مقومات الفكر التربوي في حضارة اقرأ، مقاربة بيداغوجية تجديدية معاصرة/ د زهير الخويلدي
مقدمة
تُختزل روح الحضارة التي انبثقت من لحظة «اقرأ» في فعل القراءة نفسه بوصفه مدخلاً وجودياً ومعرفياً وأخلاقياً في آن واحد. لم تكن «اقرأ» مجرد أمر بتلاوة نص، بل كانت تأسيساً لرؤية كاملة تجعل من طلب العلم فريضة، ومن المعرفة أمانة، ومن التربية مساراً لبناء الإنسان القادر على القراءة في كتاب الوحي وكتاب الكون معاً. الفكر التربوي الذي نشأ في كنف هذه الحضارة لم يكن هامشياً أو ثانوياً، بل كان في صميم مشروعها الحضاري. غير أن هذا الفكر، على الرغم من ثرائه التأسيسي، ظل عرضة للجمود أو للانقطاع عن شروط العصر في مراحل تاريخية متعددة. من هنا تأتي الحاجة إلى مقاربة بيداغوجية تجديدية معاصرة تعيد قراءة مقوماته الأساسية لا بوصفها تراثاً يُستعاد كما هو، بل بوصفها إمكانات حية قابلة لإعادة التفعيل في ضوء التحديات التربوية الراهنة. فماهي مقومات الفكر التربوي في حضارة اقرا؟ ومن هم الأعلام الرئيسيين في هذا المجال التدريسي؟ وكيف يمكن تجديده بشكل بيداغوجي معاصر؟
أولاً: لحظة «اقرأ» بوصفها تأسيساً إبستيمولوجياً وتربوياً
تمثل لحظة «اقرأ» نقطة الانطلاق التي تميز هذه الحضارة عن كثير من التجارب التاريخية الأخرى. فهي تجعل فعل التعلم مرتبطاً بالوحي من جهة، وبالقدرة الإنسانية على الاكتساب والنظر من جهة أخرى. القراءة هنا ليست تقنية، بل موقف وجودي يقوم على الانفتاح على المعنى، وعلى الاعتراف بأن الإنسان كائن قابل للتعليم ومسؤول عن علمه. هذا التأسيس يمنح التربية طابعاً مقدساً دون أن يحصرها في البعد التعبدي الضيق؛ فالأمر بالقراءة يتسع ليشمل كل أشكال النظر والتأمل والكسب المعرفي الذي يخدم صلاح الإنسان والعمران. من هذا المدخل تتفرع جملة من المقومات الأساسية. أولها اعتبار العلم فريضة لا ترفاً، مما يفتح الباب أمام تعميم التعليم ورفض احتكار المعرفة. وثانيها ربط العلم بالإيمان والعمل، بحيث لا ينفصل التحصيل المعرفي عن تزكية النفس وعن الإسهام في إصلاح الواقع. وثالثها الإقرار بتعدد مصادر المعرفة: الوحي والعقل والحس والتجربة، مع السعي إلى التكامل بينها لا إلى التعارض المفتعل. هذه المقومات تشكل الأرضية العميقة التي بني عليها الفكر التربوي لاحقاً.
ثانياً: المقومات الإيتيقية والمعرفية للتربية
يقوم الفكر التربوي في حضارة اقرأ على أساس إيتيقي راسخ يجعل من النية والإخلاص والمحاسبة الذاتية أركاناً لا غنى عنها في مسار التعلم. العلم أمانة، والعالم مسؤول عن علمه أمام نفسه وأمام مجتمعه وأمام الحق. هذا البعد الأخلاقي يحمي العملية التربوية من التحول إلى مجرد سباق نحو المناصب أو الشهرة أو التراكم المعلوماتي الأجوف. كما يضع حدوداً للجدل العقيم وللاشتغال بما لا ينفع، ويدعو إلى تقديم ما يصلح القلب والعمل على ما يملأ الذاكرة فقط. معرفياً، يتميز هذا الفكر بالسعي إلى التكامل لا إلى الفصل الحاد بين العلوم. فالمعرفة الشرعية والمعرفة الكونية ليستا في خصومة مبدئية، بل هما قراءتان متكاملتان في كتابين صادرين عن مصدر واحد. التربية الحقيقية هي التي تُعدّ إنساناً قادراً على الحركة بين هذين الحقلين دون انفصام. كما يظهر احترام واضح لتدرج المعرفة ولمراحل اكتساب الملَكات، وإدراك لأن الفهم الراسخ أهم من الحفظ المتسرع، وأن الممارسة والتكرار ضروريان لتحويل العلم إلى قدرة حية.
ثالثاً: المقومات البيداغوجية في العلاقة التعليمية
تتجلى مقومات الفكر التربوي أيضاً في تصور العلاقة بين المعلم والمتعلم. فالمعلم ليس مجرد ناقل معلومات، بل هو قدوة ومربٍّ وموجه يحرص على صلاح المتعلم قبل امتلاء حافظته. والمتعلم ليس وعاءً فارغاً يُملأ، بل طرف فاعل مسؤول عن جهده وسؤاله ومراجعته لنفسه. العلاقة المثلى تقوم على الرفق والتدرج والاحترام المتبادل، مع رفض الشدة المفرطة التي تفسد الطبع وتولد النفاق أو الانطواء. كما يبرز الاهتمام ببيئة التعلم وبأثر الصحبة. فالوسط التعليمي جزء أصيل من العملية التربوية، وصحبة الصالحين والجادين تُعدّ من أقوى وسائل التكوين. المنهج نفسه يُراعى فيه التدرج من الأصول إلى الفروع، ومن المحسوس إلى المجرد، ومن الضروري إلى التكميلي، مع الحرص على ربط المعرفة بحاجات الواقع وبمقاصد العمران. هذه المقومات البيداغوجية تحمل طابعاً إنسانياً عميقاً، إذ تنظر إلى المتعلم بوصفه كلاً متكاملاً: عقلاً وقلباً وسلوكاً، لا بوصفه مجرد ذهن يتلقى معارف مجردة.
رابعاً: التوتر بين المثالي والتاريخي في الممارسة التربوية
لا يمكن قراءة مقومات الفكر التربوي في حضارة اقرأ قراءة مثالية تتجاهل التوترات التاريخية. فالمجتمعات التي حملت هذه الحضارة عرفت فترات ازدهار تعليمي واسع وإبداع معرفي ملحوظ، كما عرفت فترات جمود واقتصار على الحفظ والترديد وانفصال عن مقاصد العلم العليا. تحولت بعض المؤسسات التعليمية في مراحل معينة إلى ساحات للجدل الشكلي أو إلى أدوات لإعادة إنتاج النخب دون تجديد حقيقي.
هذا التوتر يكشف أن المقومات التأسيسية لم تكن ضمانة آلية ضد الانحراف. فالإلحاح على الإخلاص قد يتحول في الممارسة إلى مراقبة خانقة أو إلى انسحاب من المجال العام. والتأكيد على العلوم النافعة قد يُستخدم لتضييق أفق البحث ورفض الجديد. والدعوة إلى الرفق قد تتراجع أمام أساليب التسلط التربوي. لذلك فإن أي مقاربة تجديدية معاصرة مطالبة بأن تقرأ هذه المقومات قراءة نقدية واعية بحدود تحققها التاريخي.
خامساً: نحو مقاربة بيداغوجية تجديدية معاصرة
التجديد الحقيقي لا يعني القطيعة مع المقومات الأصلية، ولا يعني الاكتفاء باجترارها بلغة معاصرة. هو جهد لإعادة تفعيلها في ضوء التحديات الراهنة: انفجار المعرفة، وتقدم العلوم التربوية والنفسية، وتحولات سوق العمل، وأزمات المعنى والقيم، ومتطلبات المواطنة العالمية مع الحفاظ على الخصوصية. في هذا الإطار يمكن إعادة صياغة مقوم «اقرأ» بوصفه دعوة إلى مهارات التعلم المستمر والقراءة النقدية المتعددة الوسائط، لا مجرد القراءة الخطية للنصوص. ويُعاد فهم ربط العلم بالعمل بوصفه دعوة إلى التعلم القائم على المشروعات وحل المشكلات والتكوين بالكفايات، بحيث يصبح المتعلم منتجاً للمعرفة لا مستهلكاً لها فقط. أما البعد الإيتيقي فيمكن تجديده عبر تربية الضمير المهني والمسؤولية الاجتماعية والوعي البيئي، لا عبر خطاب وعظي منفصل عن الممارسة. وتُعاد صياغة العلاقة التربوية باتجاه أكثر ديمقراطية وتشاركية، مع الحفاظ على قيمة القدوة والاحترام، والاستفادة من نتائج علم النفس التربوي في فهم الدافعية ومراحل النمو وفروق الأفراد. كما يقتضي التجديد إعادة النظر في تراتب العلوم ومفهوم «النفع». النفع في العصر الحاضر يتسع ليشمل القدرة على التفكير النقدي والإبداعي، والتعامل مع التعقيد، والعمل الجماعي، والتكيف مع التغير السريع، مع استمرار الحاجة إلى تأسيس قيمي ومعنى وجودي يحمي من العدمية أو من التسليع الكامل للمعرفة.
سادساً: تأثير ابن خلدون على التربية
يُعتبر عبد الرحمن بن خلدون (ت. 808هـ/1406م) من أبرز المفكرين الذين أعادوا صياغة النظرة إلى التربية والتعليم داخل السياق الإسلامي، لا بوصفهما نشاطاً فردياً منعزلاً أو مجرد نقل للمعارف الشرعية، بل بوصفهما ظاهرة اجتماعية حضارية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بطبيعة العمران وتطور المجتمعات. ما يميز إسهامه التربوي ليس تقديم نظام تعليمي مفصل أو منهج دراسي جاهز، بل تأسيس مقاربة اجتماعية-نفسية-تاريخية للتعليم تكشف عن شروطه، وعوائقه، وآليات اكتساب الملكات، وعلاقته بمستوى الحضارة. هذا التصور ترك أثراً عميقاً ومتشعباً على الفكر التربوي لاحقاً، سواء في التراث الإسلامي أو في القراءات الحديثة التي أعادت اكتشافه. في هذا الصدد يربط ابن خلدون التربية بالعمران ربطاً بنيوياً. فالعلوم والصنائع لا تزدهر إلا في المجتمعات الحضرية المستقرة التي يتوافر فيها الفراغ والأمن وتقدم العمران. البدو أقرب إلى الشجاعة والفطرة، لكنهم أبعد عن إتقان العلوم الدقيقة والصنائع المعقدة التي تتطلب تكراراً وتمهراً طويل الأمد. التربية بهذا المعنى ليست عملية محايدة، بل نتاج لمرحلة حضارية معينة، وتتأثر سلباً أو إيجاباً بانتقال المجتمع من البداوة إلى الحضارة أو من الازدهار إلى الانحطاط.
من أبرز إسهاماته مفهوم «المَلَكة». يرى ابن خلدون أن العلم أو الصنعة لا يحصلان بمجرد الحفظ أو الفهم النظري، بل بتحول المعرفة إلى مَلَكة راسخة في النفس، أي قدرة عملية متجذرة تسمح لصاحبها بالتصرف السهل المتقن في ميدانه. هذه الملَكة لا تُكتسب إلا بالتكرار والممارسة التدريجية والمباشرة، لا بالشرح النظري المجرد وحده. هنا ينتقل التركيز التربوي من تكديس المعلومات إلى تكوين القدرات والمهارات والهيئات النفسية الراسخة. كما يؤكد مبدأ التدرج والرفق. ينتقد بشدة الأساليب العنيفة في التعليم، ويعتبر الشدة على المتعلمين، خاصة الصغار، مفسدة للأخلاق ومولدة للجبن والانقباض والكذب. التعليم الناجح يبدأ بالسهل المحسوس، وينتقل تدريجياً إلى المركب والمجرد، ويراعي قدرة المتعلم واستعداده. هذا التصور يحمل بُعداً نفسياً واضحاً يسبق كثيراً من النظريات التربوية الحديثة حول الدافعية ومراحل النمو. لقد أثّر ابن خلدون في التربية من عدة زوايا مترابطة:
في مجال طرق التدريس، قدم نقداً مبكراً للتعليم القائم على الحفظ الآلي دون فهم، وللانتقال المفاجئ إلى المسائل العويصة قبل تأسيس الأصول. دعا إلى البدء باللغة والقرآن بوصفهما أساسَين، ثم الانتقال إلى العلوم بحسب حاجة المتعلم واستعداده، مع الحرص على أن يمارس المتعلم العلم حتى تحصل له الملَكة. هذا التوجه أثر لاحقاً في بعض المحاولات الإصلاحية داخل التعليم التقليدي التي سعت إلى تخفيف الجمود وإعادة الاعتبار للفهم والممارسة.
في فهم دور المعلم والبيئة، أبرز ابن خلدون أهمية جودة المعلم نفسه، لأن الملَكة تنتقل بالمباشرة والمحاكاة أكثر مما تنتقل بالكتب وحدها. كما ربط جودة التعليم بمستوى الحضارة العام؛ ففي أوقات الاضمحلال الحضاري يفسد التعليم وتقل جودة المعلمين ويفسد ذوق المتعلمين. هذه الرؤية جعلت الإصلاح التربوي مرتبطاً في نظر كثير ممن تأثروا به بالإصلاح الاجتماعي والحضاري الأوسع، لا مجرد تغيير في المناهج أو الطرق.
في النظرة إلى المناهج وترتيب العلوم، قدم تصوراً مرناً يراعي الأولويات العملية والحضارية. لم يكن يرى أن كل العلوم متساوية في كل وقت وكل مجتمع، بل ربط الاشتغال بها بحاجة العمران ومستوى تطوره. هذا الربط فتح أفقاً للتفكير في تعليم ذي صلة بالواقع الاجتماعي والاقتصادي، بعيداً عن الانغلاق على علوم آلية أو خلافية لا تثمر عملاً ولا حضارة.
لم يكن تأثير ابن خلدون فورياً وشاملاً في المؤسسات التعليمية التقليدية التي استمرت في كثير من الأحيان على أنماطها السابقة. غير أن أفكاره تسربت تدريجياً إلى كتابات بعض العلماء والمفكرين الذين اهتموا بنقد جمود التعليم أو بربطه بأسباب النهوض والسقوط. أصبحت مقدمته مرجعاً لمن أراد فهم العلاقة بين العلم والعمران، وبين فساد التعليم وفساد الاجتماع.
في العصور الحديثة، مع حركة الإصلاح والاستفاقة، أُعيد اكتشاف ابن خلدون بقوة. رأى فيه كثير من المصلحين التربويين مفكراً يسبق عصره في الربط بين التربية والاجتماع، وفي نقد العنف التعليمي، وفي الدعوة إلى التدرج ومراعاة طبائع المتعلمين. استُخدمت أفكاره لتبرير دعوات تحديث طرق التدريس، والاهتمام بالجانب العملي، وربط التعليم بحاجات المجتمع، ونقد التعليم الذي يخرج حفظة لا صناع معرفة أو ملكات. في الفكر التربوي المعاصر، يُستحضر ابن خلدون في سياقات متعددة. يُقارن حديثه عن الملَكة بنظريات التعلم بالممارسة وتكوين المهارات والكفايات. ويُقرأ نقده للشدة التعليمية في ضوء علم النفس التربوي الحديث الذي يؤكد أثر المناخ العاطفي الآمن على التعلم. كما يُستدعى ربطه بين التعليم ومستوى الحضارة في نقاشات التنمية والتربية من أجل النهوض المجتمعي. كما يظهر تأثيره أيضاً في الدراسات التي تبحث في سوسيولوجيا التربية، حيث يُعدّ من الرواد الذين نظروا إلى التعليم بوصفه ظاهرة اجتماعية تتأثر بالبنية الحضارية وتنعكس عليها. كما يُفيد في نقد النماذج التعليمية التي تفصل المعرفة عن سياقها الاجتماعي أو تبالغ في التجريد على حساب التكوين العملي للقدرات. ومع ذلك، فإن تأثيره ليس مطلقاً ولا خالياً من الحدود. فابن خلدون كتب في سياق تاريخي محدد، ولم يقدم نظرية تربوية شاملة بالمعنى الحديث، ولم يعالج قضايا مثل التعليم الجماهيري أو دور الدولة الحديثة أو الفروق الفردية الدقيقة بالمنهجية المعاصرة. كما أن بعض أفكاره حول اختلاف استعدادات الأمم أو تأثير المناخ حملت سمات عصرها وقد تُقرأ اليوم قراءة نقدية حذرة. يكمن جوهر تأثير ابن خلدون التربوي في نقله مركز الثقل من المحتوى المعرفي وحده إلى شروط اكتسابه الاجتماعية والنفسية، ومن الحفظ إلى الملَكة، ومن الشدة إلى الرفق والتدرج، ومن النظر إلى التعليم كعمل فردي إلى فهمه كظاهرة حضارية. هذه النقلات جعلته مرجعاً متجدداً كلما ظهرت أزمات في الأنظمة التعليمية: أزمات تتعلق بالفصل بين العلم والعمل، أو بجمود الطرق، أو بانفصال التعليم عن حاجات المجتمع، أو بتجاهل البعد النفسي للمتعلم.
القراءة النقدية لتأثيره تفرض عدم تحويله إلى أيقونة فوق التاريخ. فأفكاره أداة للتفكير لا مذهب مغلق. هي تدعو إلى تحليل التعليم في سياقه العمراني، وإلى الاهتمام بتكوين القدرات الراسخة لا مجرد تراكم المعلومات، وإلى جعل الرفق والتدرج أساساً لا خياراً ثانوياً. وفي الوقت نفسه تذكر بأن أي إصلاح تربوي عميق لا ينفصل عن إصلاح شروط الاجتماع والعمران ذاتها. بهذا يبقى ابن خلدون حاضراً في النقاش التربوي لا بوصفه مصدر قواعد جامدة، بل بوصفه صاحب رؤية تكشف أن التربية الحقيقية هي التي تبني ملكات إنسانية فاعلة داخل مجتمع حي، وأن فساد التعليم علامة على خلل أعمق في بنيان العمران، وأن إصلاحه جزء لا يتجزأ من مشروع النهوض الحضاري برمته.
سابعا: شروط تفعيل المقومات في الواقع التربوي المعاصر
حتى تتحول هذه المقاربة التجديدية من خطاب إلى ممارسة، تحتاج إلى شروط متعددة. أولها تحرير المؤسسة التعليمية من الجمود الإداري والمناهجي الذي يخنق المبادرة. وثانيها إعادة تأهيل المعلم بوصفه مربياً ومفكراً لا مجرد منفذ للمنهج. وثالثها بناء مناهج مرنة تدمج بين العمق المعرفي والمهارات الأفقية والقيم. ورابعها خلق بيئات تعلم محفزة تعترف بتعدد الذكاءات وبأهمية الرفاه النفسي للمتعلم. وخامسها ربط المؤسسة التعليمية بمحيطها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي دون أن تفقد رسالتها التربوية الأعمق. كما يحتاج التجديد إلى موازنة دقيقة بين الانفتاح على الخبرات الإنسانية العالمية وبين الاستناد إلى المقومات الحضارية الخاصة. فالكونية الحقيقية لا تعني الذوبان، والخصوصية الحية لا تعني الانغلاق. الفكر التربوي المتجدد في أفق حضارة اقرأ هو الذي يستطيع أن يحاور العصر من موقع الندية، مستفيداً مما أنتجه الآخرون دون عقدة نقص، ومحافظاً على أسئلته العميقة حول الغاية من العلم ومصير الإنسان.
خاتمة
تكمن قوة الفكر التربوي في حضارة اقرأ في مقوماته التأسيسية العميقة: ربط المعرفة بالمعنى والإيمان والعمل، واعتبار التعلم فريضة ومسؤولية، والسعي إلى تكامل الشخصية الإنسانية، والحرص على الرفق والتدرج وتكوين الملَكات. أما ضعفه التاريخي فظهر كلما تحولت هذه المقومات إلى شعارات أو إلى ممارسات شكلية منقطعة عن مقاصدها. المقاربة البيداغوجية التجديدية المعاصرة مطالبة بأن تستعيد هذه المقومات بوصفها طاقة حية لا بوصفها تراثاً مغلقاً. هي مطالبة بأن تحول «اقرأ» إلى أفق مفتوح للتعلم مدى الحياة، وللقراءة النقدية للواقع، ولبناء إنسان قادر على الجمع بين الكفاءة التقنية والعمق الأخلاقي، وبين الانتماء الأصيل والانفتاح المسؤول. فقط عبر هذا الجهد المتواصل في إعادة القراءة وإعادة التفعيل يمكن للفكر التربوي المنبثق من حضارة اقرأ أن يظل مساهماً حقيقياً في بناء مستقبل تعليمي أكثر إنسانية وجدوى وارتباطاً بمعنى الوجود. فكيف يمكن القيام بتطبيقات التعلم القائم على المشروعات والاستفادة من نظرية الذكاءات المتعددة في تجديد التربية ضمن حضارة إقرأ في العصر الراهن؟
كاتب فلسفي
















