميق  الرائع  .  

           وُلدَ الموسيقار  " أحمد فؤاد حسن "  في مدينةِ القاهرةِ عام  1928  وكانَ  لهُ  عشق ٌ وشغفٌ  للموسيقى والغناءِ  منذ  صغرهِ ... ثمَّ التحقَ بمعهدِ فؤاد   الأوَّل   للموسيقى  وقدَّمَ   في  حفلِ  ِ تخرُّجهِ  بعدَ  أن  أنهى  دراستهُ الموسيقيَّة  في هذا  المعهد  ، قطعة ً موسيقيَّة ً  بعنوان : " البوهيميَّة " نالت إعجابَ الجميع ِ .  وكانَ   من زملائهِ  في المعهدِ  عبد الحليم حافظ   وفايدة كامل   وكمال الطويل . وعندما  لمعَ  نجمُ عبد الحليم  حافظ  في الغناءِ ظلَّ  مُتمَسِّكا ً  بصداقتِهِ  وزمالتهِ  لأحمد فؤاد حسن  .    وفي أوائل ِ الخمسينيَّات  كوَّنَ فرقتهُ الموسقيَّة التي سمَّاها " الفرقة الماسيَّة "  التي شاركت في إحياءِ العديدِ  من  الحفلات  والمهرجانات  الفنيَّة  ،  وقد  أخذَتْ  مكانتهَا  الحقيقيَّة الواسعة  في  مصر  والعالم العربي ،  وشاركت أيضًا  في جميع المناسبات العربيَّة والسياسيَّة  وحقَّقت  نجاحًا باهرًا  منقطعَ  النضير  .   وسافرت  في جولاتٍ عديدة  في كل من  دول  أوروبا وأمريكا  واستراليا  . وقد توطدت علاقة ُ أحمد فؤاد حسن بالموسيقار الراحل  محمد عبد الوهاب  فطلبَ  منهُ الأخير العملَ  معهُ  ،  بفرقتهِ  ،  رغم وجودِ  فرقة  الفنان  " أنور منسي "  التي كانت تلازمهُ دائمًا وترافقهُ في أعمالهِ  وحفلاتهِ  .  وقامَ  بتنفيذِ  الحان ٍ تركها  محمد عبد الوهاب ،  مثل :  " يا هَجرني "  لأحمد شوقي ،  ولبَّيكَ اللهمَّ  لبَّيك  "  لاحمد شفيق  كامل ، " ويا حياتي "  لحسني السيد ،  وإعادة توزيع أغنية  " الكرنك  " المشهورة  لمحمد عبد الوهاب  .   ومن  مؤلفات  أحمد فؤاد حسن  الموسيقيَّة  " المولد "   والتي أصبحت  اكثرَ الأسطواناتِ  الموسيقيَّةِ   توزيعا ً  على مدى ربع قرن  ،  وكما  قدَّمَ أكثرَ من  150  لحنا موسيقيًّا  ، من أشهرها :   " حكاية حب "    و " المولد "      و " أيوب  "    و " دموع البلبل "      و " الدراويش "        و " المحروسه "   و " الأمل "     " مصر  2000  "     و "  بطل الحرب  والسلام  "  وهي   الأعمال التي انتشرت في كلِّ أنحاءِ العالم ِوذلك حسب إحصائيَّاتِ " جمعيَّة ِ المؤلفين والملحِّنين "    .        ولحَّنَ  للعديدِ  من  المطربين الكبار ،  مثل   :  وردة الجزائريَّة .. لحَّن َلها  إغنية : " جيت في وقتك يا حبيبي  "....  وغيرها من  الأغاني  . كما قدَّمَ للموسيقى الكثيرَ من نجوم العزف  مثل  : عمر خورشيد  ومجدي الحسيني  وهاني  مهنا   وعمار الشريعي  ،   وقد  صاحبَت  فرقتهُ الموسيقيَّة  كبار المطربين  أمثال  فريد الأطرش   وعبد الحليم حافظ  ونجاة الصغيرة   وشادية   وفايزه أحمد  وورده  ... إلخ ...     وكما عزفَ  ألحانَ محمد عبد الوهاب وبليغ حمدي  ومحمد الموجي  .   وأشرفَ  على  رسائل الماجستير  ( m .  a )    ونشرَ  العديدَ  من الابحاثِ  الموسيقيَّةِ  القيِّمةِ  في المجلاتِ المتخصِّصة   .     وكان يريدُ كتابة مذكراتهُ التي يروي فيها قصَّةَ  50  سنة  مع الموسيقى والعطاءِ    وكيفَ أنهُ في بدايةِ حياته إتَّجَهَ إلى حفظ القرآن الكريم للإلتحاق ِ بالأزهرالشريف ثمَّ غيَّرَ طريقهُ على عالم ِالموسيقى والالحان ِ  .   وقد  كان َ يمتلكُ مكتبة ً موسيقيَّة ً  نادرة ً وزاخرة  بكلِّ  كتبِ التراثِ والآدابِ والفنون ووثائق لعدَّةِ أفلام ٍ سياسيَّة ٍ تروي فترات الحروب  ولقطات سينمائيَّة  نادرة للملك  فاروق  وعبد الناصر وشحصيَّات  سياسيَّة  تاريخيَّة  .     وأهداهُ  الرئيسُ  الخالدُ  جمال عبد الناصر  في  سنة  1968     وسامَ العلوم ِ والفنون ِ  من الطبقة الأولى  .       وفي  سنة    1978  سلمهُ الرئيسُ أنور السادات الشهادة َ التقديريَّة َالتي منحَتهُ إيَّاها  اكاديميَّة ُ الفنون .      وحصلَ  أيضًا  على ثلاثة ِ أوسمةٍ  من  الأردن  منها   :   وسام  الإستقلال  من الدرجة ِ الأولى  بدرجةِ  وزير  ،   كما أهداهُ الملك حسن  الثاني  ( ملك المغرب سابقا )  وسامًا  وذلك تقديرًا لجهودِهِ وإبداعاتهِ الموسيقيَّة   .      وقد  تقلدَ  أحمد فؤاد حسن منصبَ نقيبِ الموسيقيِّين   المصريِّين  لمدَّةِ  14  عاما   متواصلة  قدَّمَ  خلالها  العديدَ  من  الخدمات العامَّة  الهامَّة  ،   كما تولى  رئاسة ِ جمعيَّة  المؤلفين والملحنين  خلفا ً  للموسيقار ِ والفنان  ِالكبير محمد  عبد الوهاب  .  

           والحديرُ بالذكر ِ إنَّهُ خلال مشوارهِ  الفني الطويل   ونجاحه الباهر  الذي فاقَ  الوصفَ    واجتازَ الحدودَ  الإبداعيَّة َ  ارتبط َ  بالسَّيِّدة ِ   " سهام  توفيق "  التي  كانت تلميذتهُ  وإحدى مُعجباتهِ  اللواتي  كان َ يجذبنهُنَّ   فنُّهُ   وموسيقاهُ  وطريقة ُ أدائهِ    .      ولهُ  من  الأبناءِ السيَّدة   عبير  والمهندس خالد  ....    وفي  أواخر ِ حياتهِ  عملَ  الموسيقارُ  أحمد  فؤاد حسن  أستاذا   مُتفرِّغا ً بأكاديميَّةِ  الفنونِ  إلى  أن  وافتهُ  المنيَّة ُ في  شهر آذار  1993  .

**

عمْلاَقَان يَرْحَلان سوِيًّة عَبدالله غيث وأحمد فؤاد حسن

 ["في الذكرى السنويه على وفاتهما"

 


فقدت مصر  قبل33 سنه عملاقين  من عمالقة  الفن هما : احمد فؤاد حسن وعبد الله غيث ، اللذين توفيا  في يومين متتاليين ( الثلاثاء والاربعاء - اذار سنة 1993)  مما  اثار الحزن  في  نفوس الفنانين  والجماهير التي  تعرفُ مكانة احمد فؤاد حسن  وعبد الله غيث  في الحياه الفنية  وفي تاريخ النهضة الحديثة في الموسيقى والتمثيل .

الموسيقار أحمد فؤاد حسن كان علاّمة بارزه في فنِّ الموسيقى، وفرقته التي أسَّسَها منذ أكثر من ستين  سنة هي اكبر فرقه  موسيقيه  في الوطن العربي واكثرها كفاءة وأعزها انتاجاً، إذ صاحبت هذة الفرقه كبار المطربين مثل : ام كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم حافظ  وفايزة احمد وورده  وغيرهم  في العديد  من أعمالهم الناجحة وقدمتها في أفضل صورة  .  لقد  قدمت  الفرقة الماسية التي يقودها أحمد فؤاد حسن صورةً حيَّة للموسيقى العربيه الأصلية الراقية في الكثير من عواصم العالم في رحلاتِها الى هذه العواصم والبلدان العديده. والجديرُ بالذكر ان الموسيقى العربية دائمًا  مطلوبة في جميع انحاء العالم، لأن العرب لم يتركوا عاصمة كبرى ولا بلدًا معروفاً من بلدان ِالعالم إلا ورحلوا وهاجروا إليه من أجل العلم أو العمل ، ففي كل  مكان من أنحاءِ الدنيا  وكل بقعةٍ  من  بقاع الأرض توجدُ جاليات عربية كبيرة تحنُّ وتتلهفُ إلى الموسيقى العربية  وتحبُّ أن تستمع  إليها..  هذا بالاضافةِ الى عشراتِ ومئات  الآلف  من  عشاق  الموسيقى  العربية  من  أبناءِ  الشعوب  والأمم الأخرى من الشرق والغرب...  وهذة الحقيقة  كان يعرفها  أحمد فؤاد حسن ويُحِسُّ بها، وكان شديدَ الثقةِ  بالقيمةِ الفنيَّةِ للموسيقى العربية، شديد الحماس لها،  حريص على  الأستمرار المتواصل  في  خدمتها  والتفاني  من  اجلها لإظهارها على خير صورةٍ.

 كان أحمد فؤاد حسن إلى جانبِ موهبتِه يمتلكُ علمًا غزيرًا بتاريخ الموسيقى العربية. وجميع  أصدقائِه ومعارفه يعرفون هذا الجانبَ من شخصيته .  فقد كان حديثهُ عن تاريخ الموسيقى العربية وأعلامها ومدارسها المختلفه متعة من المتع الكبرى التي يسعدُ  بها  كلُّ من عرفه أو اقترب منه .  والى جانب ذلك كله  كان أحمد  فؤاد حسن على خلق ٍ رفيع ، وكان لأصدقائهِ وفيًّا  أشدّ الوفاء  وعونا  لزملائه  لا  يتوقف عن العطاءِ  والمساعدة، ولذلك اختارة أصدقاؤُهُ الفنانون نقيبًا للمهن ِالموسيقيةِ  فأدَّى في النقابةِ  دورًا واسعًا وهامًّا في خدمةِ أعضائِهَا وكان أخا  ووالدًا  للجميع.

أما الفنان عبد الله غيث فهو عملاقٌ آخر من عمالقةِ الفنِّ  ولم تشهد المسارحُ الفنيَّة لأحدٍ على النبوغ والعبقريَّةِ مثلما شهدت لعبد الله غيث ، بقامتِهِ المديدةِ وصوتهِ  القويّ  وأدائهِ  الأنساني  الفذ ّ،  وإخلاصه  غير  المحدود  لأدوارهِ المختلفة والمتناقضة ، حتى أصبحَ نموذجًا   فريداً ومُمَيَّزًا  للفنان المسرحي المتميز، الذي  يُقيّمُ   فنه  من  منطلق ِ موهبةٍ  نادرة  وقلب عامر بالمشاعر والأحاسيس ، وقدرة غير عادية على أداءِ الأدوار الصعبة التي كان عبد الله غيث  يتألقُ  فيها  بأستمرار ... إنَّ الحياة َ الفنية  في مصر والوطن العربي خسرت علمين كبيرين من أعلام الفن . ولكن الفن لا يموتُ ، فهو باق مدى الأزمان والأجيال .  فعبد  الله غيث وأحمد  فؤاد  حسن هما  وردتان باقيتان على مرِّ الأزمان ، لا يمكن ان يختفيا في حياتنا ابداً ، وسوف  يبقى أسمهما في كلِّ قلبٍ  ولسان ، ما  بقيَ الفنُّ  الجميلُ الذي يتجدَّدُ  جيلا ً  بعد  جيل  .

رسالة الكترونيّة/ شوقي مسلماني

 


أن تبدو في تحليلك وكأنّ السَحقَ هو رغبتك فالأمر صعب، يجب أن تعي وترأف بالناس الذين سيموتون جرّاء الإستمرار في هذه الحرب الأميركيّة على إيران، حياة الناس غالية، هناك أناس لا قرار لهم وإن لهم رأي فما ذنبهم؟ لماذا يتمّ قتلهم أو تهديم بيوتهم عبثاً؟. 

في حياة الوالد رحمَهُ اللهُ، وذلك قبل بضع سنوات، أعطينا شقيقتنا الصغرى بيتاً في بلدتنا "كونين" ـ المجاورة لفلسطين في جنوب لبنان ـ وهو من الميراث، وهي تعيش معنا في أستراليا منذ جاءت إليها "طفلة"، فرحت،  وهي تنزل فيه كلّما قامت بزيارة إلى الوطن الأوّل لبنان. 

خلال هذه الحرب سقط فيه صاروخ إسرائيلي صدّعه ولكنّ الصاروخ لم ينفجر، إنّه يرقد الآن وسط "الصالون" ـ وسط غرفة الإستقبال ـ وحده ـ ثلثاه في الأرض، ضخم، طوله أكثر من مترين، لم يستطع حتى الجيش اللبناني الإقتراب منه خوفاً. 

وقبل أسبوع قصفت إسرائيل بيت شقيقتي الثانية. انقضت 10 سنوات وهي وزوجها يبنيانه. صرفا مبلغاً هو "تحويشة عمر" حتى صار بيتاً من طابقين. لم يبق منه بعد الإستهداف سوى حفرة وجوار أجرد من أي شجرة. طارت معه كذلك بيوت مجاورة. اتّصلت بشقيقتي هاتفيّاً ووجدت أنّها سبقتني إلى الخبر. قلت لها: "الله بيعوّض". كانت آسفة، لا شكّ، ولكن قالت فوراً وبِكِبَر: "فِدا.. فدا أهل كونين وفدا لبنان كلّه".   

لم يستشهد بالمناسبة أحد من الصاروخ الذي لم ينفجر واستشهد قريب لنا هو ذاته والد شهيدين كان في الجوار وأصيب بشظيّة قاتلة جرّاء الصاروخ الثاني.  

يوماً، لا أختي الأولى ولا أختي الثانية، اشتركت في حرب، يوماً لم تحرّضا على دمّ، نصيرتان لفلسطين ولكرامة لبنان وجنوب لبنان وكلّ شعب لبنان بكلّ طوائفه ومذاهبه وعقائده وكلّ إنسان مظلوم في الأرض قاطبة. 

مثلهما معظم الناس الذين يجب أن نحبّهم ويجب تبعاً لهذا الحبّ أن نقول للمعتوه دونالد ترامب "ترامبو" وللعنصري النازي زميله بنيامين نتنياهو "نتن ياهو" أن يكفّا عن قتل الأطفال في غزّة ولبنان وإيران، وهم بالآلاف، آخرهم فتيات مدرسة الشجرة الطيّبة في إيران حيث قضى بثانية واحدة أكثر من 169 طفلة مع طاقم الإدارة، أن يكفّا عن هذه الحرب، عن هذا القتل الأبستيني، عن هذا الدم المهدور عبثاً. 

Shawkimoselmani1957@gmail.com