أفكار للنقاش/ د. عدنان الظاهر
[ أتدري لماذا يُصبحُ الديكُ صائحاً
يُردّدُ لحنَ النوحِ في غرّةِ الفجرِ
يقولُ لقد مرّت من العُمرِ ليلةٌ
وها أنتَ لم تشعرْ بذاكَ ولم تدرِ ] أظن ! لأحمد الصافي النجفي
ثمَّ :
[ صحّةُ المرءِ للفناءِ طريقُ
وطريقُ الفناءِ هذا البقاءُ ] لأبن شبل البغدادي
أُفكّرُ كثيراً وأُفكر طويلاً في أمرين ( أو أكثر ) ولا أستطيع الجزم بصحة ما أنتهي إليه من نتائج لذا أطرح هذه الأمور للرأي العام عسى أنْ أجدَ مَن يشاركني في همّها ويناقشني فيها أو أنْ يعالجها بنفسه ويطلع منها بنتائجه الخاصة فالعبء عليَّ ثقيل ينوء به كاهلي وهو ضعيف أصلاً.
1 ــ الأمر الأول ( القلق الكوني ) :
كان الإنسانُ وما زال وسيبقى أسيراً لقوى خارجية تتحكم فيه ولا يستطيع الفكاك من جبروت قوّتها فهو عبد لها تحرّكه دون أنْ يشعرَ بهذه الحركة لكنْ تترك فيه عميقاً إحساساً لا يفهمه .. أعني الحركة المزدوجة حركة الأرض الدورانية حول نفسها وحركتها حول الشمس. الإنسان جزء من هذه الأرض وهي في حركة دائمة وهو معها كيفما تحركت وغيّرت مواقعها في الفضاء الكوني. حركة الإنسان هذه تترك فيه وتفرض عليه حالة اللايقين لأنَّ اليقين في الثبات ولا شئَ ثابتاً في الكون. اللايقين واللاثبات يجعلان الإنسان دائم القلق والقلق هذا يتفاوت شدّةً وضعفاً حسب قوة ووهن الجهاز العصبي لهذا الإنسان. يقلق المرء ولا يعرف سبباً لهذا القلق وينفيه عن نفسه، إذا نفاه ، مكابرةً ودفاعاً عن النفس. لا يفارقُ القلقُ الإنسانَ مُذْ كان نُطفةً في رحم أُمّه حتى مفارقته الحياة. قلق أبدي متأتٍ من حركته المزدوجة المرتبطة بحركة الكرة الأرضية.
2 ـ الأمر الثاني وهو متعلق بالأمر الأول ( الإنفصام ) :
كما هوعليلٌ َبتأثيرقوانين الكون، الإنسان منفصم بفعل هذه القوانين نفسها. يُعاني من شيزوفرينيا كونية لا فكاكَ منها ولا شفاء. ما سببها ؟ سببها ناجم عن الفرق بين تأثير حركة الكرة الأرضية حول نفسها وحركتها الدورانية حول الشمس. ينجم عن حركتي الأرض تغيران مختلفان في الفضاء ففضاء دوران الأرض حول نفسها لا يتطابق مع فضاء دورانها حول الشمس ومن هنا يأتي الإنفصام الكوني المفروض والمحتوم. هذا هو الإنسان وهذا مصيره المفروض عليه يعيش عمره قَلِقاً ومنفصِماً مُنشّقاً على نفسه. في الظاهر كلنا أصحّاء أقوياء لكنَّ العلة والضعف في الداخل. معاناتنا داخلية في الإنسان الثاني إنسان الظل غير المرئي المتحكّم بالإنسان المرئي المتحرك والناطق والسامع والشام والباصر فالذي في الظل يٌحرك ويتحكم بالجزء المرئي خارج الظل. هنا نواجه الفلسفة المندائية التي تقول بثنائية الإنسان ومن هنا تكلموا عن ثنائية الروح غير المرئية والجسد المرئي واجتهد البشر كثيراً ومنذ القِدَم فتكلموا عن ثنائية الخير والشر والنور والظلمة والحرارة والبرودة وعُرفت فرقة ( الثنيوية / زرادشت وماني ) التي أُتهِم الشاعر المتنبي بها لأنه قال :
أَمِنَ ازدياركِ في الدجى الرُقباءُ
إذْ حيثُ أنتِ من الظلامِ ضياءُ ..... جمع هذا الشاعر الظلام والنور ثمَّ قال في قصيدة أخرى :
وما الجمعُ بين الماءِ والنارِ في يدي
بأصعبَ من أنْ أجمعَ الحزمَ والجِدّا .... جمع الماء والنار فهو مانوي ثنيوي.
وانسحب هذا الموضوع إلى أخطر القضايا العلمية في وقتنا الراهن حيث طال الخلاف والنقاش بين علماء الفيزياء حول طبيعة الفوتون الضوئي هل هو مادة أو موجة ؟ واتفقوا أخيراً على أنَّ الحل هو في جمع الرأيين معاً : الفوتون مادة موجية الحركة. وكذلك الأمر بالنسبة للمادة والطاقة جمعهما آينشتاين بمعادلة بسيطة لكنها فائقة الخطورة في التطبيق تنص على أنْ الطاقة تعادل كتلة المادة مضروبة بمربع سرعة الضوء. فالطاقة مادة والمادة طاقة.
3 ـ العمرُ دالة مكانية لا دالّة زمانية :
( العمر قضيته حزين مظلوم أخلص من هم ألاقي هموم .. من أُغنية لفريد الأطرش )
أجلْ، عمرنا دالة للمكان وليس للزمان لماذا ؟ تدور الأرض حول نفسها فاصطلح القدماء العباقرة الأولون فكرة أنَّ هذه الدورة تستغرق يوماً واحدا أي أننا أضفنا يوماً واحداً لأعمارنا أو نقصت أعمارنا يوماً واحداً ( وطريقُ الفناءِ هذا البقاءُ ). تتحرك الأرض دوراناً فيتغيّر مكانها ونحن معها يتغير مكاننا ومجموع هذه التغيّرات المتراكمة يساوي يوماً واحداً إذا أكملت الأرض دورة كاملة حول نفسها ومجموع التغيّرات المكانية في الفضاء نتيجة دوران الأرض دورة كاملة حول الشمس يساوي عاماً واحداً مضى من أعمارنا ما دمنا ندور مع الكرة الأرضية جزءاً منها أبداً. فالعمر والحالة هذه ليس تراكم وحدات زمنية [ ثانية .. دقيقة ... يوم .. اسبوع .. شهر .. سنة ] إنما هو تراكم وحدات مكانية دائمة التغيّر بفعل الحركة الدائمة المستقلة عن عنصر الزمن فالحركة في الكون لم تبدأ بزمن ولا شأن لها بشئٍ إسمه ( زمن ) إنما علاقتها بقوانين الميكانيك الكوني من تجاذب وتنافر بالدرجة الأولى وهذه القوانين أزلية تضمن التوازن والتماسك والإنسجام الكوني لاعلاقة بها بالزمن الذي هو من إختراع الإنسان وليس إكتشافاً. وجودنا إذاً أولاً وآخراً مرتبطٌ بالمكان وبالمكان فقط نتحرك فيه أحياءً ونموت فندفن فيه، تحت ترابه. الميّت ثابتٌ في مكانه بدون حركة لا يعرف زمناً لا يوماً ولا سنةً [ يقولُ لقد مرّتْ من العمرِ ليلةٌ / وها أنتَ لم تشعرْ بذاكَ ولم تدرِ ].















