إذا لم تكن تعاني من مشكلة عويصة، فلا تستحق العودة إلى التفكير الفلسفي/ د زهير الخويلدي



مقدمة:


يحمل هذا القول مضموناً تحفيزياً وتقييدياً في آن واحد. فهو يرى أن التفكير الفلسفي ليس ترفاً فكرياً أو ممارسة يومية اعتيادية، بل هو استجابة ضرورية للأزمات العميقة التي تعجز الأدوات العادية عن حلها. الفلسفة، في هذا المنظور، ليست بحثاً عن الحقيقة المجردة لمجرد المتعة، ولا هي تسلية ذهنية للفراغ، بل هي سلاح يُشهر عندما تتعثر الحياة أمام تناقضات لا تُحل، أو أمام أسئلة تهدد وجودنا أو معناه. إذا كانت الحياة تسير بسلاسة، والقيم مستقرة، والمعتقدات كافية، والمشكلات قابلة للحل بالعلم أو التجربة أو العادة، فإن العودة إلى الفلسفة تصبح ترفاً غير مبرر، وربما مضللاً. هذا الموقف يدعونا إلى التفريق بين «التفكير» العادي الذي يدير شؤون الحياة، و«التفكير الفلسفي» الذي يهدم البنى ويعيد بناءها من الأساس.


فألا يجب تحديد الموقف؟


طبيعة المشكلة العويصة وعلاقتها بالفلسفة


المشكلة العويصة ليست مجرد صعوبة عملية. إنها تناقض يمس جوهر الأشياء: تناقض بين الحرية والحتمية، بين العدالة والواقع، بين الموت والمعنى، بين الذات والآخر، بين العلم والقيمة. هذه التناقضات لا تظهر إلا عندما تتعطل الآليات التلقائية للعقل والمجتمع. عندما تكون الحياة مستقرة، يعمل العقل بالنمط «البراغماتي»: يحل المشكلات الجزئية دون المساس بالأسس. أما الفيلسوف فهو من يسأل: «لماذا هذا النظام كله؟» أو «ما معنى أن نحل هذه المشكلة إذا كان الوجود نفسه بلا معنى؟». هذا السؤال لا ينشأ إلا عندما يفشل النظام القائم في استيعاب التجربة الإنسانية. خذ مثال الألم الوجودي. طالما أن الإنسان منشغل بالبقاء والإنجاز والعلاقات، فإن السؤال عن «اللامعنى» يبدو رفاهية. لكن عندما يفقد عزيزاً، أو يواجه مرضاً مزمناً، أو يرى انهيار مشروعه الحياتي، يصبح السؤال ملحاً: لماذا أستمر؟ هنا فقط يستحق التفكير الفلسفي أن يعود، لأنه يواجه التناقض مباشرة بدلاً من تجاهله.


الفلسفة كاستجابة للأزمة


تاريخ الفكر الإنساني يؤكد هذا الارتباط. لم تنشأ الفلسفة اليونانية الكلاسيكية في عصر رخاء مطلق، بل في فترة تحولات سياسية واجتماعية عميقة: انهيار المدينة-الدولة التقليدية، صراع الأنظمة، ظهور السفسطة. سقراط لم يفلسف لأن الأمور كانت جيدة، بل لأنها كانت تتداعى وتحتاج إلى إعادة تأسيس للمفاهيم (العدل، الخير، المعرفة).كذلك كان نيتشه يصرخ في زمن «موت الإله»، وكان سارتر وكامو يفلسفان في ظل الحروب والمعسكرات، وكان هيدغر يتحدث عن النسيان الأنطولوجي في عصر التقنية المهيمنة. الفلسفة الحقيقية غالباً ما تكون «فلسفة الأزمة». أما في أوقات الاستقرار النسبي، فإن الفلسفة تميل إما إلى أن تصبح أكاديمية جافة (تحليل لغوي أو منطقي دقيق لكنه بعيد عن الحياة)، أو أن تتحول إلى تسلية ثقافية. وهذا بالضبط ما ينتقده القول الأصلي: إذا لم تكن هناك مشكلة عويصة، فلا داعي للعودة إلى هذا المستوى الجذري من التفكير.


التفريق بين التفكير العادي والتفكير الفلسفي


التفكير العادي خطي وغائي: يبدأ من مشكلة محددة ويبحث عن حل يُعيد التوازن. أما التفكير الفلسفي فهو دائري وتفكيكي: يسأل عن شروط إمكان المشكلة نفسها، وعن الأسس التي تقوم عليها كل الحلول الممكنة. في الحياة اليومية، إذا تعطلت السيارة، نصلحها أو نستبدلها. أما الفيلسوف فيسأل: ما معنى الاعتماد على التقنية إلى هذا الحد؟ ما علاقة السرعة بالزمن الإنساني؟ ما قيمة التنقل أصلاً في وجود مؤقت؟ هذا التفكير لا يصلح السيارة، بل يهدد كل نظام يقوم على السيارات. لذلك هو خطر ومفيد في الوقت نفسه، ولهذا يجب ألا نلجأ إليه إلا عند الضرورة القصوى.


الأمثلة التاريخية


يُعتبر التاريخ الفلسفي شاهداً قوياً على أن التفكير الفلسفي العميق لا ينشأ عادة في أجواء الاستقرار والرخاء المعنوي، بل يتفجر في لحظات الأزمات العويصة التي تهدد أسس الوجود الإنساني والاجتماعي والمعرفي.


1. الفلسفة اليونانية الكلاسيكية: أزمة المدينة وانهيار اليقين التقليدي


نشأت الفلسفة اليونانية الجادة في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد وسط تحولات سياسية واجتماعية جذرية. لم تكن أثينا في عصر سقراط وأفلاطون في ذروة استقرارها، بل كانت تعاني من آثار حرب البيلوبونيز الطاحنة التي أنهكت المدينة-الدولة، ومن صعود الديمقراطية التي تحولت إلى أداة للشعبوية والفساد. كان السوفسطائيون يبيعون فن الخطابة ويروجون للنسبية المعرفية («الإنسان مقياس كل شيء»)، مما أثار شعوراً عاماً بفقدان اليقين الأخلاقي والسياسي. في هذا السياق بالذات، عاد سقراط إلى «التفكير الفلسفي» بطريقة جذرية: ليس ليحسن الخطابة، بل ليُفكك المفاهيم الأساسية (العدالة، الفضيلة، المعرفة) ويعيد تأسيسها. أفلاطون لم يكتب «الجمهورية» في زمن سلام، بل بعد إعدام معلمه وسقوط أثينا، محاولاً بناء مدينة مثالية تعوض عن فشل الواقع. أرسطو بدوره جاء في مرحلة انتقالية نحو عصر الإمبراطوريات (عصر الإسكندر). لو كانت المدينة اليونانية مستقرة ومطمئنة لما استدعت كل هذا الجهد التفكيكي والبنائي. الفلسفة هنا كانت استجابة لمشكلة عويصة: كيف نعيش حياة جيدة بعد انهيار اليقين التقليدي؟


2. ديكارت والشك المنهجي: أزمة المعرفة في عصر الثورة العلمية


رينيه ديكارت لم يطور «الشك المنهجي» في جو هادئ، بل في قلب أزمة معرفية حادة في أوروبا القرن السابع عشر. كانت الثورة العلمية (كوبرنيكوس، غاليليو) تهز صورة العالم الأرسطية-الكاثوليكية التقليدية، بينما كانت الحروب الدينية تعصف بالقارة. اليقين القديم انهار، والعلم الجديد لم يقدم بعد أسساً متينة للمعنى أو الأخلاق.ديكارت عاش هذه الأزمة شخصياً، ورد عليها بـ«تأملات» يهدم فيها كل المعتقدات ليصل إلى «أنا أفكر، إذن أنا موجود». هذا العودة الجذرية إلى التفكير الفلسفي لم تكن ترفاً، بل ضرورة وجودية ومعرفية. لو لم تكن هناك مشكلة عويصة (انهيار اليقين المشترك)، لما احتاج ديكارت إلى مثل هذا التفكيك الراديكالي.


.3. كانط والتنوير: أزمة الحرية والحدود


نشأت فلسفة إيمانويل كانط في سياق عصر التنوير، الذي كان يعد بتحرير الإنسان من الخرافة، لكنه أثار في الوقت نفسه أزمة عميقة حول الحرية والأخلاق والحدود المعرفية. كانت الثورة الفرنسية تقترب، والصراع بين العقل والإيمان يتفاقم. كانط لم يرضَ بالتفاؤل الساذج للتنوير؛ بل عاد إلى نقد العقل نفسه («نقد العقل الخالص») ليحدد حدوده، ثم أسس أخلاقاً جديدة («نقد العقل العملي»). هذا العمل الضخم كان استجابة لمشكلة عويصة: كيف نحافظ على الحرية والأخلاق بعد أن أصبح العلم يصف العالم وصفاً حتمياً؟


4. نيتشه و«موت الإله»: أزمة القيم في الحداثة


يُعتبر فريدريك نيتشه أوضح مثال على الارتباط بين الفلسفة والأزمة. عاش في زمن كانت فيه الحداثة (العلم، الدولة، الرأسمالية) تُفرغ الحياة من معناها التقليدي. «موت الإله» ليس خبراً ساراً عنده، بل إعلان كارثة: «كيف نعيش بعد أن قتلنا الأساس الذي كان يمنح الحياة قيمتها؟»فلسفته (الإرادة إلى القوة، الإنسان الأعلى، إعادة تقييم كل القيم) لم تنشأ من فراغ تأملي، بل من مواجهة أزمة وجودية حادة. نيتشه نفسه عانى من المرض والعزلة واليأس، وكانت كتاباته صرخة في وجه النيحلية القادمة. لو كانت أوروبا في القرن التاسع عشر مطمئنة دينياً وأخلاقياً، لما احتاجت إلى مثل هذا التفكير الجذري والمدمر-البنّاء.


.5. الوجودية بعد الحرب العالمية الثانية


سارتر وكامو وميرلو بونتي لم يفلسفوا في صالونات باريس الهادئة، بل في ظل الاحتلال النازي، ثم في مواجهة وحشية المعسكرات والقنبلة الذرية. كان السؤال المركزي: كيف نجد معنى في عالم أصبح فيه الشر مطلقاً والموت جماعياً والحرية عبئاً ثقيلاً؟


«الوجود يسبق الماهية» لدى سارتر، و«الغريب» و«الطاعون» لدى كامو، هما محاولتان لمواجهة مشكلة عويصة حقيقية: اللامعنى في عالم لم يعد فيه مكان للآلهة أو للتقدم التلقائي. الفلسفة هنا لم تكن ترفاً، بل سلاحاً وجودياً لمنع الانتحار المعنوي.


.6. أمثلة من التراث غير الغربي


في السياق البوذي، نشأت تعاليم بوذا من مواجهة مباشرة مع مشكلة العذاب (الدوخا): المرض، الشيخوخة، الموت. لم يكن بوذا يتأمل في قصر ملكي مطمئن، بل خرج بعد أن رأى الواقع الحقيقي للحياة البشرية. الفلسفة (أو الدارما) هنا استجابة مباشرة لمشكلة عويصة. أما كونفوشيوس فظهر في عصر «الدويلات المتحاربة» في الصين، حيث انهار النظام الأخلاقي والسياسي التقليدي. سعى إلى إعادة تأسيس الفضيلة والنظام الاجتماعي لأن الواقع كان كارثياً.


تكشف هذه الأمثلة التاريخية نمطاً واضحاً: الفلسفة الحقيقية — بمعنى التفكير الجذري الذي يهدم ويعيد بناء — تظهر عادةً عندما تفشل الأطر الموجودة (دينية، سياسية، علمية، أخلاقية) في استيعاب الواقع الجديد أو في منح الحياة معنى. أما في أزمنة الاستقرار النسبي، فإن «الفلسفة» تميل إلى أن تصبح إما تقنية متخصصة (تحليل لغوي، منطق شكلي) أو ترفاً ثقافياً لا يمس الجوهر. هذا لا يعني أن التأمل مستحيل في أوقات السلام، لكنه يعني أن العودة إلى العمق الفلسفي الجذري تستحق فقط عندما تكون المشكلة عويصة فعلاً، وعندما يصبح الاستمرار بالطريقة القديمة مستحيلاً. بهذا الفلسفة ليست رفاهية دائمة، بل ضرورة تاريخية تظهر في اللحظات الحرجة من حياة الأفراد والشعوب.


لكن يمكن الاعتراض على هذا الموقف بأن الفضول الفلسفي قيمة في ذاته، وأن الإنسان «حيوان فلسفي» بطبعه. كما أن بعض الفلسفات (مثل الفلسفة التحليلية في بعض تجلياتها) تسعى إلى الدقة والوضوح دون أن تكون مرتبطة بأزمة وجودية. لكن الرد يكمن في التفريق بين درجات التفكير. هناك تفكير تأملي عام، وهناك «فلسفة» بمعنى العودة الجذرية إلى الأسس. القول الأصلي لا ينفي التأمل، بل يحذر من تحويل الفلسفة إلى عادة يومية فارغة أو إلى هروب من الواقع. الفلسفة الحقيقية مؤلمة، لأنها تفتح الجروح بدلاً من تضميدها. ومن يفتح الجروح بدون وجود جرح حقيقي يستحق العلاج، فإنه يمارس نوعاً من التلذذ بالألم أو الاستعراض الفكري. في عصرنا الحالي، حيث أصبحت المشكلات تقنية واقتصادية ونفسية أكثر منها وجودية، يبدو أن كثيراً من الناس يلجؤون إلى الفلسفة (أو ما يشبهها في كتب التطوير الذاتي والروحانيات) دون أن يكون لديهم مشكلة عويصة حقيقية. فيصبح التفكير الفلسفي نوعاً من الاستهلاك الثقافي: اقتباسات عن المعنى، تأملات عن الزمن، نقاشات عن الحرية، دون أن يغير أحداً أو يواجه أزمة فعلية. هذا الاستخدام الترفيهي يُفرغ الفلسفة من قوتها. الفلسفة لا تكون جديرة بالعودة إلا عندما يصل الإنسان أو المجتمع إلى حافة الهاوية: عندما تفشل الديمقراطية، أو ينهار المعنى الديني، أو تصبح التقنية أقوى من الإنسان، أو يتحول الحب إلى سلعة. عندها فقط يستحق أن نعود إلى أفلاطون وكانط وهيغل ونيتشه، لا لنردد أقوالهم، بل لنعيش الصراع الذي عاشوه.


خاتمة:


إن القول «إذا لم تكن تعاني من مشكلة عويصة لا تستحق العودة إلى التفكير الفلسفي» هو دعوة للصدق الفكري. الفلسفة ليست هواية، ولا هي مهنة أكاديمية فقط، بل هي مواجهة. مواجهة ما لا يُحتمل، وما لا يُحل بالطرق المعتادة. من يمارس الفلسفة في أوقات الرخاء المعنوي والوجودي، يخاطر بتحويلها إلى لعبة. أما من يعود إليها في لحظة الانهيار أو التناقض الشديد، فإنه يستعيد كرامتها كأعلى أشكال الشجاعة الفكرية. الفلسفة، في نهاية المطاف، ليست للجميع في كل الأوقات. إنها لمن بلغ مرحلة يستحيل فيها الاستمرار بالتفكير العادي. ومن لم يبلغ هذه المرحلة، فليحيا بهدوء، وليصلح سيارته، وليبنِ بيته، وليربِ أولاده، دون أن يحاول تفكيك العالم الذي يعيش فيه. فالسلام أحياناً يكون في عدم العودة إلى الفلسفة. فماهي فلسفة الضرورة الفلسفية؟


كاتب فلسفي

الدروز في الـ 48 والسويداء.. نقمة أم نعمة؟!/ سعيد نفّاع

 


وقفات على المفارق

في هذه الوقفات؛ (1) دولة باشانستان (2) الحبّ المتفجّر (3) والسذاجة وحقيقة الموقف الإسرائيلي (4) والتنافس الإغاثيّ الـ "فخيّ"!  (5) وخطاب الشيخ الهجري الرقمي لدروز "فلسطين"! (6) والحبّ الإسرائيليّ والتواصل المحرّم (7) وسقوط الأقنعة وجنبلاط وطريق الخروج (8) والإبادة والإنقاذ. والأخيرة: وعَوْد على بدء والنعمة النقمة واتّقاء الله.    


الوقفة الأولى.. ودولة الـ باشانستان! 

المعلومات المتواترة عديدةُ المصادر التي ترشح من الدولة التي تصحّ فيها التسمية أعلاه، مأساويّة؛ سياسيّا واقتصاديّا واجتماعيّا، ويبدو أنّ "السَكرة" قاربت على نهايتها لدى قطاعات واسعة من "مواطنيها" وقد بدأت تنضب منابعها، وبدأت تلوح "الفَكرة".       

الوقفة الثانية.. والحبّ المتفجّر

كان انفجر "الربيع العربيّ" فانفجر معه حبّ إسرائيل وزلمها للدروز في الجبل. عام 2012 تحديدًا أطلقت ما تُسمّى القيادات الدرزيّة؛ المذهبيّة والسياسيّة تحت كنفها، حملة إغاثة في اجتماع خاص على أن تكون هذه الحملة دون "طنطنة إعلاميّة" وأن يكون عنوانها شيوخ العقل في الجبل، تبرّع بسطاء الناس بسخاء قلّ مثيله. ولكنّ ما فتئت أن طفقت أخبار الإغاثة الآفاق وسريعًا بدأت ترشح معلومات أنّ أكثرها وصل إلى عناصر معارضة للنظام السوريّ حينها، وقليلها للمحتاجين. لم تطُل المدّة حتى صارت تظهر على وسائل التواصل الاجتماعيّ هذه العناصر عارضة أسلحة ومعلنة أنّها من "أفضال" دروز الـ 48 وقيادتهم!

الوقفة الثالثة.. السذاجة وحقيقة الموقف الإسرائيلي

من السذاجة بمكان أن يعتقد أيّ كان أنّ هذا النشاط كان يتمّ بمعزل عن المؤسّسة الإسرائيليّة ودورها وتوجيهاتها. كانت المؤسّسة الإسرائيليّة بكلّ أذرعها تسترشد بخلاصتها الجامعة حينها والتي تمّت صياغتها في مركز أورشليم للأبحاث الاسترتيجيّة تحت العنوان: "الانتفاضة السوريّة، التأثيرات على إسرائيل"، وكالآتي اقتباسا ترجمة: 

أولًا: "يجب أن نفعّل تأثيرنا؛ أن نتدخل، أن نزوّد المتمردين بالسلاح ... هنالك طرق كثيرة يمكن سلوكها وأفعال كثيرة من الممكن فعلها، ليست كلها تشمل تفعيل السلاح وليست كلها تشمل تفعيل الجيش، هنالك أدوات أخرى، وممنوع علينا أن نجلس ساكتين".

ثانيًا: «ما يجري في سورية هو تغيير إيجابي استراتيجي لإسرائيل...طوال سنوات كثيرة أوصى رجال في المؤسسة الأمنية والسياسية بصنع السلام مع سورية حتى في مقابل دفع ثمن باهظ، وهو هضبة الجولان. وكان التبرير هو إخراج سورية من المحور الراديكالي سورية - إيران. وهذا الأمر قد يحدث اليوم من دون أن ندفع الثمن..." 

ثالثًا: "إن في حال صعود المعارضة إلى سدّة الحكم في سوريّة فإنها سوف تدفع باتجاه إبعاد دمشق عن إيران وحزب الله اللبناني، إضافة إلى أن رموز هذه الحركة من خلال علاقاتهم مع النخب الأردنيّة والسعوديّة والنخب التركيّة، والأميركيّة والغربيّة الأوروبيّة، سوف يعملون باتجاه بناء أفضل الروابط مع أميركا وبلدان أوروبا الغربيّة. وإذا أضفنا إلى ذلك الحقيقة القائلة إن دمشق البديلة سوف تكون دمشق الضعيفة، فإن خيار صعود المعارضة السوريّة هو الأفضل لإسرائيل."   

الوقفة الرابعة.. والتنافس الإغاثيّ الـ "فخيّ"!  

الدروز في فلسطين ليسوا وحدة سياسيّة واحدة فهنالك معسكران؛ الوطني المعارض وهو وإن كان يمثّل نسبة ليست ضئيلة إلّا أنّه أقليّة ومع هذا لم يوفّر جهدًا في تقديم الدعم العينيّ ولكن على الغالب العائليّ الشخصيّ، وعلى مستوى الموقف لم يوفّر جهدًا في التحذير من الركوب على حملة الإغاثة لتنفيذ أجندات إسرائيل. وأمّا المعسكر الموالي وهو الغالبيّة، غالبيّته تنضوي تحت عباءة الشيخ موفق طريف – الرئيس الروحي، ولكن جزءًا ليس قليلاً خارج هذا الانضواء وبالذات أتباع حزب "الليكود- نتانياهو"، ورغم الفوارق بينهما لكن هذا وذاك كانوا يعملون تحت مظلّة المؤسّسة وأذرعها وبالتنسيق معها وبتوجيهاتها؛ بغضّ النظر عن اعتقاد البعض منهم أنّهم بذلك يقدّمون مساعدة لأهل الجبل.

شبّك المعسكران علاقات مع فاعليّات مختلفة في الجبل ممّا انعكس سريعًا على تبلور تيارات في الجبل لكلّ علاقاته ومرجعيّته بين دروز الـ 48 وقع بعضها سريعًا في فخّ "حامي الحمى" الإسرائيلي ومنفّذي أجنداته ولعلّ وفود الزائرين من المشايخ التي تقاطرت لاحقًا لزيارة مقام النبي شعيب (ع) بيّنة من البيّنات الكثيرة، من هذه وتلك كانت الطريق قصيرة لـ "الالتفاف" على هذه العلاقة والتشبيك مباشرة مع المؤسّسة الإسرائيليّة. 

الوقفة الخامسة.. وخطاب الشيخ الهجري الرقمي لدروز "فلسطين"!

سقط النظام القديم وما كاد الشرع يستقرّ في القصر الجمهوريّ حتّى غزت شبكات التواصل عشرات أفلام صادرة عن دروز إسرائيليّين وبالذات من ضبّاط متقاعدين ذوي مراكز هامّة حسبما كان كلّ يطرح نفسه، "لم يبقوا ولم يذروا" للشرع ومتوعدين إيّاه بالويل والثبور إن اقترب من الدروز. سارعت القيادة الدرزيّة لعقد اجتماع طارئ لوقف هذه الظاهرة تحت شعار "هذا يضر بجماعتنا" – ارتجاعيّا يستطيع المرء أن يقرّ عينًا أنّ هذه (إيقاف الهجوم) كانت توجيهات عليا -. في هذا الاجتماع أُسمِعت كلمة هاتفيّة من الشيخ الهجري – ودون الدخول في تفاصيلها – كلّ من يملك قليلًا من بعد نظر لاحظ إلى أين تتّجه الرياح. لم تطّل المدّة حتّى بدأت الرياح تعصف بين دمشق والجبل ووقعت مذابح الأشرفيّة، وحامي الحمى يتلذّذ فأُسقط في يد دعاة الحماية، تلاها الكثير من التطوّرات المعروفة لكلّ متابع وصولًا إلى باكو ومذابح تمّوز والدولة الباشانيّة. تعكّرت الأجواء والعلاقات بين الجبل وبعض قيادات دروز إسرائيل، وقد أتت أكُلَها في الجبل بالعلاقات المباشرة مع المؤسّسة الإسرائيليّة استغناءً عن الأداة الدرزيّة الإسرائيليّة، اللهم إلّا الأداة الموالية الليكوديّة التي استمرّت في غيّها إلى أن أتتها التوجيهات الصارمة للتوقّف عن ترّهاتها حول الدولة وتبعات ذلك، فراحت كما القطّ الذي ضُرب على رأسه تخبط خبط عشواء، وأصواتها مواء ليس إلّا!      

  الوقفة السادسة.. والحبّ الإسرائيليّ والتواصل المحرّم

ذكّر علّ في الذكرى منفعة.. كانت إسرائيل وحتّى العام ألفين قد أتاحت لـ "مواطنيها" من كلّ الأعراق والملل التواصل مع امتداداتهم في العالم العربيّ حتّى في الدول المصنّفة معادية – الدول التي حاربت إسرائيل في الـ 48 إضافة إلى إيران - أللّهم إلّا الدروز "المغضوب عليهم والضالين" فبقوا خارج المشهد؛ ممنوع عليهم التواصل مع ذويهم في المنطقة وعينيّا في سورية. أطلقنا معركة هذا الحقّ فوقفت المؤسّسة الإسرائيليّة وأزلامها من الدروز على أقدامهم الخلفيّة في حرب لا هوادة فيها ضدّ هذا الحقّ ورعاته، وضاع حبّها الجارف لهم حبّا بهم وبسلامتهم من "أعداء الله" في سورية ولبنان، فحرمتهم منه بعد قدّمت رئاسة وفود التواصل من المشايخ للقضاء، وحاكمت "المجرم" الموقّع أدناه بالجرم المشهود، وفرضت عليه حكمّا بالسجن سنة ونصف فعليّا ونصف أخرى مع وقف التنفيذ لثلاث سنوات وتجريده من رخصة المحاماة – مصدر معيشته - لثلاث سنوات ونيّف. هذا التواصل الإنسانيّ محرّم أمّا التواصل الذي في سياقنا فأحبّ الحلال! 

الوقفة السابعة.. وسقوط الأقنعة وجنبلاط وطريق الخروج

سقطت الأقنعة وألقت الحقائق بمِزَقِها إلى حيث ألقت أمّ قشعم رحلها، وبدأت أركان دولة "باشانستان" – العائبة أصلًا – تترنّح أمام الواقع المعيشيّ لغالبيّة الناس من ذوي الضحايا والمهجّرين والفقراء، وأمام أضغاث أحلام يقظة لمغامرين فقدوا أغطيتهم – الممزّقة أصلًا - فتحوّلت أحلامهم إلى كوابيس لن يريحهم منها الفتات الذي ما زال يُرمى لهم على يد إسرائيل من حين إلى آخر فلن يشبعهم من جوع ولن يرويهم من عطش. نحن نعرف وكلّ العالم يعرف أنّه لولا ما تمدّهم به دمشق من مقوّمات حياة رغم كلّ شيء وعلى قلّتها، لكانت الأمور كثيرًا أسوأ ممّا يُرى. لن يكفّر هذا عمّ ارتكبت أيادي دمشق من جرائم، ولكنّ يبقى السؤال: ما البديل؟! 

الشبع والارتواء لن يأتيا إلّا من الشام وهذا ما كان استشرفه وليد جنبلاط وكلّ مفكّر نظر أبعد من "مسرح دجاجة" فطالتهم المسبّات من كلّ جاهل أو فاسد أو عميل أو بسيط راح ضحيّة الجاهلين والعملاء والفاسدين. حقوق أهل الجبل بعدَ وعلى خلفيّة المذابح لن تأتي إلّا من خريطة عمّان الثلاثيّة ونتائج لجنة التحقيق الدوليّة في هذا الشأن – مطلب جبليّ -، ولكنّ هذا لن يتمّ إن لم تتضافر الجهود بين نُخب الجبل؛ السياسيّة والاجتماعيّة والمذهبيّة والثقافيّة وبقيّة دروز سورية تضافرًا ميدانيّا لا في المؤتمرات ولا على الشاشات ولا وسائل التواصل الاجتماعيّ، أخذًا بالاعتبار أنّ إسرائيل لن تتنازل عن "جماعتها" في الجبل وستبقيهم شوكة في خاصرة سورية وقلب الجبل. 

الوقفة السابعة.. والإبادة والإنقاذ 

وقع المنزلقون في شرّ أعمالهم وصاروا بحاجة لتبرير انزلاقهم وحفظ ماء الوجوه؛ وجوههم ووجه سيّدهم؛ إسرائيل. فتماديًا في الانزلاق وصعوبة الاعتراف بالمصائب التي جلبوها على الجبل وأهله، راحوا يضخّمون الهجوم على الجبل ويصنّفونه بالإبادة التي لولا تدخّل السيّد لكان الجبل في خبر كان، تبريرًا لانزلاقهم وانهال الشكر العميم على السيّد وسيّد السيّد. الدروز في الجبل تعرّضوا على مدى تاريخهم القريب لحملات أكبر عدّة وعتادًا من حملة دواعش الشرع؛ المصريّة (إبراهيم باشا) أوائل القرن التاسع عشر، والعثمانية أواخر القرن التاسع عشر، والفرنسيّة أوائل القرن العشرين وتصدّوا ودفعوا أكثر كثيرًا وبالاستغناء عن أسياد، وما أبيدوا. فكم تصحّ في حالهم المقولة: "كلام حقّ يراد به باطل" وكم بالحري إذا كان يخلو هذا الكلام من أيّ حق!؟       

الوقفة الأخيرة.. وعَوْد على بدء والنعمة النقمة واتّقاء الله    

عطفًا على عنوان هذه الوقفات؛ فإنّ التدخّل السافر الذي كان للمعسكر الدرزيّ الإسرائيلي الموالي وشكل هذا التدخّل لم يجلبا إلّا النقمة لدروز سورية غطّت على كلّ نعمة كانت أو تُوخّي أن تكون من ذوي النوايا الحسنة. فلعلّهم يتّقون الله في دروز سورية وقد ذاب الثلج وبان المرج!      

 سعيد نفّاع

أوائل أيّار 2026

الجوّال: 00972507208450

المدوّنة \ الموقع: saeid-naffaa.com    


شَاعِرُ الأجْيَال/ الدكتور حاتم جوعيه

                         


                   

في رثاء الشاعر الكبير "نزار فباني " - ( في الذكرى السنوية على وفاته  )  

                                                        

شاعرَ الأجيال ِ قدْ طالَ الثوَاءُ         لا   مجيبٌ    ولكمْ   عزَّ   اللقاءُ

وربيعُ الشرقِ أضحَى  مقفرًا          وذوَى وردُ المُنى...زالَ  السَّناءُ 

وعذارى الشعرِ  تبكي جزَعًا          منذ ُ أنْ غابَ عنِ الدوح ِ الغناءُ 

ما  لقاسيونِ   تلظَّى  واكتوَى          ودمشقُ  العربِ  يحدُوها البكاءُ  

يا كنارَ العربِ قدْ ضاقَ المدَى        جَفّفتِ الأدمعُ...ما أجدَى العزاءُ  

رائد  التجديد في عصر ذوى         فيه  روضُ الشعر..جاء الدخلاءُ 

يا  نبيَّ  الشعرِ فَي عصرِ الدُّجَى      نُكّسَ   الشعرُ   وماتَ   الأنبياءُ 

كم دموع ٍ سُكِبَتْ  في الغوطتي    نِ   كبحر ٍ...ماؤهُ  الجاري   دماءُ 

أيُّها  السَّيفُ  الدمشقيُّ   ائتلا         قا  وفي الغربِ امتشاقٌ  ومَضَاءُ 

أمَويٌّ   تُهْتَ    فخرا   وندًى         يا سليلَ العُربِ  مِنْ  فيكَ الشذاءُ 

لكَ  فوقَ النجمِ  صرحٌ شاهقٌ         وبرُكنَيْهِ    لقدْ    حَفّتْ     سماءُ 

فربيعُ الشرقِ  ولى  وانقضى          منذ  أن  غبتَ  خريفٌ   وشتاءُ 

ووهادُ  الروح ِ ثكلى  أقفرَتْ           لفهَا   الليلُ   وأضناها    العناءُ 

مجلسُ اللهوِ منَ  الأنس  خَلا         واختفى الصحبُ  وولى  الندماءُ 

 

جنة ُ  الدنيا    غدتْ     ملتاعةً       إيهِ  سوريا  أرَّقَ  الجفنَ  الشقاءُ 

إيهِ  سوريا ليسَ من  بعدِ النوى     غيرُ ثوبِ الحزنِ.. ماعادَ  انتشاءُ

" برَدَى " ما عاد َ عذبا   ماؤُهُ       رنقا    صارَ    وَعَزّ    الاستقاءُ 

وحمامُ   الشامِ   قدْ  بُحَّ    فما          من هديلٍ   ومنَ  الدوح ِ  خلاءُ


والدي في الشعر.. أستاذي وَنِبْ   رَاسُ دربي.. وليَ  الحرفُ  اقتداءُ

لغة ُ    القيثارِ   والحُبِّ    سَتبْ     قى ، وأنتَ  الحلمُ   فينا  والرَّجَاءُ  

شاعرُ المرأةِ   قد   صوّرتهَا          ببديع ِ  الفنِّ.. .  حلاها    البهاءُ 

فتجَلى  الحبُّ  في أسمى  ضيا        ءٍ   وتاهتْ  في أغانيكَ   الظباءُ

أنت َ  للسمراءِ   تبقى    هاويًا         أنا    للشقراءِ     حبٌّ    ووفاءُ 

وبحبٍّ       وحشيش ٍ      قمرٌ        أنتَ     للتجديدِ    فيه    الإبتداءُ

أنت   فوق  الفَرقدينِ   النيِّرَيْ          نِ   سناءً  وائتلاقا...  لا  مِرَاءُ

أنت َ ربُّ  الفنِّ  والشعرِ ورب ُّ      النهى   والفكرِ... يكفيكَ    الثناءُ 

لفلسطينَ  رسمت َ الشعرَ  مَل ْ       حَمة َ الخلدِ   وكمْ   كانَ  العطاءُ 

ولأطفالِ    فلسطينَ    شَدَ وْ          ت َ..خيوط  الفجرِ دوما  والفداءُ 

لقنوا  المحتلَّ  درسا   ناجعًا           بنضالٍ... منهُ  للأرض  ارتواءُ

ثورة ُ الاحجارِ   قدْ   واكبتهَا         بلهيبِ   الشعرِ ... هبَّ   النُّجَباءُ

بدمِ  الأبطالِ...  منْ   آلامِهمْ          كُتِبَ   التاريخُ   قد  زالَ  الخفاءُ 

راية ُ الشعرِ  فمَنْ بعَدكَ  يَرْ          فَعُهَا ؟ .. يزهو المَدى ثم الفضاءُ

يا  اميرَ الشعرِ منْ  غيرِ  مِرا         ء ٍ   أنا   بعدكَ   قالَ   الخلصاءُ 

إنَّ عرشَ الشعرِ مِنْ بعِدكَ لى         ذاك   حقىِّ   وليخزَى   السُّفهَاءُ 

إننا في   الداخلِ  صرنا   مثلا         كم   عميلٍ   آبقٍ   فيهِ    الدهاءُ

كمْ  خؤُون ٍ شِعره الزبلُ  وأدْ         نى .. نشازٌ  صوتهُ  دومًا  عواءُ  

يستغلُّ   المنبرَ  الهشَّ    لَيَط ْ         عَنَ   بي ...لكنَّ   مَسْعَاهُ  خواءُ

وقلوبٍ  أترعَتَ ْ بالحقد ِوالغد         رِ ... نحوي لا  ودادٌ  لا  صفاءُ          

وحثالاتٍ  غدَتْ  بالزِّيفِ  قا           دَتِنا .. منهم  فلا  يُرْجَى الرجاءُ          

لبسُوا   ثوبَ   نضالٍ  زائفٍ           وقريبًا   عنهمُ    ينضُو  الطلاءُ 

صُحفٌ  صفراءُ   تبقى   لهمُ           إنها   الخزيُ  لشعبي   والَوَباءُ 

حاربوا   كلَّ   أبيٍّ    صادق ٍ         خدمُوا  الاعداءَ .. غابَ  الامناءُ 

وضعُوا  حولي سياجًا  شائكا          إنهُم ْ  أعداءُ    شعبي   العملاءُ 

زرعُوا الألغامَ في دربي وكمْ          منعُوا    يأتي   نسيم ٌ    ورَخاءُ

وعلى  شعري  لكمْ  ُهمْ  عتموا       خسئوا لنْ يحجبَ الشمسَ غطاءُ    

أنا ربُّ الشعرِ في الداخلِ  رُغ ْ         مَ  الاعادي  ولأشعاري  البقاءُ

رافعُ   الهامة   أبقى    شامخا          ولغيرِ  الربِّ   ما   كان   ولاءُ 

جندُوا  الاوغادَ    كلَّ   الآبقِي          نَ   فلن ْ يثني انطلاقي الجبناءُ 

 ثابتٌ  رغم   متاهاتِ  الردى         عن حياض الحقِّ  هيهاتَ جلاءُ

 أنا صوتُ الحقِّ أبقى، والضَّمي      رُ  لشعبي ... وليخزى  الخلعاءُ  

فيسارٌ   عندنا    مثلُ     يمين ٍ         كلهم  في  حقِّ   شعبي   لسَواءُ 

لن يمرُّوا  سوفَ أصليهم  أنا           بلهيبٍ ... وغدا    يأتي   النداءُ 

إنني  الحقُّ   تجلَّى    ساطعًا           وهم ُ  في  نظرِ  الشعبِ  حذاءُ   

      

يا     بلادًا   رتّلت    أنغامَهَا          مهجُ  الاهلِ  وروَّاها    السخاءُ

يا بلادي أنت روحي  ودمي          فوق أحضانكِ  كم  طابَ الفداءُ  

نحنُ   أقسمنا    يميناً    للفدا           لبزوغ ِ   الفجرِ    إنَّا     رقباءُ    

      

شاعرَ   الأجيالِ   تبقَى  علما          إننا   في  الشرقِ  دومًا   أوفياءُ 

نحن ُمن  بعدِكَ  نمضي للعلا           بك َ حقا  نقتدي ... أنتَ  اللواءُ 

بدأ  الشعرَ امرؤُ القيسِ   ففي        ه ِ  ارتقى الشعرُ  وفيهِ  الازدهاءُ 

عصرُ شوقي قبله عصرُ أبي الطيِّ          ب ِ   الكنديِّ ...   نورٌ   وارتقاءُ  

ونزارٌ  لخَّصَ  الشعرَ   بعَصْ        ر ٍ غدا  فيهِ  ركيكا... لا   طلاءُ 

وأنا مِنْ بعدهِ جدَّدْتُ في الشِّعْ          رِ  وأحدثتُ   وما  عادَ   التواءُ  

وتقمَّصْتُ  الحضاراتِ  وجئ         تُ   بما  لم  يَسْتَطِعْهُ   العظماءُ 

أنا    للشعبِ    ورودٌ    وشذا         وأنا   للأرضِ   التحامٌ   والتقاءُ

قادمٌ  منْ  مدنِ  الأحزان  وَحْ          دي فغنِّي واهتفي لي  يا  سماءُ

شعراءُ   الجاهليينَ     ارتقوا          ببديع ِ النظمِ   فنًّا .. كمْ   يُضَاءُ

وسُموطٍ  عُلّقتْ    في   كعبة ٍ        تُرْجمَتْ  في الغربِ  أحلى ما  نشاءُ 

إنما   الشعرُ   غدا   في    يومِنا           كالنفاياتِ      أتاهُ      البلهاءُ 

طلسَمُوا أقوالهم  منْ  دونِ معنىً          وعاف َ الشعرَ  حتى   البُسَطاءُ

" فنزار" و " أنا "  "والمتنبّي "     "وشوقي "  نحنُ   منهُمْ   لبَرَاءُ 


نمْ  قريرَ العينِ  لا تحفلْ  أسى         في   بلادٍ   قد   فداها  الشرفاءُ 

جنة ُ  الدنيا   شآمٌ    لم    تزلْ         إيهِ   يا  شامُ   لكَم ْ طالَ  الثوَاءُ

ولنا  موعِدُنا فوقَ ذُرَى الشَّيْ        خ ِ   حيثُ   الثلجُ  سحرٌ  وغواءُ  

ورُبَى  الجولانِ  للعربِ   فدا        يرجعُ  الجولانُ... يأتي  الأقرباءُ

كانت ِ الأحلام ُ  في    أكتوبر ٍ       عرسُ  تشرينَ  لهُ الغربُ انحناءُ

قُرَّة ُ  العينِ   شآم ٌ  في   دمي         هيَ   للأعرابِ   نبضٌ   ودماءُ  

ليتني  أغفوُ  أنا    فوقَ    رُبا        ها ،  زهورُ الروضِ قبري والشذاءُ

"فصلاحُ الدينِ "  يغفوُ  هانئا         في  دمشقِ  العربِ  ثم َّ الأولياءُ 

كم ْ  شهيدٍ   راقدٍ   تحت   ثرَا          هَا    وأزهار ٍ سقاهَا   الشهداءُ   


يا  أميرَ  الشعر  ما  بعدَ  النَّوَى       غيرُ حزنٍ   وعويلٍ .. لا  التقاءُ

لم  تزلْ   بلقيسُ   في  وجدانِنا         وردةَ   الطهرِ  وحَلاهَا   النقاءُ 

إنها  في جنةِ  الفردوسِ   منْ          حولها الحورُ العذارى  والظباءُ

بعدك َ الحبُّ  يتيمًا   قدْ  غدا           في ربوع الشرقِ ، والغيدُ  إماءُ 

كم  فتاةٍ  دمعُها  الدّرُّ، ازدَهَى        هاجَهَا الحُزنُ  وما أجدى  النداءُ

يا رسولَ العشق كم من  غادةٍ         أنتَ  قدْ حَرَّرْتهَا... زالَ   العَناءُ 

من   قيودِ  القهرِ  قدْ  أطلقتها          عَرفَتْ  كيفَ  العلا   والإرتقاءُ

يُحشرُ  العشاق من  تحت  لوا          ئِكَ.. في ظلك  كمْ  يلقىَ العزَاءُ 

أنت  مَنْ أمسكتَ  شمسًا  بَيِمي        ن وفي الأخرى نُجيماتٍ تُضاءُ 

كذبَ   النقادُ    فيما    غُرِّرُوا         كلُّ    ذمٍّ    فيكَ    قالوا   لهُرَاءُ 

ومسوخُ النقدِ  في  الداخلِ هُم ْ         كحذائي   قولُهُم ْ  عندي   هَبَاءُ

أنتَ فوقَ النقدِ..فوقَ الشعرِ..فو       قَ  النهَى ..للعربِ  مجدٌ  وسناءُ

والذي    جئتهُ    يبقى   خالدًا         لو مضى  مليونُ  جيلٍ لا انتهاءُ   

وشعوبُ الأرضِ فيكَ انبهرُوا         أنتَ  عملاقٌ   وصرحٌ   وعلاءُ

أنتَ "دونجوانُ " جميع الغيدِ  دَوْ     مًا ... وحلمُ  الغيدِ   حقا   وبهاءُ 

وأنا     بعَدك    أمضي     قُدُمًا       أحملُ   الراية َ  يحدوني  الإباءُ

تهتُ  في  الكونِ  سناءً  وسنًا         وتهادَى   في   خطايَ   الخيلاءُ 

فالعذارى   في   هوانا   تُيِّمَتْ         نحنُ   أحلى  منْ   تغنيهِ النساءُ 

وَضَمْمَنا  المجدَ  منْ   أطرافهِ         وتسامَى  الفنُّ     فينا    وَرُوَاءُ 

يا أميرَ الشعرِ هلْ أجدَى العزاءُ       عَجزَ  الحرفُ  وأعيَى الخطباءُ 

رائدَ     التجديدِ    تبقىَ    ملكا        فوقَ عرشِ الشعرِ أنتَ  الإبتداءُ   


أمام المرآة/ د. عدنان الظاهر



1 ـ أمام المرآة

خبّتها .. بعثتْ أخرى تشبيها

بَدَلاً يستنسخُ مبدولا

تتمرّى كيما تبقى أبداً أُنثى

زيفُ الصورةِ يأبى

الرغبةُ أنْ ترتدَّ وتنظرَ فيما كانتْ أصلا 

صورَتُها ميقاتُ المرآةِ

ماسُ الليلةِ في طاقةِ قدّاحةِ عينيها

يتبدّلُ آنيّاً لونا

كُحلاً في وشمِ شفاهِ الصمتِ صناعةَ ممرورِ

نقشاً في حفرِ الطينِ المبلولِ

محشوّاً في نعشٍ يمشي

يتناسلُ تابوتاً تابوتا 

الشمسُ شرارةُ إطلاقِ النيرانِ

هَبّةُ مِشكاةِ قيامِ الزلزالِ

أقوى من ضربةِ فأسِ الإنذارِ .

صوتٌ عسليٌّ صافِ

كالبؤبؤِ في صُفرةِ وردِ عبادةِ قُرصِ الشمسِ

يكتبُ تحتَ الشمعةِ حُبّاً ليلا

يفتعلُ التخليطَ ويهوى الحدَّ الأقصى 

يخبطُ في طقسٍ طَقسا .


2 ـ ميكانيك الحب 

ميكانيكُ الحبِّ تعطّلَ آليّاً فيها

صمتُ الزائلِ يكفيها تأويلا

الحائطُ مرآةُ إطارِ الحبِّ تقبّلهُ ترتيلا

يصقُلُها حتى تبرأَ أو تفنى صقلا

فنُّ التحنيطِ يلائمُها مَيلاً مطبوعا 

قِرّي في بيتكِ أو قُرّي عينا

سمتُ القامةِ مكسورٌ ثُلثاً ـ نصفا

سقفُ الحجرةِ مقلوبٌ ظهراً ـ بطنا

أَرَقٌ متصّلٌ يكفيها دِفئا

في كوثرِعينيها بُقيا إشعاعةِ قنديلِ

زمَنٌ يتأرّجحُ تأجيلا 

برّأتُ ثيابي منها قبلَ شرارةِ إطلاقِ النيرانِ

الحبُّ زمانَ الحربِ حرامُ .


3 ـ قناعات الضد

طوّرتُ قناعةَ أضدادي

ما بين الصبرِ وبين الطعمِ المُرِّ

أطفأتُ الشُعلةَ خوفَ الرِعدةِ في خضّاتِ مخاضِ الميلادِ

دقّتْ أصداءُ محطّاتٍ ضربتْ في المعدنِ أطنابا

أجراسَ فضاءٍ مخنوقٍ بالفوضى

فوجٌ يأتي تتبعهُ أمواجُ

نزفٌ يسحَبُني من قِمّةِ أطرافي

أُطُرٌ تتعلّقُ في صدرِ الزينةِ بالبابِ العالي 

 تاراتٍ تأتيني

تُقلقني .. تُبهجُني .. تُنهيني شنقا

تمسخني هرماً مقلوبا

رَمسيسُ الثاني جَدُّ أبيها الأعلى

تعشقُ في مصرٍ أسوانا

مدّدتُ وجهّزتُ ولم أبلغْ شأوا

ما يطلبُ هذا الناشزُ منّي حدَّ الإجهازِ ؟

الفُسحةُ لا تكفينا

أقصيتُ مسافةَ إصغائي كي لا أسمعَ لغوا

أسكتني موضوعٌ ثانٍ

قلّبَ أوراقي سِفراً سِفرا

تمّتْ مرحلةٌ أولى

مرّتْ صحواً ـ غيبا .


4 ـ رمسيس

بعثتْ عصفورَ كناريٍّ كنّتهُ " شيري "

يحملُ طبَّ نواويسِ الرمسيسِ الثاني

وخطاباً محنوطا

مسّدتُ جناحَ كناريها

قبّلتُ الريشَ ومِنقارَ العصفورِ

أومأتُ إليها ترميشا

ردّتْ أنَّ طريقَ الجيزةِ محظورُ

جرّبْ طُرُقاً أخرى ..

جرّبتُ مِرارا

منعتني أجنادُ كتيبةِ هامانِ

وقفتْ ضدّي

سدّتْ في وجهي أبوابَ مدينةِ نَصرٍ في مِصرِ

قالتْ صبراً

دولابُ الدنيا تدويرُ ..

غيّرتُ مسارَ طريقي

هدّدني كَرْبٌ في الدربِ المُومى

سرَتني لُقياها بين القُشلةِ والعَبْرةِ للجسرِ

أنستني حُلوانَ وماهانَ واُنثى موسى

لا سِحرٌ ـ سيّدتي ـ يُشفيني

طبّي في جسدِ الترياقِ الرمسيسي .

شو الدين؟/ شوقي مسلماني

 


طيّبْ لمّا إعلاميّه على تلفزيون لبناني بتقول، وشو ما تكون نيّتها: "جسر القاسميّه ما انضرب بعد"، شو بدّك إسرائيل تشوف من هل "معلومه"؟ شافت ثغره، وياما شافت إسرائيل عِنّا ثغرات، وتاني يوم انقصف جسر القاسميّه. 

إسرائيل رابحه مرّتين، مرّه ضربت الجسر وانقطعت الطريق وتعزّبوا اللبنانيي وبعدين صلِّحوا يا لبنانيّه، ومرّه عملتْ عداوه وصار اللبناني ناقز من خيُّه أو من أخته، وشو الفتنه؟ مش فرّق تسد؟. 

إذا جارك بيتُه عم يحترق، مهما كان السبب، ومهما كنتْ على خلاف مع جارك اللي عنده أسره متل ما عندك أسره، وشو خصّ الولاد، ولو، بالمبدأ،  ما بتّلفن للإطفائيّه؟ ما بتدبّ الصوت؟ ما بتركض تشوف كيف فيك تساعد ولو غريزيّاً؟. 

نتيجة كلّ موقف غير إنساني، مش ممكن يفكّر فيك خيّك أو إختك، صديقك أو صديقتك، قريبك أو قريبتك، جارك أو جارتك، شي يوم ويقول بقلبُه: "الدنيا دولاب"؟.  

إذا ما الدين لا حميّه ولا نخوه ولا رحمه ولا محبّه ولا إنسانيّه شو بيكون؟ شو الدين أو أي عقيده سماويّه أو أرضيّه أو "مدرحيّه" إذا لا إنسانيّه؟.  

Shawkimoselmani1957@gmail.com


مفارقة الحداثة من سؤال الإنسان إلى تحويله إلى موضوع للمعرفة والسيطرة/ د زهير الخويلدي

 


مقدمة


تبدو الحداثة في أول نظرة كأنها انتصار كبير للإنسان. فقد بدأت بتحرير الفرد من قيود التقاليد والسلطات الدينية والسياسية التقليدية، وبإعلاء قيمة الوعي الذاتي والتفكير النقدي والاستقلالية. كان السؤال المركزي في بداياتها: "من هو الإنسان؟" و"كيف يمكنه أن يعرف نفسه بنفسه دون الاستناد إلى سلطة خارجية؟". لكن يا للمفارقة التاريخية العميقة، إن هذا المشروع الذي انطلق من أجل تحرير الإنسان وتعظيم ذاته قد انتهى بتحويل الإنسان ذاته إلى مجرد موضوع من موضوعات المعرفة، بل وإلى هدف للسيطرة والتنظيم والتدجين بطرق لم تكن معروفة من قبل في التاريخ البشري.


هذه المفارقة ليست مجرد صدفة تاريخية، بل هي نتيجة منطقية داخلية لمسار الحداثة نفسه. فمنذ لحظة ميلادها الفلسفي مع ديكارت، مروراً بالتنوير، وصولاً إلى المؤسسات الحديثة للدولة والعلم والاقتصاد والتربية والطب النفسي، نجد أن الإنسان الذي أريد له أن يكون سيداً على نفسه وعلى الطبيعة قد تحول تدريجياً إلى كائن يُدرس، يُقاس، يُصنف، يُراقب، يُعدل، ويُدار بكفاءة تقنية عالية. سنحاول في هذه الدراسة أن نستعرض هذا المسار بتعمق، بدءاً من اللحظة الديكارتية، مروراً بتطور مفهوم الذات الحديثة، ثم آليات السيطرة المعرفية والمؤسسية التي طورتها الحداثة، وأخيراً محاولة فهم النتائج الوجودية والأنثروبولوجية لهذه المفارقة. فماهي مفارقة الحداثة؟ وكيف يمكن عقلنتها والعمل على تفكيكها؟


.1. النشأة الفلسفية: ديكارت والوعي الذاتي كأساس لليقين


يُعتبر رينيه ديكارت (1596-1650) اللحظة التأسيسية للفكر الحديث. في مواجهة شكوك العصر (الحروب الدينية، انهيار اليقين الأرسطي-الكاثوليكي)، طرح ديكارت السؤال الراديكالي: كيف يمكن للإنسان أن يصل إلى يقين مطلق دون الاعتماد على السلطة أو التقاليد؟


جوابه الشهير "أنا أفكر، إذن أنا موجود" يمثل نقلة نوعية. الذات التفكيرية أصبحت أساس كل معرفة. الإنسان لم يعد يعرف نفسه من خلال موقعه في سلسلة الوجود الكونية (كما عند القدماء والوسيطين)، بل أصبح يعرف نفسه من خلال قدرته على الشك والتفكير الذاتي. هنا بدأت الحداثة بتعالي الوعي الذاتي: الإنسان هو مركز المعرفة، والعالم الخارجي يصبح موضوعاً يُدرَس من قبل هذا الوعي الشفاف لنفسه. لكن في هذه اللحظة التأسيسية نفسها تكمن بذرة المفارقة. فالـ"أنا" الديكارتية ليست "أنا" شخصية حية مليئة بالعواطف والجسد والتاريخ، بل هي "أنا" مجردة، رياضية، شفافة، قابلة للقياس والتحليل. الجسد نفسه أصبح "آلة" مقابل الروح. هكذا بدأ فصل الإنسان عن جسده وعن عالمه، وتحويل كليهما إلى موضوعات للمعرفة العلمية.


.2. التنوير: الإنسان كمشروع تحرر وكمشروع سيطرة في آن واحد


مع فلاسفة التنوير (لوك، هيوم، كانط، فولتير، ديدرو...) تطور السؤال عن الإنسان إلى مشروع شامل: تحرير الإنسان من "الوصاية الذاتية" كما قال كانط في مقالته الشهيرة "ما هي التنوير؟". الإنسان مدعو إلى استخدام عقله الخاص دون توجيه من الآخرين.


لكن هذا التحرر كان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بمشروع معرفي جديد: علم الإنسان. أصبح الإنسان موضوعاً للدراسة العلمية المنهجية. علم النفس التجريبي، علم الاجتماع الناشئ، علم الاقتصاد السياسي (آدم سميث)، والطب الحديث، كلها بدأت تتعامل مع الإنسان ككائن طبيعي يخضع لقوانين يمكن اكتشافها واستخدامها. كانط نفسه، رغم دفاعه الشديد عن كرامة الإنسان كغاية في ذاته، ميّز بين "عالم الحرية" (عالم النومان) و"عالم الطبيعة" (عالم الفينومان). في العالم الثاني، يصبح الإنسان خاضعاً لقوانين السببية الطبيعية، أي موضوعاً للمعرفة العلمية الدقيقة. هذا الفصل بين الحرية والطبيعة سيسمح لاحقاً بتطوير تقنيات سيطرة هائلة على "الجانب الطبيعي" في الإنسان (الجسد، الغرائز، السلوكيات، اللاوعي...).


.3. تطور الذات الحديثة: من الروح إلى "الفرد" القابل للإدارة


مع تقدم الحداثة، تحول مفهوم الذات من "الروح الخالدة" إلى "الفرد". الفرد الحديث هو كائن منفصل، ذو حقوق، ذو مصالح خاصة، قابل للقياس والتصنيف حسب معايير علمية واقتصادية وسياسية. في القرن التاسع عشر، شهدنا تطوراً دراماتيكياً:


علم النفس التجريبي (فيختنر، وونت، ثم فرويد لاحقاً) حول الوعي الداخلي إلى موضوع قابل للقياس والتفكيك.


علم الاجتماع (دوركهايم، كونت) بدأ يعامل المجتمع والإنسان كـ"وقائع اجتماعية" تخضع لقوانين إحصائية.


الاقتصاد السياسي حوّل الإنسان إلى "عامل إنتاج" أو "مستهلك" أو "رأسمال بشري".


الطب النفسي والطب الشرعي بدآ في تصنيف "الأنواع" البشرية: المجانين، المجرمين، المنحرفين، الطبيعيين، غير الطبيعيين...


هكذا أصبح الإنسان "حالة" في ملف طبي أو قضائي أو إداري أو تربوي. الوعي الذاتي الذي بدأ به ديكارت تحول إلى "ملف شخصي"، إلى "سيرة ذاتية" قابلة للتحليل والتدخل.


4. آليات السيطرة الحديثة: المعرفة كسلطة


ربما كان ميشيل فوكو أكثر من أبرز من نظر لهذه المفارقة بعمق. في أعماله مثل "المراقبة والمعاقبة" و"تاريخ الجنون" و"إرادة المعرفة"، أظهر كيف أن الحداثة طورت شكلاً جديداً من السلطة: سلطة معرفية-مؤسسية لا تعتمد على القمع المباشر بقدر ما تعتمد على الإنتاج المعرفي والتصنيف والمراقبة الدقيقة.


السجن الحديث (بانوبتيكون بنثام): ليس مجرد مكان للعقاب، بل آلية لجعل السجين يشعر بأنه مراقب دائماً، فيصبح مراقباً لذاته. السلطة تصبح داخلية.


المستشفى النفسي والعيادة: تحولت إلى أماكن لإنتاج معرفة عن "المريض"، وفي الوقت نفسه أماكن لتطبيع السلوك.


المدرسة الحديثة: ليست فقط مكاناً للتعليم، بل لتشكيل الجسد والوقت والانتباه والسلوك حسب معايير دقيقة (الجدول الزمني، الصف، الامتحان، التصنيف...).


الإحصاء والديموغرافيا: الإنسان لم يعد يُرى كفرد فريد، بل كجزء من "سكان" يمكن حساب معدلات الوفيات، الخصوبة، الإجرام، الصحة العامة...


في هذا السياق، أصبحت المعرفة عن الإنسان (سواء في علم النفس أو علم الاجتماع أو الطب أو الاقتصاد) ليست معرفة محايدة، بل معرفة تخدم السيطرة والتنظيم الاجتماعي. الإنسان أصبح "مادة بشرية" قابلة للإدارة بكفاءة.


.5. الذروة التقنية والرأسمالية المتأخرة: الإنسان كبيانات وبيوداتا


في القرن العشرين والحادي والعشرين، بلغت المفارقة ذروتها مع الثورة التقنية والرأسمالية الرقمية. الإنسان الذي بدأت الحداثة بالاحتفاء به كـ"ذات حرة" أصبح اليوم:


بيانات: كل سلوك، كل نقرة، كل تفاعل، كل عاطفة تُجمع وتُحلل بواسطة الخوارزميات.


رأسمال بشري: يُقاس إنتاجيته، مرونته، قدرته على التكيف، "ذكاؤه العاطفي"...


مستهلك دائم: يُشكل رغباته وهويته من خلال الإعلان والثقافة الاستهلاكية.


جسد قابل للتحسين: من خلال الطب التجميلي، التحسين الجيني، والـ"عبور الانسانية" الذي يعد بتجاوز الإنسان ذاته.


حتى "الوعي الذاتي" أصبح سلعة: ورش عمل التنمية الذاتية، الكتب التحفيزية، تطبيقات التأمل و" اليقظة الذهنية "، كلها تحول النظر إلى الذات إلى تقنية لزيادة الكفاءة والإنتاجية داخل نظام رأسمالي متقدم.


.6. النتائج الوجودية للمفارقة


هذه المفارقة أنتجت أزمة وجودية عميقة. الإنسان الحديث يعيش تناقضاً مؤلماً:


من جهة، يشعر بقدر غير مسبوق من "الحرية" (حرية الاختيار، حرية التعبير، حرية الاستهلاك).


ومن جهة أخرى، يشعر بفقدان عميق للمعنى، بالاغتراب، بالشعور بأنه مجرد رقم أو وظيفة أو بيانات في نظام كبير لا يفهمه تماماً.


القلق، الاكتئاب، الفراغ الوجودي، انتشار الاضطرابات النفسية، كلها أعراض لهذا التحول. الإنسان الذي أريد له أن يكون سيداً على نفسه أصبح غريباً عن نفسه، مراقباً لذاته باستمرار، محاولاً "تحسين" نفسه وفق معايير خارجية يفرضها النظام التقني-اقتصادي.


خاتمة


إن مفارقة الحداثة تكمن في أنها بدأت بالسؤال عن الإنسان بطريقة تحررية، لكنها انتهت بجعل الإنسان موضوعاً مثالياً للمعرفة والسيطرة. لم يكن هذا خيانة للحداثة، بل تجسيداً لمنطقها الداخلي: عندما يصبح الإنسان مقياس كل شيء، وعندما يُفصل الوعي عن الجسد والعالم، وعندما تتحول كل سلطة تقليدية إلى سلطة "علمية" و"عقلانية"، فإن الإنسان نفسه يصبح أكثر الأشياء قابلية لأن يُدار بعقلانية.


السؤال المفتوح اليوم هو: هل يمكن للإنسان أن يستعيد ذاته دون العودة إلى ما قبل الحداثة، ودون الاستسلام الكامل لمنطق السيطرة الحديثة؟ هل هناك طريق ثالث يجمع بين تعالي الوعي الذاتي الحقيقي وبين رفض تحويل الإنسان إلى مجرد مورد أو بيانات أو حالة إدارية؟


هذه المفارقة ليست نهاية التاريخ، بل دعوة لتفكير أعمق في طبيعة الإنسانية في عصرنا التقني. فالحداثة لم تنتهِ بعد، ومفارقتها لا تزال تتكشف أمام أعيننا بطرق أكثر تعقيداً ودقة يوماً بعد يوم. فما تأثير الحداثة الغربية على التقاليد الشرقية؟


كاتب فلسفي

تحِيّة الى الدكتورة يسرى البيطار/ مي سمعان




تحِيّة الى الدكتورة "يسرى البيطار" بمناسبة تكريمها من قبل منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحاده   في قاعة الرابطة الثقافية في طرابلس بتاريخ ١ايار ٢٠٢٦

*******************

لبنان صلّى  وانبرت اجواق

يُسرى شِفاءٌ فالقلوبُ عِناقُ

حاروا لخُلق يُستطابُ دَماثةً 

حاروا لقلبٍ داْبُهُ الإشفاقُ

إنا استُجِبنا والسّلامَة مَغنَم

انا احتفاءٌ ضَجّتِ الآفاقُ

انا التَمَسنا بالدّعاءِ شَفاعَةً 

وتضَرّعًا فتشفّع الخَلاّقُ

قيثارةَ الشّدوِ الشّجيّ  طَلاوةً

 ما إن تَجودي تَشْخَصُ الأعناقُ

كنّارةَ  الإلهامِ  وهجُكِ  باهِرٌ 

وحضوركِ الأنسامُ والاِشراقُ

الله اودَعكِ المَزايا جَمّةً 

والوَحيَ وسْما ،يا لهُ إغداقُ!

يُسرى لأنتِ في القَريضِ رُوَاؤُهُ

ولأنتِ في الفنِّ الرّفيعِ مَذاقُ

تلكَ الأماسي كم تناهَتْ رِفعةً 

 وتهافَتَ  العُشّاقُ و الوُرّاقُ

تلكَ القوافي مُترَفاتٍ اقبَلت 

ْفالشّعرُ دَفْق والبُحُورُ سِباقُ

وتلاوةٌ تدْعو الأصَمّ لينتشي

فيها الشّمُوخ كما الوديع يُساق

اعتقتِ ما ضنَّ الكلام ببَوحِهِ

فتولّدَ التّحْليقُ والإِعتاقُ

ظلّي لنَا ظلّي بنَا ذاك الغِوَى

عَصْفًا  نَديًّا دِينُهُ الاِحقاقُ

ما عاشَ وحْيٌ في الأنامِ مُهادِنا

انّ الخلودَ رَديفُه الإقلاقُ

يا ارزةً سكَن الجَمَالُ فضَاءَها

يا ارْغُنا فٌكّتْ بِهِ الأطواقُ

انَّا فرِحْنا والقِبابُ تعانَقَت

أجْراسُها ومآذِنٌ ، ورِفاقُ


أنعِمْ إلهي واسْتَجِبنا طِلبَة ً

كيما يعود السّلمُ كي لا نُراقُ

والبدرُ دعْه في البريّة هادِيا

جنِّبنا انْ يَسري اليهِ مَحاق ُ

مي سمعان 

/في ١/ ايار//٢٠٢٦

منطق الذِّهْن. Mindfulness.......خاطرة من وحي علم المنطق/ الدكتورة بهيّة أحمد الطشم

 


ينسجم الفكر مع الواقع في لدُن المنطق,

ويتماهى العلم البرهاني (المنطق) مع النسَق الاستنباطي والاستدلالي في اختلاف الامور ويفرض البديهيّات بعيداً عن مأساة الغباء.

يعصم أورغانون العقل أو أداته (المنطق) الذّهن  من الوقوع في الزّلل,

وينأى به عن أفهوم التناقض بشتى الوجوه والألوان...ويسمو به فوق السّطحية.

...........................

تطغى المبادىء الأساسية للفكر الانساني في عالم الأنطولوجيا الحق عبر:

قانون الهوُية الذاتية :حيث لا شيء يكون غير ذاته,قانون عدم التناقض: اذ لا يوُصف الشيء الواحد بصفة ما ونقيضها في آن,

وقانون الوسط الممتنع : حيث لا صفة ثالثة للشيء بين صفة ما ونقيضها.

..............................

ما أروع فضائل المنطق في التحرر من العَجَلة لتكريس الحيطة,وترسيخ الرصانة ثمّ دحض الكذب من جوهر القوة التفكيرية عند الحيوان الناطق!

لقد أجمعَ مناطقة العالم او علماء المنطق على عدم وجود ثلاثة في الوجود: الغول,العنقاء والخليل الوفيّ...,وما أرقى أن يغدو المنطق محور وجودنا كي لا تكون القِيم كرتونيّة!

لا يرتقي الانسان(الحيوان  الناطق) الاّ اذا كان صاحب منطق فذّ وذهن منفتح على الآفاق,مهما عصفت المُفارقات paradoxes,وسادت التناقضات في عالم الممكن والمستحيل (الحياة)...

لا يبدو/ شوقي مسلماني



نعم، العقل إمام، ولكن من يعلم ما تخبّئه الأيّام؟. 

لو علم الجزائري إنّ ثورته التحرريّة ضدّ فرنسا المستعمِرة ستكلّفه حوالي مليوني شهيد هل كان انخرط في هذه الثورة؟ لو علم "هوشي منه" و"فونغوين جياب" إنّ حربهما ضدّ أميركا ستكلّف 4 مليون فيتنامي شهيد هل كانا سيدخلا هذه الحرب التي طالت سنوات وأتت على الأخضر واليابس وانهزمت فيها أميركا المجرمة أخيراً؟ لو كان يعلم الحزب الشيوعي السوفياتي إنّ مواجهة المانيا النازية ستكلّفه تدمير 167 مدينة ضخمة وآلاف وآلاف البلدات الكبرى والقرى وأكثر من 27 مليون شهيد هل كان اختار عدم التفاهم مع "هتلر" الذي سبّب دماراً يوازي الإصابة بعشرات القنابل الذريّة لا بقنبلتين انضربت بهما اليابان ـ في هيروشيما وناكازاكي ـ من قبل أعداء الإنسانيّة ـ مجرمي البيت الأبيض؟. 

يعلّمنا التاريخ إنّه مرّات فيما يدبّر ليُضحِكنا يُبكِينا وفيما يدبِّر ليُبكِينا يُضحِكنا. 

جبل عامل ـ جنوب لبنان ـ عند سفح بركان ـ هي الجغرافيا ـ ويا لها جغرافيا ـ حدوديّة مع كيان غاصب، مجرم، جشع، ولا حدود لأطماعه. 

نحن في حرب يكاد عمرها أكثر من 70 سنة والعدوّ من يومه أعلنها وجوديّة. 

هل يفهم العربان واقع الحال؟ لا يبدو.  

Shawkimoselmani1957@gmail.com


 

رِسالةٌ إلى رجُلٍ ما/ ميساء رزوق

  


لا فرقَ بين البُعدِ والقربِ 

فمَنْ يعشقُ الرُّوحَ 

لنْ يجدَ في كلِّ الأشخاصِ بديلاً 

عندما تحبُّ كن راقياً 

كنْ صادقاً 

فالحبُّ ليسَ مُجرَّد كلمةٍ نكتبُها 

وتعيشُ بكلِّ إحساسٍ فينا 

انتقِ لقلبكَ مَنْ يستحقُّ الحُبَّ 

فإنْ أصبْتَ فستكون سعيداً 

وإن أخطأتَ فلا تندم 

لأنَّك كنْتَ صادقاً 

كُنْ رجلاً في حبّك وبقائكَ ورحيلكَ

 لنْ تسقطَ رجولتكَ بالمواجهة

 وإنَّما تسقط ُ 

في الوقتِ الذي تبكي فيه أنثى 

ندماً على حبِّها لك 


لستُ بالفعلِ صحفيّاً/ فراس حج محمد


لا أدري على نحو الدقة متى تم وصفي بالصحفي لأوّل مرّة، لم أستسغ هذا الوصف، لأنني بالفعل لستُ صحفياً، ولمعرفتي أنّ الصحفي غيـر الكاتب في المهمة والأسلوب والرسالة، فإن خلا أحياناً الكاتب من الرسالة وتحمُّل تبعات معينة، فإن الصحفي يجب ألا يخلو من الرسالة؛ أيْ الهدف السامي من وراء عمله كله، مجملاً ومفصلاً، أما الكاتب فقد يكون أحياناً مجرداً من الهدف، إذ يكتب لمجرد أنه يمارس هوايته، ويحب صنعة الكتابة، هكذا أفعل، وبهذا وشبيهه يبوح الكتّاب في حواراتهم أو شهاداتهم الإبداعية، فكونك كاتباً يجب أن تظلّ أصابعك عاملة وتكتب، كالزُّمار الذي يموت وأصابعه تلعب، والكاتب أيضاً يموت والقلم بين إصبعيه، حتى لو كانت كتاباتك لا طائل من ورائها، فالكتّاب يكتبون أو يمارسون عملهم يوميّاً، ولا أحد يدفعهم إلى ذلك سوى أن الكتابة كفعل إذا لم تتحقق دوماً، وإن لم تظل الأفكار في "خضّ ورجّ" سيعاني الكاتب يوماً بعد يومٍ من عسر في الكتابة، وسيؤول إلى التوقف، لذلك قالت العرب: "ثلاثة تسهل بالعادة: الكتابة والخطابة والصلاة". 

وعليه، فالصحفي غير الكاتب من هذه الناحية، ومن ناحية أخرى، فالكتابة ليست مهنة، كما تكون الصحافة مهنة للعامل فيها، فأنا لا أتكسّب من الكتابة قاصداً أن تدرّ عليّ مالاً، كما لا يعاني الصحفي من "مأزق الصفحة البيضاء" كما يعاني الكاتب، فكل أمر طارئ يصلح للعمل الصحفي، لكن ليس كل فكرة صالحة لتكون عملاً أدبياً، ولذلك هناك فرق عملي بين "السبق الصحفي" والفكرة الجديدة غير المطروقة، وليست فقط الفكرة المطروقة هي ما يبحث عنه الكاتب إنما الأساليب والتقنيات المبتكرة هي التي تعنيه في كثير من الأحيان.

إنّ الصحفي بحكم عمله في الأخبار، جمعاً وتحليلاً، يكون معنياً بلغة سهلة بسيطة متقشفة، لا يستطرد، ولا يزخرف، ولا يتأنق في الأسلوب، يلتـزم بالحد المقبول من أساسيات الكتابة؛ الصحة اللغوية، واللفظ البسيط، والتركيب المؤدي للمعنى المباشر، هذه هي لغة الصحفي، فلو حاول التأنق بألوان البلاغة لصار أسلوبه منفراً غيـر عذب، إذ إن المطلوب منه ليس هذا، بل عليه تقديم المعنى بأقل لفظ ممكن وبطريقة سهلة. أما الكاتب فهو يتعمد التأنق والتجويد وتوظيف البلاغة وألوانها، ويحاول بكل قدرته الفنية أن يقول للمتلقي ها أنت أمام المعنى الذي تعرفه، ولكن بثوب جميل، ها أنت أمام ما يقوله الصحفي ولكن بطريقة أكثر متعة وأكثر تشويقاً وأقل ألماً. نعم أقل ألماً. لأنها أبعد عن المباشرة، ولذلك ثمّة خوف ناشئ يتولّد في نفوس الكتّاب المشتغلين بالصحافة من أن تجرّهم الكتابة الصحفية إلى لغة أخرى يتنازل فيها الكاتب شيئاً فشيئاً عن أسلوبه الأدبي المتأنق الشفّاف المغموس في البيان والبديع وألوان الجمال البلاغي اللفظي والمعنوي.

تعالوا نرى حادثة ما بزاويتين: الصحفية والأدبية؛ ولنأخذ مثلاً قضية "ريا وسكينة"، تلك القضية التي شاعت في مصر، لامرأتين حقيقيتين كانتا تقتلان الضحية وتسلبان ما معها من مصاغ. هذا خبر صحفي مؤلم جداً، قرئ في صفحة الحوادث في الجرائد المصرية، فتعاطف القراء مع النساء الضحايا، وتوجّعوا لما حل بهنّ، وتشبعوا بكل مشاعر الكره تجاه الجانيتين؛ ريا وسكينة، وسعوا إلى أن يحل بهما الجزاء العادل، بل وأشاعت القصة رعباً في نفوس الناس؛ فربّما كان أحدهم ضحية قادمة.

هذا الحدث المؤلم، عندما تحول إلى مسرحية، اختلطت النواحي التراجيدية بالكوميدية، ووضعت المشاهدين بأجواء بعيدة عن مسرح الجريمة، أبعدت الجريمة الحقيقية عن مسرح العرض، مع أنها لم تتلاشَ نهائياً، ولكن كان للعناصر المسرحية المختلفة وأداء الممثلين دور كبيـر في أننا أحببنا ريا وسكينة المسرحيتين وكرهنا ريا وسكينة المجرمتين. فليس مهمة الأدب البحث عن العدالة، ولكن بلا شك من مهامه التي لا يتنازل عنها هو تحقيق المتعة، ولم يبق في ذهن المشاهد سوى تلك المواقف المضحكة، ويكاد يتذكر ما يشير إليه النص أو العرض من مآسٍ إنسانية.

إن كل الأعمال الأدبية ذات سند واقعي صحفي، ولكنها تأخذ لغة الصحافة إلى ما هو أبعد من حدودها الجُرْمية والقانونية، ولو بحث المرء لوجد ذلك- مثالاً لا حصراً- في أعمال غسان كنفاني، وخاصة "رجال في الشمس" و"عائد إلى حيفا"، وهذا لا يعني أن إحدى اللغتين لغة عليا والأخرى لغة دنيا، بل يعني أن لكل لغة طبيعة خاصة، فإذا دخلت إحداهما على الأخرى أفسدت العمل حتماً، فالعمل الصحفي المكتوب بلغة أدبية أراه عملاً رديئاً، كما أن العمل الأدبي المكتوب بلغة صحفية رديء كذلك، وليعطَ لكل ذي حق حقه.

أنا بالفعل لست صحفياً، وربما كنت كاتباً أصبت شيئاً من اللغة الأدبية هنا أو هناك بما تعلمته من صنوف البلاغة والأسلوب والتروي والتأنق. أما لغة الصحافة فأنا لا أعرفها، بل إنني فاشل فيها فشلاً ذريعاً، ولذلك عندما عرضت عليّ إحدى الصحف الكبرى أن أكون مراسلاً لها في فلسطين اعتذرت بلطف، لأنني أعرف ما عليّ دفعه من ثمن لو قبلت ذلك، على الرغم من أنها ستجلب لي دخلاً إضافيّاً جيّداً، فسأتنازل عن عزلتي أولاً، وأطارد الأخبار، وأقف على الأبواب، وأنتظر الردود والمكالمات، وسأعرّض نفسي لمواقف قد تكون محرجة، وأفقد هيبتي ككاتب مستقل بعيد عن كل الأوساط، وسأضطر إلى اجتراح المجاملات التي لا أتقن صياغتها، وغير هذا وذاك فإنني سأخسر الوقت، وهل أنا مجنون لأخسر هذه المادة الذهبية اللازمة لصنع قصيدة رائقة أو قطعة سردية فاتنة أو مقالة نقدية سابرة؟ 

والآن سأبوح بسرّ، قد لا يعني أحداً سواي، لكنه ذو دلالة بالنسبة إليّ وأنا أراجع نفسي وأوصافها. 

تعود هذه الحادثة التي سأرويها الآن إلى ذلك الزمن الذي كنت فيه "تحريرياً"، أي منتسباً إلى حزب التحرير (الإسلامي)؛ فقد أنشأ الحزب منذ زمن بعيد قبل عام 2008، موقعاً إلكترونيّاً أسماه "الناقد الإعلامي"، وأوكلني مع آخرين مهمة أن أكون إدارياً فيه، وهذه مهمة أكبر من مهمة المشرف، إذ يكون من صلاحياتك أن تحذف الموقع كاملاً أو تغيّـر الأبواب، أو ما شابه، ولكنني فشلت في إدارته، كان الحزب يتغيّا أن يدربنا على العمل الصحفي، وكان يريد أن يضع لبنة لمؤسسة إعلامية صحفية؛ لأنه كان يرى الدولة "على مرمى حجر" أو باللغة الدينية المستعارة من القرآن الكريم "قاب قوسين أو أدنى"، فقد كان يظنّ أن "الدولة الإسلامية" ستقوم في أية لحظة، فجأة، دون مقدّمات، لذلك يجب أن نكون لهذا البازغ سريعاً قويّاً كاسحاً مستعدين جدّاً، وما زال الحزب يعمل بهذه "الحتمية الدينية" إلى الآن.

لم أنجح في تلك المهمة وأُخرجت منها، وأنا غير مبالٍ فعلاً، فقد شعرت بالمهمة تثقلني وتقيدني وتزيد أعبائي، إذ لم تكن تناسبني، وقد جربت نفسي قبل ذلك وأنا في الحزب أيضاً عندما كنت عضواً في "منتدى العقاب" الإلكتروني، كأحد الذين ينشرون، ورفضت استلام أية مهمة إشرافية أو إدارية، حتى تلك الأخبار التي كنت أجمعها من الصحف والمواقع لأنشرها في "القسم السياسي"، كنت أعيد نشرها كما هي، فيرشدنا المسؤولون- أنا ومن على شاكلتي- إلى أنه لا بد من إبداء الرأي عليها، وكأنه يريدنا أن نتعلم التحليل السياسي والتحليل الاقتصادي والاستراتيجيات العسكرية وربطها بوجهة النظر الحزبية، كان يريدنا أن نكون حزبيين وسياسيين ومفكرين واقتصاديين ومخططين عسكريين وصحفيين وإعلاميين، ولذلك لم أكن من الفريق العامل في المكتب الإعلامي للحزب في فلسطين، فكيف أكون وأنا الهارب دائماً من قسم الأخبار لأنكبّ في قسم الأدب ناشراً قصائدي؟ كنت أجد راحتي مع اللغة الأدبية، وأتمدد في تلك اللغة كما يحلو لي، إذ الضوابط الحزبية أقل، والفسحة في هذا القسم أوسع.

لم يكن الحزب يشجع الأدب وقول الشعر، وإن كان ولا بد من ذلك فليكن في الخلافة وقضايا الأمة، مع أنه كان ينشر في أغلب أعداد مجلة "الوعي" قصيدة وأحياناً قصيدتين تتسقان مع الأفكار الحزبية، ولذلك كان الحزب يرى أن التفكير السياسي هو أعلى أنواع التفكير، أما أنا فوجدت بحساسيتي التي لم يفسدها الحزب أن الأدب هو أعلى أنواع التفكير، وقدمت في إحدى المرات كلمة في اجتماعنا الحزبي الشهري بهذا الخصوص، فتم مخالفتي بذلك، ولم أنجح في تمرير قناعتي التي لم أكن أرى أنها مخالفة لقناعة الحزب وأفكاره، إنما هو رأيٌ نما وتتطور على حوافّ الأفكار الحزبيّة، لم ير الحزب- حسب ما فهمت- في الأدب غير أنه هامشيّ، ويمكن الاستغناء عنه، وليس الأدب وحده بل الفنون الأخرى. وكان يحرّم "التمثيل" باعتباره داخلاً في مفهوم الكذب، وعلى الرغم من أنه أو أي فقيه من فقهائه- كما أعلم- لم يحرّموا الموسيقى وكانوا يعتبرونها "مباحاً"، إلا أنه يجب الاهتمام بما هو أولى، وأن ممارسة بعض المباحات هدم للرجولة، ولا يصحّ أن يأتيها "حامل الدعوة".

لكل ذلك لم أكن في يوم من الأيام صحفياً، ولن أكون. سألت مرة أحد الصحفيين الأدباء، لكونه عضو نقابة الصحفيين وعضو اتحاد الكتاب الفلسطينيين، على هامش أحد مؤتمرات اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين، كيف يمكن للمرء أن يصبح عضواً في نقابة الصحفيين؟ فأجابني بما أجاب به، فرأيت أن شروط العضوية لا تنطبق عليّ ولن تنطبق. وبما أن هذه الصفة لا يمكن لها أن تنطبق عليّ، فإنني أستغرب جداً كيف يلصقها بي بعض محرري الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية، بل إن أحد المواقع أصدر لي بطاقة تعريفية كاملة بوصف "الصحفي".

ومن طريف هذا الوصف أننـي أخذت أستعرض مع بناتي ساخراً وممازحاً في جلسة ما الأوصاف التي تُطلق عليّ هنا وهناك، فأخذت أعدّد: أكاديمي، كاتب، شاعر، ناقد، فقالت إحدى بناتي دون سابق إنذار: "وصحفي"، قالتها بطريقة مسرحية ساخرة، فدوّت ضحكتنا على هذه النكتة العفوية. 

فهل يا ترى سيرحمني المحررون ويحررونني من هذا الوصف الذي تلبّست به غصباً عني؟ فلا أقوى على هذا الوصف ولا يناسبني، وإن كتبت عشرات التقارير الصحفية الخاصة بالفعاليات الثقافية وإصدار الكتب، وأشرفت زمناً ما على مجلتي الزيزفونة للأطفال، وتلقيت دورة "الصحفي الصغير" التعليمية التربوية، ودربت المعلمين والطلاب على تلك المهارات التي تضمنتها الدورة، ورضيت بأن أكون مسؤول مكتب فلسطين في مجلة الليبي، على الرغم من أنهم أنزلوني من "رتبة مسؤول" إلى رتبة "مراسل"، لكن هذه الصفة لم تكلّفني شيئاً إضافياً، فأقررتها ولم أراجع المحررين في ذلك، ولا أريد أن أتخلّى عنها لاعتبارات أهم من الوصف والتسمية، إضافة إلى أن رئيس تحرير مجلة "سورياز" الصديق دلشاد مراد أكرمـني بجعلي عضواً في "اللجنة الاستشارية للمجلة" مع نخبة من الكتّاب والأدباء والأكاديميين في العالم والوطن العربي، وثمة فارق كبير بين كل هاتيك الأوصاف وبين وصف "الصحفي"، ولذا أعيد وأكرّر الفكرة الأساسية من هذه الكتابة أنني "لست بالفعل صحفيّاً".


البرفسّور أندرسون في سيدني/ شوقي مسلماني


إيران ولبنان يتعرّضان لعدوان شرس تقوده أميركا وإسرائيل وبلدان مرتبطة، ويجري استهداف المدنيين في البلدين على نحو بشع، ولكنّه عدوان ينكسر على صخرة صمود المقاومة في منطقة غرب آسيا. 

وأسهب الكاتب والمؤلّف البروفسّور تيم أندرسون في شرح الأوضاع داخل إيران والإلتفاف الشعبي الإيراني حول القيادة المصمِّمة على الدفاع عن أرضها وسيادتها مهما بلغت التضحيات. 

وكان اللقاء بدعوة من السيّد حسن مرتضى "أبو محمّد" في منزله القائم في محلّة أرنكلف ـ سيدني ـ ضمّ عدداً من الناشطين اللبنانيين والفلسطينيين والعراقيين والإيرانيين والأفغان والأستراليين من خلفيّات متنوّعة. 


وأجاب البرفسّور أندرسون الذي له عدّة مؤلّفات حول الحرب على سوريا واليمن وإيران عن عدد من الأسئلة. 

وكان للحضور مداخلات قيّمة أيضاً جميعها تؤكّد على رفض العدوان وتحثّ على وقف الحرب العبثيّة التي تقودها أميركا وإسرائيل ممثّلتين بالثنائي المجرم ترامب ونتنياهو. 

ـ الصورة: البرفسّور تيم أندرسون. 

Shawkimoselmani1957@gmail.com


أقبح من عالم بدون عيد العمال/ جواد بولس



ولدتُ، قبل سبعين عامًا، في قرية جليلية صغيرة وجميلة اسمها كفرياسيف. لن أحدّثكم طويلًا عن قريتي التي أطلق عليها الناس اسم "قلعة الأحرار" وحبيبة "شعراء الهوية والانتماء" الذين كانوا يتوافدون اليها، كفرسان أضاعوا، بعد النكبة، دروعهم، وكانت تحتضنهم بإباء وباصرار، رغم أنف الحكم العسكري الاسرائيلي. كانوا يجيئونها مما تبقى من جهات وطن ضاعت بوصلته وروحه، فيجدون فيها دفء القلب وأمن المرسى، ويوفونها بدورهم حبا بحب وقد "أسرى بهم كرم الجليل فأقبلوا فكأن ليلتهم هي الاسراء". هكذا أنشد الراحل راشد حسين في رائعته "اليوم جئت وكلنا سجناء" التي ألقاها سنة 1958 في "ساحة البلد" في أحد المهرجانات التي كانت تحتضنها كفرياسيف بمناسبة عيد العمال العالمي الذي يحل في الأول من أيار/مايو من كل عام.


تعيدني الذاكرة اليوم، في الأول من مايو/أيار، إلى ذلك الزمن الذي لم يكن الاحتفال فيه "بعيد العمال" مجرد غنيمة بيوم عطلة من العمل، أو مناسبة عارضة في تقويم يحفل بشتى المناسبات، بل كان الاحتفال مرجلا تصهر خلاله قيم الكدح والعطاء وتزرع معاني الصمود والبقاء. كانت شوارع كفرياسيف، هكذا أتذكر، تتحول الى شرايين عملاقة تنساب منها وفود القرى المجاورة بوجوه لم يقو القهر على أنفة سمرتها، وبسواعد "تسل رغيف الخبز والأثواب والدفتر من الصخر" وبحناجر كانت تصرخ في وجه كل عنصري وظالم "لا نتوسل الصدقات من بابك، ولا نصغر أمام بلاط أعتابك". كانوا يتوافدون كالموج، رافعين راياتهم الحمراء والشمس فوقهم مظلة وتحت اقدامهم كانت الأرض وطنًا.


في "سنوات التكوين" التي تلت عام النكبة وما أعقبها من عقود اتّسمت ببشائر المدّين، القومي واليساري الاشتراكي، كان يطل أيار على القرى والمدن العربية، بهمّة مميزة، فتمتزج فيه صرخة العمال بكبرياء الفلاحين، الذين كانوا أكثرية من نجوا من التهجير أو الهجرة. وكان الشعراء، على طبقاتهم، ينسجون، على وقع مناجلهم ومطارقهم، قوافي قصائدهم؛ أمّا قيادات ذلك العصر فكانت من خمائر قد أضاعها هذا الزمن.


 لم يكن أيار، في تلك السنين، مجرد مناسبة للمطالبة برغيف الخبز وبالدفاع عن كرامة وحقوق كل العمال وكل الكادحين وحسب، بل كان يوما من أيام "الحرية الحمراء" فيه يرفع أبناء الأقلية الفلسطينية الباقين على أرضهم بيانهم السياسي مؤكدين على حقهم بالبقاء وبالحياة الكريمة، واصرارهم على مواجهة سياسات الاضطهاد العنصري والتهميش، ورفضهم لمشاريع هندستهم وفق مخططات صهيونية ترمي لإغراقهم في بحور من العدمية القومية وتحت نير خنوع انساني عرقي مهين.  لقد كان عيدًا للأرض وللذين يحافظون على عرشها، ولا دخل للسماء فيه ولا لخدّامها. 


لقد شكّلت مظاهرات الأول من أيار التي شهدتها شوارع الناصرة وبعض القرى العربية "الحمراء"، كما درجت العامة على وصفها، مدارس ميدانية تخرجت منها أجيال من الشباب الذين رأوا في راياتها وفي شعاراتها الأممية والوطنية جسرا يصلهم، كأقلية تواجه القمع والمحاصرة والتهميش داخل اسرائيل، بحركات التحرّر العالمية وبمعسكر الاشتراكية القوي الكبير. لم يكن كل من شارك في مظاهرات الأول من أيار مدفوعا بوعي بروليتاري ناضج ومتكامل، بل كانت المشاعر القومية العروبية رافدا هامًا في تحميس قطاعات واسعة منهم، مما ساهم عمليا في تأثيث وعي وهوية جمعيين. لقد كانت تلك المظاهرات والمهرجانات بالنسبة للكثيرين من "عامة الشعب" عبارة عن لحظات لتجلي هوية مكبوتة تبحث عن مخرج ينقذها من "الغيتو" ويحرر صاحبها من نفسيته المأزومة والمنكوبة.


لقد سطرت الجماهير العربية في اسرائيل أجمل معاركها النضالية خلال الاحتفالات بعيد العمال؛ وكانت أحداث مدينة الناصرة التي وقعت عام 1958، على سبيل المثال، نموذجا لتلك المواجهات العنيفة مع الشرطة الاسرائيلية، وشاهدا على كيف استوعبت جموع المواطنين كون العدو الطبقي هو ذاته الحاكم  العسكري والحكومة الاسرائيلية. تعكس أحداث ذلك العام، في الناصرة وفي قرى عربية عديدة، صورة أيقونة نضالية فريدة، طبقية وقومية، لم تكن قسمتها على اثنين ممكنة.     


مرت السنون وتغيّرت أحوال الناس والعالم كله، وتأثر مجتمعنا بجملة تلك المتغيرات التي أدّت، فيما أدّت إليه، إلى تراجع مكانة "عيد العمال" أو حتى الى اختفائه كليًا من مواقعنا. لن أعدد في هذه العجالة جميع الأسباب التي كانت وراء ما حصل، ولكن انهيار مكانة الأديولوجيات الكبرى كان من أهمها وسببا في نشوء النظام النيوليبرالي الذي قوّض أسس التعريفات الطبقية التقليدية والوشائج التي كانت تحدد مصالحها. انه النظام العالمي الجديد الذي عزز  نزعات البشر الفردانية ونشوء المجتمعات الاستهلاكية، وأدّى الى فقدان قدرة المؤسسات الحزبية والسياسية على تأطير الناس وتجنيدهم.   


كان عيد العمال شاهدا على وجود حالة اجتماعية جماعية ناضجة وهوية سياسية واعية داخل مجتمعنا العربي المحلي؛ وفي نفس الوقت كان الاحتفال به وما رافقه من رسائل سياسية واجتماعية تعبوية، حتى بالنسبة لمن لم يشاركوا في أحداثه، عاملًا ، على الصعيدين الطبقي والقومي، في تمتين أواصر تلك الهوية والمحافظة عليها. لقد كانت العلاقة بين مناسبة العيد ونتائجه تبادلية، وعندما تضعضعت هذه العلاقة نشأت الفرص للتحولات الكبرى، وأهمها  الخلخلة، التي حصلت في بنية الهوية الجامعة وتشرذمها الى هويات طائفية وعائلية، نجحت في تفتيت النسيج الإجتماعي والسياسي، وأدت الى نشوء تيارات دينية ومدنية جديدة، أو تعزيز تيارات كانت هامشية، لا تؤمن بالصراعات الطبقية ولا بالهويات الوطنية والنضالات على أساسها.   


تحل اليوم ذكرى "عيد العمال" ولا نرى الاحتفالات التي كنا نشاهدها طيلة عقود في شوارع قرانا ومدننا العربية. مقلق "اختفاء" هذا العيد، لأن غيابه يدلّ على فقدان أحد أهم كوابح مجتمعنا القيمية المانعة وعلى غياب دور القيادات السياسية الوطنية وفشلها في حماية المجتمع والدفاع عن حقوق شرائحه الضعيفة والمستضعفة. وهو "اختفاء" قد أخفى معه "ساحات البلد"، التي احتلها "الزعران" واستبدلوا فيها رايات الحرية الحمراء بعصي الترهيب والفوضى وبيافطات الجريمة السوداء. 


لقد وقف راشد حسين، يوم كان للشعر وللشعراء وظيفة واحترام ، في ساحة كفرياسيف، ساحة الأول من أيار وصرخ: "اليوم جئت وكلنا سجناء، فمتى أعود وكلنا طلقاء". وقتها كان جميع المواطنين العرب يعيشون تحت حكم إسرائيل العسكري، ولكن، بالرغم من ذلك، نجحت كفرياسيف وأخواتها، القرى والمدن العربية، من صياغة هويتها الواثقة والقادرة على الجمع بين الأممي والطبقي والوطني، وبين الخبز والكرامة والمصلحة وبين الحرية والمصلحة. وقتها أرادوا لقرانا أن تبقى قرى "عزلاء منسية، شوارعها بلا أسماء" ففشلوا، وتحررت قرانا وصار عندنا عيد نحتفي به في الأول من كل أيار ؛ وعندما كبرنا اختفى العيد وأصبحنا من جديد "كلنا سجناء" وبقيت أمنية الشاعر تفتش عن صاحبها، في ساحة ذاك البلد وعن جواب: فمتى نعود وكلنا طلقاء!      



فلتان الحكم/ شوقي مسلماني


د. فوزي شعيتو من بلدة "الطيري" ـ مجاورة لبلدتي "كونين" ـ جنوب لبنان ـ قال عن "بلديّاتي" ـ إبن بلدتي ـ المرحوم اسماعيل سلامي: "الله يرحمكْ يا إسماعيلْ سلامي لمّا سلّمتِ الدخّانات بصَفِّ الهوا ـ "صفّ الهوا" ناحية بين كونين وعيناثا وبنت جبيل ـ كان "وزنِ الدخّان" ـ وزنُ محصول التبغ ـ أقلّ من الوزن الذي تتوقّعه شركة الريجي "اللي ما كانت ترحم" ـ ستينات وسبعينات القرن العشرين. 

كانت الريجي ـ بالأساس فرنسيّة قبل تحوّلها إلى مؤسّسة عامّة ـ ترسل "المخمّنين" الذين يقدّرون كميّة إنتاج كلّ مزارع من التبغ وأي نقص عند "التسليم" سيعني أنّه "يبيع التبغ من ورا ظهر الشركه أو الدوله".  

وفي تلك السنة كان موسم التبغ قليلاً بسبب من شحّ المطر، وعلى الرغم فإنّه لم يترك ضيعة قريبة أو بعيدة نسبيّاً إلاّ وقصدها علّ وعسى يوجد من لديه فائض فيشتريه ويسدّ به النقص الحاصل عنده، وبالتالي لا يقع تحت مساءلة قد تعقبها غرامة هو لا يطيقها، مثالاً فقدان رخصة زراعة التبغ. 

لمّا لم يُوفَّق خطرتْ له فكرة لا بدّ منها وهي أن يسدّ "العجز" من خلال دسّ حجران في "دنُوكِهْ ـ دِنْكات ـ جمع "دِنْك" ـ حزمة من التبغ يغلّفها قماش خيش يصل وزن الدِنْك 20 كلغ ـ وحدث أنّ "المخمِّن"، وفيما كان يتفحّص "الدنوكه" ضرب يده على دنك فيه لسوء حظّه وحظّ اسماعيل سلامي حجر من تلك التي دسّها في عدد من " الدنوكه"، "وجعتُه إصبعُه، شقّ الخيش، سحب نصف حجر باطون"، قال مندهشاً: "نصّ حجر باطون يا اسماعيل؟! ليش عامل هيك"؟! ردَّ، رحمه الله، وكما قيل، وكما لا يزال يُقال في لبنان أهوال الإهمَال: "هيدا يا خواجه من فلتان الحكم"!.  

ـ الصورة: د. فوزي شعيتو

Shawkimoselmani1957@gmial.com