الجامعة والتعليم العالي بين الفلسفة النسقية والفكر الجذري/ د زهير الخويلدي
مقدمة
تقف الجامعة والتعليم العالي في قلب توتر تأسيسي لم يُحسم منذ نشأتهما الحديثة: توتر بين كونهما فضاءً لإنتاج المعرفة المنظمة ونقلها ضمن أنساق متماسكة، وبين كونهما حقلاً محتملاً للتفكيك الجذري وإعادة مساءلة الأسس ذاتها التي يقوم عليها هذا التنظيم. الفلسفة النسقية هنا لا تعني مجرد مذهب فلسفي بعينه، بل تشير إلى نزعة أعمق ترى المعرفة بناءً متدرجاً قابلاً للترتيب والتراكم والضبط المنهجي، وتعتبر المؤسسة الجامعية الإطار الأمثل لتحقيق هذا البناء. أما الفكر الجذري فيدل على حركة مضادة أو موازية تسعى إلى الحفر تحت الأنساق، وكشف ما تستبعده أو تقمعه أو تعتبره بديهياً، وإلى زحزحة الحدود التي ترسمها المؤسسة لنفسها. المقاربة الاستشكالية لا تختار موقعاً داخل هذا التوتر ولا تسعى إلى التوفيق السهل بينهما، بل تتخذ من التوتر نفسه موضوعاً للتفكير، فتسأل عن شروط إمكان كل طرف وحدوده ومآلاته داخل فضاء الجامعة والتعليم العالي. فماهي الجامعة؟ وماهو موقعها في التعليم العالي؟ وكيف تتراوح بين الفلسفة النسقية للأساتذة والفكر الجذري للطلاب؟ وما العمل للخروج من هذه الامية؟
ماهية الجامعة
تبدأ الإشكالية من طبيعة الجامعة ذاتها بوصفها مؤسسة. فالجامعة الحديثة نشأت في سياق حاجة إلى تنظيم المعرفة وتخصصها وضبط معايير إنتاجها ونقلها. الفلسفة النسقية تجد في هذا الإطار تحققها الأوضح: تقسيم العلوم إلى حقول، وضع مناهج تراكمية، بناء تراتبية أكاديمية، وربط المعرفة بشهادات ومواقع سلطة رمزية ومادية. هذا التنظيم ليس مجرد إجراء إداري، بل يعكس تصوراً للمعرفة بوصفها قابلة للحصر والتقدم الخطي، وبوصفها ملكاً جماعياً يمكن توريثه عبر الأجيال ضمن قواعد واضحة. غير أن هذا التصور يحمل في طياته مفارقة. فبقدر ما يوفر الاستقرار والقابلية للتراكم، بقدر ما يميل إلى تحويل المعرفة إلى روتين مؤسسي، وإلى جعل السؤال الجذري أمراً هامشياً أو محفوفاً بالمخاطر المهنية. الجامعة النسقية تنتج الخبير أكثر مما تنتج المتسائل، وتكافئ الإتقان داخل الحقل أكثر مما تكافئ القدرة على تجاوز حدوده.
الفكر الجذري
في المقابل، يظهر الفكر الجذري بوصفه تحدياً مستمراً لهذا الاستقرار. هو لا يكتفي بنقد مضامين معينة داخل الأنساق القائمة، بل يطال منطق النسق نفسه: كيف تُحدد الموضوعات الجديرة بالبحث؟ من يملك سلطة التعريف؟ ما الذي يُستبعد حين يُعترف بمعرفة ما بوصفها علمية أو أكاديمية؟ الفكر الجذري يرى في الجامعة إمكانية لأن تكون موقعاً للمقاومة الرمزية وإعادة تشكيل الوعي، لا مجرد جهاز لإعادة إنتاج النخب والكفاءات المطلوبة من السوق أو الدولة. غير أن هذا الطموح يصطدم فوراً بواقع المؤسسة. فالفكر الجذري، كي يستمر داخل الجامعة، يحتاج إلى حد أدنى من الاعتراف المؤسسي: وظائف، مجلات، برامج، تمويل. وكلما حصل على هذا الاعتراف، تعرض لخطر الاحتواء والتحول إلى تخصص جديد ضمن النسق الذي كان ينتقده. الاستشكال هنا عميق: هل يمكن للفكر الجذري أن يحافظ على جذريته وهو يعمل من داخل مؤسسة تقوم على التنظيم والتراكم والتراتبية؟ أم أن خروجه الكامل عنها يحكم عليه بالتهميش وفقدان القدرة على التأثير؟
وظيفة التعليم العالي
يتجلى التوتر بوضوح أكبر في وظيفة التعليم العالي نفسها. من منظور نسقي، التعليم هو نقل منظم لمعارف ومهارات قابلة للقياس، يهدف إلى إعداد الأفراد لأدوار محددة في المجتمع. المناهج، الامتحانات، الدرجات، كلها أدوات لضبط هذه العملية وضمان حد أدنى من الجودة والتوحيد. أما من منظور جذري، فإن التعليم الحقيقي لا يكون ناقلاً بقدر ما يكون موقظاً. هو عملية تفكيك للعادات الذهنية المسبقة، وكشف للسلطات الخفية في الخطاب، وتمكين للطالب من أن يصبح ذاتاً ناقدة لا متلقياً. لكن هذا التصور يصطدم بمحدودية الزمن والموارد وتوقعات المجتمع. الطالب الذي يدخل الجامعة بحثاً عن شهادة تؤهله لسوق العمل قد يرى في الفكر الجذري ترفاً أو تعطيلاً. والأستاذ الذي يمارس تفكيكاً جذرياً قد يجد نفسه متهماً بالإخلال بمهمته التعليمية الأساسية. السؤال الاستشكالي يصبح: إلى أي حد يمكن للجامعة أن تحتمل وجود تعليم يزعزع الأسس دون أن تفقد قدرتها على أداء وظائفها الاجتماعية المباشرة؟
الفلسفة النسقية
تتعقد الصورة أكثر حين ننظر إلى علاقة الجامعة بالسلطة والمعرفة والمجتمع. الفلسفة النسقية تميل إلى رؤية الجامعة كمؤسسة مستقلة نسبياً، تحكمها معايير داخلية للعقلانية والموضوعية. الفكر الجذري يرى في هذه الاستقلالية المعلنة غطاءً لعلاقات قوة أعمق: ارتباط التمويل بالدولة أو السوق، تأثير الأيديولوجيات السائدة على ما يُعتبر معرفة مشروعة، وآليات الإقصاء الصامتة التي تمارس ضد أصوات معينة. غير أن النقد الجذري نفسه ليس بمنأى عن إشكالية السلطة. فحين يتحول إلى خطاب مهيمن داخل بعض الأوساط الأكاديمية، قد ينتج تراتبيات جديدة ويلغي أشكالاً أخرى من التفكير بوصفها محافظة أو ساذجة. المفارقة أن الفكر الذي جاء ليفكك الأنساق قد ينتهي إلى بناء نسق مضاد لا يقل انغلاقاً.في المستوى الأعمق، يكشف التوتر بين النسقي والجذري عن سؤال يتعلق بطبيعة المعرفة ذاتها داخل التعليم العالي. هل المعرفة بناء تدريجي يتحقق عبر التخصص والدقة المنهجية، أم هي حركة مستمرة من زحزحة الحدود وكشف المنسي والمقموع؟ الفلسفة النسقية تراهن على الأولى، فترى التقدم في التراكم والتدقيق. الفكر الجذري يراهن على الثانية، فيرى أن أي تراكم دون مساءلة للأسس يبقى أسيراً لأوهام الموضوعية. لكن كلا الرهانين يواجه حدوده. النسقية المتطرفة تنتج معرفة دقيقة لكنها ضيقة الأفق، وقد تفقد الصلة بالأسئلة الكبرى التي تهم الوجود الإنساني. والجذرية المتطرفة قد تنتج وعياً نقدياً حاداً لكنها تعجز عن بناء بدائل عملية أو عن الاستمرار في إنتاج معرفة تراكمية قابلة للتراكم. الجامعة الحقيقية، إن كان لهذا التعبير معنى، هي الفضاء الذي يُبقى هذا التوتر حياً بدل أن يحسمه لصالح أحد الطرفين.
خاتمة
تظل هناك إشكالية أخيرة تتعلق بإمكانية التحول. هل يمكن إعادة تخيل الجامعة بحيث تحتضن الفكر الجذري دون أن تحتويه، وتحافظ على التنظيم النسقي دون أن تجمده؟ أم أن بنية الجامعة الحديثة نفسها تجعل هذا الجمع مستحيلاً على المدى الطويل؟ المقاربة الاستشكالية لا تقدم وصفة، بل تصر على أن أي إجابة جاهزة ستقع سريعاً في أحد الطرفين. القيمة تكمن في الإبقاء على السؤال مفتوحاً: كيف يمكن لمؤسسة أن تكون في آن معاً ضامنة للاستقرار المعرفي وفضاءً لإمكانيات تجاوزه؟ وكيف يمكن للتعليم العالي أن يعد أفراداً قادرين على العمل داخل الأنساق القائمة وعلى مساءلتها جذرياً في الوقت ذاته؟في النهاية، يكشف التفكير في الجامعة والتعليم العالي بين الفلسفة النسقية والفكر الجذري أن المؤسسة الأكاديمية ليست مجرد أداة محايدة لنقل المعرفة، بل هي حقل صراع دائم حول معنى المعرفة وحدودها وغاياتها. هذا الصراع لا يُحل بالانحياز إلى طرف ضد آخر، ولا بالبحث عن توازن وسط سهل، بل بإدراك أن حيوية الجامعة تكمن في قدرتها على احتمال التناقض دون أن تنهار تحت وطأته. الاستشكال الحقيقي يبدأ حين نكف عن التعامل مع النسقي والجذري بوصفهما خيارين متعارضين، ونبدأ في رؤيتهما بوصفهما قطبين متلازمين يولدان الطاقة الفكرية بقدر ما يهددان استقرارها. وفي هذا الأفق المفتوح تبقى الجامعة إمكاناً لم يُنجز بعد، أكثر مما هي واقع مكتمل. فكيف يتم نحت فلسفة للتعليم العالي وفكرة فلسفية عن للجامعة المنفتحة والعصرية؟
كاتب فلسفي





















