أوكسجين وثنائي أوكسيد الكربون/ شوقي مسلماني
والآن
يرسمُ إطاراً
لغيابِه.
**
لأنّ خبزه قليل
دلقوا تعباً على وجهه
ولأنّه يحبّ الشمسَ والشجر
من ساقيه عُلِّق.
**
حدّاد
يحدّد في رأسي
رسّام
يلوّن تحت عينَي
مجنون
يخرج منّي
ومجنون
يقرع ليدخل
فيا قضاة
لا تخاطبوني بـ "أنتَ"
أنا جماعة
ولا أعرفُ كلَّ جماعتي
بينهم مجرم
لكن حين تصدرون الحكمَ عليّ
يكون المجرم
بينكم.
**
تحت
هذا الرماد
لا شيء
الحطامُ!
سفينةُ الروح
رائحةٌ
مألوفةٌ
في الغريب
في السماء غيمة
مع ذلك لن تمطر هذه اللوحة
على الشجرة عصفور
مع ذلك لن يراها أعمى
أعرفُ
أغمضُ عينيّ
حمارٌ
يتواطأ مع فرس
لإفتعالِ بغل
الصرصار
يئزّ في أذنِ الصيف
حتى يرحل
القرشُ
في المدينة
كما في البحر
عمّا تبحث؟
الكلام؟ أنا الخواء
له عينان
وغيره يرى
أبحثُ عن شيء
خلته يقف أمامي
كان يقف أمامي
لم يقف أمامي.
**
ـ قل آه
"آه"
ـ تمدّدْ
"يتمدّد"
ـ تكتّفْ
"يتكتّف"
ـ تكوَّرْ
"يتكوّر"
ـ أغمضْ عينيك، نمْ
"ينام".
**
ينامُ
علَّ جرحاه يهدأون
علَّ الرياح تكنّ
علَّ موتى يغادرون
مخرتْ سفنٌ طويلاً رأسَه
وعليه الآن أن يستريح.
**
لوحة
تذرفُ عيوناً وسيوفاً
ساحرة
تشكُّ شهوةً في الدمية
تمثال
يضربُ الهواءَ بفأس
وهذه الفتاة
ترسمُ وجهها ابتسامةً
وترقص
مع الصنم.
**
سُمٌّ
يُرضِع سُمّاً
صخرةٌ
تُطعِمُ صخرةً
جُسّ النبض
انقرْ قشرةَ الأرضِ
رقيقاً وخطِراً
البياضُ البياض
اصعدْ إلى ذبذباتٍ
اصعدْ إلى بيضةِ الأبد.
**
طيورٌ جارحة
أم عصافيرُ نعاس
تنقد رأسي
بصبرٍ ودأب؟.
**
صدى
يرثُ الصراخ
خواءٌ
يرثُ الريح
خطوات
تمحوها الريح
ولا تترك
درباً.
**
إنّه الطقس
يمشي على عكّازين
يتنفّس بمنخارين
أوكسجين
وثنائي أوكسيد الكربون.
**
عارية
إلاّ مِنْ باشق
يقف أعلى
مشهدِ الوحشة.
**
قلبُه يراكم
أمواجُه في بحيراتكم
يقول: افتحوا مياهكم
أسقوا نجومكم
حكِّموا نعاجكم
القريبة من المزود.
**
عراك
مع ذَكَرِ الحياة.
**
الريحُ
في الوجوه
حيث الهواء يلوّنُ الشجر
ويغسل المطر
الحريّةُ تورق
والأطفالُ
يلعبون مع أرواحٍ
تاهت.
**
يحدّثهم
عن الحلاوةِ
لا يسمعون
إذّاكَ ينطفئ.
**
الجديد
ورقة تسقط.
**
ولا يدري الراوي
متى يكون هو الرواية
وكيف؟.
Shawkimoselmani1957@gmail.com
الجنازات التي لا تُقام: موتى بلا نعوش/ الدكتور حسن العاصي
أكاديمي وكاتب فلسطيني
ليست أكثر المآسي وجعًا تلك التي يُعلن عنها في مكبرات الصوت، ولا تلك التي تمتلئ لها المقابر بالمعزين والزهور والدموع. ثمة مآسٍ أخرى أكثر قسوة، وأكثر وحدة، لأنها تموت دون أن يلاحظها أحد. لا تُكتب لها نعيّات، ولا تُرفع فوقها الرايات السوداء، ولا يقف أحد في عزائها ليقول: "البقاء لله". ومع ذلك، تظل تنزف في أعماقنا سنوات طويلة، كأنها ماتت بالأمس.
وليست كل الجنازات مصحوبة بالنعوش، ولا كل الموتى يُحملون إلى المقابر. هناك أشياء تموت في حياتنا بصمتٍ كامل، حتى إن العالم لا يتوقف دقيقة واحدة حداداً عليها. يموت حلمٌ عشت له سنوات، فتستيقظ في الصباح التالي وتذهب إلى عملك كأن شيئاً لم يحدث. تموت صداقة كانت وطناً صغيراً لقلبك، فلا يرفع أحد راية سوداء على أبواب المدينة. تنتهي حياة كاملة كنت تتخيلها لنفسك، بيتاً وأشخاصاً ومستقبلاً وملامح أيام لم تأتِ أبداً، ثم تختفي كلها دون شاهدٍ واحد.
بعض خساراتنا لا تجد كتفاً تبكي عليه، لأنها لا تترك جثة وراءها. لا أحد يعزيك في النسخة التي كان يمكن أن تصبحها لو سارت الأمور بشكل مختلف. لا أحد يقرأ الفاتحة على الأحلام التي دفنتها بيديك كي تستطيع مواصلة العيش. لا أحد يسأل عن ذلك الشخص الذي مات داخلك يوم خذلتك الحياة للمرة الأخيرة.
نحن لا نحمل في قلوبنا مقبرة واحدة، بل مدناً كاملة من الجنازات التي لم تُقم، ومن الموتى الذين لم يعرف أحد أنهم ماتوا. وفي أكثر الأيام هدوءًا، يكفي أن تلمح صورة قديمة، أو تسمع اسماً نسيته، أو تمر بمكان عابر، حتى تفتح تلك المقابر أبوابها دفعة واحدة، ويعود كل شيء ليموت من جديد.
هناك أشياء لا تموت دفعة واحدة، بل تموت ببطء شديد، أمام أعيننا، بينما نعجز عن إنقاذها. نشاهدها وهي تبهت يوماً بعد يوم، وتبتعد خطوة بعد خطوة، حتى يأتي يوم نلتفت فيه فلا نجدها. عندها فقط ندرك أن الجنازة قد انتهت منذ زمن، وأننا كنا المشيعين الوحيدين.
والأشد وجعاً أن العالم لا يتوقف من أجل خساراتنا الصغيرة.
في اليوم الذي يموت فيه حلمك الأكبر، تشرق الشمس كعادتها. تفتح المتاجر أبوابها. تزدحم الطرقات. يضحك الناس في المقاهي. يهنئ أحدهم صديقه بعيد ميلاده. ويواصل الجميع حياتهم كأن شيئاً لم يحدث، بينما أنت تقف وسط الركام، عاجزًا عن شرح أن عالماً كاملاً انهار داخلك.
نحن لا نخسر الأشخاص فقط. نخسر احتمالات كاملة. نخسر أعماراً كان يمكن أن نعيشها، وطرقاً كان يمكن أن نسلكها، ومدناً كان يمكن أن نسكنها، وأطفالاً كان يمكن أن ننجبهم، وقصصاً كان يمكن أن تغير مصيرنا كله. أحياناً لا يكون أكثر ما يؤلمنا هو ما حدث فعلاً، بل ما كان يمكن أن يحدث ولم يحدث.
ولعل أكثر ما يحزن في الأمر أن بعض الجنازات لا تنتهي أبداً. نظن أننا تجاوزناها، ثم تعيدها إلينا صورة قديمة، أو أغنية منسية، أو رائحة عابرة في شارع مجهول. فجأة يعود الموتى الذين لا يعرف أحد أنهم ماتوا. يعود الصديق القديم، والحب القديم، والحلم القديم، والإنسان القديم الذي كنا عليه ذات يوم. يعودون جميعًا للحظة واحدة فقط، كي يذكرونا بأن داخل كل قلب مقبرة سرية لا يراها أحد.
نحن بشر نحمل في صدورنا مدناً كاملة من الجنازات المؤجلة. نسير ونضحك ونتحدث ونبدو بخير، بينما في أعماقنا مواكب عزاء لا تنتهي. وفي بعض الليالي، حين ينام العالم كله، نجلس وحدنا بين قبور لا أسماء لها، ونبكي أشياء لم يعرف أحد يوماً أنها ماتت. في حياتنا جنازات لا تُقام أبداً.
جنازة الطفل الذي كنّا عليه
ثمة جنازة أولى تُقام داخل كل إنسان، لكنها لا تُقام في مسجد ولا في كنيسة، ولا يمشي خلفها أحد. جنازة لا تُحمل فيها النعوش على الأكتاف، بل تُحمل فيها الأرواح على ظهر العمر. إنها جنازة الطفل الذي كنّا عليه.
ذلك الطفل الذي استيقظ يومًاً وهو يعتقد أن العالم مكان عادل. وأن الطيبين يفوزون في النهاية. وأن الآباء لا يضعفون، والأمهات لا يبكين، والأصدقاء لا يرحلون، والقلوب التي تحب لا تُكسر.
ذلك الطفل الذي كان يركض نحو الحياة بذراعين مفتوحتين، كما لو أنه ذاهب إلى عناق طويل.
متى مات؟ لا أحد يعرف. ربما مات يوم رأى أباه يبكي للمرة الأولى. ربما يوم اكتشف أن الكبار يكذبون. ربما حين انتظر شخصاً وعده بالمجيء ولم يأت. ربما حين فهم أن الحب وحده لا يكفي. أو ربما مات بالتقسيط، قطعة بعد قطعة، وخيبة بعد خيبة، حتى اختفى ذات صباح دون أن ننتبه.
كان يؤمن بأشياء كثيرة. يؤمن أن المستقبل هدية مغلقة تنتظره في آخر الطريق. يؤمن أنه سيحقق كل أحلامه. سيكبر ويصبح شيئاً عظيماً. سيغير العالم. سيجد الحب الذي لا ينتهي. والأصدقاء الذين لا يغادرون. والبيت الذي يبقى دافئاً إلى الأبد.
ثم كبرنا. وكشفت الحياة وجهها الآخر. فاكتشفنا أن بعض الأحلام لا تموت لأنها مستحيلة، بل لأنها وصلت متأخرة جداً، واكتشفنا أن بعض الناس يعدون بالبقاء حتى يحصلوا على ما يريدون فقط. واكتشفنا أن العمر لا يفي بكل وعوده. وأن الطريق الذي رسمناه في دفاتر المدرسة لم يكن الطريق الذي سرنا فيه.
شيئاً فشيئاً بدأ ذلك الطفل يتراجع إلى الخلف. في البداية فقد دهشته، ثم فقد يقينه، ثم فقد ثقته بالعالم، ثم فقد قدرته على الفرح بالأشياء الصغيرة، ثم اختفى، ولم نبحث عنه. كنا مشغولين جداً بمحاولة النجاة. مشغولين بالأقساط والفواتير والأخبار السيئة والوظائف المتعبة والعلاقات المعقدة والخسارات المتلاحقة.
حتى نسينا أن أحداً مات في الطريق. أحداً كان يشبهنا أكثر مما نشبه أنفسنا الآن. وأشد ما يؤلم في هذه الجنازة أن الميت لا يغادر تماماً، بل يبقى عالقاً في مكان ما داخلنا. يطل أحياناً من صورة قديمة، من دفتر مدرسة منسي، من لعبة وجدناها صدفة في صندوق قديم، من رائحة بيت الجدّة، من أغنية كانت تجعلنا نرقص دون سبب.
وفجأة نشعر بغصة غامضة. كأن شخصاً عزيزاً يعود لزيارتنا للحظة واحدة ثم يختفي من جديد. ذلك الشخص هو نحن. نحن قبل أن تتعلّم قلوبنا الخوف. نحن قبل أن نعرف الفقد.
نحن قبل أن تجرّب الحياة أنيابها في أرواحنا.
ولهذا فإن أكثر البشر حزناً ليسوا الذين فقدوا أحبابهم فقط. بل الذين فقدوا أنفسهم القديمة.
الذين ينظرون إلى صور طفولتهم فيشعرون أنهم يتأملون وجه شخص مات منذ زمن بعيد.
شخص كانوا يعرفونه جيداً، ويحبونه كثيراً، لكنهم لم يحضروا جنازته، ولم يودعوه، ولم يبكوه كما يستحق.
جنازة أول حلم كبير
ليست كل الأحلام تموت وهي تحترق أمام أعيننا. بعضها يموت بهدوء مؤلم إلى درجة أننا لا ننتبه إلى لحظة وفاته. نظل سنوات نعيش وكأنه ما زال حياً، ونتحدث عنه أحياناً، ونستحضره من حين إلى آخر، بينما الحقيقة أنه رحل منذ زمن بعيد، ولم يبق منه سوى الذكرى.
لكل واحد منا حلم أول. ذلك الحلم الذي لم يكن مجرد أمنية عابرة، بل كان صورة كاملة للحياة التي أراد أن يعيشها. كان يراه واضحاً إلى درجة أنه لم يشك لحظة في أنه سيصل إليه. كان يتحدث عنه بثقة الأطفال الذين يعتقدون أن المستقبل وعد لا يمكن أن يخلفه أحد.
بعضنا كان يحلم أن يصبح طبيباً. وبعضنا كان يرى نفسه كاتباً، أو رساماً، أو موسيقياً، أو مسافراً يجوب العالم. وبعضنا لم يكن يحلم بمجد كبير أصلاً، بل بحياة صغيرة ودافئة، ببيت يملؤه الحب، أو أم تبقى طويلاً، أو أب يعود إلى المنزل كل مساء دون أن تثقله الهموم.
كان الحلم في تلك الأيام يبدو قريباً جداً. قريباً إلى درجة أن الطفل الذي كناه لم يكن يسأل نفسه إن كان سيتحقق، بل متى سيتحقق. وكما ينتظر الإنسان شروق الشمس في الصباح، كان ينتظر ذلك اليوم الذي سيصبح فيه ما أراد أن يكونه.
ثم بدأت الحياة تتدخل بالتفاصيل الصغيرة.
تفاصيل بدت في البداية بسيطة وعابرة، لكنها كانت تعمل في الخفاء كالماء الذي ينحت الصخر ببطء. سنة ضاعت هنا. فرصة أغلقت هناك. ظرف عائلي لم يكن في الحسبان. مرض مفاجئ. ضيق في المال. مسؤوليات جاءت مبكراً. أشخاص أقنعونا أن أحلامنا أكبر من مقاسنا. وأيام طويلة من التعب جعلتنا نؤجل ما نحب حتى إشعار آخر.
وفي كل مرة كنا نقول لأنفسنا إن الأمر مؤقت. سأعود إلى حلمي لاحقاً. بعد سنة، بعد أن تتحسن الظروف، بعد أن أكبر قليلاً، بعد أن أرتاح، بعد أن أنتهي من هذه الأزمة.
لكن الأزمات لم تنته، والسنوات لم تتوقف، والحلم الذي كان يقف في بداية الطريق صار يقف في آخره، ثم صار يلوح من مسافة بعيدة، ثم اختفى تماماً وراء الضباب.
والمؤلم أن معظم الأحلام لا تموت في معركة بطولية. لا تنهار بصوت عالٍ. لا تخبر أصحابها أنها راحلة. إنها فقط تتوقف عن زيارتهم شيئاً فشيئاً. يستيقظ الإنسان ذات صباح ويكتشف أنه لم يفكر في حلمه منذ شهور، ثم يمر عام أو عامان قبل أن يدرك أن شيئاً عزيزاً للغاية خرج من حياته دون وداع.
وعندما يحدث ذلك، لا يبكي أحد، لا يجلس الأقارب لتقديم العزاء، لا تصل الرسائل المواسية. لا يتوقف العالم دقيقة حداداً على الشاب الذي أراد أن يصبح شيئاً آخر وانتهى به الأمر شخصاً مختلفاً تماماً. يمضي الجميع في حياتهم كأن شيئاً لم يحدث.
أما هو، فيواصل حياته أيضاً، لكنه يحمل في أعماقه حزناً لا يعرف كيف يشرحه. لأنه لا يبكي على ما خسره فقط، بل على ما كان يمكن أن يكونه. يبكي على السنوات التي تخيلها بشكل مختلف. على الحياة التي بناها ألف مرة في مخيلته ثم لم يرها تتحقق ولو مرة واحدة.
وأصعب اللحظات ليست حين يموت الحلم، بل حين تلمحه بعد سنوات مصادفة. حين ترى شخصاً صار ما كنت تحلم أن تكونه. أو تمر بجانب مكان كان يفترض أن يكون جزءاً من مستقبلك. أو تعثر على ورقة قديمة كتبت عليها أهدافك بخط طفولي ممتلئ بالحماس واليقين. في تلك اللحظة تشعر وكأنك تقف أمام قبر لا يحمل اسمك، لكنه يخصك أكثر من أي قبر آخر. حلم لم يحصل حتى على جنازة تليق به، رغم أنه كان يوماً الحياة كلها.
جنازة البيت الذي لم يعد موجوداً
ليست كل البيوت تنهار فوق أصحابها. بعض البيوت تبقى واقفة كما هي، بجدرانها وأبوابها ونوافذها، ومع ذلك تموت بالكامل. هناك بيوت لا يأخذها الزلزال ولا الحريق ولا الهدم. يأخذها الوقت فقط.
في طفولتك لم يكن البيت مجرد جدران وسقف. كان عالماً كاملاً. كان المكان الذي تعرف فيه كل شيء قبل أن تنظر إليه. تعرف أي لوح خشبي في الباب يصدر صوتاً إذا فُتح ليلاً. تعرف أي درجة في السلم كانت تصدر صريراً خفيفاً. تعرف مكان أكواب الشاي، ورائحة الخبز، وصوت التلفاز في الغرفة الأخرى، والطريقة التي كانت أمك تناديك بها عندما يحين موعد الطعام.
كان البيت يعرفك أيضاً. تعرف طريقك إليه حتى بعينين مغلقتين. تحفظ زواياه كما تحفظ ملامح وجهك. وتشعر وأنت تدخل بابه كأن العالم كله بقي في الخارج. ثم تمضي السنوات.
في البداية لا تلاحظ شيئاً. تظن أن كل شيء باقٍ في مكانه. وأن البيت الذي تركته صباحاً ستجده مساءً، والذي تركته هذا العام ستجده بعد عشرة أعوام. لكن الحياة لا تعمل بهذه الطريقة.
تكبر أنت قليلاً، ويكبر والداك قليلاً، ويتغير الأثاث، وتتبدل تفاصيل صغيرة لا تراها في حينها. ثم يرحل شخص من البيت، وقد يرحل شخص آخر بعده، وفجأة تكتشف أن المكان الذي كان ممتلئاً بالأصوات أصبح أكثر هدوءاً مما ينبغي.
تمر سنوات أخرى، وتدخل البيت ذات يوم فلا تجد الرائحة نفسها، لا تجد الضحكات نفسها، لا تجد الأحاديث نفسها. لا تجد الأشخاص الذين كانوا يمنحون الجدران معناها. عندها فقط تدرك أن البيوت لا تتكون من الإسمنت والخشب، بل من الذين يعيشون فيها. ولذلك يكون الفقد قاسياً عندما تعود إلى بيت طفولتك بعد غياب طويل.
تدخل الغرفة التي كنت تنام فيها، فتصغر فجأة أمام عينيك. تنظر إلى الجدار الذي كنت تظنه شاهقاً فتجده عادياً. تنظر من النافذة نفسها فلا ترى العالم الذي كنت تراه وأنت طفل. كل شيء يبدو مألوفاً وغريباً في الوقت نفسه. كأنك تزور مكاناً تعرفه جيداً لكنه لم يعد يعرفك.
ثم تقع عينك على زاوية معينة فتتذكر شخصاً كان يجلس هناك دائماً. وتتذكر ضحكة كانت تخرج من الغرفة المجاورة. وتتذكر صوت أقدام كانت تعبر الممر كل مساء. عندها لا يؤلمك غياب الأشخاص وحده، بل يؤلمك أن البيت نفسه يتذكرهم أكثر مما يتذكرك.
بعض الناس يملكون شجاعة العودة إلى بيوت طفولتهم. أما البعض الآخر فيخافون منها. ليس لأن المكان مخيف، بل لأن الذاكرة فيه حية أكثر مما ينبغي. لأن كل غرفة تحمل شبح شخص غادر. وكل باب يخفي خلفه عمراً كاملاً انتهى. وكل زاوية قادرة على استدعاء دمعة ظلت مختبئة سنوات طويلة.
والموجع حقاً أن هناك لحظة معينة لا يعرف أحد متى تحدث، تتحول فيها من ابن للبيت إلى زائر له. تدخل بأدب. تجلس بحذر. تنظر حولك كأنك تستأذن المكان. ثم تدرك فجأة أن الزمن انتزع منك شيئاً لم تستطع الاحتفاظ به مهما حاولت. لقد فقدت حقك الطبيعي في ذلك العالم القديم.
لم يعد البيت الذي حفظ أسرارك الأولى موجوداً. ولم تعد المائدة التي جمعت العائلة كما كانت. ولم يعد الأشخاص الذين كانوا يملؤون المكان حياة يجلسون في مقاعدهم نفسها. وربما بقي كل شيء في موضعه تقريباً، لكن الروح التي كانت تسكنه رحلت بهدوء، من دون أن ينتبه أحد إلى موعد جنازتها.
ولهذا فإن بعض أكثر اللحظات حزناً في حياة الإنسان ليست تلك التي يقف فيها على قبر شخص يحبه، بل تلك التي يقف فيها داخل بيت طفولته ويكتشف أن كل شيء ما زال موجوداً، إلا الحياة التي كان يعيشها هناك. عندها يشعر بأن جزءاً من عمره مدفون بين تلك الجدران، وأنه مهما عاد فلن يجد الطفل الذي كان يركض في الممرات، ولن يسمع الأصوات التي كانت تملأ المساء دفئاً، ولن يعيش مرة أخرى ذلك الشعور النادر بأن العالم، بكل ما فيه، كان لا يزال آمناً وصغيراً وقادراً على الاحتفاظ بمن نحب.
جنازة الأم التي ما زالت تناديك في ذاكرتك
هناك أشياء يسرقها الموت منا دفعة واحدة، فنبكيها ونعرف أنها انتهت. لكن ثمة أشياء أخرى لا تنتهي يوم الرحيل، بل تبدأ مأساتها الحقيقية بعده. وربما لا توجد جنازة أشد وجعاً من جنازة الأيام التي كانت تجمعنا بمن نحب، ثم مضت ولم تترك لنا سوى الذكرى.
حين ترحل الأم، لا يأخذ الموت إنساناً واحداً فقط. إنه يأخذ معه عالماً كاملاً كان قائماً حول ذلك الإنسان. يأخذ الصوت الذي كان يطمئنك دون أن يقول شيئاً مهماً. يأخذ الدعاء الذي كان يسبقك إلى الطريق. يأخذ تلك الطمأنينة الغامضة التي كانت تجعلك تعتقد أن شيئاً سيئاً جداً لا يمكن أن يحدث ما دامت موجودة في هذا العالم.
في الأيام الأولى، يكون الحزن واضحاً وصاخباً. يأتي الناس، ويواسون، ويتحدث الجميع عن الصبر والاحتساب. لكن ما لا يخبرك به أحد هو أن الفاجعة الحقيقية تبدأ بعد أن يعود الجميع إلى بيوتهم.
تبدأ حين يحدث شيء جميل في حياتك، فتلتفت تلقائياً لتخبرها، ثم تتذكر فجأة أنها ليست هنا. وتبدأ حين تتعرض لمصيبة كبيرة، فتبحث وسط فوضى قلبك عن صوتها الذي كان يعرف دائماً ماذا يقول، ثم يعود إليك الصمت بدلاً منه. وتبدأ حين تمسك هاتفك مرات لا تحصى لأن عقلك لم يعتد بعد فكرة أن الرقم الذي كان يجيبك في كل وقت لم يعد ينتظر اتصالك.
ومع مرور السنوات لا يصبح الألم أقل كما يظن الناس، بل يصبح أكثر عمقاً وأشد التصاقاً بالروح. لأن الحزين لا يعود يبكي الرحيل نفسه، بل يبكي كل الأشياء التي حدثت بعده.
يبكي الأعياد التي مرت من دونها، والصور الجديدة التي لم تظهر فيها، والأحفاد الذين لم تحملهم بين ذراعيها، والقصص التي لم تسمعها، والضحكات التي لم تشارك فيها.
يبكي الزمن كله لأنه استمر في الجريان بينما بقي شخص واحد خارج كل السنوات التالية. وأقسى ما في الأمر أن الإنسان لا يتوقف عن محادثة أمه بعد رحيلها. قد لا يسمعها أحد، لكنه يفعل. يحدثها في قلبه كل يوم. يريها نجاحاته، ويشكو لها تعبه، ويطلب رأيها في أمور يعرف أنها لن تجيب عنها. ثم يمضي في حياته حاملاً ذلك الحوار الناقص الذي لن يكتمل أبداً.
وقد يمر عشرون عاماً، ثم يشم رائحة تشبه رائحتها في مكان ما، فيعود فجأة طفلاً صغيراً. وقد يسمع امرأة تنادي ابنها بالطريقة نفسها التي كانت تناديه بها، فيرتجف قلبه كأنه تلقى خبراً للتو. وقد يستيقظ من حلم رآها فيه ويظل دقائق طويلة غير قادر على استيعاب أن اللقاء انتهى مرة أخرى.
ولهذا لا تكون الجنازة الحقيقية يوم الدفن. الجنازة الحقيقية تحدث كل مرة يشتاق فيها الابن إلى أمه ولا يجد طريقاً إليها. تحدث في كل عيد ينقصه وجه واحد، وفي كل فرح يتمنى لو كان بين الحاضرين، وفي كل لحظة ضعف يبحث فيها الإنسان عن حضن كان يظنه يوماً أمراً عادياً، قبل أن يكتشف متأخراً أنه كان أثمن ما يملك في هذه الحياة.
وما أشد قسوة أن يفهم الإنسان بعد سنوات طويلة أن بعض البيوت لم تكن دافئة بسبب الجدران، بل بسبب شخص واحد كان يعيش فيها. وحين رحل ذلك الشخص، بقي البيت كما هو، وبقيت الغرف كما هي، وبقي الأثاث في أماكنه، لكن الدفء نفسه خرج ذات يوم ولم يعد أبداً.
والآن أخبرني أيها القارئ: ما الجنازة التي لم تُقم في حياتك؟ أي حلم دفنته بصمت، وأي شخص غادر دون وداع، وأي نسخة من نفسك ما زلت تبكيها سراً حتى اليوم؟
وإذا كانت هذه بعض الجنازات التي لا تُقام، فما زالت هناك قبور أخرى نحملها معنا كل يوم دون أن يراها أحد. خسارات أكثر خفاءً، وأعمار كاملة انتهت وهي ما تزال تمشي بين الناس بوجوهٍ عادية. للجنازات بقية...
الدروز والانتخابات ومجزرة باكو والـ %50 المقاطعون/ سعيد نفّاع
وقفات على المفارق
** الوقفة الأولى.. ومدخل.
الدروز في البلاد يشكّلون %1.3 من عدد السكّان الكليّ وَ %7 من الأقليّة العربيّة، ولكّن "ضجيجهم" الانتخابيّ وسباق شبابهم للترشّح "كيف ما كان يكون"، يجعل المرء للوهلة الأولى يحسب وكأنّ قيام إسرائيل وزوالها متعلّق بهم!
حوالي %50 منهم يقاطعون الانتخابات في العقدين الأخيرين ونيّف.. وأولئك بالذات هم من يجب أن يكونوا جمهور الهدف للقوى الوطنيّة، وواجبهم هم الخروج والتصويت للأحزاب العربيّة، وعلى الأقلّ من باب الاحتجاج، وإن كنت على المستوى الشخصيّ أفضّل المشتركة؟
دخلت على الخط (وَ "كأنّ اللي فيهم مش مكفّيهم") هرطقات لبنانيّة وجبليّة وصهيونيّة ودرزيّة إسرائيليّة، تعمل على حشر مأساة جبل العرب في مزبلة الانتخابات الإسرائيليّة. يمكن أن يقول المرء الكثير في هذا الدرك الأسفل، ولكن لعلّ الردّ الأمثل على هؤلاء هو أنّ: شسع نعل الطفلة حلا خطيب الوحيدة من عائلتها التي نجت من مجزرة "باكو – نعم باكو 12 تمّوز 2025"، أعلى من رأس كلّ من يضع المأساة في السويداء على أجندته الانتخابيّة!
وعلّ الاستعراضَ الآتي قولُ فصل لمن يودّ أن يستزيد!
** الوقفة الثانية.. والوزن الانتخابي الدرزيّ.
كلّ الدروز في البلاد "من الكبير للّي مقمَّط في السرير" اليوم: 129 ألف نسمة. ونسبة أصحاب حقّ الاقتراع في المجتمعات البشريّة هو %63 يعني عند الدروز 81,200 صوت. نسبة الحسم في الانتخابات الحالية ستتراوح بين 140 لـ 195 ألف صوت (يتعلّق بنسبة التصويت)، يعني حتّى لو صوّت %100 من الدروز معًا لن يعبروا نسبة الحسم.
وللذكرى والتذكير: تناولت الانتخابات بين الدروز، آخر مرّة، بدراسة حول انتخابات الـ 2019. وتقول الأرقام مقرّبة للمِئة: كان عدد الدروز الكلي في البلاد 115,900 نسمة (ستجدون في الأدبيّات الإسرائيليّة أرقاما أكبر وذلك لاشتمالها على قرى الجولان المحتل وغالبيّتهم العظمى لا تحمل الجنسيّة الإسرائيليّة ولذا لا يملكون حقّ الاقتراع). شارك من أصحاب حق الاقتراع من الدروز في البلاد في هذه الانتخابات فقط: 37,500 مقترع. نسبة لم تتعدّ الـ %55 وللمثال؛ كسرى وكفر سميع %32، وساجور %41، بيت جن %52.5، أما أعلى نسبة فكانت في الدالية %62.
** الوقفة الثالثة.. والتمثيل الدرزي تاريخيّا – سياسيّا.
من نافل القول أنّ "حشر" مرشّحين دروز على لوائح الأحزاب الصهيونيّة بمعزل عن قوّتهم الانتخابيّة، كان ومازال حلقة إضافيّة من حلقات فصل الدروز سياسيّا عن فضائهم العربيّ.
بدءًا من الكنيست الثانية 1951 وحتّى نهاية السبعينيّات تداول على عضويّة الكنيست ثلاثة أعضاء دروز ضمن القائمتين العربيّتين اللتين كان يشكّلهما حزب العمل "ذيْلين" للمّ أصوات العرب وتنفيذ سياسته تجاههم وكانت التشكيلة: "مسلم، مسيحي، درزي".
دخل حزب الليكود أوائل السبعينيّات على الساحة وصار يضع في تشكيلة قائمته درزيّا. وحتّى نهاية الألفيّة الثانية كان الحزبان الكبيران المتنافسان؛ التكتّل والعمل "يزيّن" كلّ منهما قائمته بدرزيّ فـ "يسحبان" أصوات الدروز الذين كانوا يصوّتون بنسب عالية تفوق النسبة العامّة في البلاد، بغضّ النظر عن وزنهم الإلكتورالي العام.
الحزب الشيوعيّ - والجبهة لاحقًا - لم يتركا الساحة الدرزيّة ونشطا فيها بمرشّحين دروز وبدون ذلك وإن بقي "حصادهما" محدودّا. وفي أواخر التسعينيّات دخل حزب التجمّع الساحة وحتّى الـ 2009 ضمّت قائمته مرشّحا درزيّا!
** الوقفة الرابعة.. وكيف تطوّر شكل التصويت وَ "حتّى أنت يا بروتس؟!"
في انتخابات عام 1969 وحين ظهرت في الصناديق في القرى الدرزيّة بشكل مفاجئ وعلى غير عادة مئات الأصوات للحزب الشيوعي، خرجت صحيفة يديعوت أحرونوت بعنوان: "حتّى أنت يا بروتس!". كان جاء شكل التصويت هذا احتجاجًا على مصادرة غالبيّة أراضي الدروز والتمييز اللاحق بقراهم رغم "الزواج العرفي" الذي كانت عقدته الدولة مع بعض قياداتهم وكان المهر: "التجنيد الإجباري". في بيت جن، للمثال، كان الحزب الشيوعي حصل في الانتخابات التي سبقت على (5) أصوات وإذ به يحصل في انتخابات الـ 69 على (153) صوتًا، هذه البلدة كان صودر من أراضيها الأجود وقرابة الـ %70 وكانت حتّى هذه السنة وبعدها بسنتين دون شبكة كهرباء حتّى!
صارت نسبة التصويت بين الدروز بعد هذه السنوات تتراجع تدريجيّا، ويرتفع عدد المصوّتين للأحزاب العربيّة، وللمثال؛ انتخابات 2006: نسب التصويت كانت: بيت جن (درزيّة): 73% (وجود مرشّحين من أبناء البلد)، البقيعة (مختلطة): 76%، ساجور (درزيّة): 63%، جولس (درزيّة): 65%، الدالية (%95 درزيّة) 47%، المغار (مختلطة 40% دروز) 46%. تراوح ما حصلت عليه الأحزاب العربيّة في هذه الانتخابات بين %12- %25 من الأصوات في القرى المختلفة، علمًا أنّه كان على لوائحها مرشّحون دروز.
هذه النسب تدنّت في انتخابات الكنيست الـ 18 رغم أنّ الأحزاب الصهيونيّة حاولت التقاط أنفاسها وإعادة العرب الدروز إلى الحظيرة، فعملت هذه المؤسسة على وضع أربعة مرشحين على لوائح الأحزاب الصهيونيّة في أماكن مضمونة أو قريبة، ولكن كل هذا لم يستطع أن يغيّر من: "نسبة المقاطعة" لا بل فإن النسبة ازدادت؛ ففي المغار بلغت النسبة 34% فقط وبالذات بين الدروز، وفي الدالية وعسفيا 44% وفي الكثير من المجمعات الأخرى (عدا القلّة ك- بيت جن ويركا وحرفيش) لم تتعد ال-51%. وبالمجمل كان عدد المصوتين الدروز الكلّي في هذه الانتخابات: 65,540 صاحب حقّ اقتراع، اقترع منهم فقط 33,620 مصوت %51.
** الوقفة الخامسة... مع بداية تحوّل إلى تحوّل!
هذه المعطيات كانت جديرة بدراسة موضوعية لدى القوى الوطنية بعيدًا عن "العوم على شبر ماء" انطلاقًا من أسبابها، وضرورة وإمكانية التعامل معها لتحويلها من مؤشر على بداية تحول الى تحول، وهذا لم يتمّ لشديد الأسف. علمًا أنّ نسبة التصويت في الوسط العربي الدرزي كانت عادة من الأعلى في البلاد والناتجة عن التصويت الشخصي؛ فالعرب الدروز الذين صوتوا للأحزاب الصهيونية لم يصوتوا لبرامجها وإنّما انطلت عليهم مؤامرة التصويت لمرشحين دروز في هذه الاحزاب الأمر الاساس الذي رفع نسبة التصويت بينهم، لكنّ حتّى هذا لم يشفع وتدّنت نسبتهم إلى %45 في الدورات المتأخرة رغم وجود مرشّحين دروز على لوائحها.
هذا الامتناع الكبير عن التصويت، والذي ما زال مستمرّا، مردّه؛ أنّ العرب الدروز ملّوا من تلك الأحزاب وملّوا من زُلمِها؛ مرشحيها بينهم. ملّوها بسبب كذبها المنعكس في الوضع المزري الذي آلت اليه اوضاعهم في شتى المجالات الحياتية، حتى صاروا يصنَّفون في أسفل درجات السلم الـ "سوتسيو- إكونومي" لشرائح المجتمع الإسرائيلي؛ ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا. ضفّ إلى ذلك أزمة السكن الخانقة وأوامر الهدم القائمة على 2162 بيتًا بقانون كامِنِتْس، عداك عن قانون القوميّة الذي لطمهم وقيادتهم لطمة أطارت الصواب!
** الوقفة الأخيرة.. وخلاصة القول.
هذا الواقع لم يحظ للاهتمام الذي يستأهل على يد الأحزاب العربيّة ولا القوى العربيّة الدرزيّة الفاعلة فيها رغم طرحه مرّات ومرّات، ومن نافل القول أنّ الأيّام القليلة المتبقيّة لموعد الانتخابات ليست كفيلة بإصلاح ما فات. ولكن عليها فيما تبقّى (وعينيّا الناشطين الدروز في صفوفها) أن يتوجّهوا للـ %45 الممتنعين \ المقاطعين، للخروج والاقتراع للأحزاب العربيّة وإن كنت أنا أفضّل المشتركة، هذا هو الطريق وليس القعود في البيوت، وعلى الأقلّ من باب الاحتجاج.
فهل ستشهد انتخابات الـ 26 تغيّرًا؟! لا أعتقد وإنّ غدًا لناظره قريب!
18 تشرين الأوّل 2026
سعيد نفّاع – saeid-naffaa.com
7208450-050
قراءة في ديوان "في كل سنبلة مائة حبة" لعباس علي مراد / الدكتورة نجمة خليل حبيب
تشتغل نصوص هذا الديوان على جدلية الحجر والنبات، حيث يُستدعى الحجر بوصفه تمثيلاً للتاريخ المتراكم، والوجوه التي تحجرت في الذاكرة الجماعية، فيما يحضر النبات كعلامة على استمرارية الوجود وقدرته على التشكل داخل شروط القسوة والانسداد. هذه الثنائية لا تُقدَّم في إطار استعاري جمالي فحسب، بل تُفَعّل بوصفها أداة تفكير شعريّ في معنى الانتماء وحدوده (د.عماد بّرو)
وقبل أن نغوص في نصوص الكتاب وما جاء فيها من نقد اجتماعي، وسياسي، ووطني، لا بد لنا من أن نطّلع على عتباته من اسم، وغلاف، وعنوان، إذ أن النقد العربي الحديث أولاها اهتماماً خاصاً يعطيها وزناً مهماً
أما اسم الكتاب "في كل سنبلة مائة حبّة" فقد وفّر الشاعر علينا مشقة التخمين وأخبرنا أنه مستوحى من سنبلتي قمح وشتلة تبغ نبتتا بين ركام دار بيته الذي دمرّته إسرائيل، وبهذا دلالة على أن هنجهية العدو الصهيوني لا، ولن تستطيع أن تميت قوة الحياة مهما قست وتجبّرت، وبمثل ما شقت نبة القمح طريقها من قلب الدمار والخراب، هكذا ستكون قيامة اللبنانيين من جهلهم، وانقسامهم إلى قبائل وطوائف مختلفة ليتوحدوا، وينتصروا على عدوِ قضم أرضهم بتوسيع ما يسميه (المنطقة الآمنة). تماماً كما تآمرت الكولونيالية العالمية على أبناء فلسطين، إذ تغاضت بريطانيا التي كانت منتدبة على فلسطين في ذلك الوقت ،عن دخول اليهود الصهاينة إلى فلسطين، ومكّنت العصابات الإرهابية (شترن والهاغانا) من أن تتسلح، بينما حرّمت على الفلسطينيين اقتناء السلاح الفردي، الأمر الذي أدى (إضافة إلى أسباب أخرى) إلى انتصار اليهود الصهاينة على فلسطين واحتلالها.
وجاء الإهداء رسالة حب وتكريم لأبناء الغد، الأطفال أولاً، ثم للأرض، والمتجذرين فيها، ولحجارة البيوت ولرائحة الخزامى وزهر اللوز تحريض لأبناء الوطن (لبنان) كي يصمدوا في وجه الاحتلال الصهيوني البشع، ويظلّوا صامدين على أرضهم، متجذرين فيها تجذّر شجرة الزيتون التي تغوص جذورها عميقة في التربة فلا تقوى حتى الرياح العاتية على اقتلاعها
تتصدر صفحة الغلاف الخلفية صورة للشاعر ونص وجداني يعطي للألم القيمة الفضلى في التعبير عن كوامن النفس، وعن علاقة الإنسان بالأمكنة، وعمق ارتباطه بها. ثم يتساءل عن معنى فقدان وطناً، وطن "تخرج منه جسداً، ولا يخرج منك ترحل عنه لكنه يرافقك في حلك وترحالك"، وينتهي معرفاً بنصوص الكتاب حيث يقول إنها نصوص واقعية تهدف إلى إبقاء الصور والذكريات واعية في أذهان أبناء الوطن الذين تبعثروا في بقاع الأرض حاملين رواسب الحروب وما خلفته من قتل وتهجير واقتلاع وتدمير وتجويع
يتألف هذا الديوان من 43 قصيدة تنتمي إلى قصيدة النثر الحديثة المتحللة من قيود الوزن والقافية، وهذا ما مكّن الشاعر من استخدام كثير من أشكال جديدة من التعبير الأدبي، فنحن مثلاً نقرأ في القصيدة الأولى من الديوان "أيها العابثون" وفرة من الصفات التي أطلقها على هؤلاء العابثين ولم يتركنا إلا وقد اقتنعنا معه بما يريده لنا أن نقتنع به
ايها العابثون
إلى متى سيبقى هذا الليل!
إلى متى سيبقى هذا الظلم!
هذا الجور
هذا الفجور
هذا القهر
هذا العهر
إلى متى سيبقى هذا الجحود
إلى متى
هذا العبث
بكل تفاصيل إيامنا
بتفاصيل ليالينا
بسلام نفوسنا،
وإنسانيتنا ...
بهوانا،
ببحرنا،
بحريتنا
ويظل الشاعر على هذه الوتيرة على مدى خمس صفحات يفنّد فيها صفات الحكام الفاسدين الذين أذلوا الشعب بتجويعه حتى غدا شعباَ بائساً، حزيناً، مخيباً، يسير في دروب الحياة "المضرجة بالتعب والكره"
أمّا في القصيدة الثانية، فينصب غضب الشاعر على أهله وناسه، فهم – عنوة عن شعوب الأرض- شعب بلا انتماء. شعب مشرد لقيط جاهل غبي لا تُعرف له هوية، ويفاخر بعصبية جاهل، لا يقيم وزناً للعلم والناس يختلفون على هلال القمر.
وفي قصيدة بعنوان "توقيت العطر" يتراجع الشاعر عن غضبته على أهله وناسه فيناجي بلدته (عيترون)، مفاخراً بأبناء الجنوب الذين بقوا صامدين في أرضهم رغم ما مارسه العدو عليهم من مضايقات وممالاءت ليرحلوا عنها. وفيها يستخدم الشاعر ضمير الجمع المتكلم الذي يدّل على إجماع الشعب على هذه العودة، ثم يسرح به الخيال، أو بالأحرى تسرح به الذاكرة، فيتصور ما سيكون عليه الحال عندما
تتحقق هذه العودة:
سنعود...
سنلتقي على توقيت العطر
غداً يزهر الربيع فوق ركام منازلنا
وتفوح رائحة الذكريات
ويأتي طائر السنونو ويبني
ظلالاً على جدران القلوب
غداً عند
آذان الفجر
قبل أوّل شعاع شمس
موعدنا عيترون...
لشروق يوم آخر عطره كأوّل الغيث
هامات عالية وجباه
ارتفعت بارتقاء الأنقياء
لك كل الحب أيتها الرقم الصعب..
وبعد ثلة من النصوص الوجدانية كمثل: خرائب الأيام، ستائر الشوق، ذكرى تنتفض، اسمه الجنوب وغيرها، تأتي قصيدة "أطفال غزة". وأطفال غزة كما رأهم عباس مراد، صنعت المعاناة منهم أبطالاً يتحدون الموت بأجسادهم الطرية، وإذ خذلهم آبآؤهم، صعدوا دونهم ليكتبوا تاريخ الإباء والشرف. مرّة أخرى ينتصر الشاعر للأطفال ويرى فيهم مستقبلاّ واعداً؛ فهم لم ينسوا طفولتهم فقط، بل نسوا كيف يكون الدفء ، وكيف تغفى العيون، و"جلُّ غاياتهم طريق العزة والشرف... فجأة تنطلق القصيدة من أسلوب السرد إلى أسلوب التفخيم " كبير حزنهم... كبير غضبهم... عظيم كبرياؤهم..."
أطفال غزّة
يتحدون الموت بأجسادهم الطرية
ويرتقون أحضان ذويهم لحظة بلحظة
كان ينتظرون صباحاً من أحدٍ
وخذلوا
يكتبون تاريخ الإباء والشرف...
ويصعدون دون ذويهم تارة
وتارة حيارى أمام واجب الموت
نسوا كيف كان اللعب...
وكيف كان الدفء...
نسوا أوقات الطعام
نسوا كيف تغفى العيون
جلُّ غاياتهم طريق العزة والشرف...
كبير حزنهم...
كبير غضبهم...
عظيم كبرياءهم...
ولعنوا زيف المنافقين
وهم على يقين ان الحق معهم
وان الله معهم
لأنهم الصابرون لأنهم الفادون
إنهم لمنتصرون
وفي قصيدة بعنوان "ركام... طفل من فلسطين" يصوّر الشاعر عنجهية المحتل الصهيوني الذي يعتدي على الطفولة البرئية، يهدم بيوتها، ويحوّل كل ما حولها إلى ركام: أخذوه من حضن أمه، تباهوا بجريمتهم، دفنوه تحت ركام بيته ونسوا أنه كطائر الفينيق يرتقي إلى السماء ويبعث من تحت الرماد:
* * * * * *
يتميز هذا الديوان بكثافة الصور الشعرية الخلاقة، السهلة المنال حيناً والصعبة أحياناً أخرى التي لا يصل اليها القارئ/ة إلاّ بعد جهد ذلك لأن "المركوز في الطبع أن النص إذا نيل بعد الطلب له، والاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه، كان نيله أحلى وبالميزة أولى، وكان موقعه من النفس أجلّ وألطف، وكانت به أضنّ وألطف"
هشيم الأحلام: صورة شعرية خرج بها الشاعر عمّا هو متواضَع عليه عادة ذلك لأن الهشيم الذي هو اليابس من النبات والشجر، استخدمه الشاعر للأحلام التي لا تكون عادة إلا للإنسان، لذلك هي صورة صعبة المنال تستوقف القارئ/ة ولا يصل إلى فك رموزها إلا بعد لأي، فتُمتِع، وتُدهِش، وتُلِذ . وعلى هذا المنوال جاءت معظم الصور الشعرية في الديوان، كمثل:
الوقت يقود مراكبه: جعل الشاعر للوقت مراكب يقودها، فأعطاه صفات لا تكون إلا للإنسان، بهذا لا يمكن أن تكون هذه الصورة الشعرية إلا من صنع الخيال الذي يقول فيه (جورج كولوردج): "إنه يذيب ويلاشي ويحطم لكنه يخلق من جديد". قدّم الشاعر الوقت على فعل القيادة فأعلى مرتبته، ولكن الصورة الشعرية ظلّت صعبة المنال
السماء ملبدة بالخوف: ونسب الشاعر الخوف للسماء فخرجت الجملة عن المألوف حيث أن ما هو متواضع عليه في الطبيعة هو أن السماء لا تتلبد بالخوف، ولكن يمكن لها أن تكون كذلك إذا وافقنا على أنها من فعل الخيال الذي تكلمنا عنه قبل قليل...
شتاء من المرارة: بمعنى أن الشتاء الذي هو رحمة للعالمين لم يكن هنا شتاء رحمة، بل شتاء نقمة يعيدها المتيدنون إلى الله الذي يكون قد نقم على بني البشر لخروجهم عن طاعته. إلا أن ما يعنينا هنا هو التفسير الأدبي الذي تواضع عليه نقاد الأدب والفنون بحيث تكون هذه الصورة الشعرية المتشائمة قد تأتت للشاعر نتيجة خيال مبدع تأتت له وهو يرى أبناء وطنه يتناهشون بعضهم بعضاً ويأكل غنيهم فقيرهم.
تدون أنينك: والقيمة الفنية لهذه الصورة هي في أنها استخدمت تشبيهاً مستجداً غير متداول، إذ أن التدوين لا يكون للأنين وإنما للكتابة، وقد اتفق النقاد وذواقوا النقد الأدبي أن هكذا صورة شعرية لا تأتي إلا من خيال مبدع (حسب كولوردج) كما سبق وأن أوضحنا سابقاً
تتسكع على الهوامش: وجمالية هذه الصورة في أنها استخدمت معنيين سلبيين: التسكع، والهوامش فالتسكّع لا قيمة نفعيه له، فهو لا يقود إلى هدف. والهوامش هي أشياء ثانوية في المطبوعات، وإنسان يعيش على الهامش: منعزل، وهكذا نرى أن قيمة هذه الصورة الشعرية تتجلى بدعم مفرداتها لبعضها البعض لتخلق صورة شعرية مستجدة
حتى لا تتأذى حجارة الذكريات: فالشاعر هنا ضنين على حجارة الذكريات من أن يصيبها أذى. أما لماذا حجارة الذكريات وليس الذكريات فقط، فبرأيي المتواضع، فيعود لحرص الشاعر على استخدام صوراً شعرية مستجدة لم يسبقه إليها أحد
لأسمع نبض التراب: رفع الشاعرمن قيمة التراب إذ جعله ينبض، والنبض عادة يكون للقلب الذي هو أسمى ما في جسم الإنسان
متكئا على هموم أيامه: الاتكاء عادة يكون للراحة، فأن يكون الاتكاء على الهموم فهذا خروج عن المعنى المتداول، والصورة الشعرية هنا صورة مستجدة وتأويلها صعب المنال يحتاج إلى خيال واسع
الروح تحلق مكسورة الجناح: فأن تحلق الروح وهي مكسورة الجناح دلالة على العجز. وقد عمل الخيال على توظيف الجناح المكسور لجعل الروح بائسة عاجزة عن التحليق
سعت هذه الورقة إلى التعريف بديوان "في كل سنبلة مائة حبة للشاعر المبدع عباس علي مراد"، وهذه الورقة لا تدّعي الإلمام بجميع ما جاء فيه من إبداعات، وإنما اكتفت بنماذج تضيء الأفكار الرئيسية التي ركّز عليها الديوان، إضافة إلى تسليط الضوء على ما جاء فيه من صور شعرية مبتكرة ميزته عن دواوين هذه الأيام التي تكتب على عجالة دون أن تبذل مجهوداً لكتابة مميزة.
نجمة خليل حبيب
سدني أستراليا
16/10/ 2026
جغرافية العقل البشري وخريطة التفكير الفلسفي، مقاربة كوسموبوليتية/ د زهير الخويلدي
مقدمة
تفتح المقاربة بين جغرافية العقل البشري وخريطة التفكير الفلسفي أفقاً خصباً لإعادة التفكير في طبيعة المعرفة الإنسانية وحدودها وإمكانات انفتاحها. فالعقل ليس فضاءً مجرداً محايداً، بل هو أرضية معقدة ذات تضاريس ومرتفعات ومنخفضات ومسارات اتصال، تماماً كما أن التفكير الفلسفي ليس تياراً أحادياً ينبع من مركز واحد، بل هو شبكة من الطرق والمفترقات والمناطق الثقافية التي تشكلت عبر التاريخ والجغرافيا. والمقاربة الكوسموبوليتية هنا لا تعني مجرد جمع المتفرقات أو الدعوة إلى تسامح سطحي، بل تعني النظر إلى العقل والتفكير الفلسفي بوصفهما فضاءين مشتركين للبشرية جمعاء، يتجاوزان الحدود المحلية دون أن يمحوا الخصوصيات، ويقومان على الترابط والتفاعل أكثر مما يقومان على العزلة أو الهيمنة. على هذا النحو تثير العلاقة بين جغرافية العقل البشري وخريطة التفكير الفلسفي جملة من الإشكالات العميقة التي تتجاوز مجرد التشبيه أو المقارنة الوصفية. فالعقل يُقدَّم أحياناً بوصفه أرضية داخلية ذات تضاريس عصبية ومعرفية قابلة للرسم، والتفكير الفلسفي يُقدَّم بوصفه شبكة من الطرق والمراكز والمسارات التاريخية والجغرافية. غير أن الربط بينهما لا يخلو من توترات أساسية: هل يمكن فعلاً معالجة العقل بوصفه جغرافياً دون الوقوع في اختزال مادي أو ثقافي؟ وهل تظل خريطة الفلسفة وفية لتنوعها إذا ما قُرئت من خلال تضاريس العقل، أم أنها تُفرض عليها أنماط إدراكية مسبقة؟ المقاربة الاستشكالية هنا لا تسعى إلى بناء جسر توافقي، بل إلى الكشف عن نقاط التصدع والأسئلة المعلقة التي تجعل هذه العلاقة نفسها موضع تساؤل دائم.
جغرافية العقل بوصفها استعارة محفوفة بالمخاطر
يبدو مفهوم جغرافية العقل جذاباً للوهلة الأولى. فالدماغ يظهر كمساحة موزعة الوظائف، والإدراك يتشكل عبر مسارات وارتباطات، والثقافة تترك آثارها على طرق التصنيف والتقييم والتذكر. غير أن تحويل العقل إلى جغرافيا يطرح إشكالاً أولياً حاداً: إلى أي حد تظل الاستعارة المكانية قادرة على استيعاب ما هو غير مكاني في التجربة العقلية؟ الوعي والمعنى والقصدية ليست مواضع يمكن تحديد إحداثياتها بدقة، بل هي أحداث تظهر وتختفي وتعيد تشكيل نفسها. عندما نتحدث عن «مناطق» للتحليل أو «مسارات» للحدس، هل نكشف بنية حقيقية أم نفرض على العقل لغة مستمدة من العالم الخارجي؟
يتعمق الإشكال حين ننتقل من المستوى العصبي إلى المستوى الثقافي. فإذا كانت التضاريس العقلية تتشكل بالخبرة واللغة والبيئة، فأين ينتهي ما هو مشترك بشرياً ويبدأ ما هو خاص تاريخياً؟ الادعاء بوجود جغرافيا عقلية كلية يهدد بطمس الاختلافات، بينما الإفراط في التشديد على الخصوصيات الثقافية يهدد بتفكيك أي إمكانية لحوار عقلي عابر. العقل يبدو، من هذا المنظور الاستشكالي، كياناً يقاوم التثبيت على خريطة واحدة: كلما رسمنا حدوده ظهرت مناطق جديدة أو تغيرت التضاريس القديمة.
جغرافية العقل البشري: التضاريس الداخلية للمعرفة والإدراك
يمكن فهم جغرافية العقل البشري على مستويين متداخلين. المستوى الأول عصبي-معرفي، حيث يظهر الدماغ بوصفه خريطة حية من المناطق الوظيفية المتخصصة والمترابطة. مناطق الإدراك الحسي، ومناطق اللغة، ومراكز الذاكرة والعمل، وشبكات التقييم العاطفي واتخاذ القرار، كلها تشكل تضاريس داخلية تتنوع في نشاطها وتفاعلها بحسب السياقات. العقل هنا ليس وحدة صماء، بل إقليماً متعدد المناطق، تتحرك فيه المعلومات عبر مسارات عصبية تشبه الطرق التجارية القديمة، وتتأثر بالتجربة والبيئة والثقافة.المستوى الثاني أعمق وأشمل، وهو المستوى الظاهراتي والثقافي. فالعقل يتشكل عبر انخراطه في العالم، ويتلقى تضاريسه من خلال الجسد والحركة واللغة والرموز الاجتماعية. الإدراك ليس استقبالاً سلبياً، بل فعلاً موجهاً يرسم حدوداً بين المركز والهامش، بين ما يُرى واضحاً وما يبقى في الظل. الهابيتوس المعرفي، والاستعدادات الإدراكية المكتسبة، وطرق تصنيف العالم، كلها تخلق «مناخات عقلية» مختلفة: بعضها يميل إلى التحليل التفكيكي، وبعضها إلى التركيب الشمولي، وبعضها إلى الحدس السردي، وبعضها إلى التجريد الصوري. هذه المناخات ليست ثابتة، بل تتحرك وتتغير مع الهجرة والتعلم والاحتكاك الحضاري، تماماً كما تتغير الجغرافيا البشرية بفعل التنقل والتبادل. جغرافية العقل إذن ديناميكية. هي ليست خريطة ثابتة تُرسم مرة واحدة، بل عملية مستمرة من إعادة التشكيل، تتأثر بالزمن والجسد والآخر. وكل محاولة لاختزالها إلى نموذج واحد تخفي تنوعها الداخلي وتغفل عن إمكانات التحول التي تحملها.
خريطة التفكير الفلسفي بين التعدد والاختزال
أما خريطة التفكير الفلسفي فتواجه إشكالاً موازياً. فهي تدّعي تمثيل تنوع التقاليد: اليونانية والإسلامية والهندية والصينية والأفريقية وغيرها. لكن عملية رسم الخريطة ذاتها ليست بريئة. من يقرر ما يُعدّ مركزاً وما يُعدّ محيطاً؟ ومن يحدد أي النصوص أو الممارسات تستحق أن تُدرج ضمن «الفلسفة» وأيها تُصنَّف ضمن الحكمة أو الأسطورة أو الدين؟ الخريطة، بمجرد أن تُرسم، تمارس نوعاً من العنف الرمزي: تثبت مسارات وتهمّش أخرى، وتحول التدفق التاريخي الحي إلى صورة ثابتة نسبياً.الإشكال يزداد حدة عندما تُربط هذه الخريطة بجغرافية العقل. فإذا قيل إن بعض التقاليد تنشط التحليل التجريدي بينما تنشط أخرى الربط السياقي أو التأمل الوجودي، فإن هذا الربط قد ينزلق إلى نوع من الحتمية الجغرافية-الثقافية المقلوبة. يصبح الاختلاف الفلسفي مجرد انعكاس لتضاريس عقلية مسبقة، ويُفقد الفكر قدرته على تجاوز شروطه الإدراكية. والسؤال المعلق هنا هو: هل الفلسفة تعبير عن جغرافيا عقلية معينة، أم أنها بالضبط الجهد الذي يحاول العقل من خلاله أن يعيد تشكيل تضاريسه الخاصة؟
خريطة التفكير الفلسفي: الطرق والمراكز والمحيطات
أما خريطة التفكير الفلسفي فهي، بدورها، ليست خطاً زمنياً أحادياً ينطلق من اليونان ويمر بأوروبا ليصل إلى الحداثة. هي شبكة معقدة من المراكز والمحيطات والمسارات العابرة. هناك تقاليد فلسفية نشأت في سياقات جغرافية وثقافية محددة: التفكير التأملي في وادي الرافدين ومصر القديمة، والبحث عن النظام الكوني في الهند والصين، والعقلانية الحوارية في اليونان، والتركيب بين الوحي والعقل في المجال الإسلامي، والتأمل الوجودي والأخلاقي في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، وغيرها. كل تقليد رسم تضاريسه الخاصة: بعضها ركز على السؤال الأنطولوجي عن الوجود، وبعضها على السؤال الأخلاقي عن الحياة الجيدة، وبعضها على السؤال المعرفي عن حدود العقل، وبعضها على السؤال السياسي عن العدالة والسلطة. غير أن هذه الخريطة لم تكن يوماً معزولة. فقد انتقلت الأفكار عبر طرق التجارة والفتوحات والترجمة والهجرة. الفلسفة الإسلامية استوعبت وأعادت صياغة التراث اليوناني والهندي والفارسي، والفلسفة الأوروبية الحديثة تلقت روافد من الترجمات العربية والتأملات الآسيوية، والفكر المعاصر يشهد تلاقحاً متزايداً بين التقاليد المختلفة. الخريطة الفلسفية، بهذا المعنى، تشبه خريطة العالم القديمة التي كانت تتغير مع كل رحلة اكتشاف جديدة: مراكز تظهر وأخرى تتراجع، وطرق جديدة تُفتح، ومناطق كانت هامشية تصبح محاور تفاعل. الخطأ الذي تقع فيه بعض السرديات الفلسفية هو التعامل مع هذه الخريطة وكأنها إمبراطورية ذات مركز واحد ومحيط تابع. هذا التعامل يُخفي الثراء التضاريسي للتفكير الإنساني، ويحول الفلسفة إلى ملكية حصرية لثقافة بعينها، بينما هي في جوهرها نشاط بشري مشترك يتخذ أشكالاً متعددة بحسب التضاريس التاريخية والجغرافية التي يمر بها.
توترات العلاقة: بين المطابقة والمقاومة
العلاقة بين الطرفين تولّد جملة من التوترات التي لا تقبل الحسم السريع. التوتر الأول معرفي: هل يمكن لجغرافية العقل أن تفسر خريطة الفلسفة دون أن تقع في الدور المنطقي؟ فأي وصف لتضاريس العقل يستند هو نفسه إلى أدوات مفاهيمية فلسفية مسبقة، وأي رسم لخريطة الفلسفة يفترض تصوراً معيناً عن طبيعة العقل. كل طرف يبدو بحاجة إلى الآخر ليُفهم، وفي الوقت نفسه يقاوم الاختزال إليه.
التوتر الثاني أنطولوجي: العقل ليس مجرد فضاء داخلي معزول، والفلسفة ليست مجرد توزيع خارجي للأفكار. كلاهما ينخرط في العالم ويتأثر بالجسد والزمن والآخر. عندما نفصل الجغرافيا الداخلية عن الخريطة الخارجية نخلق ثنائية مصطنعة، لكن عندما ندمجهما بالكامل نفقد القدرة على التمييز بين شروط الإمكان المعرفية والإنتاج التاريخي للأفكار. الإشكال يكمن في إيجاد موضع للتفكير لا يسقط في الثنائية الحادة ولا في الوحدة المانعة للتحليل.
التوتر الثالث قيمي وسياسي: أي مقاربة تربط العقل بالفلسفة تحمل في طياتها خطر شرعنة بعض أنماط التفكير على حساب أخرى. إذا اعتُبرت بعض التضاريس العقلية أكثر «عقلانية» أو أكثر ملاءمة للفلسفة، فإن الخريطة الناتجة تعيد إنتاج تراتبيات قديمة تحت غطاء علمي أو وصفي. والمقاربة الاستشكالية تفرض التساؤل باستمرار: من يتحدث باسم جغرافية العقل؟ ومن يرسم حدود الخريطة الفلسفية؟ وهل يمكن لفعل الرسم ذاته أن يكون محايداً؟
المقاربة المقارنة: تقاطعات التضاريس العقلية والفلسفية
عندما نقارب بين جغرافية العقل وخريطة التفكير الفلسفي، تظهر تقاطعات عميقة. فكل تقليد فلسفي يميل إلى تفعيل مناطق معينة من الجغرافيا العقلية وإبرازها على حساب أخرى. التفكير التحليلي التجريدي ينشط مسارات التفكيك والتصنيف المنطقي، بينما التفكير الشمولي أو الارتباطي ينشط شبكات الربط السياقي والعلائقي. التأمل الصوفي أو الوجودي يفتح مسارات الحدس والوعي بالذات والجسد، بينما التفكير السياسي العملي يركز على شبكات التقييم الأخلاقي والفعل الجماعي. هذه التفضيلات ليست عشوائية، بل مرتبطة بظروف البيئة الثقافية والاجتماعية. العقل الذي ينشأ في سياق شفهي سردي يطور تضاريس مختلفة عن العقل الذي ينشأ في سياق كتابي تجريدي. والعقل الذي يواجه هشاشة الوجود اليومي يميل إلى أسئلة مختلفة عن العقل الذي يعيش استقراراً مؤسسياً طويلاً. غير أن هذه الاختلافات ليست حواجز مطلقة. فالعقل البشري، بفضل مرونته، قادر على تعلم تضاريس جديدة، تماماً كما أن التفكير الفلسفي قادر على استيعاب طرق جديدة وإعادة رسم خرائطه. كما تكشف المقارنة أيضاً عن خطر الاختزال المزدوج. اختزال العقل إلى نموذج عصبي واحد يتجاهل التنوع الثقافي للإدراك، واختزال الفلسفة إلى سردية مركزية واحدة يتجاهل تعدد المسارات الإنسانية. كلا الاختزالين ينتجان خرائط مشوهة تُظهر بعض المناطق بوضوح مفرط وتترك مناطق أخرى في العتمة. لذلك تقترح المقاربة الكوسموبوليتية الخروج من منطق المركز والمحيط إلى منطق الشبكة والتفاعل. فهي تنظر إلى جغرافية العقل بوصفها إرثاً بشرياً مشتركاً، قابلاً للتكيف والتوسع، وإلى خريطة التفكير الفلسفي بوصفها تراثاً متعدد المراكز يمكن لكل ثقافة أن تدخل إليه وتخرج منه حاملةً إضافاتها. الكوسموبوليتية هنا ليست دعوة إلى إلغاء الخصوصيات، بل إلى الاعتراف بأن الخصوصية نفسها تتشكل عبر التفاعل مع ما هو مشترك. في هذه المقاربة، يصبح العقل قادراً على التنقل بين تضاريسه المختلفة: أن يفكر تحليلياً حين يتطلب الأمر تفكيكاً، وأن يفكر ارتباطياً حين يتطلب الأمر فهماً سياقياً، وأن يجمع بين الحدس والتجريد دون أن يرى في أحدهما نفياً للآخر. ويصبح التفكير الفلسفي قادراً على عبور الحدود دون فقدان الجذور: أن يستفيد من التراث اليوناني دون أن يجعله الأصل الوحيد، وأن ينفتح على التأملات الآسيوية والأفريقية والإسلامية دون أن يختزلها إلى «حكمة شرقية» أو «فكر هامشي». ان الكوسموبوليتية تعيد رسم الخريطتين معاً. فهي تحول جغرافية العقل من إقليم مغلق إلى فضاء قابل للترحال المعرفي، وتحول خريطة الفلسفة من سردية إمبراطورية إلى شبكة طرق مفتوحة. في هذا الفضاء، لا تُقاس قيمة الفكرة بمنشئها الجغرافي أو الثقافي، بل بقدرتها على الإنارة والتوسع والحوار. والاختلاف لم يعد عقبة، بل مصدر ثراء يوسع التضاريس المتاحة للعقل البشري. بهذا المعنى، تكون المقاربة بين جغرافية العقل وخريطة التفكير الفلسفي أكثر من مجرد تشبيه أدبي. هي دعوة إلى إعادة تصور المعرفة الإنسانية بوصفها رحلة مستمرة عبر تضاريس متعددة، رحلة لا تنتهي عند حدود ثقافة أو عصر، بل تظل مفتوحة على إمكانات جديدة كلما التقى عقل بآخر، وكلما عبرت فكرة طريقاً لم تكن قد سلكته من قبل. والمقاربة الكوسموبوليتية هي التي تحفظ لهذه الرحلة أفقها الإنساني الشامل، دون أن تطمس تنوع المناظر التي تمر بها. فكيف تتجه المقاربة الكوسموبوليتية نحو فضاء مشترك للتضاريس المتعددة؟
خاتمة
لا تنتهي هذه التوترات إلى حل نهائي، وهذا بالضبط ما يميز المنظور الاستشكالي. تظل أسئلة أساسية معلقة: هل للعقل جغرافيا واحدة متعددة الطبقات أم جغرافيات متكاثرة لا تقبل التوحيد؟ هل خريطة الفلسفة قابلة للرسم أصلاً أم أنها تقاوم التثبيت لأنها في جوهرها حركة تجاوز مستمر للحدود؟ وهل العلاقة بين الطرفين علاقة تفسير أم علاقة تحدٍّ متبادل؟ العقل يقاوم أن يُختزل إلى خريطة ثابتة لأنه يعيد تشكيل نفسه عبر التفكير، والفلسفة تقاوم أن تُختزل إلى انعكاس لتضاريس عقلية لأنها تسعى إلى مساءلة تلك التضاريس ذاتها. كل محاولة للمطابقة الكاملة بينهما تخفي جانباً من المقاومة، وكل محاولة للفصل الحاد تخفي جانباً من التداخل. العلاقة، بهذا المعنى، ليست جسراً يُبنى مرة واحدة، بل منطقة توتر دائمة تدعو الفكر إلى البقاء في حالة يقظة نقدية. المنظور الاستشكالي لا يغلق الملف ولا يقدم تركيباً مطمئناً. هو يبقي السؤال مفتوحاً: كيف يمكن التفكير في العقل دون أن نجعله أرضاً قابلة للتملك الخرائطي، وكيف يمكن رسم خريطة للفلسفة دون أن نفقدها قدرتها على تجاوز أي خريطة؟ هذه الأسئلة لا تُضعف المقاربة، بل تحفظ لها خصوبتها بوصفها حقلاً للتساؤل المستمر لا ميداناً للإجابات النهائية. لكن ما تأثير الجسد على الجغرافيا المعرفية؟ وماذا يحصل اذا ما نزلنا العلاقة بينهما في الفضاء الوجودي؟
كاتب فلسفي
صدور كتاب "طيور العنقاء" للكاتبة جمانا سمير العتبة/ فراس حج محمد
عن دار الجندي للنشر والتوزيع في القدس، صدر الكتاب الأول للكاتبة الفلسطينية المقيمة في ليبيا جمانا سمير العتبة بعنوان "طيور العنقاء"، ويقع الكتاب في نحو (87) صفحة من القطع المتوسط، مشتملاً على تجربة أدبية وإنسانية مكثفة تجمع بين السرد القصصي، والشواهد النقدية، والاحتفاء بالوعي الثقافي والوطني في أوقات المحن والأزمات.
يأتي هذا الإصدار- الذي وقعته الكاتبة مؤخرا في معرض طرابلس الدولي للكتاب في ليبيا- محاولة لإعادة ترتيب الفوضى الذاتية والجمعية وإطلاق جيشٍ من الأفكار والمفاهيم الإصلاحية، حيث أهدت الكاتبة عملها إلى رفيق دربها خميس جبر، وإلى ابنها "هنيبال" وابنتها "يافا"، إضافة إلى تقديم شكر خاص لكل من الكاتب والناشر سمير الجندي، والكاتب فراس حج محمد الذي أشرف على الكتاب وحرره، وتستعير في هذا الإهداء مقطعا شعريا من قصيدة له بعنوان "الغريب": "فتقدّم يا غريب ومدّ لنا يدك/ هذا المدى الممتدّ لك". (ما يشبه الرثاء، 2019)
تفتتح المؤلفة كتابها بنص "استثناء" تروي فيه طقوساً يومية تتقاطع مع قراءتها لقصيدة رثاء صاغها الشاعر والكاتب كميل أبو حنيش عندما كان أسيراً لجدته من خلف القضبان؛ تلك السطور الشعرية التي تذكّر بالغياب والموت والتحرر والعودة، وتُسقط الكاتبة هذا النص على ذكرى رحيل والدها عام 2019، لتبحث عن الإجابة النفسية والفلسفية لسؤال استثنائية الموت.
وتستذكر الكاتبة آخر حوارٍ جمعها بوالدها الراحل عبر الفيديو هي في ليبيا والولد في نابلس؛ إذ طرح عليها فكرة تأليف كتاب يحمل اسم "الجيش الأحمر الفلسطيني"، ولم يكن المفهوم يشير إلى تشكيل عسكري تقليدي، بل إلى "جيش سلاحه الفكر وطريقة مغايرة لنظرة المجتمع لنفسه"، ومن رماد الفقد وعبر نظرة الوالد المقترنة بالتفاؤل والأمل، انطلقت الكاتبة في صياغة نصوص كتابها هذا، ليكون بمثابة تحقق لأمنية والدها وعينٍ ترى المجتمع وأفكاره وقضاياه من زوايا ومسارات جديدة.
في النص المعنون "جيش البنفسج"، تستعرض الكاتبة الأحداث التاريخية والسياسية المفصلية بعد السابع من أكتوبر 2023 وما تلا هذا اليوم من حرب وتدمير واستبسال وخذلان، وتسعى الكاتبة إلى قراءة التحولات الفكرية والاجتماعية والنفسية للجمهور الفلسطيني والعربي في ظل هذه الصدمات، وتصوغ الكاتبة في هذا السياق معادلة رمزية تتجاوز حالة السواد المطلق؛ فإذا ما مُزج اللون الأحمر- رمز دماء الشهداء والتضحية- مع اللون الأسود- رمز الخذلان والظلمة- يولد من رحم المزيج "لون البنفسج"، هذا "الجيش البنفسجي" يمثل الرمزية الفكرية والاجتماعية الواعية القادرة على انتشال المجتمع من المياه الضحلة وتصحيح مفاهيم الحرية والكرامة والمقاومة والإنسانية بعد أن طمست المعاني واختلت المفاهيم، فكأنه يمثل لوناً للأمل والعمل معاً، فلا يستسلم للسواد ولا يغرق في بحور الدم، وما يلزم ذلك من تحدٍ للصعوبات والأهوال والإصرار والعزيمة.
ويُشكل نص "طير العنقاء" النواة الرابطة والأكثر بروزاً في الكتاب؛ حيث تحول أسطورة العنقاء التي تبعث من الرماد إلى طائر يحمل الرسائل والأفكار ويكسر القضبان والحدود ليجوب البيوت والمدن والشتات، وتستعين الكاتبة باقتباسات ونصوص ونتاجات فكرية حية لعدد من الكتاب الأسرى الفلسطينيين القابعين داخل سجون الاحتلال في ذلك الوقت، وقد تحرروا بعد ذلك في صفقات الطوفان، مؤكدة دور الوعي في صياغة الفكر الفلسطيني، فاتكأت على كتاب الأسير أسامة الأشقر "للسجن مذاق آخر" للحديث عن ذوبان الذات الفردية لصالح "الذات الجماعية" التشاركية لتجاوز عثرات وتحديات الحياة والتكيف في المساحات الضيقة، ورواية الأسير كميل أبو حنيش "وجع بلا قرار" للحديث حول فلسفة القهر ومواجهة الألم وتحديد المصير الإنساني، والأسير باسم خندقجي وروايته "نرجس العزلة" لتجسيد واقع أمهات الشهداء والالتباسات الوطنية الشديدة، وحضرت رواية الأسير هيثم جابر "الأسير 1578" لإبرام التلازم بين الثورة والعشق وحب الوطن خلف الأسوار، وسردية الأسير منذر مفلح "الخرزة" للحديث عن الألم النفسي الداخلي غير المعلن وعن الهوية، وكتاب الأسير حسام شاهين "رسائل إلى قمر" لتأكيد ضرورة التنوع الثقافي والمعرفي لدى الأجيال لتجنب التهلكة والانغلاق، وأخيرا كتاب الأسير راتب حريبات "لماذا لا أرى الأبيض" من أجل التساؤل الإنساني والأخلاقي ومفاهيم البراءة والتسامح.
تتوزع نصوص الكتاب البالغ عددها خمسة وعشرين نصّاً عبر متوالية سردية تناقش إشكالات الذات، والأسرة، والمجتمع، والنضال، واللجوء، فبرزت قضايا المرأة والعنف ومفهوم الأنوثة والرجولة في نصوص مثل "اغتيال" و"كوكب المريخ"، حيث تستعرض الكاتبة صوراً من الاستبداد والعنف الأسري، مقترحة آليات لبناء وعي فكري لدى الأبناء لحماية وجودهم وشخصيتهم، وتختتم ذلك بمقولة مركزية: "لا تُغتال الأنوثة لإثبات الرجولة".
وفي نصي "لجوء" و"مكالمات" بقسميه الأول والثاني، تتقاطع تجارب الحرب والثورة في ليبيا مع الذاكرة الفلسطينية الممتدة من يافا المدينة الفلسطينية المنكوبة، وتناقش الكاتبة ظاهرة الهجرة الشاقة وقوارب الموت عبر البحر نحو أوروبا، مُفرقة بين خيار النضال والثبات، وبين واقع اللجوء والتشتت الذي يسلب الإنسان حقه في تقرير مصيره.
وتتناول في نص بعنوان "عالة" معاناة العائلات التي تُرزق بطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، وتغيّر نظرة الوالدين من التخبط والخوف إلى التعلم واكتشاف قوة الطفل، حتى تنقلب المفاهيم فيتدرّب الوالدان في عالم الطفل ويقول الأب لولده: "سامحنا يا بني إن كنا يوما عالة عليك"، أما في نصي "أم" و"يد الياسمين" ففيهما استحضار لقيم الأمومة الممتدة بين الأمهات اللواتي أنجبن واللواتي ربين، وغرس حب القراءة والفن والوطن، وتقدم في نص "استحواذ الفراغ" قراءة نقدية لطبيعة العلاقات الأسرية والعراك الصباحي اليومي بين الآباء كطقس من طقوس محاربة الوحدة بعد كبر الأبناء.
وتدعو في نص "حيوانات" للاستفادة من تنظيم القطيع في الطبيعة لتحقيق مفهوم الرضا الجماعي والمداولة السلمية للقيادة دون أنانيات فردية، ولا يفوتها أن تسترجع في نص "تفاصيل" الذاكرة المنزلية الفلسطينية، حيث التفاصيل اليومية الصغيرة التي تحمي المجتمع من الاندثار.
تعتمد جمانا العتبة في كتاباتها على أسلوب السرد المكثف، متكئة على الرمزية المقترنة بالنقد الاجتماعي والمفاهيمي، ويتضح ذلك في نصوص مثل "لوحة" و"ساعة رملية" و"ماذا لو" و"إعدام" و"ألوان"، كما استخدمت الكاتبة تقنيات الصراع الداخلي والمفارقة والتداعي الحر للذكريات.
وردت مفردة الجيش بمعانٍ مجازية متجددة في كثير من النصوص "جيش من الأفكار"، "جيش البنفسج"، "جيش الحب والياسمين"، "جيش من التفاصيل"، "جيش الأقلام"؛ ولعل هذا التكرار جاء بفعل التداعي الحرّ وعمق استذكار كلمات والدها الراحل، ليس فقط صاحب فكرة هذا الكتاب، بل أيضاً صاحب هذا التعبير "الجيش الأحمر الفلسطيني" الذي تمدد معناه في كل نصوص هذا الكتاب، ليغدو الكتاب هدية معنوية للأب الراحل وعلامة للوفاء لذكراه الباقية، وقد عملت الكاتبة على تخليده في كتاب يُقرأ حاضراً ومستقبلاً، فكأنها تكتب وفي وعيها ما قاله يوسف زيدان في رواية عزازيل "اكتب يا هيبا، فمن يكتب لن يموت أبداً"، وما دام أنها تكتب عن أبيها الراحل، فهي تعيده إلى الحياة مرة بعد مرة، كي لا تستسلم لفكرة رحيله الأبدي.
عملاقُ الفنِّ والطرب/ الدكتور حاتم جوعيه
( في رثاء مطرب المطربين العملاق وديع الصافي - في الذكرى السنويَّة على وفاته )
أنتَ الوَديعُ سَحَرتَ الشَّرقَ والعَرَبَا في كلِّ أرضٍ نشرتَ الفنَّ والطرَبَا
الأرزُ يبكي ، سمَا لبنان ملتهبٌ لبنانُ أضحَى بثوبِ الحزنِ مُنتحِبَا
الحُزنُ خيَّمَ والأجواءُ ناحِبةٌ من بعدِ فقدِكَ أضحَى الكلُّ مُكتئِبَا
لبنانُ هُزَّ وقد قامَت قيامتهُ كأنَّ يومَ التنادي هولهُ اقترَبا
يومُ الرَّحيلِ كيومِ النشرِ موقعهُ كأنَّ جُرمًا هوَى للأرضِ مُلتهبَا
الكلُّ يبكي أبا فادَي ويندبُهُ القلبُ ينزفُ، دمعُ العين كم سُكِبَا
الكلُّ يبكي أبا فادي ويندبُهُ فدولة ُ الفنِّ دالتْ فيضُها نضبَا
الكلُّ يبكي نجيعًا فاضَ مُنسَجمًا فدولةُ الفنِّ زالتْ مَجدُها ذهَبَا
يا أيُّهَا الطَّودُ يا حَمَّالَ ألويةٍ للفنِّ، قد كنتَ صرحًا عانقَ السُّحُبَا
قد بُحَّ بعدَكَ صوتُ العوُدِ وانتكسَتْ أوتارُهُ ، صارَ مَغمُومًا وَمُضطربَا
أنتَ الكنارُ وكم قد كنتَ تطربُنا وفي الدُّجَى تنثرُ الأقمارَ والشُّهُبا
أنتَ الذي فوقَ جفنِ الشّمسِ منزلهُ فوقَ المَجَرَّةِ تبقى الدّهرَ مُنتصِبَا
مدارسُ الفنِّ والإبداع ِكم سَجَدتْ الكلُّ يشهَدُ وفيكَ الكلُّ قد خُلِبَا
أنتَ الوديعُ منارُ الفنِّ في وطن ٍ غنيتَ للحبِّ والسِّلم الذي سُلِبَا
ملاعبُ الحُبِّ والآمالِ شاحبة فيها الشَّقاءُ غرابُ البين ِ قد نعبَا
غنيتَ لبنانَ جُرحًا كانَ مُلتهبًا أشجانهُ هَزَّتِ البلدانَ والعَرَبَا
غنيتهُ ودموعُ العين ِ نازفة ٌ غنيتَ وحدتهُ .. والخصبَ ما نُهِبَا
لبنانُ قد كانَ شمسًا ، أبْجَدِيَّتهُ قبلَ الحضاراتِ والعِلم ِ الذي كُتِبَا
" قدموسُ " يروي سطورًا من روائِعِهِ المَجدُ دومًا للبنان العُلا انتسَبا
فيهِ العمالقة ُ الأفذاذ ُ قد وُلدوا لبنانُ .. لبنانُ ضمَّ الفنَّ والأدَبا
وبعلبكُّ المُنى آثارُها شهِدَتْ لِرَوعةِ الفنِّ .. فيها الشِّعرُ كم ندَبَا
معابدُ الشَّمس ِ والأقمار ِ شاهدَة ٌ لها القرابينُ كانت تملؤُ النّصبَا
"عشتارُ " للحُبِّ.. للإبداع ِ مُلهمَة ٌ نبعُ الشَّفاعةِ كانت تطرُدُ العَطبَا
" جبرانُ " نبعُ السَّنا فكرًا وفلسفة ً شُعاعُهُ في ديارِ الغرب ما غَرُبَا
في الشِّعرِ والرَّسم ِ والآدابِ مُؤتلِقٌ مِلءَ الزَّمَان ِ، رجال الفكرِ قد غلبَا
" فيروزُ" صوتٌ مِنَ الفردَوس يُطربُنا وَنجمة ُ الشَّرق ِ والسِّحرُ الذي جَذبَا
" صباحُ " شُحرورة ُ الوديان ِ رائِدَة ٌ في الأوفِ ثمَّ العَتابَا تصنعُ العَجَبَا
يا أيُّهَا القمرُ المَيْمُونُ طلعتهُ وفي سمَا الشُّوفِ في لبنان ما وَقبَا
صنعتَ مجدَكَ بالإبداع ِ تترعُهُ ينسابُ صوتك نخبًا.. ليسَ مُصطخبَا
رسالةُ الحُبِّ للأكوانِ تعلنهَا وكُنتَ في سَعيِكِ المَنشُودِ مُقتضِبَا
حَقَّقتَ آمالكَ الجَذلى على مَهَل ٍ وأخفقَ الغيرُ سَعْيًا سارَهُ خَبَبَا
وَمُطربُ المطربينَ .. الكونُ رَدَّدَهَا ..عبدُ الوهابِ لقد أعطى لكَ اللّقبَا
في الفنِّ أنتَ أبو الكُلثوم ِ.. قد نعَتتْ كَ كوكبُ الشَّرق ِ..لا زلفى ولا كذبَا
وأنتَ أسطورة ُ الأجيال ِ ، رائِدُنا طريقكَ الوردُ ، صَرح الفنِّ مَن نصَبَا
صُنتَ التراثَ ومَا أبقى أوائلِنا بينَ الرُّكام وبينَ الرَّدم ِ مَنْ نقبَا
الكلُّ ينهجُ فنًّا ليِّنا ً سهلا ً وأنتَ تنهجُ فنًّا شائِكا ً صَعِبَا
بالفنِّ نرقى إلى الأفلاكِ نسكُنُهَا نسدُّ كلَّ جدار ِ كانَ قد ثقِبَا
يا روضة ً بشذا الإبداع ِ مُترَعَة ً تجلو الأُوامَ عن ِ الحوباءِ والسَّغَبَا
السِّحرُ ضَمَّخَها والحُبُّ واكبَهَا يصبُو لها الصَّبُّ ، يلقى كلَّ ما طلبَا
الماءُ فيها نميرٌ طابَ مَشربُهُ سَلسَالُهَا الشَّهدُ والترياقُ.. ما نضَبَا
يا صافيَ الصوتِ مَزهُوًّا بروعتِهِ كالكهرباءِ سَرَى ..مع نبضنا حُسِبَا
هذا الزَّمانُ الذي قد كنتَ رائِدَهُ يبكي لفقدِكَ مَذهُولا ً وَمُنتكبَا
رثاكَ بعضٌ بقول ٍ جاءَ مُصطنعًا أمَّا أنا فنثرتُ الدُّرَّ مُنتخَبَا
شعري هُوَ الدُّرُّ والياقوتُ مُؤتلِقٌ يبقى المنارَ، قلوبَ الغيدِ كم جَلبَا
وإنَّني شاعرُ الأجيال ِ قاطبةً بهرتُ في شعريَ الأفذاذ َ والخُطبَا
شعري لنصرةِ شعبي دائِمًا أبدًا يُذكي الإباءَ يُزيلُ اليأسَ والكرَبَا
الحُبُّ عَمَّدَني والنورُ واكبني والموتُ قد فرَّ مَهزُومًا وَمُرتعِبَا
يا نسمة ً من رُبَى لبنان دافئة ً أذكيتِ فيَّ الرُّؤَى والشَّوقَ والعَتبَا
قلبي هناكَ وَروحي .. كلُّ أوردتي أهلي هُناكَ هُمُ التاريخُ .. قد وثبَا
لُبنانُ وَحيي وإلهامي وأغنيتي لهُ الترانيمُ .. نزفُ القلبِ .. ما وَجَبَا
لبنانُ ... لبنانُ يا خمري وقافيتي ومَنبعُ السِّحر ِ مِنهُ الفنُّ قد شربَا
يا قطعةً من سَنا الفردوس فاتنة ً شابَ الزَّمانُ ويبقى غصنهُ رطبَا
فيكَ الوَديعُ منارُ الفنِّ سُؤدُدُهُ وَمطربُ الشِّرق للتقليدِ قد شَجَبَا
في القلبِ تحيا أبا فادي ، فأنتَ لنا ال مُعَلِّمَ الفذ َّ... تبقى للجميع أبَا
أنتَ العزاءُ لِمَحزون ٍ وَمُغتربٍ أنتَ الشِّفاءُ لقلبٍ كانَ مُضطربَا
رمزُ الوداعةِ والطُّهر ِالذي شهدُوا وتنشدُ الحُبَّ ..لا الأسيافَ والقضبَا
أنتَ المُعلِّمُ والإنسانُ في زمن ٍ الفنُّ صارَ رخيصًا ، عندنا لعبَا
قيثارَةُ الخُلدِ ، من أنغامِهِ سكرتْ كلُّ الدُّنى .. وانتشَى عُشَّاقهُ طرَبَا
ويُسكرُ النفسَ صوتٌ رائعٌ عذبٌ فاقَ الخمورَ التي تستنزفُ الحببَا
خمائلُ الروح ِ من إبداعِكَ ابتهَجَتْ مِنَّا أسَرتَ النّهَى والقلبَ والعَصَبَا
ووصوتكَ العذبُ سلوانٌ لِمَن نكبُوا فيهِ العزاءُ يُزيلُ الهمَّ والوصَبَا
أنتَ المَحَبَّة ُ دومًا رمزُ تضحيةٍ وتفرشُ القلبَ والوجدانَ والهُدُبَا
سفيرُ شعبكَ للأكوان ِ قاطبة ً وَتنشُرُ الفنَّ والحُبَّ الذي احتجَبَا
وَمِهرَجاناتُ أهل ِ الفنِّ في بعلبكّ كنتَ رائِدَهَا ... واكبتهَا حقبَا
تاريخُكَ الفنُّ والإبدَاعُ .. مُأتلِقٌ بأحرفِ النور ِ.. لا بالتّبرِ قد كُتِبَا
منارة ُ الفنِّ للأجيال ِ مدرسَة ٌ الكلُّ يرشُفُ منها الشَّهدَ والرُّطبَا
البعضُ يسكبُ نزرًا.. ما بجُعبتِهِ وأنتَ ... أنتَ سكبتَ التبرَ والذهبَا
يا أرزة ً في ثرَى لبنان صامِدة ً لم تحفل ِ الرِّيحَ والأهوالَ والنُّدبَا
بعضُ الأساطين عن لبنانَ قد رحلوا لبنانُ في القلبِ لم نشهَدكَ مُغتربَا
لم تحفل الموت والأهوالَ في وطن ٍ أنتَ الذي من سهام ِ الموتِ ما رَهبَا
وأنتَ صوتٌ سماويٌّ فيُترعُنا بنفحةِ الخُلدِ ... مَنْ أنوارُهُ وَهَبَا
وتنشرُ الحُبَّ والآمالَ ساحرةً فيكَ البراءَةُ والحِسُّ الذي التهَبَا
محبَّة ُ الرَّبِّ فيكَ الكلُّ يشهدُها أبصرتُ فيكَ يسوعَ الحقِّ مَنْ صُلِبَا
علمتنا أنتَ أنَّ الحُبَّ مُنتصِرٌ ويهزمُ الشَّرَّ والأهوالَ والرُّعُبَا
كلُّ الكنائس ِ تبكي ليسَ يُوقفها شهدُ العزاء وَدُرُّ القول ِ ما كذبَا
لجنَّةِ الخُلد ِ تمضي إنَّها وطنٌ رضوانُ هَيَّأهَا دارًا .. لكَ انتدَبَا
فيها الملائكة ُ الأطهارُ تطربُهُمْ بصوتِكَ العذبِ ..بالتسبيح ِ ما طُلِبا
وَمن مزاميرِ داودِ النبيِّ ترا نيمٌ لربّ العُلا.. تشدُو الذي رُغِبَا
يا أيُّها الفذ ُّ والعُملاقُ في زمن قد شَوَّهُوا الفجرَ، وجهُ الفنِّ قد شَحبَا
بقيتَ في قممِ الإبداعِ مُبتهِجًا صُنتَ القديمَ ... وللتجديدِ ما عذبَا
طوبَى لأرض ٍ عليها كنتَ مُؤتلِقا تغدُو وترجعُ مَزهُوًّا وَمُنتصِبَا
طوبَى لأرض ٍعليهَا سرتَ مُنتشيًا تختالُ فوقَ رُباها باسمًا طربَا
طوبَى لأرضٍ عليها كلُّ مُؤتَمَلٍ ضَمَّت ضريحَكَ والأنوارَ والشُّهُبا
طوبى لِروحِكَ أنوارٌ مُشَعشَعةٌ في جنَّةِ الخُلدِ تلقى الصَّحبَ والنُّجُبَا
المقصود ـ الأمانة أقلّ/ شوقي مسلماني
صار يعرف من الصياغة المحدّدة لفكرة، وصاروا كثيرين أولئك الذين يكتبون ويوقّعون، وإذا مُرفق الإسم بالزائدة الدوديّة يكون الخير على الخير.
فيما المكتوب معروض على الذكاء الإصطناعي المحترم أو غير المحترم، لا أعرف، وهذا يلفّ بسرعة البرق على كلّ ما له علاقة ويبدأ برسم ما هو معروض عليه وينقص ويضيف ويقدّم الكثير ممّا هو أفخم شكلاً ومضموناً.
وما ينسبه الكاتب لنفسه مع الدودة الزائدة سيكون أميناً لو يضيف اسم البروفسّور فوق العادة "تشات جي بي تي" مثلاً، ولو يعترف إنّه أعطى "تشات جي بي تي" بضع جمل وقال أريد مقالة أو خطبة أو حتى قصيدة، "وشبّيك لبّيك عبدك "تشات جي بي تي" بين يديك".
تحيّة لحضرة "تشات جي بي تي" وأقرانه، وأقول: شياطينهم يستحضرها كثيرون من الذين أمانتهم أقلّ.
سرقة جملة، وادّعاء ابتداعها، كان من الكبائر، الآن يسرقون كلّ شيء و"على وتحت عينك يا تاجر".
Shawkimoselmani1957@gmail.com
العلاقة الحيوية بين الفكر والفعل عند هنري برغسون/ د زهير الخويلدي
مقدمة
" فكّر كإنسان فاعل وافعل كإنسان مفكر"
تُعتبر القولة المنسوبة إلى الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون (1859–1941) «فكّر كإنسان فاعل وافعل كإنسان مفكر» من أكثر العبارات الفلسفية تكثيفًا في التعبير عن العلاقة الجدلية بين الفكر والفعل. فهي لا تطرح مجرد نصيحة عملية أو حكمة أخلاقية عابرة، بل تكشف عن رؤية ميتافيزيقية وأنثروبولوجية عميقة للكائن الإنساني بوصفه كائنًا زمانيًا حيًّا، يتحرك في تيار الديمومة ولا ينفصل فيه التأمل عن الحركة ولا الحركة عن التأمل. إن هذه القولة تستدعي إعادة النظر في الثنائيات التقليدية التي هيمنت على الفكر الغربي: ثنائية النظر والعمل، النظرية والتطبيق، العقل والحياة، الثبات والصيرورة. وهي، في جوهرها، دعوة إلى تجاوز هذه الثنائيات عبر تركيب حيٍّ يجعل من الفكر فعلًا ومن الفعل فكرًا. فما طبيعة العلاقة الجدلية الحيوية بين الفكر والفعل عند برجسن؟
السياق الفلسفي العام للقولة
ينتمي برغسون إلى تيار الفلسفة الحيوية الذي يرى أن الواقع ليس بنية ثابتة يمكن للعقل التحليلي أن يقطعه إلى أجزاء متجانسة، بل هو تيار مستمر من الصيرورة والخلق. في مقابل العقل الذي يميل إلى التجزئة والتثبيت والتصنيف، يضع برغسون الحدس بوصفه القدرة على النفاذ إلى الديمومة الحية، أي إلى الزمن كما يُعاش لا كما يُقاس. ومن هنا فإن القولة ليست مجرد توجيه أخلاقي، بل تعبير عن ضرورة التوافق بين نمطين من الوعي: الوعي الفاعل الذي ينغمس في الحركة ويختبر المقاومة والاحتمال، والوعي المفكر الذي يتأمل ويوحد ويرى الكل في الجزء.
الإنسان الفاعل الذي يفكر هو الذي يرفض أن ينفصل فكره عن التجربة الحية. فهو لا يبني نظريات في فراغ مجرد، بل يستمد مفاهيمه من احتكاكه المباشر بالمقاومة التي يضعها الواقع أمامه. أما الإنسان المفكر الذي يفعل فهو الذي يرفض أن يتحول فعله إلى رد فعل آلي أو عادة ميكانيكية؛ فهو يدخل الفعل وهو يحمل في داخله أفق المعنى والغاية والرؤية الشاملة. بهذا المعنى تصبح القولة تعبيرًا عن وحدة الحياة الإنسانية في مستواها الأعلى: حياة لا يطغى فيها التأمل على الإرادة ولا الإرادة على التأمل.
يمكن تفكيك القولة إلى حركتين متكاملتين:
الأولى: «فكّر كإنسان فاعل».
تتطلب هذه الحركة أن يتخلى المفكر عن وهم الحياد المطلق والموضوعية الباردة. فالتفكير الحقيقي ليس عملية منطقية صرفة تجري في فضاء مجرد، بل هو فعل حي ينخرط في الصيرورة. عندما يفكر الإنسان كما يفعل الفاعل، فإنه يفكر وهو واعٍ بالزمن الحي، بالتغير، بالمخاطرة، بالاحتمال الذي لا يمكن حسابه سلفًا. الفكر هنا يصبح مغامرة، لا حسابًا آمنًا. إنه فكر يختبر أفكاره في المختبر الحي للتجربة، ويعدلها باستمرار تحت ضغط الواقع المتحرك. بهذا المعنى يكون الفكر الفاعل نقيضًا للفكر التأملي المنعزل الذي يبني أنظمة مغلقة ثم يحاول فرضها على الحياة.
الثانية: «افعل كإنسان مفكر».
هنا ينقلب الاتجاه. الفعل الذي يصدر عن المفكر ليس اندفاعًا أعمى أو استجابة غريزية. إنه فعل يحمل في طياته رؤية، وغاية، ووعيًا بالعواقب البعيدة. الإنسان المفكر حين يفعل لا يكتفي بتحقيق نتيجة مباشرة، بل يضع فعله داخل أفق أوسع من المعنى. هو يفعل وهو يفكر في ما يتجاوز اللحظة الحاضرة، في العلاقات المتشابكة، في القيم التي قد تُمس، في المستقبل الذي يُصنع الآن. الفعل المفكر هو فعل مسؤول، لا بمعنى المسؤولية الأخلاقية الضيقة فحسب، بل بمعنى المسؤولية الوجودية: أن يكون الفاعل واعيًا بأنه يشارك في خلق الواقع لا في مجرد الاستجابة له. التكامل بين الحركتين يولد نمطًا ثالثًا من الوجود: الوجود الذي لا ينفصل فيه الداخل عن الخارج، ولا النظرية عن الممارسة. هذا النمط يرفض كلاً من المثالية المجردة التي تحتقر الفعل، والبراغماتية الضيقة التي تحتقر التأمل.
الأبعاد الميتافيزيقية والأنثروبولوجية
من الناحية الميتافيزيقية، تعكس القولة رؤية برغسون للزمن والديمومة. الزمن الحقيقي ليس تتابع لحظات متجانسة قابلة للقياس، بل هو تدفق كيفي مستمر يخلق فيه الماضي نفسه باستمرار في الحاضر ويمتد نحو المستقبل. الفكر الذي ينفصل عن الفعل يميل إلى تجميد هذا التدفق وتحويله إلى صور ثابتة. أما الفعل الذي ينفصل عن الفكر فيميل إلى الذوبان في اللحظة دون أن يحتفظ بخيط الديمومة. القولة تدعو إلى أن يعيش الإنسان داخل الديمومة نفسها: أن يفكر وهو يتحرك، وأن يتحرك وهو يحتفظ بوعي التدفق.
من الناحية الأنثروبولوجية، تطرح القولة تصورًا للإنسان بوصفه كائنًا مزدوج الطبيعة: فهو كائن عاقل وكائن حي في آن معًا. العقل يميل إلى التثبيت والحساب، والحياة تميل إلى الخلق والانفتاح. التوازن بينهما ليس مساومة خارجية، بل تركيب داخلي يجعل العقل خادمًا للحياة لا سيدًا عليها، ويجعل الحياة مستنيرة بالعقل لا غارقة في العفوية العمياء. الإنسان الكامل، وفق هذه الرؤية، هو الذي يستطيع أن ينتقل بسلاسة بين قطبين: قطب التأمل العميق وقطب القرار الجريء، دون أن يفقد وحدته الداخلية.
الامتدادات في ميادين الحياة الإنسانية
في الميدان الأخلاقي، تعني القولة أن الفضيلة الحقيقية ليست تأملًا نظريًا في الخير، ولا اندفاعًا عاطفيًا نحوه، بل هي حركة تجمع بينهما. القرار الأخلاقي الأصيل يولد من تفكير يتغذى بالتجربة الحية، ومن فعل يستنير بالوعي بالقيم. الأخلاق هنا ليست منظومة قواعد جاهزة، بل خلق مستمر يشارك فيه الفكر والفعل معًا. في الميدان السياسي والاجتماعي، تكشف القولة عن خطرين متكاملين: خطر السياسي الذي يفعل دون أن يفكر (فيتحول إلى ديماغوجي أو ديكتاتور)، وخطر المثقف الذي يفكر دون أن يفعل (فيتحول إلى ناقد منفصل عن الواقع). السياسة الحية هي التي يجمع فيها القائد بين عمق الرؤية وجرأة التنفيذ، وبين الوعي بالمبادئ والقدرة على المناورة في عالم معقد. في ميدان المعرفة والعلم، تدعو القولة إلى تجاوز الفصل بين البحث النظري والتطبيق العملي. العالم الحقيقي لا يكتفي بصياغة الفرضيات في مختبره، بل يختبرها في تفاعل حي مع الظواهر. كما أن المهندس أو الطبيب لا يكتفي بتطبيق قواعد محفوظة، بل يعيد التفكير باستمرار في ضوء الحالات الفردية المتغيرة.
في الحياة اليومية، تصبح القولة منهجًا وجوديًا. الإنسان الذي يفكر كفاعل يرفض أن يبني خططًا مثالية ثم يصطدم بالواقع فيحبط. وهو الذي يفعل كمفكر يرفض أن يندفع وراء أول رغبة أو أول فرصة دون أن يتساءل عن المعنى والغاية. النتيجة هي حياة أكثر اتساقًا وأقل انقسامًا داخليًا، حياة يشعر فيها الإنسان بأنه مالك لأفعاله وأفكاره معًا.
التوترات الكامنة والإمكانات التجاوزية
ليست القولة وصفة سهلة التطبيق. فهي تحمل في داخلها توترًا دائمًا. التفكير كفاعل قد يدفع إلى نسبية مفرطة تجعل الفكر يذوب في اللحظة. والفعل كمفكر قد يؤدي إلى تردد يشل الإرادة. الحل ليس في إلغاء التوتر، بل في الإبقاء عليه حيًّا كمصدر للطاقة الإبداعية. الإنسان الذي يعيش هذه القولة يعيش في حالة من اليقظة المستمرة، يراجع فيها أفكاره في ضوء أفعاله، ويراجع أفعاله في ضوء أفكاره، في حركة حلزونية صاعدة لا تنتهي. هذا التوتر نفسه هو ما يجعل القولة معاصرة إلى أبعد حد. في عصر يتسم بتسارع المعلومات وسرعة القرارات من جهة، وبانفجار النظريات المجردة والتخصصات المنفصلة من جهة أخرى، تبدو دعوة برغسون أكثر إلحاحًا. فهي ترفض التخصص الذي يفصل الفكر عن الحياة، وترفض أيضًا النزعة العملية التي تحتقر العمق. إنها تدعو إلى إنسان متكامل، قادر على أن يكون في الوقت نفسه متأملًا عميقًا وفاعلًا جريئًا.
خاتمة:
قولة برغسون ليست حكمة أخلاقية فحسب، ولا توجيهًا عمليًا فقط. إنها تعبير مكثف عن رؤية فلسفية ترى أن اكتمال الإنسان يكمن في قدرته على الجمع بين قطبين يبدو أنهما متناقضان. أن يفكر وهو يحمل حرارة الفعل ومقاومته واحتماله، وأن يفعل وهو يحمل برودة التأمل واتساع الأفق وعمق المعنى. بهذا الجمع يتجاوز الإنسان الانقسام الداخلي الذي يمزقه بين عالم الأفكار وعالم الأشياء، ويصبح قادرًا على أن يعيش حياته كوحدة حية خالقة. في النهاية، فإن من يعيش هذه القولة لا يكتفي بأن يكون مفكرًا أو فاعلًا؛ بل يصبح إنسانًا بالمعنى الأكمل للكلمة: كائنًا يفكر حياته ويحيى فكره في حركة واحدة مستمرة من الخلق والوعي. هذه هي الدعوة العميقة التي يحملها برغسون إلينا عبر كلمات قليلة، لكنها تفتح أمام الفكر آفاقًا لا تنتهي. فكيف نتجه نحو وجود مركب من الفكر والفعل؟
كاتب فلسفي
إقرأ أيضاً
-
بحكم أن الجزائر خضعت للحكم العثماني لمدة تفوق 300 سنة ( 1518 - 1830 ) هذه المدة الطويلة كانت كفيلة لانتقال الموروث العثماني إلى المجتمع ...
-
طالما كانت الكنوز على أنواع، منها المالي ومنها الأدبي ومنها الروحي. النوع الأخير هو ما نقصد كشفه والتنقيب عنه. جوهرة آدمية دفنت منذ أكثر من ...
-
شعراء الواحدة وبواحدة الحلقة التاسعة أولاً : بيتا القصيد : وإنّـمــا أولادُنــا بيننـــا ***أكـبــادُنـا تمشــي علــى الأ...
-
مقدمة : الكاتبُ والأديبُ الأستاذ سليم نفاع من سكان مدينة شفاعمرو، حاصلٌ على شهادةِ الماجستير في التربيةِ من كلية أورانيم وموضوع رسالة ال...
-
ثديا المرأة أجمل ما فيها، وهما العضوان البارزان اللذان لا تستطيع المرأة - مهما حاولت - إخفاءهما، وهما من أكثر أعضائها شهوة وإثارة للرجل،...
-
يستهلّ الصديق الشاعر شوقي مسلماني ديوانه "ضوء آخر" قائلاً: "تدعوه إلى العقل \ يدعوك إلى علم الكلام"، وشتّان ما بين...
-
حبيبتي أنتِ من أعبد لأنّي أراكِ بعيونـي أنا لا أعبدُ آلهــــةً تؤرقني بالشّكِ والظنــونِ أعلمُ ما تكنْ قدرةَ...
-
لَا الْبَحْرُ سَجَّادَةٌ وَلَا عَيْنَاكِ يَمَامَةٌ وَيعودُ لِي كَمَا كَانَ. لَا الْبَحْر سَجَّادَةْ.. وَلَا عَيْنَاكِ يَمَا...
-
أكاديمي وكاتب فلسطيني هناك أوجاع لا تُدفن مع أصحابها، بل تُدفن فينا نحن. أوجاع تبقى حيّة رغم مرور السنوات، تكبر بصمت كما تكبر الشقوق في الجد...
-
نسرين حسن ايراني هي شاعرة رائدة من مدينة نهاريا الجميلة المطلة على البحر بامواجه الهادئة والهادرة ، شبت وترعرعت وتزوجت فيها ، وتعيش في ...















