اللاتناغم الإجتماعي في خطاب السياسيين الأستراليين/ عباس علي مراد
يدور في أستراليا حالياً نقاش حاد علني تارة وتارة أخرى مبطن، حول قضايا وطنية وثقافية مهمة منها مسألة الانتماء، التناغم الاجتماعي الهجرة والتعددية الثقافية.
السياسيون الاستراليون او لنقل معظمهم لديهم ولع في إستخدام عبارات التناغم او التماسك الاجتماعي والتعددية الثقافية والانتماء الى أستراليا والقيم الأسترالية واسلوب حياة ألاستراليين.
بعد حادثة بونداي اتخذ هذا النقاش ابعاداً خطيرة، وبدأت تظهر الى العلن دعوات لحضر الهجرة من بلدان معينة او على أساس ديني بسبب الخوف على الهوية او القيم الاسترالية وأسلوب الحياة.
هذه الدعوات لم تعد تقتصر على بعض الاحزاب العنصرية الصغيرة مثل حزب أمة واحدة، او جماعات النازيين الجدد، لا بل بدأت أحزاب كبيرة كحزب الاحرار تتبنى هذا الخطاب، وظهر ذلك في الخطة التي كانت تنوي زعيمة المعارضة السابقة سوزان لي تبنيها قبل الاطاحة بها الأسبوع الماضي من قبل جناح اليمين المتشدد في الحزب، وتعيين انغس تايلر زعيما للحزب والمعارضة الفيدرالية.
تايلر بعد تعيينه نفى علمه بالخطة، لكنه في نفس الوقت ركز في لقاءاته الإعلامية على قضايا الهجرة والقيم الاسترالية والتشدد في منع من لا يقبلون اسلوب الحياة في أستراليا بشكل يظهر أن مقاربته منها الظاهر ومنها المبطن لا تبتعد عن خطة لي.
تايلر يريد أخذ الحزب باتجاه اليمين المتشدد الذي أوصله الى منصب زعامة المعارضة، وبدا ذلك من خلال الأسماء المثيرة للجدل والتي أعادها الى حكومة الظل كالنائبة جاسينتا برايس التي خسرت منصبها بعد تولي سوزان لي زعامة الحزب بسبب تصريحات عنصرية ضد الجالية الهندية ورفضها الاعتذار، بالاضافة الى تبنيها حرفياً خطاب دونالد ترامب لإعادة أستراليا عظيمة مجدداً، وقد استبعد تايلر من تشكيلة حكومة الظل مؤيدي لي من الجناح المعتدل.
النقاش لا يقتصر على حزب الاحرار، بل أن هناك قيادات عمالية بارزة مثل رئيس ولاية نيو سوث ويلز كريس منس، بيتر مالينوساكس رئيس ولاية جنوب أستراليا اللذان تبنيا خطاب يدعو إلى الانقسام الاجتماعي تحت شعار المحافظة على سلامة المجتمع والتناغم الإجتماعي والتصدي لخطاب الكراهية.
كريس منس من جهته سارع الى سن قوانين لمنع التظاهر ومنع بعض العبارات والشعارات مثل من البحر الى النهر او تدويل الانتفاضة لارضاء اللوبي المؤيد لإسرائيل.
ولم يكتفي منس بذلك، لا بل وضع جهاز الشرطة في مواجهة سكان الولاية بحجة الحفاظ على سلامة المجتمع، والتي أدت إلى قمع المتظاهرين في سدني في 1 /2/2026 ضد زيارة رئيس الكيان الإسرائيلي إسحق هرتسوغ الى أستراليا، واعترف منس انه هو من أصدر اوامره للشرطة، والتي أحيلت تصرفاتها الى الهيئة المستقلة للتحقيق في تصرفات أجهزة الامن رغم محاولة منس منع هذه الإحالة، وأصر منس على موقفه وقال انه لن يتراجع عنه.
وعرض منس تبريرات غير مؤكدة وفهم من كلامه، أن العنف كان حتمياً، وكأنه حقيقة مُسلّم بها، وأن للشرطة الحق في استخدام القوة التي تراها ضرورية وكأنها لا تتعارض مع التناغم الإجتماعي.
أما رئيس ولاية جنوب أستراليا بيتر مالينوساكس فقد تدخل لمنع مشاركة الكاتبة والأكاديمية الاسترالية من الخلفية الفلسطينية في مهرجان أديلايد للكتاب بحجة ان لها مواقف معادية للسامية، هذه الخطوة التي أدت إلى الغاء المهرجان بعد ان تضامن 185 كاتبا وكاتبة مع عبد الفتاح بعدم المشاركة في فعاليات المهرجان.
السياسييون الاستراليون بتصرفهم هذا لا يريدون النظر إلى ما يحصل على أرض الواقع، ومعاناة المواطنين الذين بدأوا يلاحظون ان الانقسام الاجتماعي اكبر واخطر مما يعتقد بعض هؤلاء السياسيين الذين يرضخون للضغوط التي يمارسها اللوبي المؤيد لإسرائيل ووسائل الإعلام اليمينية المتطرفة.
في استطلاع رأي أجرته مؤسسة (جي دبليو أس) للأبحاث ونشرته هيئة البث الاسترالية ( أي بي سي) تبين أنه قبل ثمانية عشر شهرًا، لم تتجاوز نسبة الأستراليين الذين وافقوا على أن المجتمع الأسترالي منقسم "بشكل كبير" أو "بشكل ملحوظ" 27%
ممن شملهم الاستطلاع.
وهذا الشهر وجدت المؤسسة في أستطلاع جديد أن هذه النسبة ارتفعت إلى 41%. كما وافق 45% آخرون على ان هناك إرتفاع ملحوظ وإن لم يكن مفاجئًا. حيث يشعر الأستراليون بانقسام أكبر مما كانوا عليه منذ سنوات.
وحسب مؤسسة (جي دبليو أس) ان التفاوت الاقتصادي بين الأغنياء والفقراء عاملاً لا يُمكن تجاهله، ولكن على الجانب السياسي والاجتماعي تفاقمت الانقسامات بشكل ملحوظ في أستراليا بعد هجوم حماس على إسرائيل، وردّ إسرائيل في غزة، وحادثة بوندي ، وزيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ الأسبوع الماضي.
رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي والذي دعا الى الهدوء والوحدة دفع ثمناً سياسياً كبيراً بسبب هذا الانقسام، حيث تعرض أنتوني ألبانيز لانتقادات بسبب رد فعله على هجوم بوندي، وحمّله البعض في المجتمع اليهودي (ومعارضوه السياسيون) مسؤولية السماح لمعاداة السامية في أستراليا بالوصول إلى هذه المرحلة.
الفريق الداعم للقضية الفلسطينية حمل المسؤولية لألبانيزي بسبب دعوته إسحق هرتسوغ لزيارة أستراليا، والتي عارضتها قطاعات واسعة من الاستراليين، بما فيهم مجموعات من الجالية اليهودية والتي وضعت مجموعة منها تجاوز عددها الالف شخص، اعلانا في صحيفة ذي سدني مورننغ هيرالد ضد الزيارة، التي استمر البانيزي في الدفاع عنها على أساس أنها جاءت للتضامن مع الجالية اليهودية في أستراليا بعد حادثة بونداي.
وعلى هامش احداث الأسبوعين الماضيين صدرت تصريحات سياسية مثيرة للجدل منها تصريح لرئيس الوزراء الأسبق طوني أبوت (أحرار) أشاد فيها أبوت بقوات الشرطة قائلاً إنهم يستحقون "الثناء" ولا ينبغي معاقبتهم وقال:"أعتقد أن الوقت قد حان للرد"، وأكد أبوت على ضرورة تكثيف الإجراءات الأمنية للسيطرة على الاحتجاجات، وأضاف: "نحتاج إلى استخدام الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي. يجب أن يعلم هؤلاء الذين يحاولون ترهيب المجتمع الأسترالي أن قوات القانون والنظام هي المسؤولة.
نائب رئيس الوزراء السابق بارنبي جويس الذي ترك الحزب الوطني والتحق بحزب بولين هانسون أدلى هو الآخر بتصريحات قال فيها: "إذا كنت تشتاق إلى موطنك الأصلي وتقول إنك تريد حقًا أن تكون أستراليا مثل ذلك المكان البائس الذي أتيت منه، فعليك العودة إليه."
أما بولين هانسون زعيمة حزب أمة واحدة العنصري في مقابلة مع سكاي نيوز حسنًا، "قد تقولون: هناك مسلميون صالحون. لكن كيف يُمكنكم أن تُخبروني بوجود مسلمين صالحين"؟"
واضافت : "دينهم يُقلقني، لأن ما جاء في القرآن... يُظهر كراهيتهم للغربيين."
وفي موقف مناقض للمواقف السابقة قال النائب العمالي السابق داغ كاميرون: أن النقاشٌ حول وحشية الشرطة مثيرٌ للشفقة، حيث لا إشارة إلى الإبادة الجماعية في غزة، ولا ذكر للقصف والتجويع والوحشية التي تُمارس ضد المدنيين الأبرياء والأطفال. من الطبيعي أن يكون هناك انقسامٌ عندما بُستضاف هرتسوغ، رمز دولةٍ متورطةٍ في جرائم حرب.
السؤال الأساس والمهم الذي يطرح نفسه كيف سيشعر المهاجر بالانتماء، ولا يتقدم الانقسام الإجتماعي على التناغم الاجتماعي السؤال برسم سياسيو التحريض؟ وهل يندرج ضمن خطاب الكراهية أم لا؟
أعتقد ان النقاش حول قضايا الانتماء والتناغم الاجتماعي والتعددية الثقافية يجب ان لا تكون أحادية الجانب وتسييها بشكل سيئ ولاسباب انتخابية، حيث تصبح أرقام الهجرة أهم من المهاجرين ودورهم ومساهماتهم وتجاربهم الانسانية في تعزيز التناغم الاجتماعي والنمو الاقتصادي.
والملفت ان هذه المقاربة المتذبذبة تأتي بمردود سياسي واجتماعي سلبي، خصوصاً على الحزبين الكبيرين الذين تراجعت حصتهم من أصوات الناخبين بشكل ملفت، ففي تسعينات القرن الماضي كان نسبة الناخبين الذين لا يصوتون للحزبين 14% وفي انتخابات أيار الماضي ارتفت الى33% وحسب إستطلاعات الرأي الأخيرة وصلت النسبة 47%.
أما بالنسبة للشعور بالانتماء ألى استراليا نشرت هيئة البث الخاص(أس بي أس) الانكليزية استطلاع اجراه معهد أبحاث مؤسسة سكانلون الذي أجرى مقابلات مع أكثر من 8000 مهاجر من أسرع المجتمعات نمواً في أستراليان الصين والهند وباكستان ونيبال والفلبين والعراق - لدراسة شعور المهاجرين بالانتماء في أستراليا.
أفادت أكثر من نصف النساء اللاتي شملهن الاستطلاع من الدول المذكورة أعلاه (51%)، والتي تُشكل أكبر خمس دول من حيث أسرع المجتمعات نموًا من حيث عدد المهاجرين، بتعرضهن للتمييز في أستراليا خلال العام الماضي.
أما بالنسبة لعموم السكان، فقد أبلغ ما يقرب من نصف المهاجرين (45%) عن تعرضهم للتمييز خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، مقارنةً بـ 13% فقط من السكان المولودين في أستراليا.
كان لدى المهاجرين الأكبر سنًا شعور أقوى بالانتماء، حيث أفاد 62% من المهاجرين الذين تزيد أعمارهم عن 65 عامًا بشعورهم بالانتماء، مقارنةً بـ 50% من الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً.
واشارت الدراسة إلى أن تجارب التمييز أو العنصرية قادرة على تقويض الشعور بالانتماء بشكل كبير من خلال خلق مشاعر "الاغتراب." الذي يؤثر على التناغم الاجتماعي.
وخلصت الدراسة إلى أن الشعور بالانتماء يكون أقوى على المستوى المحلي. هذه الخلاصة ان دلت على شيء فانها تدل على فشل السياسيين في آدائهم حيث يشعر الناس بالامان والانسجام في مجتمعهم المحلي.
اخيرا، يعتقد الكثير من المراقبين ان تكلفة المعيشة ستؤثر على تصويت 92% من الأستراليين، فهل يدرك السياسيون هذه الحقيقة؟! فاذا كانوا يدركون ولا يبادرون فمعناه هناك مشكلة، وان كانوا لا يدركون فالمشكلة أكبر وسيكون لها تداعيات على المستوى الاجتماعي من حيث التناغم والشعور بالانتماء.









.jpeg)







