أقبح من عالم بدون عيد العمال/ جواد بولس



ولدتُ، قبل سبعين عامًا، في قرية جليلية صغيرة وجميلة اسمها كفرياسيف. لن أحدّثكم طويلًا عن قريتي التي أطلق عليها الناس اسم "قلعة الأحرار" وحبيبة "شعراء الهوية والانتماء" الذين كانوا يتوافدون اليها، كفرسان أضاعوا، بعد النكبة، دروعهم، وكانت تحتضنهم بإباء وباصرار، رغم أنف الحكم العسكري الاسرائيلي. كانوا يجيئونها مما تبقى من جهات وطن ضاعت بوصلته وروحه، فيجدون فيها دفء القلب وأمن المرسى، ويوفونها بدورهم حبا بحب وقد "أسرى بهم كرم الجليل فأقبلوا فكأن ليلتهم هي الاسراء". هكذا أنشد الراحل راشد حسين في رائعته "اليوم جئت وكلنا سجناء" التي ألقاها سنة 1958 في "ساحة البلد" في أحد المهرجانات التي كانت تحتضنها كفرياسيف بمناسبة عيد العمال العالمي الذي يحل في الأول من أيار/مايو من كل عام.


تعيدني الذاكرة اليوم، في الأول من مايو/أيار، إلى ذلك الزمن الذي لم يكن الاحتفال فيه "بعيد العمال" مجرد غنيمة بيوم عطلة من العمل، أو مناسبة عارضة في تقويم يحفل بشتى المناسبات، بل كان الاحتفال مرجلا تصهر خلاله قيم الكدح والعطاء وتزرع معاني الصمود والبقاء. كانت شوارع كفرياسيف، هكذا أتذكر، تتحول الى شرايين عملاقة تنساب منها وفود القرى المجاورة بوجوه لم يقو القهر على أنفة سمرتها، وبسواعد "تسل رغيف الخبز والأثواب والدفتر من الصخر" وبحناجر كانت تصرخ في وجه كل عنصري وظالم "لا نتوسل الصدقات من بابك، ولا نصغر أمام بلاط أعتابك". كانوا يتوافدون كالموج، رافعين راياتهم الحمراء والشمس فوقهم مظلة وتحت اقدامهم كانت الأرض وطنًا.


في "سنوات التكوين" التي تلت عام النكبة وما أعقبها من عقود اتّسمت ببشائر المدّين، القومي واليساري الاشتراكي، كان يطل أيار على القرى والمدن العربية، بهمّة مميزة، فتمتزج فيه صرخة العمال بكبرياء الفلاحين، الذين كانوا أكثرية من نجوا من التهجير أو الهجرة. وكان الشعراء، على طبقاتهم، ينسجون، على وقع مناجلهم ومطارقهم، قوافي قصائدهم؛ أمّا قيادات ذلك العصر فكانت من خمائر قد أضاعها هذا الزمن.


 لم يكن أيار، في تلك السنين، مجرد مناسبة للمطالبة برغيف الخبز وبالدفاع عن كرامة وحقوق كل العمال وكل الكادحين وحسب، بل كان يوما من أيام "الحرية الحمراء" فيه يرفع أبناء الأقلية الفلسطينية الباقين على أرضهم بيانهم السياسي مؤكدين على حقهم بالبقاء وبالحياة الكريمة، واصرارهم على مواجهة سياسات الاضطهاد العنصري والتهميش، ورفضهم لمشاريع هندستهم وفق مخططات صهيونية ترمي لإغراقهم في بحور من العدمية القومية وتحت نير خنوع انساني عرقي مهين.  لقد كان عيدًا للأرض وللذين يحافظون على عرشها، ولا دخل للسماء فيه ولا لخدّامها. 


لقد شكّلت مظاهرات الأول من أيار التي شهدتها شوارع الناصرة وبعض القرى العربية "الحمراء"، كما درجت العامة على وصفها، مدارس ميدانية تخرجت منها أجيال من الشباب الذين رأوا في راياتها وفي شعاراتها الأممية والوطنية جسرا يصلهم، كأقلية تواجه القمع والمحاصرة والتهميش داخل اسرائيل، بحركات التحرّر العالمية وبمعسكر الاشتراكية القوي الكبير. لم يكن كل من شارك في مظاهرات الأول من أيار مدفوعا بوعي بروليتاري ناضج ومتكامل، بل كانت المشاعر القومية العروبية رافدا هامًا في تحميس قطاعات واسعة منهم، مما ساهم عمليا في تأثيث وعي وهوية جمعيين. لقد كانت تلك المظاهرات والمهرجانات بالنسبة للكثيرين من "عامة الشعب" عبارة عن لحظات لتجلي هوية مكبوتة تبحث عن مخرج ينقذها من "الغيتو" ويحرر صاحبها من نفسيته المأزومة والمنكوبة.


لقد سطرت الجماهير العربية في اسرائيل أجمل معاركها النضالية خلال الاحتفالات بعيد العمال؛ وكانت أحداث مدينة الناصرة التي وقعت عام 1958، على سبيل المثال، نموذجا لتلك المواجهات العنيفة مع الشرطة الاسرائيلية، وشاهدا على كيف استوعبت جموع المواطنين كون العدو الطبقي هو ذاته الحاكم  العسكري والحكومة الاسرائيلية. تعكس أحداث ذلك العام، في الناصرة وفي قرى عربية عديدة، صورة أيقونة نضالية فريدة، طبقية وقومية، لم تكن قسمتها على اثنين ممكنة.     


مرت السنون وتغيّرت أحوال الناس والعالم كله، وتأثر مجتمعنا بجملة تلك المتغيرات التي أدّت، فيما أدّت إليه، إلى تراجع مكانة "عيد العمال" أو حتى الى اختفائه كليًا من مواقعنا. لن أعدد في هذه العجالة جميع الأسباب التي كانت وراء ما حصل، ولكن انهيار مكانة الأديولوجيات الكبرى كان من أهمها وسببا في نشوء النظام النيوليبرالي الذي قوّض أسس التعريفات الطبقية التقليدية والوشائج التي كانت تحدد مصالحها. انه النظام العالمي الجديد الذي عزز  نزعات البشر الفردانية ونشوء المجتمعات الاستهلاكية، وأدّى الى فقدان قدرة المؤسسات الحزبية والسياسية على تأطير الناس وتجنيدهم.   


كان عيد العمال شاهدا على وجود حالة اجتماعية جماعية ناضجة وهوية سياسية واعية داخل مجتمعنا العربي المحلي؛ وفي نفس الوقت كان الاحتفال به وما رافقه من رسائل سياسية واجتماعية تعبوية، حتى بالنسبة لمن لم يشاركوا في أحداثه، عاملًا ، على الصعيدين الطبقي والقومي، في تمتين أواصر تلك الهوية والمحافظة عليها. لقد كانت العلاقة بين مناسبة العيد ونتائجه تبادلية، وعندما تضعضعت هذه العلاقة نشأت الفرص للتحولات الكبرى، وأهمها  الخلخلة، التي حصلت في بنية الهوية الجامعة وتشرذمها الى هويات طائفية وعائلية، نجحت في تفتيت النسيج الإجتماعي والسياسي، وأدت الى نشوء تيارات دينية ومدنية جديدة، أو تعزيز تيارات كانت هامشية، لا تؤمن بالصراعات الطبقية ولا بالهويات الوطنية والنضالات على أساسها.   


تحل اليوم ذكرى "عيد العمال" ولا نرى الاحتفالات التي كنا نشاهدها طيلة عقود في شوارع قرانا ومدننا العربية. مقلق "اختفاء" هذا العيد، لأن غيابه يدلّ على فقدان أحد أهم كوابح مجتمعنا القيمية المانعة وعلى غياب دور القيادات السياسية الوطنية وفشلها في حماية المجتمع والدفاع عن حقوق شرائحه الضعيفة والمستضعفة. وهو "اختفاء" قد أخفى معه "ساحات البلد"، التي احتلها "الزعران" واستبدلوا فيها رايات الحرية الحمراء بعصي الترهيب والفوضى وبيافطات الجريمة السوداء. 


لقد وقف راشد حسين، يوم كان للشعر وللشعراء وظيفة واحترام ، في ساحة كفرياسيف، ساحة الأول من أيار وصرخ: "اليوم جئت وكلنا سجناء، فمتى أعود وكلنا طلقاء". وقتها كان جميع المواطنين العرب يعيشون تحت حكم إسرائيل العسكري، ولكن، بالرغم من ذلك، نجحت كفرياسيف وأخواتها، القرى والمدن العربية، من صياغة هويتها الواثقة والقادرة على الجمع بين الأممي والطبقي والوطني، وبين الخبز والكرامة والمصلحة وبين الحرية والمصلحة. وقتها أرادوا لقرانا أن تبقى قرى "عزلاء منسية، شوارعها بلا أسماء" ففشلوا، وتحررت قرانا وصار عندنا عيد نحتفي به في الأول من كل أيار ؛ وعندما كبرنا اختفى العيد وأصبحنا من جديد "كلنا سجناء" وبقيت أمنية الشاعر تفتش عن صاحبها، في ساحة ذاك البلد وعن جواب: فمتى نعود وكلنا طلقاء!      



فلتان الحكم/ شوقي مسلماني


د. فوزي شعيتو من بلدة "الطيري" ـ مجاورة لبلدتي "كونين" ـ جنوب لبنان ـ قال عن "بلديّاتي" ـ إبن بلدتي ـ المرحوم اسماعيل سلامي: "الله يرحمكْ يا إسماعيلْ سلامي لمّا سلّمتِ الدخّانات بصَفِّ الهوا ـ "صفّ الهوا" ناحية بين كونين وعيناثا وبنت جبيل ـ كان "وزنِ الدخّان" ـ وزنُ محصول التبغ ـ أقلّ من الوزن الذي تتوقّعه شركة الريجي "اللي ما كانت ترحم" ـ ستينات وسبعينات القرن العشرين. 

كانت الريجي ـ بالأساس فرنسيّة قبل تحوّلها إلى مؤسّسة عامّة ـ ترسل "المخمّنين" الذين يقدّرون كميّة إنتاج كلّ مزارع من التبغ وأي نقص عند "التسليم" سيعني أنّه "يبيع التبغ من ورا ظهر الشركه أو الدوله".  

وفي تلك السنة كان موسم التبغ قليلاً بسبب من شحّ المطر، وعلى الرغم فإنّه لم يترك ضيعة قريبة أو بعيدة نسبيّاً إلاّ وقصدها علّ وعسى يوجد من لديه فائض فيشتريه ويسدّ به النقص الحاصل عنده، وبالتالي لا يقع تحت مساءلة قد تعقبها غرامة هو لا يطيقها، مثالاً فقدان رخصة زراعة التبغ. 

لمّا لم يُوفَّق خطرتْ له فكرة لا بدّ منها وهي أن يسدّ "العجز" من خلال دسّ حجران في "دنُوكِهْ ـ دِنْكات ـ جمع "دِنْك" ـ حزمة من التبغ يغلّفها قماش خيش يصل وزن الدِنْك 20 كلغ ـ وحدث أنّ "المخمِّن"، وفيما كان يتفحّص "الدنوكه" ضرب يده على دنك فيه لسوء حظّه وحظّ اسماعيل سلامي حجر من تلك التي دسّها في عدد من " الدنوكه"، "وجعتُه إصبعُه، شقّ الخيش، سحب نصف حجر باطون"، قال مندهشاً: "نصّ حجر باطون يا اسماعيل؟! ليش عامل هيك"؟! ردَّ، رحمه الله، وكما قيل، وكما لا يزال يُقال في لبنان أهوال الإهمَال: "هيدا يا خواجه من فلتان الحكم"!.  

ـ الصورة: د. فوزي شعيتو

Shawkimoselmani1957@gmial.com


بأي معنى يمكن للتفكير الفلسفي أن يدشن تجربة تأويلية نقدية مختلفة في الحقبة المعاصرة؟/ د زهير الخويلدي



مقدمة:


في الحقبة المعاصرة، يواجه الإنسان أزمة تأويلية عميقة ومتعددة الأبعاد. لم تعد المسألة مجرد صعوبة فهم النصوص أو الأحداث، بل أصبحت أزمة في قدرة الوعي نفسه على إنتاج معنى يتجاوز السطحية اللحظية والتدفق اللامتناهي للمعلومات. الذكاء الاصطناعي، وسائل التواصل الاجتماعي، الخوارزميات، والرأسمالية الرقمية، كلها أجهزة تولد "تأويلات" جاهزة، مسبقة البرمجة، تُقدَّم للفرد كبدائل عن التفكير الذاتي. في هذا السياق، يبدو التفكير الفلسفي، بطابعه التأملي البطيء والجذري، قادراً على أن يدشن تجربة تأويلية نقدية مختلفة نوعياً: تجربة لا تستهلك المعنى، بل تُعيد إنتاجه من خلال مواجهة جذور الأشياء وإمكانياتها المستقبلية. السؤال المركزي إذن ليس "هل يستطيع الفلسفة أن تنقد؟"، بل بأي معنى تستطيع أن تُدشِّن تجربة تأويلية تختلف جذرياً عن نمط التأويل السائد اليوم، الذي أصبح أداة للسيطرة والتسليع أكثر منه طريقاً للحرية والفهم.


 هذه المقاربة تتخذ طابعاً تأصيلياً تجديدياً، أي أنها تعود إلى جذور التفكير الفلسفي (اليوناني، والحديث، والمعاصر) لاستخراج إمكانياته الكامنة، ثم تعيد صياغتها بطريقة تلبي تحديات العصر دون الوقوع في النسخ أو الاستنساخ. فيم تتمثل أزمة التأويل في العصر الرقمي-تقني؟ وبماذا يمكن التعاطي معها؟ والى مدى يكون التفكير الفلسفي كافيا للرد عليها والخروج من مأزقها؟


أولاً: طبيعة الأزمة التأويلية المعاصرة


التأويل في العصر الحالي أصبح سطحياً ومُسرَّعاً. الخوارزميات تقرأ سلوكياتنا أسرع مما نقرأ أنفسنا، وتُقدِّم لنا "تفسيرات" لأذواقنا ورغباتنا وهوياتنا. هذا التأويل الآلي لا يهدف إلى الكشف عن الحقيقة أو تعميق الذات، بل إلى التنبؤ بالسلوك لأغراض تجارية وسياسية. ينتج عن ذلك ما يمكن تسميته بـ"فقدان القدرة على التأويل الذاتي"، حيث يصبح الفرد غريباً عن نفسه، يتلقى معنى وجوده من الخارج. كذلك، أدى التنوع الثقافي الشديد والعولمة إلى "أزمة المرجعية"، فلم يعد هناك مركز ثابت يمكن الرجوع إليه في التأويل. كل شيء يُفسَّر حسب "السياق"، لكن السياق نفسه أصبح سائلاً ومتحولاً باستمرار. هنا يظهر خطر "النسبية الراديكالية" التي تُفرغ التأويل من أي قيمة معرفية أو أخلاقية حقيقية، وتحوله إلى لعبة قوى أو صراع سرديات. في مواجهة هذه الأزمة، لا يكفي التفكير الفلسفي أن يكون "ناقداً" بالمعنى التقليدي (كشف الأيديولوجيا أو تفكيك البني)، بل يجب أن يصبح مؤسِّساً لتجربة تأويلية جديدة، تجربة تُعيد بناء علاقة الإنسان بالمعنى من جذورها.


ثانياً: التأصيل في جذور التفكير الفلسفي


التفكير الفلسفي، منذ أصوله اليونانية، كان تأويلاً نقدياً بامتياز. عند سقراط، كان التفكير عبارة عن "مايوطيقا" (فن الولادة)، أي استخراج المعنى الكامن في الذات من خلال الحوار والتساؤل الجذري. أفلاطون في "الجمهورية" يرى أن مهمة الفيلسوف هي الخروج من الكهف، أي تجاوز التأويلات الظلية (الوهمية) نحو رؤية الحقيقة نفسها. أما أرسطو، فيعطي التأويل بعداً علمياً منهجياً من خلال تحليل الأسباب والجواهر. في العصر الحديث، يأخذ التأويل بعداً أعمق مع ديكارت الذي يبدأ بالشك المنهجي ليصل إلى "أنا أفكر، إذن أنا موجود"، مؤسساً بذلك تأويلاً ذاتياً يعتمد على الوعي الذاتي كمركز.


 كانط يطور هذا باتجاه "النقد"، حيث يحدد شروط إمكان المعرفة والأخلاق قبل أي تأويل للعالم.


هيغل يرى التاريخ نفسه كعملية تأويلية جدلية، يتقدم فيها الروح نحو الوعي الذاتي الكامل.


أما في القرن العشرين، فيبرز هيدجر كمحور أساسي. في "الوجود والزمان"، يحول التأويل إلى بنية أنطولوجية أساسية للوجود الإنساني (الدازاين). التأويل ليس نشاطاً ثانوياً، بل هو الطريقة التي يوجد بها الإنسان في العالم. مفهوم "الدائرة التأويلية" عند هيدجر وغادامير يؤكد أن الفهم يبدأ دائماً من "السابق" (التصورات المسبقة)، لكنه يمكن أن يتجاوزها نحو انفتاح أكبر على "الأفق" الآخر.


هذه الجذور تُظهر أن التفكير الفلسفي لم يكن يوماً مجرد تحليل، بل كان تجربة وجودية لإعادة صياغة العلاقة بين الذات والعالم والمعنى.


ثالثاً: التجديد في مواجهة التحديات المعاصرة


لكي يدشن التفكير الفلسفي تجربة تأويلية نقدية مختلفة اليوم، يجب أن يتجاوز النمط "التفكيكي" السائد (مثل بعض تيارات ما بعد الحداثة) نحو نمط تأويلي بنَّاء وتجديدي. هذا التجديد يتم عبر عدة مستويات:


استعادة البعد الأنطولوجي للتأويل:


بدلاً من الاكتفاء بتفكيك الخطابات أو كشف السلطة الكامنة فيها (كما عند فوكو أو دريدا)، يعود الفيلسوف إلى السؤال الأساسي: "ما معنى أن نكون؟" في عصر الذكاء الاصطناعي. التأويل هنا ليس للنصوص فقط، بل للوجود التقني نفسه. هيدغر حذر من "التقنية" كـ"إطار يحول كل شيء إلى مورد قابل للاستغلال). التفكير الفلسفي اليوم مدعو إلى تأويل "الوجود الرقمي" بطريقة تكشف إمكانياته التحررية والخطرة معاً، دون الوقوع في الرفض الرومانسي أو الاحتفاء التقني الأعمى.


تجاوز النسبية نحو "التأويل المسؤول":


التأويل النقدي المعاصر يجب أن يرفض فكرة أن "كل التأويلات متساوية". هناك فارق نوعي بين التأويل الذي يُعمق الوجود الإنساني ويفتح آفاق الحرية والإبداع، وبين التأويل الذي يُسطِّح الذات ويحولها إلى بيانات. يمكن للفلسفة أن تستعيد مفهوم "الحقيقة" ليس كملكية مطلقة، بل كـ"حدث" (عند هيدجر) أو كعملية انفتاح تتطلب التزاماً أخلاقياً ووجودياً.


دمج البعد الجسدي والعاطفي في التأويل:


التفكير الفلسفي التقليدي ركز كثيراً على العقل المجرد. أما اليوم، في ظل سيطرة الشاشات والواقع الافتراضي، يصبح من الضروري تأويل "الجسد" و"الإحساس" كجزء أساسي من عملية الفهم. تجارب ميرلوبونتي في فينومينولوجيا الإدراك، أو حتى بعض التوجهات النسوية والما بعد كولونيالية، تُغني هذا البعد. التأويل النقدي الجديد يجب أن يكون متجسداً، يأخذ في اعتباره كيف تشكل التقنيات الرقمية حواسنا وانفعالاتنا قبل أن تشكل أفكارنا.


التأويل كممارسة سياسية-أخلاقية:


في عصر "ما بعد الحقيقة"، يمكن للفلسفة أن تُدشِّن تأويلاً يربط بين الفهم والمسؤولية. ليس مجرد نقد الأيديولوجيات، بل بناء "فضاء عام فلسفي" يسمح بتعدد الأصوات دون انهيارها في فوضى نسبية. هنا تكتسب فكرة "الديمقراطية التأويلية" أهمية، أي قدرة المجتمع على التفاوض المستمر حول معاني القيم المشتركة (الحرية، العدالة، الهوية) بطريقة نقدية ومسؤولة.


رابعاً: ملامح التجربة التأويلية النقدية المختلفة


ما الذي يجعل هذه التجربة مختلفة؟


البطء مقابل التسريع: التفكير الفلسفي يقاوم ثقافة السرعة الرقمية بالبطء التأملي، الذي يسمح للمعنى بالنضج.


الجذرية مقابل السطحية: يسأل عن "لماذا" و"من أين" بدلاً من "كيف" فقط.


الانفتاح مقابل البرمجة: يرفض التأويلات الجاهزة ويفتح دائرة التأويل على إمكانيات غير متوقعة.


الالتزام مقابل الحياد المزيف: التأويل الفلسفي ليس محايداً، بل ملتزماً بإمكانية وجود أفضل للإنسان.


هذه التجربة ليست نخبوية بالضرورة، بل يمكن أن تكون ممارسة يومية:


 في قراءة النصوص، في مواجهة الأخبار، في التفكير في علاقتنا بالتقنية، أو في إعادة صياغة هوياتنا الشخصية والجماعية.


التجديد في مواجهة التحديات المعاصرة


لكي يدشن التفكير الفلسفي تجربة تأويلية نقدية مختلفة نوعياً في الحقبة المعاصرة، ينبغي أن يتجاوز النمط التفكيكي السائد في بعض تيارات ما بعد الحداثة، والذي غالباً ما ينتهي إلى نسبية راديكالية أو لعبة لا نهائية من التأويلات المتساوية، نحو نمط تأويلي بنَّاء وتجديدي. هذا التجديد ليس مجرد تحديث شكلي، بل إعادة صياغة جذرية للهرمينوطيقا (علم التأويل) بما يتناسب مع واقع الرقمنة، الذكاء الاصطناعي، والثقافة الخوارزمية، مع الحفاظ على عمقها الأنطولوجي والوجودي. يتم هذا التجديد عبر عدة مستويات مترابطة، تشكل معاً إطاراً متكاملاً لتجربة تأويلية جديدة. فكيف يتم استعادة البعد الأنطولوجي للتأويل في مواجهة "التقنية" ككشف وجودي؟


يُعد هيدجر نقطة الانطلاق الأساسية لهذا التجديد، إذ حذر من التقنية الحديثة بوصفها "الإطار أو التركيب)، أي الطريقة التي تحول كل شيء – الطبيعة، الإنسان، والمعنى – إلى "مورد" قابل للاستغلال والحساب. في عصر الذكاء الاصطناعي والخوارزميات، أصبح هذا التحذير أكثر إلحاحاً: الخوارزميات لا "تفسر" العالم فحسب، بل تُعيد تشكيل وجودنا من خلال التنبؤ بالسلوكيات، تشكيل الرغبات، وإنتاج "حقائق" مخصصة. التجديد هنا يكمن في تطوير هرمينوطيقا مادية للتقنيات الرقمية. لا يقتصر التأويل على النصوص التقليدية، بل يمتد إلى "قراءة" الأجهزة والخوارزميات والواجهات الرقمية ككيانات تكشف عن طرق معينة في الوجود. على سبيل المثال، يمكن تأويل نماذج اللغة الكبيرة مثل الذكاء الاصطناعي ليس كآلات "تفهم"، بل كأنظمة تعمل ضمن "دائرة تأويلية آلية" تفتقر إلى الوعي الذاتي والانفعال والمسؤولية الأخلاقية.


هذه الهرمينوطيقا تكشف كيف تشكل التقنية الرقمية "أفقنا" الوجودي، وتدعو إلى مقاومة "الكشف التقني" الوحيد بفتح إمكانيات كشف أخرى أكثر أصالة، مثل الإبداع البشري والتأمل البطيء. هذا الاستعادة الأنطولوجية تتجاوز الرفض الرومانسي للتقنية أو الاحتفاء التكنوقراطي بها، لتصبح تأويلاً نقدياً يسأل: ما الذي يُفقد من الوجود الإنساني عندما يصبح التأويل خوارزمياً؟ وما هي الإمكانيات الجديدة التي تفتحها التقنية إذا ما أُعيد توجيهها فلسفياً؟ وهل تكمن في تجاوز النسبية الراديكالية نحو "التأويل المسؤول" والحواري؟


في مواجهة "ما بعد الحقيقة" وثقافة الـ"فيك نيوز"، يرفض التجديد الفلسفي فكرة أن "كل التأويلات متساوية". يستلهم هنا غادامير مفهوم "الدائرة التأويلية" و"اندماج الآفاق"، لكنه يطوره باتجاه حوار مسؤول يأخذ في الاعتبار الاختلافات الثقافية والسياسية دون الانهيار في الفوضى. التأويل النقدي الجديد يميز بين التأويل الذي يُعمق الوجود الإنساني ويفتح آفاق الحرية والإبداع، وبين التأويل الذي يُسطِّح الذات ويحولها إلى بيانات قابلة للتلاعب. هنا تبرز أهمية بول ريكور، الذي جمع بين التفسير المنهجي (التفكيك) والتأويل الفلسفي (إعادة البناء). التجديد يدعو إلى "هرمينوطيقا نقدية بنَّاءة" تدمج النقد الأيديولوجي مع التزام أخلاقي بـ"الحقيقة كحدث" – ليس كملكية مطلقة، بل كعملية انفتاح مشترك تتطلب جهداً وجودياً ومسؤولية جماعية. في السياق الرقمي، يعني ذلك تطوير قدرة على "قراءة" السرديات الخوارزمية المُولَّدة، مع الوعي بأن الذكاء الاصطناعي ينتج "تأويلات" بدون ذاتية حقيقية أو انفعال أو أفق أخلاقي. التأويل المسؤول إذن هو الذي يعيد الإنسان إلى مركزية صناعة المعنى، بدلاً من الاكتفاء بدور المستهلك السلبي للمعاني الجاهزة.فكيف يتم دمج البعد الجسدي والمادي والعاطفي والمرور نحو نحو هرمينوطيقا متجسدة ومادية؟


لقد ركزت الهرمينوطيقا التقليدية كثيراً على العقل واللغة المجردة. أما في عصر الشاشات، الواقع الافتراضي، والتفاعل الرقمي، فيصبح من الضروري تطوير هرمينوطيقا متجسدة تأخذ في الاعتبار كيف تشكل التقنيات حواسنا، انفعالاتنا، وجسدنا قبل أن تشكل أفكارنا.يستلهم هذا المستوى من ميرلوبونتي في فينومينولوجيا الإدراك، ومن التطورات المعاصرة في "الهرمينوطيقا المادية" التي ترى التقنيات كـ"أعضاء حسية ممتدة" تشارك في تشكيل عالمنا المدرك. التأويل النقدي الجديد يسأل: كيف يغير التمرير المستمر على وسائل التواصل انتباهنا وإحساسنا بالزمن؟ كيف يُعاد تشكيل "الجسد الرقمي" من خلال الخوارزميات التي تستهدف العواطف؟


هذا الدمج يجعل التأويل أكثر واقعية وفعالية، إذ يتجاوز النخبوية النصية نحو ممارسة يومية تشمل الوعي بالتفاعل بين الجسد والآلة. كما يفتح الباب أمام دمج منظورات ما بعد كولونيالية ونسوية، التي تكشف كيف تُعاد إنتاج علاقات القوة من خلال تصميم التقنيات نفسها. ان التأويل ممارسة سياسية-أخلاقية وبناء فضاء عام فلسفي في زمن "الديمقراطية الخوارزمية" والفقاعات الرقمية، يصبح التأويل النقدي ممارسة سياسية بامتياز. ليس مجرد كشف للسلطة الكامنة في الخطابات (كما عند فوكو)، بل بناء فضاء عام يسمح بتعدد الأصوات والتفاوض المستمر حول المعاني المشتركة للقيم مثل الحرية، العدالة، والكرامة.


هنا تظهر فكرة "الديمقراطية التأويلية": قدرة المجتمع على ممارسة حوار تأويلي نقدي يقاوم سيطرة السرديات المهيمنة والخوارزميات التي تعزز التطرف أو الاستقطاب. التجديد يدعو الفلسفة إلى أن تصبح "فن التأويل الجماعي" الذي يعيد بناء الثقة في القدرة البشرية على إنتاج المعنى المشترك، بدلاً من الاعتماد على "الحلول" التقنية الجاهزة. تنتقل مواجهة الذكاء الاصطناعي من "التأويل الآلي" إلى "التأويل البشري المعزز". ولعل أحد أبرز تحديات العصر هو قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي على توليد نصوص تبدو مفهومة ومقنعة. التجديد الفلسفي يرفض الاعتقاد بأن الآلات "تفهم" بالمعنى الهرمينوطيقي، لأن الفهم – كما أكد غادامير وريكور – يتطلب أفقاً وجودياً، تاريخياً، وأخلاقياً. الذكاء الاصطناعي يعمل ضمن "هرمينوطيقا محاكية" تفتقر إلى الذاتية والانفتاح الحقيقي على الآخر. بدلاً من الخوف أو الإعجاب الأعمى، يقترح التجديد هرمينوطيقا رقمية تحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة مساعدة في التأويل البشري، مع الحفاظ على التفوق البشري في القدرة على التساؤل الجذري والالتزام الأخلاقي. هذا يعني تطوير "معرفة تأويلية" تساعد الأفراد على قراءة مخرجات الـذكاء الاصطناعي نقدياً، مع الوعي بتحيزاتها وحدودها. يتميز هذا التجديد بكونه بطيئاً في مقابل تسريع الثقافة الرقمية، جذرياً في مقابل السطحية، منفتحاً في مقابل البرمجة المسبقة، وملتزماً في مقابل الحياد المزيف. إنه يحول التفكير الفلسفي من مجرد أداة تحليل إلى ممارسة وجودية يومية: في مواجهة الأخبار، في تصميم التقنيات، في إعادة صياغة هوياتنا، وفي بناء مجتمعات أكثر وعياً بذاتها. بهذا المعنى، لا يكتفي التفكير الفلسفي بالنقد، بل يصبح قوة تجديدية تُعيد للإنسان قدرته على صناعة المعنى في عالم يهدد التقنية بسلبه إياها. هذا هو جوهر التجربة التأويلية النقدية المختلفة التي يمكن للفلسفة أن تدشنها اليوم. فماهي ملامح التجربة التأويلية الجديدة؟


خاتمة:


في النهاية، يمكن للتفكير الفلسفي أن يدشن تجربة تأويلية نقدية مختلفة في الحقبة المعاصرة بمعنى أنه يُعيد الإنسان إلى قدرته على صناعة المعنى بدلاً من استهلاكه. هذه التجربة تأصيلية لأنها تعود إلى جوهر الفلسفة كحب للحكمة والبحث عن الحقيقة، وتجديدية لأنها تُعيد صياغة هذا الجوهر في مواجهة الواقع التقني-رقمي-عولمي الجديد. لا تكمن قوة هذه التجربة في تقديم إجابات نهائية، بل في إبقاء السؤال حياً: سؤال "من نحن؟" و"ما الذي يمكن أن نصبح؟" في عالم يحاول أن يجيب عنه الآلات والخوارزميات والسرديات الجاهزة. التفكير الفلسفي، بهذا المعنى، ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة وجودية للحفاظ على إنسانيتنا في زمن يهدد بفقدانها. هذه المقاربة التأصيلية التجديدية تدعو إلى فلسفة لا تكتفي بالنقد، بل تُصبح فنَّ تأويل الوجود نفسه بطريقة أعمق، أكثر حرية، وأكثر مسؤولية. إنها دعوة للعودة إلى التفكير كتجربة حية، وليس كمجرد أداة تحليلية أو ترف فكري. فكيف نسير نحو فلسفة تأويلية تجديدية؟


كاتب فلسفي

الشعراءُ والمجوسيّة/ د. عدنان الظاهر


      

لم يردْ ذكرُ المجوس والمجوسية في القرآن ( ذكر الإنجيل المجوس : إذا مجوسُ من المشرق ... / إنجيل متّي ) "1" فكيف عرفهما الشعراء العباسيون الكبار دون شعراء العصر الأموي؟ لم يرد ذكر المجوس ـ على حدّ علمي ـ في الشعر الجاهلي ولا في شعر العصر الأموي. ورودهما في الشعر العباسي يعني أنهما كانا معروفين ومتداولين في ذلك العهد فما كانت مصادر تلك المعرفة ؟ طبيعي أنْ تكون المصادر محصورة في نطاق الشعراء والكتاب والفقهاء والمفسرين وعلماء اللغة الأعاجم من غير العرب في الأصل في طليعتهم ابن المقفع وربما الجاحظ والشعراء بشار ابن بُرد وأبو نؤاس وأبن الرومي وأبو تمّام اللاتينيّ الأصل كما هو معروف عنه. وماذا عن المتنبي وأبي العلاء المعرّي وهما عربٌ أقحاح ؟ كيف عرفا الديانة المجوسية واستخدماها في شعريهما مجازاً أو مباشرةً بل وذكرها المعري أكثر من مرّة  في ديوانه سقط الزند "2" . عرف عرب الجاهلية الديانتين اليهودية والنصرانية بفضل وجود اليهود والنصارى في جزيرة العرب وقريباً منها في اليمن ثم الحبشة .. والمجوسية كما تذكر بعض المصادر فضلاً عن الديانة الحنيفية التي ذكرها القرآن مراراً. عرف تجّار قريش النصرانية خاصة من خلال رحلاتهم الصيفية للإتجار في بلاد الشام حيث الغساسنة النصارى هناك والكنائس والأديرة والصومعات المنتشرة على طول الطريق الذي يربط الحجاز بأرض الشام.

أبدأ بأول مّن ذكر المجوس من بين الشعراء أعني بشار ابن برد . نقرأ في كتاب " شرح ديوان المتنبي "3" تأليف أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري ت 468 هجرية " في الصفحة343 ما يلي :

( حدّثنا أبو الفضل العروضي إملاءً قال : حدثنا أبو نصر محمد بن ظاهر الوزير قال : أخبرنا سعيد بن محمد الذهلي عن العنبري قال : بينا بشّار في جماعة من نساء يداعبهنَّ قلن له : ليتنا بناتك فقال : وأنا على دين كسرى ) يعني أنه مجوسي فالمجوسية كانت ديانة كسرى وقومه حينذاك. والمجوسية تبيح الزواج بين الآباء وبناتهم. 

الشاعر الثاني في هذا المسلسل هو أبو تمام القائل " 4 " :

بأبي مَنْ إذا رآها أبوها

شَغَفاً قالَ ليتَ أنّا مجوسُ

وثمّةَ شاعر آخر" 5 " لا أعرف بالضبط تأريخ حقبته الزمنية هو عبد الصمد بن المُعذّل كان قد قال في جاريته ( كان يسميها بنته ) بضعة أبيات أقتطف منها ما يلي :

أُحبُّ بُنيتي حُبّاً أراهُ

يزيدُ على محبّاتِ البناتِ

....

....

أرى حُكمَ المجوسِ إذاً لدينا

يكونُ أحلَّ من ماء الفُراتِ

يُحل الشعراء ممارسة الجنس مع بناتهم ولكن حسب شريعة المجوس ! لم يكتفوا بأزواجهم الحليلات ولا بالجواري والسبايا والفتيات والغلمان وما ملكت أَيمانهم فأحلوا ممارسة البنت زوجاً أو خليلة محظية بانتحال المجوسية ديناً !

وماذا عن شاعرنا أبي الطيّب المتنبي .... هل تناول المسألة المجوسية في شعره ووظفها في أمور تخدم أغراضاً محددة ؟ الجواب نعم ولكنْ ؟ لم يُخالف الشعراء الذين سبق ذكرهم في توظيفه لمفردة المجوس لكنه استعملها إستعمالاً خاصاً وفي موضع أشد خصوصية لا علاقة له به من حيث إباحة زواج البنت من أبيها والأخت من أخيها فمعروف عنه أنه لم يقترن بأية إمرأة بعد وفاة عقيلته أم مُحسّد. قال المتنبي "6" في قصيدته الذائعة الصيت التي هجا فيها إسحق بن إبراهيم بن كيغلَغ التي مطلعها :

لهوىِ القلوبِ سريرةٌ لا تُعلمُ

عَرَضاً نظرتُ وخِلتُ أني أسلمُ

يا أُختَ مُعتنِقِ الفوارسِ في الوغى

لأَخوكِ ثَمَّ أرقُّ منكِ وأرحمُ


يرنو إليكِ مع العفافِ وعندهُ

أنَّ المجوسَ تُصيبُ فيما تحكمُ

إختلف شُراح ديوان المتنبي وغيرهم في تفسير هذه الأبيات ففيهم من شرّق ومنهم مَنْ غرّب وشطَّ من قبيل ( قال ابنُ جنّي / يرميه باخته وبالأُبنة .. ) ... ( قال أبو الفضل العروضي : شبب بإمرأة أخوها مُبارز قتال هو على قساوة قلبه وإراقته الدماء أرحمُ منكِ ... ) ... ( وقال ابن فورجة :شبب بإمرأة ومدح أخاها ...  ثم قال لحبيبته : أنتِ قاسية القلب وأخوكِ على بسالته إذا لقي العدو كان أرحم منك لي وأرق منك عليَّ ، ثم أراد المبالغة في ذكر حسنها فقال : أخوكِ يودُّ لو كان دينه دين المجوس فيتزوج بك، والنهاية في الحسن أنْ يودَّ أخوها وأبوها أنها تحلُّ له ولآجل هذا قال أبو بكرٍ الخوارزمي " تخشى عليها أُمُّها أَباها ". علي بن إسماعيل بن سيّدة المُرسي الأندلسي 398 ـ 458 هجرية " 9 " أحد أذكياء قدامى نقّاد الشعر من حيث الموضوعية والرصانة وبعد النظر فيما يقول وهو فيه متفق مع ما قال كلٌّ من العروضي وإبن فورجة سالفي الذِكْر. أنقل عنه ما قال بشأن هذين البيتين من الشعر ففيما قال نسف لتفسير إبن جنّي لهما وسوء فهم أو سوء نيّة بعض شرّاح ديوان المتنبي الآخرين. قال (( قيل : يخاطب محبوبته، جعلها أختاً تعفّفاً عنها وتنزّهاً عن الفجور بها. " لأخوكِ " يعني نفسه ( لا يعني المتنبي نفسه ! إنه قصد أخاها ... مُعتنق الفوارس / ملاحظتي، عدنان ) ـ ثّمَّ ـ أي في موضع القتال واعتناق الفوارس أرقُّ منكِ في الهوى وأرحمُ، ذلك على قساوته في الحرب. " يرنو إليكِ مع العفافِ " أي أنَّ أخاكِ ـ وهو يعني نفسه ـ ينظر إليكِ فيُعجبه حُسنكِ إلاّ أنه يعفُّ تشرّفاً لا تديّناً وعنده مع عفّته أنَّ المجوسَ تُصيبُ في حكمها الذي هو نِكاح الأخوات. يتابع إبن سيّدة فيقول : وإنْ شئتَ قُلتَ إنه يتغزل بأخت رجلٍ شجاع فيقولُ لها أخوكِ على شدّته وبسالته أرقُّ منكِ وأرحمُ، ثم أخبرَ عنه أنه يرنو إليها مع العفاف الذي توجبه منافرة الطبيعة لنكاح الأخوات فيذمُّ نفسه على ذلك العفاف الطبيعي وعنده أنَّ المجوسَ تُصيب في نكاح الأخوات. وقد قيل في هذين البيتين قولٌ لا ينبغي أنْ يُلتفتَ إليه لسُخفه )).

ما رأي القرّاء الكرام وخاصة الشعراء ونُقّاد الشعر ومحبيه في تفسير أبيات المتنبي هذه ؟

هل في الأمر أُبنة وهل لتهمة الأبنة هذه علاقة بصورة المتنبي الشعرية المُذهلة في قوله [ يا أُختَ مُعتَنِقِ الفوارسِ في الوغى ] ؟ أين دلالات الأبنة ؟ مُعتنق الفوارس تعني في نظري المشتبك بالفوارس الذي يباغت عدوه بالهجوم عليه وضمه إليه بقوة ليغرز في قلبه أو بطنه أو ظهره خنجراً أو أية آلة مدببة جارحة وقال مثل هذا الإيطالي ميكيافيللي بعد قرون في كتابه " الأمير " [ عانق عدّوك ثم اغرزْ في ظهره خنجرك ]. كيف ولماذا يذهب بعض النقاد وبعض قرّاء شعر المتنبي هذا المذهب الغريب في تفسيراتهم ؟ لقد ذهب هذا المذهب الغريب حتى بعض قرّاء ومترجمي ملحمة كلكامش إذْ زعموا أنَّ علاقة جنسية مِثلية كانت تربط هذا بصديقه أنكيدو !! المتنبي يتغزل كعادته في مطالع غالبية قصائده العظمى ولا علاقة لغزله هذا بإسحق بن إبراهيم الذي قال هذه القصيدة في ذمّه ، لذا فالأُبنة ـ إنْ كانت موجودة ولا أحسبها كذلك ـ لا تخص الرجل المذموم إنما تخص الفارس الذي تغزل المتنبي بأخته : 

يا أُختَ مُعتنِقِ الفوارسِ في الوغى 

لأخوكَ ثَمَّ أرقُّ منكِ وأرحمُ

يرنو إليكِ مع العفافِ وعنده

أنَّ المجوسَ تُصيبُ فيما تحكمُ

في هذه اللوحة عناصر ثلاثة رئيسة هي : أخت قاسية ظالمة وأخ فارس مقدام رقيق رحيم يجد في العنصر الثالث " الدين المجوسي " ما يخوّله حق النظر إلى أخته نظرة المتشهي الراغب فيها زوجةً حسب الشرع المجوسي. إنها لوحة لا ريبَ معقدة شائكة تثير في البعض الهواجس والشكوك والريب لكنَّ هذا هو شأن ودأب المتنبي في أغلب شعره ففيه التحدي وفيه شئ من السوريالية الحديثة. رقّة فارس شجاع جسور تقابلها قساوة وظلم أخت هذا الفارس الشجاع ... فالمتنبي هو الأمير في شأن جمع المتناقضات في شعره.

الآن، وقد فرغنا من أمر شعراء الحقبة العباسيّة وما قالوا في المجوس والمجوسيّة أرى من الطريف أنْ أذكر شاعراً عراقياً عاصرناه لعقود حتى فارقنا مأسوفاً عليه ... أقصد المرحوم الشاعر عبد الوهاب البياتي فما خطبه ؟ كيف تناول موضوعي المجوس والمجوسية وبِم اختلف مع ما سلف من قدامى الشعراء بخصوص هذين الموضوعين؟ سنرى أنَّ الفرق هائل وجسيم لا علاقة له بالزواج من البنت والأخت بل وربما حتى بالأم. هل أنَّ البياتي يميلُ إلى مسألة النار وعبادتها لدى المجوس وما الذي يُغريه في النار وما دلالتها بالنسبة له وهو كما هو معروف عنه رجل عراقي عربي مسلم يميل للمتصوفة وغير معروف الطائفة .. هل هو شيعي أم سُنيّ ؟ له فيديو يصلي في حضرة عبد القادر الكيلاني في بغداد.. هل فعل ذلك لأنه سُني الطائفة أم لأنه من أتباع الكيلاني ومدرسته القادرية في التصوف؟ إني مع التفسير الثاني الذي لا ينفي التفسير الأول. على أية حال...  إنه بيّاتي وكفى... رجل مستقيم نزيه يعاقر الخمرة خفيفةً لكنه، كالمتنبي، لا يصوم رمضان ولا يزني ولا يلوط ولا يلعب القمار، مخلصاً لزوجه وابنة عمّه السيدة أم علي، لم يعرف من النساء بعد زواجه غير هذه الزوجة الصابرة المخلصة المتفانية وبهذا فإنه مخالف للشاعر نزار قباني الغارق في عالم النسوانيات إلى أعلى من أُذنيه.

قصيدة البياتي " المجوسي "  7 " هي بيت القصيد، نجد بعدها مباشرة قصيدة للشاعر تحمل عنوان "هكذا قال زرادشت " وزرادشت هو نبي الديانة المجوسية ! وعنوان القصيدة هذه هو بالضبط عنوان كتاب شهير للفيلسوف الألماني نيتشة " هكذا تكلم زرادشت " .. وقد سبق وأنْ نشرتُ مقالة عنه ناقداً مواقفه من المرأة عموماً. لست أنوي نقد قصيدة المجوسي للبياتي فهذا ليس أوان نقدها ولا مكانه لكني سأنتقي من أبيات هذه القصيدة ما يلائم ويخدم منهجي في مقالي هذا وسنرى أنه غير معنيٍّ بمسألة الزواج من البنات والأخوات والرجل ليس مزواجاً مكتفياً بما لديه. كل ما قال البياتي في قصيدة " المجوسي " لا علاقة له بالمجوسية كديانة ولا بنبيّها زُرادشت سوى أنه كتب في مطلع المقطع الثاني من هذه القصيدة ما يلي :

المجوسيُّ من الشرفةِ للجارِ يقولْ

يا لها من بنتِ كلْبةْ

هذه الدنيا التي تُشبعنا موتاً وغُربةْ

كان قلبي مثل شحّاذٍ على الأبواب يستجدي المحبةْ

وأنا لم أتعدَّ العاشرةْ

فلماذا أغلقوا الأبوابَ في وجهي ؟

لماذا عندليبُ الحبِّ طارْ

عندما ماتَ النهارْ 

نقرأ في المقطع الرابع والأخير :


وجدوهُ عند باب البيتِ في الفجرِ قتيلْ

وعلى جبهتهِ جُرحٌ صغيرٌ وقمرْ

وتعاويذَ وقطراتِ مطرْ .


أيعود الضمير في الفعل الماضي " وجدوهُ " إلى المجوسي أم إلى الشاعر نفسه ؟  أين المجوسية كدين وأين صاحبها زُرادشت النبي ؟ لم يضف البياتي شيئاً والظاهر أنه لم يجد ما يقوله حول المجوس والمجوسيّة لا في بيوت نيرانهم على رؤوس الجبال ولا في تحليلهم الزواج من البنت والأخت إذاً : ما سبب اختياره للعنوان المثير المغري بأمور لم يتناولها البياتي في هذه القصيدة. أتذكر أنَّ البياتي قال في واحدة من قصائده إنَّ أباه مجوسي ! سأبحث عنها للتثبت من صحة وقوة ذاكرتي. كلمة " المجوسي " التي جعلها البياتي عنوانَ إحدى قصائدة أراها لفظة فارغة جوفاء خالية حتى من الهواء فكيف يقبلها منه قرّاء شعره؟ في الإمكان وضع أي عنوان لهذه القصيدة من غير أنْ يتغير شئ في مضمونها الذي لا علاقة له بالمجوس والمجوسية ( المجوسيُّ من الشرفةِ للجارِ يقولْ ) ... في مقدورأي شخص مهما كان دينه أنْ يقول للجار ما يشاء أنْ يقول فلماذا المجوسي هنا وأنا لا أعرف مجوسياً في العراق أو هل في العراق مجوسيون ؟ هل يتغير مضمون القصيدة إذا كان مُكلّمُ جاره بوذيّاً أو هندوسيّاً أو ملحداً أو مسلماً أو مسيحياً أو ... أو ... ؟

تتكرر ذات الظاهرة مع قصيدة " هكذا قال زرادشت " .... قال البياتي في بيت واحد فقط :

فمتى يهبطُ "زارا " ويناديكَ كما ناداهُ أطفالُ المجوسْ

لا من علاقة تربط باقي هذه القصيدة بما في كتاب " هكذا تكلم زرادشت " ولا بالديانة المجوسية !! 

إذا كان الشئ بالشئ يُذكر فلا من بأس في أنْ أذكر الشاعر اللبناني المنتحر خليل حاوي الذي ذكر هو الآخر المجوس في المجموعة الكاملة لدواوينه الشعرية " 8 " فما قال الحاوي وهل أضاف أو سلط ضوءاً جديداً غير مسبوق أو معروف ؟ لا شئ ! كصاحبه البياتي سوى ملاحظات قوية ذكيّة ينتقد فيها بعض وجوه حضارة ومدنية العالم الرأسمالي في أوربا .. ليته رأى ما في أمريكا !. نقل في مقدمة الجزء الخاص بعنوان " المجوس في أوربا " ما قرأنا في إنجيل متّي سابق الذكر أو شيئاً قريباً منه : ( وإذا مجوسٌ من الشرق يتقدمهم نجمٌ ... ولما رأوا الطفلَ خرّوا وسجدوا له ). أنقل بعض ما جاء في هذا المقطع الموسوم " المجوس في أوربا "

يا مجوسَ الشرقِ هل طوّفتمُ

في غمرةِ البحرِ على أرض الحضارةْ

لتروا أيَّ إلهٍ 

يتجلى من جديدٍ في المغارةْ ؟

مِن هنا الدربُ هنا النجمُ

هنا زادُ المسافرْ !

ساقنا النجمُ المغامرْ

عَبْرَ باريسَ .. بلونا صومعاتِ الفكرِ،

عِفنا الفكرَ في عيد المساخرْ،

وبروما غطّت النجمَ، محتهُ

شهوةُ الكُهّانِ في جمر المباخرْ

ثمَّ ضيّعناهُ في لندنَ، ضِعنا

في ضباب الفحمِ، في لُغزِ التجارةْ !

ليلةَ الميلادِ، لا نجمَ

ولا إيمانَ أطفالٍ بطفلٍ ومغارةْ

ليلةَ الميلادِ .. نصفَ الليلِ .. ضيقٌ ..

....

ذكر الشاعر في هذا المقطع كلمة " المغارة " خمسَ مرّات وواضح أنه يقصد المغارة التي وُلِد فيها المسيح في مدينة بيت لحم. ذكر كلاً من باريس وروما ثم لندن أكبر العواصم في أوربا وأكثرها شهرة وعراقة فباريس مدينة الفكر والفلاسفة وجنرالات الحروب .. أما لندن فهي مركز التجارة والصناعة والفحم الحجري والبخار والكهرباء وقاطرات السكك الحديد وأخيراً روما الفن والأباطرة العظام ومركز الفاتيكان والكاثوليكية. أوربا المعاصرة لا يُنقذها ميلاد مسيح جديد بل ليست بحاجة إليه وإلى مّن يهديها سواء السبيل [[ ليلةَ الميلادِ لا نجمَ ولا إيمانَ أطفالٍ بطفلٍ ومغارة .. ]]. باريس ولندن وروما ليست بحاجة إلى أنبياء ورُسل أنبياؤها كهنة فاسدون وتجارة وضباب وفحم فمن بحاجة إلى مريم وعيسى جديد ؟

أوربا ليست بحاجة إلى مّن يتنبأ بميلاد نبي ولا إلى نجمة تدلّ السحرة والمنجمين على مكان ولادته. .. الصناعة والتجارة والسلاح والمال هي أنبياء هذا الزمان.

المصادر /

1ـ العهد الجديد، إنجيل متّي الإصحاح الثاني ، دار الكتاب المقدّس في الشرق الأوسط 1985 وقد تُرجم من اللغة اليونانية ( ولما وُلِدَ يسوعُ في بيت لحم اليهودية في أيام هيرودس الملك إذا مجوسٌ من المشرق قد جاءوا أُورشليم قائلينَ أين هو المولودُ ملكُ اليهود. فإننا رأينا نجمةً في المشرق وأتينا لنسجدَ له .... حينئذٍ دعا هيرودس المجوسَ سرّاً وتحقق منهم زمانَ النجم الذي ظهر.....).

2ـ  أبو العلاء المِعرّي، ديوان سقط الزند دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت1980 م

قال في القصيدة التي رثى فيها والدته  " سألتُ متى اللقاء " الصفحة 40 :

إذا الحِرباءً أظهر دينَ كسرى

فصلّى،  والنهارُ أخو صيامِ

ونقرأ في حاشية هذه الصفحة : أظهر دينَ كسرى أي أظهر عبادة الشمس، فعل الفرس. وهذا خطأ .. فالفرس المجوس لم يعبدوا الشمس إنما عبدوا النار ودين كسرى هو المجوسيّة.

ثم قال في قصيدة " دِرعٌ كثوب الحيّة " الصفحة 270 :

كإنما حِرباؤها عائمٌ

في لُجّةٍ سالمةِ العومِ


يصلى، إذا حاربَ، شمسَ الظُبى  

فِعْلَ مجوسيِّ الضُحى، المُسلمِ

نقرأ في حاشية الصفحة 270 ما يلي : أراد بالمجوسي الحرباء، اي الدويبة المعروفة ... نعتها بالمسلم لإعتباره أنها تُسبّح الله .... وبالمجوسي لإعتباره إيّاها تعبد الشمس.

3ـ شرح ديوان المتنبي، تأليف أبي الحسن عليّ بن أحمد الواحدي النيسابوري ت 468 هجرية، دار ابن الجوزي، القاهرة ط1ـ القاهرة 2010 . الصفحة 343 .

4ـ المصدر الثالث الصفحة 343 .

5ـ المصدر الثالث الصفحة 343 

6ـ المصدر الثالث الصفحة 342

7ـ ديوان عبد الوهاب البياتي المجلد الثاني، دار العودة، بيروت، الطبعة الرابعة 1990 الصفحة 215 .

 8ـ  ديوان خليل حاوي، دار العودة ـ بيروت الطبعة الثانية 1972، ديوان نهر الرماد، 

X III

 بعنوان " المجوس في أوربا " الصفحة 109 وما يليها.

9ـ شرح مُشكل أبيات المتنبي، تأليف أبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيّدة المُرسي الأندلسي 398 هجرية ـ 458 هجرية ، تحقيق الشيخ محمد حسن آل ياسين. دار الطليعة للطباعة والنشرباريس / الجمهورية العراقية، وزارة الإعلام الطبعة الأولى ، صدر بمناسبة مهرجان المتنبي بغداد تشرين أول 1977. الصفحات 186 ـ 187 .


نحو فلسفة عربية إسلامية معاصرة جديدة، منهج متعدد التخصصات/ د زهير الخويلدي



مقدمة:


تواجه الأمة العربية والإسلامية اليوم أزمة حضارية عميقة، تتجلى في فقدان القدرة على إنتاج المعرفة الأصيلة، وفي التبعية الفكرية للنماذج الغربية، وفي عجز الخطاب الديني التقليدي عن مواجهة تحديات العصر الرقمي، العلمي، البيئي، والأخلاقي. في هذا السياق، يبرز مشروع بناء فلسفة عربية إسلامية معاصرة جديدة ليس كرفاهية فكرية، بل كضرورة وجودية وحضارية. هذه الفلسفة لا تعني استنساخ التراث الكلاسيكي (كالفارابي، ابن سينا، الغزالي، أو ابن رشد)، ولا تعني الاستسلام للفلسفة الغربية المعاصرة، بل تعني إعادة إحياء روح الحكمة الإسلامية بطريقة تجديدية تدمج الأصالة مع الحداثة النقدية. المنهج متعدد التخصصات هو المدخل الأساسي لهذا المشروع. فالفلسفة الإسلامية الكلاسيكية كانت، في جوهرها، متعددة التخصصات: تجمع بين العقل والوحي، بين الكلام والفلسفة والعرفان، بين العلوم الطبيعية والأخلاق والسياسة. أما اليوم، فيجب أن تتجاوز هذه التعددية إلى تكامل منهجي يشمل العلوم الإنسانية الحديثة (الاجتماعية، النفسية، السياسية)، والعلوم الطبيعية والتقنية، ودراسات الثقافة والإعلام، مع الحفاظ على المركزية التوحيدية والأخلاقية للرؤية الإسلامية. هذا المنهج يسمح بقراءة التراث قراءة نقدية بناءة، وبتحويل الإسلام من مجرد هوية تاريخية إلى رؤية كونية قادرة على مخاطبة الإنسانية جمعاء. فأين تكمن ضرورة التجديد الفلسفي في السياق المعاصر؟ وماهي الملامح الجديدة لفلسفة اقرأ؟


أولاً: تشخيص الأزمة الفلسفية المعاصرة


تعاني الفلسفة العربية الإسلامية من انقسام حاد: بين تيار تقليدي يقدس النصوص دون نقد تاريخي أو سياقي، وبين تيار حداثي يميل إلى التفكيك الجذري الذي يفرغ التراث من محتواه الروحي والأخلاقي. أدى هذا الانقسام إلى "فقدان المركز"، حيث أصبح الخطاب الديني سطحياً في مواجهة قضايا مثل الذكاء الاصطناعي، التغير المناخي، الأخلاقيات البيولوجية، والعدالة العالمية. كما أن التبعية للنماذج الغربية أنتجت "استغراباً" داخلياً، حيث يُقاس كل شيء بمعايير خارجية، مما يؤدي إلى إما رفض التراث كلياً أو تبريره بطريقة دفاعية. في المقابل، يطرح مشروع الفلسفة الإسلامية المعاصرة الجديدة سؤالاً جذرياً: كيف نعيد بناء "عقل إسلامي" قادر على الاجتهاد في كل مجالات المعرفة، دون أن يفقد صلته بالوحي كمصدر إلهام أساسي؟


هنا يأتي دور المنهج متعدد التخصصات كأداة لتجاوز الثنائيات الجامدة (عقل/وحي، تراث/حداثة، دين/علم، شرق/غرب)، نحو تكامل ديناميكي يجعل الفلسفة أداة للنهضة الحضارية الشاملة.


ثانياً: المنهج متعدد التخصصات كأساس للتجديد


يُعد المنهج متعدد التخصصات الركيزة الأساسية والأكثر حيوية في بناء فلسفة عربية إسلامية معاصرة جديدة. فالفلسفة الإسلامية الكلاسيكية لم تكن يوماً منفصلة عن باقي العلوم؛ بل كانت تتداخل مع علم الكلام، أصول الفقه، التصوف، الطب، الفلك، والرياضيات في إطار توحيدي متكامل. أما في العصر الحديث، فيصبح هذا التعدد ضرورة أكثر إلحاحاً لمواجهة تعقيدات الواقع المعاصر، الذي يجمع بين التقدم العلمي السريع، والتحولات الاجتماعية العميقة، والأزمات الأخلاقية والبيئية العالمية.


المنهج متعدد التخصصات هنا ليس مجرد جمع لمعارف من حقول مختلفة، بل تكامل منهجي نقدي يهدف إلى إنتاج معرفة جديدة تتجاوز الحدود التقليدية بين العلوم الإسلامية والعلوم الحديثة، وبين النظري والتطبيقي، وبين التراث والمعاصر. إنه منهج يعتمد على الاجتهاد التأويلي (الهرمينوطيقا الإسلامية)، والنقد البناء، والحوار المفتوح، مع الحفاظ على المركزية التوحيدية كإطار أنطولوجي ومعرفي شامل.


.1. خصائص المنهج متعدد التخصصات في السياق الإسلامي المعاصر


يتميز هذا المنهج بثلاث سمات أساسية:


التكاملية: يربط بين مصادر المعرفة المختلفة (الوحي، العقل، الحس، التجربة التاريخية) في وحدة عضوية، مستلهماً مفهوم التوحيد الذي يرى الكون ككل مترابط.


النقدية البناءة: يقرأ التراث قراءة تاريخية ونقدية دون تدنيس أو تقديس أعمى، وينقد المناهج الحديثة الغربية من الداخل مع الاستفادة الانتقائية من إنجازاتها.


التطبيقية: لا يقتصر على النظرية، بل يسعى إلى حل المشكلات الواقعية من خلال نماذج عملية في التعليم، السياسة، الاقتصاد، والتقنية.


هذا المنهج يتجاوز الثنائيات الجامدة (عقل/نقل، دين/دنيا، تراث/حداثة) نحو ديناميكية إبداعية تسمح بـ"إسلامية المعرفة" أو "التكامل المعرفي" بطريقة تجديدية.


.2. المستويات المتعددة للتكامل المنهجي


أ. التكامل بين العلوم الإسلامية التقليدية والعلوم الحديثة


يشمل هذا المستوى دمج علم الكلام مع فلسفة العلوم المعاصرة. على سبيل المثال، يمكن إعادة صياغة قضايا السببية والمعجزة في ضوء الفيزياء الكمية ونظرية الفوضى، مما يفتح آفاقاً جديدة لفهم "القانون الطبيعي" كتعبير عن الحكمة الإلهية دون تعارض مع الحرية الإنسانية.


 كذلك، يتكامل أصول الفقه مع الدراسات الاجتماعية والاقتصادية لتطوير "فقه المقاصد" المعاصر الذي يتعامل مع قضايا الذكاء الاصطناعي، الجينوم البشري، والتنمية المستدامة. هنا يصبح الاجتهاد ليس مجرد استنباط أحكام فقهية، بل بناء إطار فلسفي أخلاقي يحدد المصلحة العامة في عصر العولمة والرقمنة.


أما التصوف والتربية الروحية، فيندمج مع علم النفس الحديث وعلم الأعصاب لإنتاج "نفسية إسلامية" تعالج أزمات الهوية، القلق الوجودي، والإدمان الرقمي، مستفيداً من مفاهيم مثل تهذيب النفس، المراقبة، والإحسان.


ب. الدمج مع العلوم الإنسانية والاجتماعية


يستفيد المنهج من علم الاجتماع والأنثروبولوجيا لقراءة التراث في سياقه التاريخي والثقافي، مما يسمح بفهم أعمق لتطور المفاهيم الإسلامية عبر العصور دون الوقوع في النسبية التامة. كما يستخدم المنهج التاريخي لإثبات أصالة الفلسفة الإسلامية وتميزها، مع التركيز على الابتكار الذي أضافته إلى التراث اليوناني. في مجال الفلسفة السياسية، يجمع المنهج بين مفهوم الشورى والديمقراطية الحديثة، ومبادئ العدل الاجتماعي مع نظريات العدالة المعاصرة، لبناء نموذج "دولة العدل والمسؤولية" يتجاوز الدولة القومية والليبرالية الغربية.


ج. التكامل مع العلوم الطبيعية والتقنية


يُعد هذا المستوى من أبرز تحديات العصر. يدعو المنهج إلى "هرمينوطيقا علمية إسلامية" تقرأ الاكتشافات العلمية (مثل نظرية التطور، علم الوراثة، والذكاء الاصطناعي) ضمن رؤية توحيدية ترى العلم كوسيلة لعمارة الأرض وتحقيق الخلافة الإنسانية. يمكن تطوير فلسفة إسلامية للتقنية تتجاوز الاحتفاء الأعمى أو الرفض الرومانسي، من خلال طرح أسئلة أخلاقية جذرية: ما حدود "الذكاء" الآلي؟ كيف نحافظ على كرامة الإنسان في عصر الخوارزميات؟ وكيف نجعل التقنية أداة للعدالة الاجتماعية لا لتعميق الفجوات؟


د. المنهج النقدي التأويلي والحواري


يعتمد المنهج على الهرمينوطيقا الإسلامية (الاجتهاد التأويلي) الذي يجمع بين التفسير النصي والتأويل الرمزي والسياقي. هذا يسمح بقراءة النصوص المقدسة والتراثية بطريقة تفتح آفاقاً جديدة دون مخالفة الثوابت. كما يشمل حواراً نقدياً مع الفلسفة الغربية المعاصرة (من كانط وهيغل إلى هيدغر، هابرماس، وفوكو)، ليس بالتبعية بل بالمقارنة والاستيعاب الانتقائي.


 يُنقد المنهج الغربي في جوانبه المادية أو النسبية، مع الاستفادة من أدواته التحليلية في النقد الأيديولوجي والاجتماعي.


.3. أدوات المنهج وآليات عمله


المنهج التاريخي: تتبع تطور الأفكار وجذورها.


المنهج المقارن: وضع التراث الإسلامي في حوار مع الحضارات الأخرى.


المنهج الاستقرائي والاستنباطي: جمع البيانات من الواقع ثم استنباط المبادئ العامة.


المنهج التجريبي والكمي: استخدام الاستطلاعات، النمذجة، والدراسات الميدانية في دراسة الظواهر الاجتماعية والتربوية الإسلامية.


المنهج الهرمينوطيقي: دائرة التأويل التي تتحرك بين النص والسياق والقارئ.


هذه الأدوات تُستخدم في إطار تكاملي، لا تنافسي، لإنتاج معرفة شاملة.


.4. التحديات والشروط الضرورية لنجاح المنهج


يواجه هذا المنهج تحديات مثل خطر الذوبان في المناهج الغربية، أو السطحية في التكامل، أو مقاومة التقليديين. لتجاوز ذلك، يشترط:


تكوين باحثين "متعددي التخصصات" يجمعون بين عمق التراث وإتقان العلوم الحديثة.


إنشاء مؤسسات بحثية متخصصة في التكامل المعرفي.


تربية جيل جديد يتقن "العقل النقدي المؤمن".


الحفاظ على الالتزام الأخلاقي والروحي كضابط لكل عملية معرفية.


المنهج متعدد التخصصات في خدمة فلسفة عربية إسلامية معاصرة جديدة ليس رفاهية أكاديمية، بل استراتيجية حضارية لإعادة بناء "العقل الإسلامي" القادر على الإبداع والاجتهاد في كل مجالات الحياة. إنه يحول الفلسفة من مجرد تأمل نظري إلى قوة تجديدية شاملة، قادرة على مواجهة تحديات العصر بأصالة وانفتاح، ومساهمة في بناء حضارة إنسانية متوازنة تجمع بين الروح والمادة، والعقل والقلب، والتراث والمستقبل.


 بهذا المنهج، تصبح الفلسفة الإسلامية المعاصرة ليست استمراراً تقليدياً ولا تقليداً حداثياً، بل تجديداً أصيلاً يُعيد للأمة دورها الريادي في إنتاج المعرفة الكونية.


رابعا: الأسس التأصيلية للفلسفة العربية الإسلامية


تستمد الفلسفة العربية الإسلامية أصالتها من عدة مصادر مترابطة:


التوحيد كإطار أنطولوجي ومعرفي: التوحيد ليس عقيدة فقط، بل رؤية كونية ترى الوجود كوحدة مترابطة، حيث يجمع بين المادة والروح، والعقل والقلب. هذا يتيح فلسفة علمية لا تتعارض مع الإيمان، وفلسفة أخلاقية ترى الإنسان خليفة في الأرض مسؤولاً عن عمارتها.


التراث الفلسفي الكلاسيكي: من الفارابي الذي بنى "المدينة الفاضلة"، إلى ابن سينا في الشفاء والإشارات، مروراً بالغزالي الذي نقد الفلسفة من الداخل، وصولاً إلى ابن رشد الذي دافع عن التوفيق بين الشريعة والحكمة. كذلك، العرفان الإسلامي (ابن عربي، السهروردي) الذي يضيف بعداً وجودياً وتجريبياً يتجاوز العقل المجرد.


مقاصد الشريعة والاجتهاد: الفقه والأصول يوفران إطاراً مرناً للتعامل مع المتغيرات، من خلال مبادئ مثل المصلحة، الاستحسان، والقياس. هذه الأدوات يمكن تجديدها لتصبح أساساً لفلسفة سياسية واقتصادية واجتماعية معاصرة.


الروح النقدية الداخلية: التراث الإسلامي غني بالنقد الذاتي (كتاب "تهافت الفلاسفة" للغزالي مقابل "تهافت التهافت" لابن رشد)، مما يجعل التجديد ممكناً من الداخل دون الحاجة إلى استيراد نماذج خارجية كاملة.


ثالثاً: المنهج متعدد التخصصات كأساس للتجديد


يتميز المنهج الجديد بكونه تكاملياً نقدياً، يجمع بين عدة مستويات:


التكامل بين العلوم الإسلامية التقليدية والعلوم الحديثة:


دمج علم الكلام مع فلسفة العلوم: إعادة صياغة قضايا السببية، المعجزة، والقانون الطبيعي في ضوء الفيزياء الكمية، نظرية التطور، وعلم الأعصاب.


تطوير "فلسفة إسلامية للذكاء الاصطناعي" تسأل عن طبيعة الوعي، الأخلاق الآلية، والمسؤولية في عصر الـذكاء الاصطناعي، مستلهمة من مفهوم "الروح" و"الاستخلاف".


ربط الفقه بدراسات البيئة والاقتصاد: بناء "اقتصاد إسلامي أخلاقي" يتجاوز الرأسمالية والاشتراكية، مستنداً إلى مقاصد الشريعة ومبادئ العدل والتوازن.


الدمج مع العلوم الإنسانية والاجتماعية :


استخدام علم الاجتماع والأنثروبولوجيا لقراءة التراث سياقياً، مع الحفاظ على بعد النقد التاريخي دون الوقوع في النسبية.


دمج علم النفس الحديث مع التصوف والتربية الإسلامية لبناء "نفسية إسلامية" تعالج قضايا الهوية، الصحة النفسية، والسعادة في العصر الرقمي.


فلسفة سياسية تجمع بين الشورى والديمقراطية، والحرية والمسؤولية، مستفيدة من تجارب الحكم الإسلامي التاريخية ونظريات الحداثة النقدية.


المنهج النقدي البناء: قراءة التراث بـ"هرمينوطيقا إسلامية" تدمج التأويل مع الاجتهاد، وتتجاوز الحرفية والتفكيك.


حوار نقدي مع الفلسفة الغربية (من كانط وهيغل إلى هيدغر وفوكو وهابرماس)، لا بالتبعية بل بالمقارنة والاستيعاب الانتقائي، مع الحفاظ على الخصوصية التوحيدية.


استخدام المناهج الكمية والكيفية معاً: التحليل النصي، الدراسات التاريخية، الاستطلاعات الميدانية، والنمذجة الرياضية في دراسة الظواهر الاجتماعية الإسلامية.


البعد العابر للثقافات والحضارات: حوار الأديان والثقافات كجزء أساسي، ليس للتسامح السلبي بل لبناء أخلاق كونية مشتركة.


الاستفادة من تجارب الفلسفة الإسلامية في إيران (الملا صدرا وتجديد الحكمة المتعالية)، وفي جنوب شرق آسيا، وفي السياقات الأفريقية والغربية المعاصرة.


رابعاً: المجالات التطبيقية للفلسفة الإسلامية المعاصرة


فلسفة العلم والتقنية: إعادة بناء علاقة الإسلام بالعلم بعيداً عن التنافر أو التوفيق السطحي، نحو رؤية ترى العلم عبادة وعمارة للأرض.


الأخلاقيات المعاصرة: مواجهة قضايا الجينوم، الإجهاض، القتل الرحيم، والذكاء الاصطناعي من منظور مقاصدي إسلامي.


الفلسفة السياسية والاجتماعية: بناء نموذج "دولة العدل والشورى" يتجاوز الدولة القومية والليبرالية، مع التركيز على الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.


التربية والثقافة: إصلاح المناهج التعليمية لتنمية "عقل نقدي مؤمن"، ومواجهة ثقافة الاستهلاك الرقمي.


البيئة والتنمية المستدامة: تطوير "فقه البيئة" فلسفياً، مستنداً إلى مفهوم الاستخلاف والأمانة.


خامسا: مساهمة الفلسفة الايرانية


بعد استعراض خصائص المنهج متعدد التخصصات ومستوياته التكاملية، يصبح من الضروري وضع هذا المشروع في سياق مقارن مع تجربة فلسفية إسلامية معاصرة أخرى ناجحة نسبياً، وهي الفلسفة الإيرانية المعاصرة. هذه المقارنة ليست للتقليد أو المنافسة السلبية، بل لاستخلاص الدروس والفروق، وتحديد الإمكانيات المتاحة للفلسفة العربية الإسلامية لتتجاوز نقاط ضعفها وتستفيد من نقاط قوة التجربة الإيرانية، مع الحفاظ على خصوصيتها السنية والعربية.


أولاً: خصائص الفلسفة الإيرانية المعاصرة


تُعد الفلسفة الإيرانية المعاصرة امتداداً حياً ومؤسساتياً قوياً لمدرسة الحكمة المتعالية التي أسسها صدر المتألهين (ملا صدرا) في القرن السابع عشر الميلادي. هذه المدرسة تمثل قمة التكامل بين الفلسفة المشائية (العقلية البرهانية)، والعرفان الإشراقي (الشهودي)، وعلم الكلام، والتفسير القرآني. يقوم مشروع ملا صدرا على مبادئ أساسية مثل:


أصالة الوجود (وليس الماهية): الوجود حركة جوهرية مستمرة (الحركة الجوهرية).


الوحدة الوجودية مع التدرج والتشكك.


المعاد الجسماني والروحاني.


دمج البرهان العقلي مع الشهود العرفاني والنص الديني.


في العصر الحديث، شهدت هذه المدرسة إحياءً قوياً على يد مفكرين بارزين مثل العلامة محمد حسين الطباطبائي (صاحب تفسير الميزان، وكتاب أصول الفلسفة ومنهج الواقعية)، ومرتضى المطهري (الذي علق على أعمال الطباطبائي وطورها في مجالات الأخلاق، الفلسفة الاجتماعية، والسياسة)، والإمام روح الله الخميني (الذي جمع بين العرفان العملي، الفلسفة، والفقه السياسي في نظرية ولاية الفقيه).


تتميز الفلسفة الإيرانية المعاصرة بـ:


الاستمرارية المؤسساتية: تُدرَّس الحكمة المتعالية بشكل منهجي في الحوزات العلمية (قم ومشهد) إلى جانب الفقه والأصول، مما ينتج جيلاً من الباحثين متعددي التخصصات.


التكامل بين النظري والعملي: لم تقتصر على التأمل، بل ساهمت في بناء مشروع سياسي حضاري (الثورة الإسلامية) وفي مواجهة التحديات المعاصرة مثل الماركسية، الوجودية الغربية، والعلمانية.


الانفتاح النسبي مع الحفاظ على الأصالة: حوار نقدي مع الفلسفة الغربية (كانط، هيغل، هيدغر) دون استسلام، مع التركيز على "الواقعية الإسلامية" مقابل المثالية أو المادية.


البعد العرفاني القوي: الجمع بين الفلسفة والتصوف العملي، مما يعطيها عمقاً روحياً يتجاوز التحليل العقلي المجرد.


ثانياً: نقاط التقاطع والتشابه مع المشروع العربي الإسلامي


يوجد قواسم مشتركة أساسية بين المشروعين:


التأصيل في التراث الإسلامي: كلاهما يعود إلى التوحيد كإطار أنطولوجي شامل، ويستلهم من الفارابي وابن سينا والغزالي وابن عربي.


الطموح التكاملي: كلاهما يسعى إلى تجاوز الثنائيات (عقل/وحي، فلسفة/عرفان، دين/دنيا) نحو رؤية شاملة.


مواجهة الحداثة: كلاهما يحاول نقد الغرب المعاصر وتقديم بديل إسلامي لقضايا العلم، الأخلاق، السياسة، والهوية.


المنهج متعدد التخصصات: في الجانب الإيراني، يظهر ذلك في دمج التفسير القرآني (الميزان) مع الفلسفة والاجتماعيات؛ وفي المشروع العربي المقترح، يمتد إلى العلوم الطبيعية والتقنية والإنسانية الحديثة.


ثالثاً: نقاط الاختلاف والفروق الجوهرية


رغم التشابهات، تبرز فروق مهمة تحدد طبيعة كل تجربة:


الأساس المذهبي والمنهجي: الفلسفة الإيرانية تنطلق من التراث الشيعي الإمامي، مع التركيز على العرفان النظري والعملي، وولاية الفقيه كتطبيق سياسي. هذا يمنحها تماسكاً مؤسساتياً قوياً داخل الحوزة.


أما المشروع العربي الإسلامي فيعتمد على التراث السني الواسع (أصول الفقه، مقاصد الشريعة، علم الكلام الأشعري والمعتزلي، والتصوف السني كالغزالي والقشيري). هذا يجعله أكثر مرونة في الاجتهاد، لكنه يفتقر أحياناً إلى التماسك المؤسساتي.


مستوى التكامل والتطبيق: التجربة الإيرانية نجحت في تحويل الفلسفة إلى قوة سياسية وتربوية مؤثرة، مع دمجها في النظام التعليمي والثوري. لكنها قد تبدو أكثر تركيزاً على الداخل الشيعي والعرفاني.


المشروع العربي المقترح يطمح إلى تكامل أوسع مع العلوم الحديثة (الذكاء الاصطناعي، البيئة، علم النفس، الاقتصاد)، وإلى حوار أعمق مع الواقع العربي المتنوع (سني، علماني، قومي). هذا يجعله أكثر انفتاحاً على العالمية، لكنه أقل تماسكاً حتى الآن.


العلاقة بالتراث والتجديد: في إيران، يُرى ملا صدرا كـ"مجدد" داخلي، والحكمة المتعالية تُعامل كإطار شامل يتفوق على المدارس السابقة. التجديد هنا امتداد وتعميق أكثر منه قطيعة.


في السياق العربي، غالباً ما يواجه التجديد مقاومة بين التقليديين (الذين يخشون الابتداع) والحداثيين (الذين يميلون إلى التفكيك). لذا يحتاج المشروع العربي إلى "هرمينوطيقا اجتهادية" أقوى تربط بين مقاصد الشريعة والعلوم المعاصرة دون الوقوع في الحرفية أو النسبية.


البعد السياسي والاجتماعي: الفلسفة الإيرانية أنتجت نموذجاً سياسياً متماسكاً (ولاية الفقيه)، رغم الجدل حوله.


المشروع العربي مدعو إلى تطوير نموذج "شورى" و"عدل مقاصدي" يناسب الواقع العربي المتنوع، مع التركيز على الديمقراطية التأويلية والعدالة الاجتماعية دون الارتباط بنموذج حكم مركزي واحد.


رابعاً: الدروس المستفادة والآفاق المستقبلية للمشروع العربي


من المقارنة، يمكن استخلاص دروس حاسمة:


تعزيز المؤسساتية: إنشاء مراكز بحثية وبرامج أكاديمية متخصصة في "التكامل المعرفي" تربط الحوزات أو الجامعات الإسلامية بالعلوم الحديثة، مشابهة لدور الحوزة في إيران.


تعميق البعد العرفاني والروحي: دمج التصوف السني (الغزالي، ابن عربي بقراءة متوازنة) مع الفلسفة لمواجهة أزمة المعنى في العصر الرقمي.


تطوير منهج اجتهادي متعدد التخصصات: يجمع بين أصول الفقه المقاصدي، والهرمينوطيقا التأويلية، والمناهج العلمية الحديثة، ليصبح قادراً على التعامل مع قضايا الذكاء الاصطناعي، البيئة، والأخلاقيات الحيوية.


الحوار العابر للمذاهب: الاستفادة من إنجازات الحكمة المتعالية دون تبنيها كاملة، مع الحفاظ على الخصوصية السنية في الاجتهاد والشورى.


خاتمة:


في النهاية، لا يهدف المشروع العربي الإسلامي إلى تقليد التجربة الإيرانية، بل إلى بناء تجديد أصيل يستفيد من تماسكها وعمقه العرفاني، مع إضافة مرونة أكبر، انفتاح علمي أوسع، وتطبيق عملي يتناسب مع الواقع العربي المتنوع. هكذا يمكن للفلسفة العربية الإسلامية أن تصبح مساهمة كونية في بناء حضارة إسلامية متوازنة، تجمع بين أصالة التراث وحداثة المنهج، وبين الروح والعقل، والنظر والعمل.


نحو فلسفة عربية إسلامية معاصرة جديدة ليس مجرد إضافة نظرية، بل مشروع حضاري يهدف إلى إعادة تموضع الأمة في قلب الإنتاج المعرفي العالمي. المنهج متعدد التخصصات يمثل المفتاح لتحقيق هذا، بشرط أن يكون نقدياً من الداخل (يحافظ على الروح التوحيدية)، منفتحاً على العالم (يحاور بدون استسلام)، وتطبيقياً (يترجم إلى سياسات وممارسات). كما يتطلب النجاح جهداً جماعياً: مؤسسات بحثية متخصصة، برامج أكاديمية متعددة التخصصات، حواراً مفتوحاً بين العلماء والمفكرين، وتربية جيل جديد يجمع بين عمق التراث وحداثة المنهج. في النهاية، هذه الفلسفة الجديدة ستكون تعبيراً عن "حكمة متجددة" قادرة على مخاطبة الإنسان المعاصر في أعماق وجوده، ومساهمة في بناء عالم أكثر عدلاً وتوازناً وروحانية. فماهي آفاق المشروع وشروط نجاحه؟


كاتب فلسفي

يجتمع ويقول: رماد/ شوقي مسلماني



ـ "من أنتَ لتقول كيف يجب أن أحبّ  

ومن أنا لأقول لك كيف يجب أن تعيش"؟. 


ـ حقُّ الزهرة   

أن يطوفَ النحلُ حولها. 


ـ خرجوا في زمانِ الحلم 

مع الماءِ، مع الشجرِ والزهور..  

مع النملِ، الفراشاتِ والعصافير..   

نظروا إلى الرمل، أَصغوا للنهر،  

تحدّثوا مع الريح..   

كبيرٌ قمرُ البلادِ الشاسعة:  

أسماؤهم قوسُ قزح،  

الرئةُ  يوكولابتس..    

خرجوا في زمانِ الحلم ـ 

أبوريجنال أستراليا ـ السكّانُ الأصليّون. 


The Wall_ 

 Will Fall 

الجدار سينهار. 


ـ "أين يجتمع الشَعرُ من دون الجِلد    

الطموحاتُ العالية قد تنسفها هفوات 

والماضي، كالدخان، دعه يمضي".  


ـ أخرجُ إليّ 

أم أخرج عليّ؟.  


ـ "إبحثْ عن نفسِك بنفسِك، 

لا تسمحْ  أن يخطّوا طريقك،  

طريقُك هي طريقُك أنت وحدك، 

وللآخرين أن يعبروها معك، 

إنّما ليس لأحد أن يعبرها عنك". 


ـ ليستِ البلادُ هذه الشمس الرقيقة  

لا، وليست هذه الخضرة ولا ينابيع السكّر 

إنّها أهلُها ـ الفجرُ الآخر.


ـ ينزل ويقول، يصعد ويقول،   

ينقطع ويقول: شمسٌ، ليلٌ، زهور،  

ويجتمع ويقول: رماد.


ـ "الفارق هو 

كيف يتعامل كلٌّ منهما  

مع الخسارة".  


ـ وكم سيهزّ رأسَه 

عندما كم سيتأسّف. 

ـ "كلّ ما هو بين مزدوجين صغيرين مترجم أو منقول.. وغالباً بتصرّف". 

Shawkimoselmani1957@gmail.com



هل كانت كل فلسفة قريبة من العلوم والتقنية بالضرورة بعيدة عن الأدب والشعر؟/ د زهير الخويلدي



مقدمة:


في تاريخ الفلسفة الغربية يتكرر افتراض ضمني يُقدَّم أحياناً كبديهية: كلما اقتربت الفلسفة من العلوم والتقنية، ابتعدت بالضرورة عن الأدب والشعر. يُصوَّر العلم والتقنية كمجال الدقة والحساب والموضوعية، بينما يُصوَّر الأدب والشعر كمجال الغموض والعاطفة والخيال. هذا الافتراض يعتمد على ثنائية تقليدية عميقة الجذور: العقل مقابل الوجدان، البرهان مقابل الاستعارة، التحليل مقابل الإبداع. لكن هل هذه الثنائية ضرورية؟ هل كل فلسفة أخذت العلم والتقنية موضعاً مركزياً في تفكيرها كانت محكوماً عليها أن تبتعد عن اللغة الشعرية والسرد الأدبي؟


هذه الدراسة ترفض الإجابة بالإيجاب. إنها تُبيِّن أن الاقتراب من العلوم والتقنية لا يفرض بالضرورة بعداً عن الأدب والشعر؛ بل إن بعض أعمق الفلسفات التي تعاملت مع العلم والتقنية بجدية تامة كانت في الوقت نفسه فلسفات شعرية وأدبية في جوهرها. المقاربة هنا معاصرة بمعنى أنها لا تقتصر على استعادة تاريخية، بل تُضيء واقعنا اليوم: عصر الذكاء الاصطناعي والتقنية الحيوية، حيث أصبحت الحاجة ماسة إلى فلسفة تجمع بين دقة العلم وخيال الشعر لمواجهة أسئلة الوجود الإنساني في عالم يتحول بسرعة. سنرى أن اللغة الفلسفية قادرة على أن تكون علمية وشعرية في آن، وأن هذا الجمع ليس تناقضاً بل هو شرط لفلسفة حية. كيف يمكن تفكيك الثنائية المفترضة؟


أولا: لحظات التاريخ حيث بدت الثنائية قائمة – لكنها ليست ضرورية


ليس من الصعب العثور على أمثلة تُوحي بأن الاقتراب من العلوم يؤدي إلى الابتعاد عن الشعر. في القرن العشرين، على سبيل المثال، شهدت الفلسفة التحليلية والوضعية المنطقية (مثل أعمال كارناب ورايشنباخ) اقتراباً حميماً من المنطق الرياضي والفيزياء والعلوم التجريبية. كانت هذه الفلسفات تطالب بـ«لغة علمية» صارمة، خالية من الغموض الميتافيزيقي، وترى في الشعر والأدب مجرد «انفعالات» غير قابلة للتحقق. التقنية هنا تُفهم كتطبيق للعلم، والفلسفة تصبح «تحليلاً منطقياً» للغة العلمية. يبدو أن الشعر قد طُرد من الميدان لصالح البرهان. كذلك، في بعض فلسفات التقنية الحديثة المبكرة، مثل تلك التي تأثرت بالمادية الميكانيكية في القرن السابع عشر (ديكارت ولابلاس)، أصبح العالم آلة قابلة للحساب، والتقنية امتداد لهذا الحساب. اللغة الفلسفية هنا تصبح هندسية، والشعر يُنظر إليه كبقايا من عصر ما قبل العلمي. يبدو أن الاقتراب من «العقل التقني» يتطلب نفي «العقل الشعري». لكن هذه الأمثلة لا تثبت الضرورة. إنها تعكس اختياراً تاريخياً معيناً – اختياراً ثقافياً غربياً حديثاً – وليست قانوناً أنطولوجياً. ففي اللحظات نفسها التي بدت فيها الثنائية قائمة، كانت هناك فلسفات أخرى تكشف عن إمكانية الجمع. الاقتراب من العلم والتقنية لا يفرض نفي الشعر؛ بل يمكن أن يُعيد صياغته كأداة معرفية أعمق.


ثانيا: الأمثلة المضادة – فلسفات تجمع العلم والتقنية بالشعر والأدب


أول مثال تاريخي يفجر الثنائية هو أرسطو. لقد كان أرسطو فيلسوفاً علمياً بامتياز: درس البيولوجيا والفيزياء والفلك، ورسم تصنيفات دقيقة للكائنات الحية، وربط التقنية بالمعرفة العملية. لكنه في الوقت نفسه ألَّف «فن الشعر»، واعتبر الشعر أرقى من التاريخ لأنه يصل إلى الكليات عبر الخيال. عند أرسطو، الشعر ليس بعيداً عن العلم؛ بل هو مكمِّله. التراجيديا، مثلاً، تُحاكي الفعل الإنساني بطريقة تكشف قوانين الطبيعة والنفس. هنا لا يوجد تناقض: العلم يصف «ما هو»، والشعر يكشف «ما يمكن أن يكون» داخل الواقع نفسه.


في العصر الحديث، يبرز غاستون باشلار كمثال حاسم. باشلار فيلسوف علوم بامتياز: درس تاريخ الفيزياء والكيمياء، وصاغ «الروح العلمية الجديدة» التي تؤكد على الثورات المفاهيمية في العلم (من أينشتاين إلى الكم). لكنه في الوقت نفسه كتب سلسلة كاملة عن «الشعرية» (شعرية المكان، شعرية الأحلام). عنده، الخيال الشعري ليس نقيض العلم؛ بل هو شرطه. الخيال يسبق الاكتشاف العلمي، ويُعيد تشكيل الصورة التي ينظر بها العالم. التقنية عند باشلار ليست مجرد أداة؛ بل هي امتداد للخيال الذي يُعيد تشكيل المادة. هكذا يصبح العلم نفسه شعرياً: تجربة الذرة أو الفضاء تُصبح مادة للرؤيا الشعرية. باشلار يثبت أن الاقتراب الشديد من العلم لا يبعد عن الشعر؛ بل يُعمق الشعر ويجعله أكثر دقة.


مثال آخر معاصر هو جيل دولوز (مع فيليكس غاتاري). دولوز فيلسوف قريب جداً من العلوم: يستخدم مفاهيم من الرياضيات (الطوبولوجيا، الريمان)، البيولوجيا (الجينات، التطور)، والفيزياء (الكم، القوى). يتحدث عن «مفاهيم علمية» كأدوات فلسفية. لكنه في الوقت نفسه يغرق في الأدب والشعر: يقرأ كافكا وبروست وبيكيت كما يقرأ أينشتاين. كتابه «ما هو الفلسفة؟» يجعل الفلسفة والعلم والفن ثلاثة أنماط متكافئة للإبداع. التقنية عنده (مثل الآلة المجردة) ليست نقيض الشعر؛ بل هي إحدى تجلياته. الشعر هنا ليس زخرفة؛ بل هو «مفهوم شعري» يُعيد ترتيب العالم العلمي نفسه. دولوز يظهر أن الفلسفة التي تتعامل مع التقنية بجدية يمكن أن تكون أدبية في أسلوبها ومفاهيمها.


كذلك، موريس ميرلو-بونتي: ظاهرية الإدراك تجعله قريباً من علم النفس والعصبيات والفيزياء الحسية. يدرس الجسد كظاهرة علمية. لكنه يلجأ إلى الشعر والرسم (سيزان) كطريق لفهم «الجسد-عالم». اللغة الشعرية عنده ليست بعيدة عن العلم؛ بل هي الطريقة التي يكشف بها العلم عن أبعاده الخفية. التقنية (مثل السينما) تصبح أداة شعرية تُعيد تشكيل الإدراك.


هذه الأمثلة ليست استثناءات نادرة؛ إنها تكشف عن نمط: عندما تكون الفلسفة قريبة من العلم والتقنية بطريقة إبداعية (لا اختزالية)، فإنها غالباً ما تلجأ إلى الشعر لتكمل نقص اللغة العلمية. الشعر هنا ليس «زينة»؛ بل هو أداة معرفية تسمح بتجاوز حدود البرهان إلى مناطق الغموض والإمكان.


ثالثا: الأسباب الفلسفية لعدم الضرورة – اللغة والخيال كجسر مشترك


لماذا لا تكون الضرورة قائمة؟ لأن الفكر الفلسفي نفسه يحتاج إلى لغة مزدوجة. العلم والتقنية يتعاملان مع «الكيف» (الآليات، الحسابات)، بينما الأدب والشعر يتعاملان مع «المعنى» (التجربة، الإمكان). لكن الفلسفة تقف في المكان الذي يلتقي فيه «الكيف» بـ«المعنى». عندما تكون الفلسفة قريبة من العلم، فإنها تواجه حتماً حدود اللغة العلمية: الرياضيات تصف الحركة، لكنها لا تصف «الدهشة» أمام الحركة. هنا يأتي الشعر ليملأ الفراغ دون أن ينفي العلم.الخيال ليس نقيض العقل العلمي؛ بل هو شرطه. كما أظهر باشلار، الخيال العلمي يسبق الفرضية. والتقنية نفسها – كما في فلسفة غيلبرت سيموندون أو برنارد ستيغلر – هي امتداد للخيال الإنساني. إذا كانت التقنية «تفكيراً متجسداً»، فإن الشعر هو «التفكير المجسَّد» في لغة. لذا فإن أي فلسفة تتعامل مع التقنية بصدق لا تستطيع أن تبتعد عن الشعر؛ لأن التقنية تثير أسئلة وجودية (السرعة، الذاكرة، الجسد) لا يمكن الإجابة عنها بحسابات فقط.


رابعا: فلسفة التقنية في عصر الذكاء الاصطناعي


في عصرنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً. الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحيوية والنانو-تقنية تقترب من حدود الإنسانية نفسها. فلسفة التقنية اليوم (مثل تلك التي يمارسها برونو لاتور أو دون إيهيد) لا تستطيع أن تكون علمية بحتة؛ فهي تحتاج إلى سرد أدبي وخيال شعري لتتخيل «ما بعد الإنسان». نماذج الذكاء الاصطناعي تولِّد نصوصاً تبدو شعرية، لكن الفلسفة التي تدرسها تحتاج إلى شعر حقيقي لتسأل: ما معنى أن «تكتب» آلة؟الفلسفات التي ترفض الشعر في مواجهة التقنية تصبح سطحية: تُحوِّل التقنية إلى مجرد «أداة» أو «تهديد». أما الفلسفات التي تجمع بينهما (كما في «المادية الجديدة» أو «الفلسفة الطيفية») فتستطيع أن ترى التقنية كشعر متجسد، والشعر كتقنية لإعادة تشكيل العالم. هكذا تصبح الفلسفة قادرة على مواجهة التحدي المعاصر: ليس بالابتعاد عن أحدهما، بل بالجمع بين دقة العلم وعمقه الشعري.


خاتمة:


 لم تكن كل فلسفة قريبة من العلوم والتقنية بالضرورة بعيدة عن الأدب والشعر. الثنائية التي تبدو بديهية هي في الواقع اختيار تاريخي محدود. التاريخ الفلسفي يقدم لنا نماذج غنية – من أرسطو إلى باشلار إلى دولوز – تثبت أن الاقتراب من العلم والتقنية يمكن أن يُثري الشعر ويُعمق الأدب، بل يجعلهما ضروريين لفهم العالم الذي يصنعه العلم نفسه. في عصرنا، المهمة ليست اختيار أحد الجانبين، بل إعادة اكتشاف اللغة الفلسفية كلغة مزدوجة: دقيقة كالمعادلة، ومفتوحة كالقصيدة. هذا الجمع ليس ترفاً؛ بل هو الطريق الوحيد لفلسفة تستحق أن تُسمى معاصرة – فلسفة تفهم التقنية بعمق علمي، وتعيشها بعمق شعري. الفلسفة الحقيقية لا تبتعد عن الشعر عندما تقترب من العلم؛ بل تكتشف أن الشعر كان دائماً جزءاً من العلم الأعمق. فكيف نسير نحو فلسفة متكاملة؟


كاتب فلسفي

العزاء مشترك/ شوقي مسلماني


نعى الصديق والكاتب والمترجم ورئيس تحرير مجلّة "كلمات" د. رغيد النحّاس الشاعرة اللبنانيّة خاتون سلمى بألم ـ "وأحسستُ بطعنة في كبدي" ـ ذاكراً أنّها قُتِلتْ وزوجِها جرّاء القصف الإسرائيلي ـ 2026 ـ على تلّة الخيّاط ـ بيروت ـ وأرفق النعي ـ على صفحته في التواصل الإجتماعي ـ صورة لها.   

إنّها هي، وكتبتُ مُعقِّباً: "أظنّي سنةَ 2018 ـ ثالث زيارة إلى لبنان بعد غياب عقود ـ التقيتُها والصديق الشاعر وديع سعادة في كافيتيريا بالحمرا، لم أكن أعرف من تكون، وانضمّ إلينا من بعدُ الراحل الشاعر والناقد والمترجم اسكندر حبش، وتشعّبت الأحاديث. 

كانت في غاية الرقّة، وجهها ملائكي، حديثها ملائكي، ومثلما كانت المرّة الأولى التقيها كانت المرّة الأخيرة في آن، بسبب عودتي إلى أستراليا،  ولم أرجع إلى لبنان منذ تلك السنة. 

انطبعتْ هذه السيّدة في رأسي، وإليكم التالي: قبل المغادرة أصرّيتُ أن أدفع الفاتورة، وإذ الفاتورة مضاعفة، كان الأمر يسيراً عليّ، إذ من سياق أحاديثنا، وبفضل أذن النادل "اللّقيطة"، انعرف أني مغترِب، يعني "محشي مصاري"  و"شو يعني إذا دوبلوا ـ ضاعفوا ـ الفاتورة"؟. 

احتجّت الراحلة الشاعرة خاتون بخجل، ابتسمتُ لها وغمزتُها ولسان حالي يقول: "مشْ محرزِهْ"، وشدّتْ على يدي آسِفة. 

العزاء يا صديقي د. رغيد، ويا جميع الأحبّة، بشهيدتنا الشاعرة خاتون،  مشترك.  

Shawkimoselmani1957@gmail.com


لماذا يحتاج الوضع البشري إلى التدخل العاجل من الفلاسفة؟/ د زهير الخويلدي



مقدمة:

يواجه الوضع البشري اليوم أزمة وجودية شاملة لا تقتصر على جانب واحد من حياة الإنسان، بل تمتد إلى كل أبعاده: الوجودية والأخلاقية والمعرفية والسياسية والتكنولوجية. لم يعد الإنسان يعيش في عالم يمكن فهمه بالحدس أو التقليد أو التقاليد القديمة وحدها؛ بل أصبح محاصراً بين قوى هائلة تتسارع بلا توقف: تقنيات تُعيد تشكيل الجسد والعقل، أنظمة اقتصادية تُفرغ الحياة من معناها، صراعات سياسية تُحوّل الإنسان إلى مجرد رقم أو هدف، وبيئة طبيعية تُوشك على الانهيار. في هذا السياق، لا يكفي العلماء ولا السياسيون ولا الاقتصاديون لإنقاذ الوضع، لأن مشكلته الأساسية ليست فنية أو إدارية، بل هي مشكلة معنى وغاية وقيم. هنا يبرز الحاجة الملحة إلى تدخل الفلاسفة: ليس كخبراء فنيين، بل كحراس للعقل النقدي، كمن يعيد صياغة الأسئلة الأساسية التي نسيها الإنسان في زحمة التقدم.

الفيلسوف هنا ليس من يقدم حلولاً جاهزة، بل من يُعيد الإنسان إلى نفسه، إلى قدرته على التساؤل والنقد والتأمل. التدخل العاجل ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة بقاء. فبدونه، يخاطر الوضع البشري بالتحول إلى آلية عمياء تُدمر ذاتها. سنتناول في هذه الدراسة الفلسفية المعمقة أسباب هذه الحاجة العاجلة من خلال أبعاد متعددة: طبيعة الوضع البشري المعاصر، أزماته الوجودية، الدور التاريخي للفلسفة كتدخل، والأبعاد التي يجب أن يغطيها التدخل الفلسفي اليوم، مع التركيز على الضرورة الملحة التي تجعل التأجيل مستحيلاً.


فكيف يتراوح الوضع البشري بين الانهيار والإمكانية؟


أولاً: طبيعة الوضع البشري المعاصر وأزمته الشاملة

الوضع البشري لم يعد «طبيعياً» بالمعنى الكلاسيكي. فقد تحول إلى وضع «اصطناعي» يُصنع يومياً بواسطة الإنسان نفسه، ثم يعود عليه كقوة خارجية لا يستطيع السيطرة عليها. في الماضي كان الإنسان يواجه الموت والمرض والجوع كقوى خارجية، أما اليوم فيواجه قوى من صنعه: الذكاء الاصطناعي الذي يُعادي الوعي الإنساني، الاستهلاك الذي يُفرغ الرغبة من أي هدف، والإعلام الرقمي الذي يُشوّه الواقع حتى يصبح التمييز بين الحقيقة والوهم مستحيلاً. هذه الأزمة ليست جزئية؛ إنها أزمة كلية تمس جوهر الإنسان ككائن مفكر وحر.

من الناحية الوجودية، فقد الإنسان إحساسه بالانتماء إلى عالم ذي معنى. أصبحت الحياة مجرد سلسلة من الوظائف والإشباعات اللحظية، حيث يُقاس النجاح بالإنتاجية لا بالسعادة، ويُقاس الإنسان ببياناته لا بكرامته. هذا الفراغ يولد قلقاً وجودياً جماعياً يتجلى في ارتفاع معدلات الاكتئاب والانتحار والعنف العشوائي، لكنه يتجلى أيضاً في اللامبالاة السياسية والانسحاب إلى عالم افتراضي. فلسفياً، هذا يعني أن الإنسان أصبح غريباً عن ذاته: يمتلك كل شيء إلا نفسه

.من الناحية الأخلاقية، انهار نظام القيم التقليدي دون أن يُبنى نظام جديد. أصبحت الأخلاق نسبية تماماً، بحيث يبرر كل طرف جرائمه بـ«حقه» أو «تقدمه». الحروب تُدار باسم الديمقراطية، والاستغلال البيئي باسم التنمية، والتمييز بين البشر باسم «الواقعية». هنا يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين الخير والشر، لأن التقنية والاقتصاد يقدمان «حلولاً» فنية لكل مشكلة أخلاقية، مما يجعل الأخلاق تبدو قديمة أو غير ذات صلة.

من الناحية المعرفية، أصبحت الحقيقة سلعة. الخوارزميات تقرر ما يراه الإنسان ويصدقه، والعلم نفسه أصبح خاضعاً للمصالح السياسية والتجارية. النتيجة هي انهيار الثقة في العقل نفسه: فإذا كان كل شيء «رأياً» أو «سرداً»، فلماذا نبحث عن الحقيقة أصلاً؟ هذا الانهيار يُمهد لعودة الخرافات الجديدة، سواء كانت قومية متطرفة أو تقنية متوهمة.


ثانياً: الدور الفلسفي كتدخل عاجل وليس ترفاً فكرياً

الفلسفة لم تكن يوماً مجرد تأمل نظري؛ بل كانت دائماً تدخلاً في الواقع عندما بلغ الوضع البشري حداً من الخطر. الفيلسوف يتدخل لأنه يرى ما لا يراه الآخرون: التناقضات الكامنة، الأسئلة المكبوتة، والإمكانيات المفقودة. هو ليس معالجاً يخفف الألم، بل جراحاً يفتح الجرح لينظفه. التدخل العاجل مطلوب اليوم لأن السرعة التي يتغير بها العالم تفوق قدرة المؤسسات على التكيف. التقنية تسبق الأخلاق بسنوات ضوئية، والسياسة تسبق الفكر، والاقتصاد يسبق الإنسانية. إذا لم يتدخل الفلاسفة الآن، فإن المستقبل سيُبنى على أسس خاطئة لا يمكن إصلاحها لاحقاً.

الفيلسوف يمتلك أدوات فريدة: الشك المنهجي الذي يفكك اليقينيات الزائفة، والتأمل الديالكتيكي الذي يكشف التناقضات، والرؤية الشمولية التي تربط بين الجزئيات. هو يستطيع أن يسأل: «ما معنى الإنسان في عصر الآلات التي تفكر؟» أو «هل الحرية لا تزال ممكنة حين تُراقب كل خطوة؟» أو «كيف نعيد بناء الأخلاق بعد انهيار كل الأسس الدينية والعلمانية؟» هذه الأسئلة ليست ترفاً؛ إنها الشرط الوحيد لعدم الانهيار الكلي.


ثالثاً: أبعاد التدخل الفلسفي العاجل

البعد الوجودي: يحتاج الوضع البشري إلى فيلسوف يعيد اكتشاف معنى الحياة في عالم يُقدم فيه كل شيء جاهزاً. يجب أن يذكرنا الفيلسوف بأن الإنسان ليس مجرد مستهلك أو منتج، بل كائن يبحث عن معنى يتجاوز اللحظة. التدخل هنا يكون بإحياء فكرة «الأصالة» ضد الاغتراب الرقمي، وبناء أخلاقيات للفراغ الوجودي.

البعد الأخلاقي: في عالم يتسارع فيه الذكاء الاصطناعي والتعديل الجيني ومراقبة البيانات، يجب على الفيلسوف أن يضع حدوداً أخلاقية قبل أن تصبح التقنية هي من يضعها. التدخل العاجل يعني إعادة بناء مفهوم «الكرامة الإنسانية» كأساس غير قابل للتفاوض، ورفض أي تقنية تُحوّل الإنسان إلى بيانات أو سلعة.

البعد السياسي: الديمقراطيات تتحول إلى أنظمة تقنية تُدار بالخوارزميات، والشعوب تفقد سيادتها على مصيرها. يحتاج الفيلسوف إلى إعادة التفكير في مفهوم «المواطنة» و«السيادة» و«العدالة» في عصر العولمة والذكاء الاصطناعي، حتى لا تصبح السياسة مجرد إدارة للأزمات بدلاً من تحقيق الخير المشترك.

البعد البيئي والكوني: أصبح الإنسان مهدداً بانهيار كوكبه بسبب جشعه. يجب على الفيلسوف أن يُعيد صياغة علاقة الإنسان بالطبيعة: ليس كسيد بل كجزء منها، وأن يبني أخلاقيات كونية تتجاوز المصلحة الإنسانية الضيقة.


رابعاً: لماذا «العاجل» تحديداً؟

الإلحاح ليس مبالغة. فالزمن الذي نعيشه هو زمن «النقطة الحرجة». كل تأخير يعني ترسيخ نمط خاطئ: ترسيخ الذكاء الاصطناعي بدون أخلاق، ترسيخ الاستهلاك بدون معنى، ترسيخ السلطة بدون شرعية. إذا لم يتدخل الفلاسفة الآن، فإن الأجيال القادمة سترث عالماً لا يستطيعون فيه حتى طرح السؤال الفلسفي نفسه، لأن العقل سيكون قد أصبح محكوماً بالآلة. التدخل العاجل هو الفرصة الأخيرة لإعادة الإنسان إلى مركزية التفكير قبل أن يصبح طرفاً ثانوياً في عالمه الخاص.


خاتمة:

الوضع البشري يحتاج إلى الفلاسفة ليس لأنهم يمتلكون الحلول السحرية، بل لأنهم الوحيدون القادرون على إعادة فتح باب التساؤل في زمن أغلقته التقنية والسلطة. التدخل العاجل ليس خياراً، بل واجباً وجودياً. إن الفيلسوف الذي يرفض التدخل اليوم يصبح شريكاً في الانهيار. أما الذي يتدخل فيعيد للإنسانية إمكانية أن تكون حرة وواعية ومسؤولة. في النهاية، ليس الوضع البشري بحاجة إلى مزيد من التقنية أو المال أو السلطة؛ بل إلى مزيد من الفلسفة التي تذكره بأنه إنسان قبل أن يصبح كل شيء آخر. هذا التدخل هو الذي سيحدد ما إذا كان المستقبل سيشهد نهاية الإنسانية أو بداية إنسانية جديدة. فمن يوجه الدعوة إلى التدخل الفلسفي كفعل إنساني أصيل؟


كاتب فلسفي