الفلسفة المعاصرة تجمع بين طريقة في التفكير وأسلوب في الحياة واضفاء المعنى وتشريع القيمة، مقاربة استراتيجية/ د زهير الخويلدي
مقدمة
تشكل الفلسفة المعاصرة، منذ تحولاتها الكبرى في أواخر القرن التاسع عشر وامتداداً إلى تعقيدات القرن الحادي والعشرين، مجالاً فكرياً يتجاوز حدود الإنتاج النظري المجرد ليصبح مشروعاً استراتيجياً شاملاً. فهي لا تقتصر على صياغة مفاهيم أو نقد أنساق معرفية، بل تتقدم بوصفها طريقة في التفكير تتميز بالصرامة النقدية والمرونة التأويلية، وأسلوباً في الحياة يترجم هذه الطريقة إلى ممارسات وجودية يومية، وفعلاً إبداعياً يضفي المعنى على عالم فقد يقينياته التقليدية، ومسؤولية تشريعية تبتكر القيم في أفق يخلو من الأسس المتعالية الجاهزة. إن المقاربة الاستراتيجية لهذه الخاصية المركبة لا تعني تقديم خطة تنفيذية جامدة أو برنامج عمل محدد، بل تعني النظر إلى الفلسفة المعاصرة بوصفها مجموعة من الاختيارات المدروسة والمواقف الواعية التي توجه الفكر والوجود نحو غايات محددة: مقاومة العدمية، وتحمل مسؤولية الحرية، وبناء أفق مشترك للمعنى والقيمة دون الوقوع في الدوغمائية أو النسبية المطلقة. هذه الدراسة تسعى إلى تفكيك هذه الاستراتيجية الفلسفية وتحليل مستوياتها المتداخلة، واستجلاء آليات اشتغالها، وتقييم قدرتها على الاستجابة لتحديات العصر. فكيف تجمع الفلسفة بين التفكير والحياة والمعنى والقيمة؟ وماذا يترتب عن هذا الجمع الفلسفي؟ ولماذا يتم الاعتماد على المقاربة الاستشكالية الاستراتيجية؟
استشكال مطالب الفلسفة المعاصرة
تظل الفلسفة، منذ نشأتها، نشاطاً إنسانياً يتجاوز مجرد إنتاج النظريات المجردة ليصبح طريقة في الوجود وممارسة وجودية. غير أن الفلسفة المعاصرة، منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى اللحظة الراهنة، قد أعادت صياغة هذه الخاصية بصورة جذرية. لم تعد الفلسفة المعاصرة مجرد خطاب نظري عن الوجود أو المعرفة أو القيم، بل أصبحت مشروعاً مزدوجاً يجمع بين صرامة التفكير النقدي وأسلوب عيش ملموس، وبين إضفاء المعنى على عالم فقد يقينياته التقليدية وتشريع القيم في أفق يفتقر إلى أسس متعالية جاهزة. هذه الدراسة تسعى إلى استشكال هذه الخاصية المركبة للفلسفة المعاصرة، لا من خلال تقديم تعريف نهائي أو سرد تاريخي وصفي، بل عبر مساءلة الشروط التي جعلت هذا الجمع ممكناً، والتوترات التي يحملها في داخله، والآفاق التي يفتحها أو يغلقها.
إن أول استشكال يفرض نفسه هو السؤال عن طبيعة "المعاصرة" ذاتها. فالمعاصرة ليست مجرد تحديد زمني يشير إلى ما بعد كانط أو هيغل أو نيتشه، بل هي حالة فكرية تتسم بانكسار السرديات الكبرى، وبانهيار الثقة في الأسس المطلقة، وبوعي حاد بحدود العقل وبشرية الإنسان. في هذا السياق، لم يعد بإمكان الفلسفة أن تدعي امتلاك حقيقة نهائية أو نظاماً مكتمل البناء. أصبحت الفلسفة المعاصرة، بالضرورة، تفكيراً استشكالياً يضع نفسه موضع سؤال دائم. هذا التفكير لا يكتفي بتحليل المفاهيم أو نقد الأنساق، بل يتحول إلى ممارسة يومية وإلى اختيار وجودي. هنا يظهر التداخل العميق بين طريقة التفكير وأسلوب الحياة. إن طريقة التفكير في الفلسفة المعاصرة تتميز بخصائص محددة: النقد الجذري، والوعي التاريخي، والانتباه إلى اللغة والجسد والسلطة والاختلاف. لكن هذه الخصائص لا تبقى محصورة في المجال النظري. فالوجودي الذي يفكر في الحرية والقلق والمسؤولية لا يستطيع أن يفصل هذا التفكير عن كيفية عيشه اليومي. والفينومينولوجي الذي يصف تجربة الوعي لا يفصل الوصف عن كيفية حضوره في العالم. والتفكيكي الذي يفكك الثنائيات الميتافيزيقية يجد نفسه مدفوعاً إلى إعادة النظر في علاقاته باللغة والآخر والمؤسسات. بهذا المعنى، تصبح الفلسفة المعاصرة أسلوباً في الحياة بالمعنى الذي فهمه الفلاسفة القدماء، لكن مع فارق جوهري: لم يعد هذا الأسلوب يستند إلى نموذج كوني للحكمة أو إلى تناغم مع نظام طبيعي أو إلهي، بل ينبع من قرار ذاتي ومن مواجهة مستمرة للعدم واللايقين.
هذا الانتقال من النظرية إلى الممارسة الوجودية يثير استشكالاً ثانياً أعمق: كيف يمكن لفلسفة فقدت أسسها الميتافيزيقية أن تضفي المعنى على الوجود؟ لقد ورثت الفلسفة المعاصرة أزمة المعنى التي أعلنها نيتشه بموت الإله، والتي تعمقت مع الحروب العالمية والهولوكوست والخبرة التكنولوجية المتسارعة. في عالم لم يعد فيه معنى معطى مسبقاً، يصبح إضفاء المعنى مهمة فلسفية أساسية. غير أن هذا الإضفاء لا يتم عبر استعادة يقين مفقود أو بناء منظومة جديدة تدعي الشمولية. إنه يتم عبر الاعتراف بأن المعنى يُصنع لا يُكتشف، وأنه نتاج مشروع إنساني هش ومؤقت ومسؤول. الوجودي يضفي المعنى عبر الالتزام الحر والمشروع الشخصي. والهيرمينوطيقي يضفيه عبر التأويل المستمر للنصوص والتجارب. والبراغماتي يضفيه عبر النتائج العملية للفعل. وفي كل هذه الحالات، يظل المعنى مشروطاً ومؤقتاً ومفتوحاً على إعادة النظر.لكن إضفاء المعنى لا ينفصل عن تشريع القيمة. وهنا يظهر التوتر الأكثر حدة في الفلسفة المعاصرة. فإذا كان المعنى يُصنع، فإن القيم أيضاً تُشرَّع ولا تُكتشف في سماء مثل أفلاطونية أو في طبيعة بشرية ثابتة. نيتشه هو الذي فتح هذا الأفق بوضوح عندما دعا إلى إعادة تقييم جميع القيم وإلى خلق قيم جديدة من خلال إرادة القوة. لكن الفلسفة المعاصرة لم تتوقف عند هذا الحد. فقد سعت إلى تشريع قيم دون الوقوع في نسبية مطلقة تهدد بإفراغ كل قيمة من مضمونها. كيف يمكن تشريع قيم العدالة والحرية والكرامة والمسؤولية تجاه الآخر في غياب أساس متعالٍ؟ هذا السؤال يظل مفتوحاً ويغذي نقاشات مستمرة بين تيارات متعددة. بعضهم يلجأ إلى الإجماع التواصلي، وآخرون إلى الاعتراف المتبادل، وآخرون إلى تجربة الوجه أو الجسد أو الهشاشة المشتركة. وفي كل الأحوال، يظل التشريع القيمي عملاً إنسانياً يتطلب تبريراً مستمراً وممارسة عملية. إن الجمع بين طريقة التفكير وأسلوب الحياة وإضفاء المعنى وتشريع القيمة يضع الفلسفة المعاصرة أمام مفارقة بنيوية. فمن جهة، هي فلسفة نقدية تفكك الأوهام وتكشف عن الشروط الخفية للخطاب والسلطة. ومن جهة أخرى، هي فلسفة بناءة مطالبة بتقديم بدائل وجودية وأخلاقية. هذا التوتر بين النقد والبناء ليس عيباً يجب تجاوزه، بل هو مصدر حيويتها. فالفلسفة التي تكتفي بالنقد دون أن تتحول إلى أسلوب حياة تظل مجرد تمرين أكاديمي. والفلسفة التي تقدم أسلوباً في الحياة دون نقد جذري تتحول إلى أيديولوجيا أو إلى حكمة سوقية. والفلسفة التي تضفي المعنى دون أن تشرع القيم تظل جمالية خالصة. والفلسفة التي تشرع القيم دون أن تضفي المعنى تظل شكلية فارغة. من هنا، يمكن القول إن الفلسفة المعاصرة، في أفضل لحظاتها، هي ممارسة استشكالية دائمة. هي تفكير لا يتوقف عند إجابة، وأسلوب حياة لا يتحول إلى عقيدة، وإضفاء للمعنى لا يدعي النهائية، وتشريع للقيم لا يغلق باب المساءلة. هذه الممارسة تتطلب شجاعة فكرية ووجودية في آن معاً: شجاعة الاعتراف بالهشاشة، وشجاعة تحمل مسؤولية الخلق، وشجاعة الاستمرار في السؤال حتى عندما يبدو أن كل الإجابات قد استنفدت.
استراتيجية الفلسفية المعاصرة
تبدأ الاستراتيجية الفلسفية المعاصرة من إعادة تعريف التفكير ذاته. فطريقة التفكير لم تعد تتمثل في بناء أنساق مغلقة أو البحث عن حقائق نهائية، بل أصبحت ممارسة استراتيجية تهدف إلى كشف الشروط الخفية للخطاب، وتفكيك الثنائيات الموروثة، وإعادة ترتيب الأولويات المعرفية والوجودية. هذا التفكير يتميز بثلاث خصائص استراتيجية أساسية: أولاً، الوعي التاريخي الذي يضع كل مفهوم في سياقه ويحوله إلى أداة للمساءلة لا إلى عقيدة. ثانياً، الانتباه إلى اللغة والجسد والسلطة بوصفها ميادين للصراع وإعادة التشكيل. ثالثاً، القدرة على التحول المستمر والتكيف مع المستجدات دون فقدان الصرامة. هذه الخصائص تجعل التفكير الفلسفي المعاصر أشبه باستراتيجية حرب فكرية ضد الأوهام واليقينيات الزائفة، لكنها حرب لا تهدف إلى الانتصار النهائي بقدر ما تهدف إلى إبقاء أفق السؤال مفتوحاً.
غير أن هذه الطريقة في التفكير لا تظل حبيسة المجال النظري. فالاستراتيجية الفلسفية المعاصرة تقتضي بالضرورة تحويل التفكير إلى أسلوب في الحياة. إن الفيلسوف المعاصر لا يكتفي بتحليل الحرية أو القلق أو المسؤولية، بل يعيش هذه المفاهيم بوصفها اختيارات يومية. يصبح أسلوب الحياة الفلسفي استراتيجية وجودية تقوم على الوعي بالهشاشة، ورفض الاستسلام للسائد، والقدرة على إعادة توجيه الذات باستمرار. هذا الأسلوب لا يفرض نموذجاً موحداً للحياة الفلسفية، بل يفتح إمكانيات متعددة: حياة الالتزام والمشروع الشخصي، أو حياة التأويل المستمر للنصوص والتجارب، أو حياة المقاومة اليومية للسلطة الرمزية والمادية. في كل هذه الإمكانيات، يتحول الفكر إلى ممارسة، والممارسة إلى امتداد للفكر، في دائرة استراتيجية تجعل من الفلسفة طريقة في الوجود لا مجرد مهنة أكاديمية.
وفي قلب هذه الاستراتيجية يقع فعل إضفاء المعنى. لقد ورثت الفلسفة المعاصرة عالماً يعاني من أزمة معنى عميقة، عالماً لم يعد يجد في السرديات الدينية أو الميتافيزيقية التقليدية ما يبرر وجوده أو يوجهه. لذلك أصبح إضفاء المعنى مهمة استراتيجية مركزية. لا يتعلق الأمر باستعادة معنى مفقود أو اكتشاف جوهر خفي، بل يتعلق بصناعة المعنى بوصفه مشروعاً إنسانياً واعياً ومسؤولاً. تتم هذه الصناعة عبر آليات متعددة: عبر الالتزام الحر الذي يمنح الأفعال دلالة، وعبر التأويل الذي يعيد ربط التجارب المتفرقة في نسيج مفهومي، وعبر الإبداع الذي يفتح آفاقاً جديدة للفهم. الاستراتيجية هنا تكمن في الاعتراف بأن المعنى هش ومؤقت ومشروط، وفي الوقت ذاته في الإصرار على صناعته بوصفه ضرورة وجودية لا ترفاً فكرياً. بهذا المعنى، يصبح إضفاء المعنى فعلاً دفاعياً وهجومياً في آن معاً: دفاعياً ضد العدمية، وهجومياً نحو بناء عوالم ممكنة.
ولا يكتمل هذا المشروع الاستراتيجي دون تشريع القيمة. فإذا كان المعنى يُصنع، فإن القيم أيضاً تحتاج إلى تشريع واعٍ لا إلى استمداد من مصادر متعالية. تشريع القيمة في الفلسفة المعاصرة استراتيجية معقدة تهدف إلى تجنب فخين متناقضين: فخ الإطلاقية التي تدعي امتلاك قيم أبدية، وفخ النسبية التي تفرغ كل قيمة من مضمونها. تتم هذه الاستراتيجية عبر البحث عن أسس جديدة للقيم تكون إنسانية وتاريخية وتواصلية في آن معاً. قد تكون هذه الأسس تجربة الاعتراف المتبادل، أو هشاشة الجسد المشترك، أو مقتضيات الحوار العقلاني، أو متطلبات العدالة في سياقات ملموسة. المهم أن التشريع يظل عملية مستمرة تتطلب تبريراً متجدداً وممارسة عملية واختباراً في الواقع. بهذا الشكل، تصبح القيم نتاجاً لاستراتيجية جماعية وفردية في الوقت ذاته، استراتيجية تهدف إلى جعل الحياة المشتركة ممكنة ومقبولة في ظل التعدد والاختلاف.
خاتمة
إن الجمع الاستراتيجي بين طريقة التفكير وأسلوب الحياة وإضفاء المعنى وتشريع القيمة يضع الفلسفة المعاصرة أمام تحديات جوهرية. أول هذه التحديات هو خطر الانغلاق على الذات الفردية، حيث يتحول إضفاء المعنى وتشريع القيمة إلى مجرد تعبير عن إرادة شخصية منعزلة. ثانيها هو خطر التحول إلى أيديولوجيا جديدة تدعي امتلاك الاستراتيجية الصحيحة وتلغي إمكانيات أخرى. ثالثها هو خطر الابتعاد عن الواقع الملموس والانغماس في تجريدات لا تلامس هموم الناس العاديين. لمواجهة هذه المخاطر، تطور الفلسفة المعاصرة آليات تصحيح ذاتي استراتيجية: النقد المستمر للذات، والانفتاح على الحوار مع العلوم والفنون والتجارب اليومية، والوعي بأن كل استراتيجية فلسفية مؤقتة وقابلة للمراجعة.في ضوء ما سبق، يمكن القول إن الفلسفة المعاصرة، بمنظور استراتيجي، ليست مجرد مجموعة من النظريات المتنافسة، بل هي مشروع شامل لإعادة توجيه الإنسان في عالم معقد ومفتوح. هي استراتيجية للتفكير تقاوم السطحية والدوغمائية، واستراتيجية للعيش تقاوم الاستسلام والاستلاب، واستراتيجية لإضفاء المعنى تقاوم العدمية، واستراتيجية لتشريع القيمة تقاوم الفراغ الأخلاقي. هذه الاستراتيجية لا تعد بالنجاح المضمون، ولا تقدم وصفة جاهزة، لكنها تفتح إمكانية أن يكون الوجود الإنساني فعلاً واعياً ومسؤولاً ومبدعاً. وفي استمرار تطوير هذه الاستراتيجية وتعديلها وتوسيعها تكمن حيوية الفلسفة المعاصرة وقدرتها على البقاء فاعلة في مواجهة تحولات العصر المتسارعة.
غير أن هذه الرؤية لا تخلو من مخاطر. فإضفاء المعنى قد يتحول إلى ذاتية مفرطة تغلق الأفق على التجربة الفردية. وتشريع القيمة قد ينزلق إلى إرادة قوة تبرر السيطرة. وأسلوب الحياة الفلسفي قد يصبح ترفاً نخبوياً بعيداً عن هموم الغالبية. وطريقة التفكير النقدية قد تتحول إلى شك مرضي يمنع أي التزام. لذلك، فإن الاستشكال الحقيقي لا يكمن فقط في وصف هذا الجمع، بل في البحث عن شروط إمكانية ممارسته بطريقة مسؤولة وفعالة ومفتوحة على الآخر.
في الختام، تظل الفلسفة المعاصرة مشروعاً غير مكتمل بالضرورة. هي ليست نظاماً يمكن تعليمه كمجموعة من المعارف الجاهزة، بل هي دعوة مستمرة إلى التفكير والعيش وإضفاء المعنى وتشريع القيمة في آن معاً. هذه الدعوة لا تقدم ضمانات، ولا تعد بالخلاص، ولا تدعي امتلاك الحقيقة. لكنها تفتح إمكانية أن يكون الوجود الإنساني، رغم كل هشاشته، جديراً بأن يُعاش ويُفكر ويُقيم. وفي هذا الافتتاح تكمن قيمتها الأعمق، وفي استمرار الاستشكال حوله تكمن حيويتها الدائمة. فهل يمكن الاستعانة بأمثلة تطبيقية من الفلسفة المعاصرة من أجل توضيح هذا الموقف؟
كاتب فلسفي

















