المطران باسليوس يلدُو رحيقٌ ثَرِيٌ كثراءِ حياته/ الأب يوسف جزراوي
كلمةُُ اِستهلالٍ وإيضاح:
إنَّ المُعاصرةَ عنصرٌ إيجابي وأساس موضوعي مهم للكتابة عن الأشخاص برؤيةٍ مُحايدةٍ؛ بما لهم وما عليهم، بِقلمٍ أمينٍ وأحاديث منصفة، تعطي لكُلِّ ذيّ حقٍّ حقّهُ. إِنّني أكتبُ هذه الكلمات في هذا الكتاب ( نوارسٌ مُغترِبةٌ)، لكي أقولُ للجميع، لقد علّمتُ نفسي على أن أكونَ موضوعيًا قدرِ المُستطاع، يعطي كُلّ ذيّ حقٍّ حقّه ولا يبخس النّاس منجزهم أو يُصادر ابداعهم، فأنا لا أمتلك عقدة الدّونيّة. وفي أدب السيرة، أحتفيتُ وكرّمت الآخرين انصافًا واستحقاقًا ووفاءً، لكنّي دوَّنتُ بلبِاقةٍ هفوات مِن أُحبهم وحسنات مِن لا أميل لمواقفهم، بنزاهةٍ وموضوعيّة عهدتُ بها وفي أسلوب أدبي سلس تميّزتُ فيه، دونَ مصادرة منجزٍ أو اِبداعٍ لسِواي.
أكتبُ اليومَ، عَن شخصِيّةٍ كنسيّة رَصينةٍ، روحانيّةٍ ، اجتماعيّةٍ ومَحبُوبة مِن عامةِ العِراقيّين والمؤمنين، تستحق التقدير والاحترام والثناء، ومن منطلق الأمانة الأدبية، فهذه الكلمة كنتُ قد دبجتها عاميّ 2015 و 2016 للجزء الثاني مِن كتابي( نَخيلٌ فِي بُستان الذَّاكِرة) الذي صدرت طبعته الأولى عن دار سطور في بغداد والثّانية عن دار الرافدين في بيروت، وقد عدتُ إليها في جائحة كورونا، وأيضًا قبل بضعة شهورٍ أدخلتُ عليها تعديلات كُثر، وقد أكملتها اليوم، ويطيب لي نشرها للقرّاء الكِرام.
أنا هُنا بصددِ الحدِّيث عَن المطران الكلداني الجليل باسليوس يلدو، الذي يؤرقهُ حُبّ العِراق وخدمة الكنيسة. قريبٌ مِن عامة النّاس، هُو ليسَ مجرد علمٌ مسيحيّ ديني أو أكاديمي وحسب؛ بل شخص ثقافي وراعوي لهُ ثُقلهُ!. إذ يلاحظ المُتابع، إنَّ تنوع الخبرات واللغات التي في جعبته، تنعكس في طريقته بالتعبير والكلام والمواعظ والترجمة والكتابة وطريقة تدريسه أيضًا؛ فقد كانَ مُعلمًا في المدرسة الأبتدائية، الكُلّية العسكرية والحياة الكهنوتيّة.
يتقن العربية، الأرامية- الكلدانية، الانجليزية ، الايطالية وملمٌ بالاسبانية والالمانية. كما يجيد إدارة العلاقات الإنسانية بسهولة؛ يملك حضورًا لافتًا، ومهارة في تبسيط المفاهيم وتقديمها للمؤمنين مِن خلال مواعظه التي تكسب ودّ الحضور أو كتاباته التي تنال استحسان القرّاء أو في المحاضرات والندوات والمقابلات. لا يعقد المشهد، ولا يضع العصا في الماكنة؛ بل سيادته حمامة سلام اينما حّل وارتحلَّ.
هو محامي الكهنة والمدافع عن حقوق النّاس، وطني حدّ النخاع، يحب العراق ويعشق معشوقته بغداد، والشيء بالشيء يذكر: ذاتَ مرّةٍ دبجّتُ مقالاً، فسقطت مني سهوًا عبارة" بعد سقوط بغداد" في الحال، راسلني : " عزيزي أبونا يوسف، بغداد لا تسقط، بل النظام.... ياليت تُصحح جملتكَ"، فشكرته وكانَ لهُ ما يريد. ولكَ أن تتخيل عزيزي القارئ مقدار حُبّه لدار السّلام!.
لهُ بصمةٌٌ ملموسةٌٌ ومؤثرة لا ينكرها أيّ منصفٍ، أثرت الحياة الكنسيّة والمشهد العراقي داخل الوطن وخارجه. لا يتوانئ عن تقديم المساعدة للمسيحيّينَ وسِواهم، وكُلّ مَن سألهُ عونًا لا يرده. يُشيدُ بِهِ النّاقد قبل المادح، كما أنَّ لي ثلّة مِن الشِّعراء والأدباء والمثقفين الأفاضل في بغداد وسِواها مِن المحافظات، لطالما أشادوا بمواقفه الرَّاقيِّة وشخصيته في مراسلاتهم معي.
*سيرتهُ الذاتية بنبذةٍ مُقتَضبةٍ :
اسمهُ باسل سليم يلدو، أبصر نور الحياة في تلكيف 23 أيار 1970، عن أبوين فاضلين رحمهما الله ( سليم شمعون ونزهت يوسف). أكمل دراسته المتوسِّطة والثانويّة في بغداد حي الغدير/ سومر، ثُم تخرّجَ مِن معهد المُعلمين المركزي عام 1989. التحق بالخدمة العسكرية عام 1990. تسرّحَ مِن خدمة العلم عام 1993، دخل معهدنا البطريركي في بغداد/ الدورة- حي الميكانيك ( معهد شمعون الصفا الكهنوتي البطريركي عام 1994) درسَ في كُلّية بابل الحبرّيّة للفلسفة واللاهوت في بغداد لمدة سنتين؛ حيث انهى دراسته الفلسفية فيها. لحسن سيرته وتفوقه على أقرانه أُرسل إلى روما لاكمال دراسته اللاهوتية في الجامعة الأوربانيّة عام 1996، وقد أدركتهُ تلميذًا في المعهد التحضيري/ قسم الصغار قبل سفره بشهورٍ. وأصل دراسته في المدينة الخالدة- روما- حَتّى نالَ شهادة البكالوريوس في اللاهوت مِن نفس الجامعة عام 2001.
اِقتبلَ الرِسامة الإنجيلية في 20/4/2002 بوضع يد الكردينال كرشنسيو سييبه، رئيس مجمع اِنتشار الإيمان يومذاكَ. نالَ نعمة الكهنوت في روما بتاريخ 23/11/2002 بوضع يد سيّادة المطران إبراهيم نعمو إبراهيم الكُلي الوقار، راعي ابرشية مار توما في الولايات المتحدة المُتقاعِد. حصلَ على شهادة الماجستير في اللاهوت العقائدي (مريميات) مِن الجامعة الاوربانية عام 2003 بدرجة أمتياز.
عادَ إلى أرض الوطن( العِراق) صحبة غبطة البطريرك مار عمّانوئيل الثّالي دلّي - رحمه الله- مساء يوم الاحد 14/12/2003، وسرعان ما كُلفّهُ بمساعدة الأب الورِع باسل مروكي عليه كُلّ المراحم، ككاهن مُساعد في كنيسة القلب الأقدس. وقد حكى لي بعض الأصدقاء، ما مِن مرّةٍ قصدَ سيّدنا مار باسليوس ولاية مشيغان الأمريكية، إلاّ ووقف مُصليًا أما شاهدة قبور: البطريرك عمّانوئيل دلّي والآباء الكهنة الراقدون على رجاء القيامة هُناكَ؛ خاصّة الأب باسل مروكي.
*بتاريخ 1/2/2004 عينّهُ البطريرك دلّي، معاونًا لمدير المعهد الكهنوتي في الدورة، وأستاذًا لمادة اللاهوت العقائدي بكلّيّة بابل الحبرية ومديرًا لمكتبتها.
*في 2/6/2004 أختاره مثلث الرحمات البطريرك عمّانوئيل دلّي، ليكونَ أمينَ سره وكاتم أسرار القلايّة البطريركية، وسكرتيره الخاصّ، مع بقائه معاونًا لمدير المعهد الكهنوتي وأستاذًا في الكُلّيّة المذكورة سلفًا حتّى عام 2006.
*اختطف عام 2006 قبالة بناية المعهد الكهنوتي في الدورةِ، في ظروف يعلمها القاصي والداني مرّ بها بلدنا العزيز ضمن موجة تهديد واِختطاف رجال الدين المسيحيّين في حينها، وعندما أطلق سراحه باعجوبة ربانيّة وألقي في طريقٍ سائب ومهجور، فرَّ هاربًا في سيارةِ حملٍ ( بيكب)، أوصلته إلى مقربةٍ مِن دير الراهبات الكلدانيات في عرصات الهنديّة/ المسبح، وعندما فتحت لهُ الأبواب الخارجية، ركضَ بوهنٍ وهو خائرُ القوى، ساجدًا أمام بيت القُربان المُقدّس، شاكرًا الله على اِطلاق سراحه. لقد روّج بعض ضعفاء النَّفوس قِصّة عن هذا الصّدد، ليسَ لها ذلكَ الوهج والواقعيّة والمصداقيّة.
* بعدَ اطلاق سراحه سافرَ إلى روما رفقة البطريرك دلّي للقاء البابا بندكتس السّادس عشر، ومن هُناكَ شدَّ الرحال إلى أمريكا آواخر عام 2006 ، إذ خدم في كنيسة مار كوركيس للكلدان بمشيغان، للفترة مِن عام 2007 حَتّى 2014، ثُمَّ أنتقل للخدمةِ في كاتدرئية أمُّ الله هُناكَ.
*حصلَ على شهادة الدكتوراه في اللاهوت المريمي صيف 2013 مِن الجامعة الأوربانيّة في روما، لقد عرف سيّدنا باكرامه وحبّه لأمّنا العذراء مريم شفيعته.
*أُنتخبَ أسقفًا معاونًا لغبطة البطريرك ( المُستقبل) الكردينال لويس ساكو الكُلي الطُوبى مِن قبل آباء السنهادس الكلداني، وأُرتسم أسقفًا في كاتدرائية مار يوسف الكلدانية/ خربندة في العاصمة بغداد/ الكرادة داخل بتاريخ 06/02/2015، وقد سقفَ شرفيًا على أبرشية بيث بازبدى في تركيا. وأظنُ وليسَ كُلّ الظنّ إثمًا، إنّ سيادة المطران مار باسليوس يلدو، هُو سادس أصغر أسقف عُمرًا، رسم في تاريخ كنيستنا الكلدانية الحديث (44) عامًا؛ سبقه المطران الشهيد يعقوب أوراها مِن عائلة بودُ التلكيفية 27 عامًا أوّلاً، يليه المطران اسطيفان جبري 30 عامًا، يليه المطران بشّار وردة 41 عامًا، ثُمّ المطران سعد حنّا 42 عامًا، يليه المطران أميل نونا 43عامًا ( بطريركنا الحالي)، ثُمّ المطران الراحل بولس ثابت 45 عامًا سابعًا- رحمه الله، يليه المطران عماد خوشابا 45 عامًا.
وليسَ مِن قبيل التّزلّفِ أو المجاملةِ القول علانًا، هو مِن الاختيارات الصّائِبة والموفقة حسب رأيي المتواضع للبطريرك ساكو في انتخاب الأساقفة؛ حيث بقى مع الكردينال ساكو أكثر مِن 11 عامًا معاونًا ومتعاونًا. ولا يزال سيادته المعاون البطريركي الحالي لغبطة البطريرك مار بولس الثّالث نونا الكُلي الطوبى.
*مؤلفاته:
هُو كاتبٌ نحريرٌ ومترجمٌ أمينٌ، لهُ ما يزيد عَن 25 كتابًا علاوة على 5 كتب، عملَ على ترجمتها مِن الإيطالية، وقد دبَّجتُ لسيادته كلمةً تعريفيةً على الغلاف الثّاني لباكورة ترجماته ( دوائر في الماء) والاخراج الفني للكتاب باكمله قبيل رسامتي الكهنوتية، ولكتابه الثّاني أيضًا عام 2006 قِصّص روحيّة للتأمّل والصّلاة، بعد اقتبالي نعمة الكهنوت.
حقيقةًًً، لقد فوجئ سيّدنا باسليوس أكثر مِن مرّةٍ، أنَّ كتاباته القيّمة غدت "ترندًا" على صفحات التواصل الاجتماعي والمواقع التعليمية. ولا يخالجني شكَ أنّه قدمَ بحوثًا ودراسات وكتابات رصينة أغنت المكتبة الكنسية، كما تمت إعادة طباعة بعض مؤلفاته إلى أكثر مِن طبعة، أكان في العراق، الأردن وأمريكا. عام 2012 أرسل لي إبّان خدمتي في سيدني كتابًا ( مختصر عن حياة القديسين والقديسات) مؤقعًا بإهداء راقٍ منهُ.
*معرفتي به وسجياه:
كانَ معاونًا لمدير المعهد الكهنوتي وأستاذًا في كُلّية بابل الحبريّة في سنوات دراستي الأخيرة، وبعد اقتبالي الرسامة الإنجيلية والكهنوتية رافقته للتقديس إلى كنائس: القلب الأقدس وسلطانة الوردية ومار كوركيس ودير الراهبات الكلدانيات والعمل في البطريركية الكلدانية إذ عملتُ هناك لبضعة شهورٍ في أرشيف ومكتبة البطريركية، وجمعتنا لقاءات مع الآباء: بطرس حدّاد ، باسل مروكي، المطران أندراوس أبونا ومثلث الرحمات البطريرك عمّا نوئيل دليّ، رحمهم الله ونفعنا بصلواتهم.
ولطالما خلال خدمتي الكهنوتية في المعهد الكهنوتي بالصليخ وكنيستي الحكمة الإلهية وكنيسة مار أفرام في الشالجية، كانَ يهاتفني مِن هاتفه الجوال؛ حيث إقامته في المعهد الكهنوتي بالدورة، أنا وغيري مِن الكهنة، عندما تبث العواجل في التلفاز عن مداهمات ومواجهات أو تردي الأوضاع الأمنية أو تعرض الكنائس للمداهمة، فينبري للاتصال بالبطريرك دلّي مباشرة، وبدوره يبلغ رحمه الله المسؤولين لأجراء الازم.
كما ساعدني وشاطرني تكاليف طباعة أكثر مِن كتاب ( البطريرك مار يوسف السّادس أودو- بطريرك المواقف) وكتاب الدار البطريركية. لقد عرف بسخائه في العطاء دونَ مجاهرةٍ. كما بتواضع جمّ وأدب رفيعٍ عرف به الكبار، يطلب تنضيدًا لكتابه وكلمة لغلافهِ مِن تلميذه الحديث العهد بالكتابة وقتذاكَ، تشجيعًا ومساندةً!. هذه أيامٌ لها تاريخ وذكريات جميلة في بغداد رغم قساوة ظروفها!.
لقد عُرفَ سيدنا باسليوس يلدو بميوله الأدبية، وترديده الدارمي العراقي والشّعر الشعبي، وعشقهِ لمتابعة الرياضة وتحديدًا لتلكَ المستديرة- كُرة القدم-،كما لمستُ فيه العفوية، شديد الصدق، حساس للغاية، لا يسيء ولا يجرح أحدًا، يغضّ الطَرف ويمضي مُتجاهلاً دونَ إساءة. ذو شخصيّة مُحكمةٍ، يحكمها تربيته وعمق روحانيته، يمتاز بهيبة الطلّة. لهُ طرائفٌ ومقالبٌ إنسانيةٌ طريفة لا يعرفها إلَّا الأصدقاء والمقرِّبون. إنّهُ مِن طينة المُبدعين والحريصين على كنيسته قولاً وعملاً، مهمومًا بوضع بلاده، جرأته في انتقاد الأوضاع التي شهدها بلدنا العراق. مُتحدّثٌ لبِقٌ، صاحب موقف وقرار عادل.
حادثةٌ للتّأريخ:
وهُنا لا بُدّ لي مِن القولِ: بعد عودته للعراق إبّان سقوط النظام الحاكم ، كانَ يقضي اللّيل معنا مُسهدًا في جدول الحراسات الليلي للمعهد الكهنوتي وكنيسة الرسولين مار بطرس وبولس في الدورة / حي الميكانيك، مِن سطح مبنى المعهد. ذاتَ ليلةٍ شتوية ليوم دموي في بغداد في ظلّ غياب الأمن والأمان، هاجم المعهد بعض اللصوص أو الارهابيين أو سمهم ما شئت، وأمطروا البناية بوابل مِن الرصاص الحي بِلا هوادة!!، فنادى عليّّ وعلى غيري ممّن كانوا معه في جدول الحراسة بالقول: أحنوا رؤسكم، غطوا عليَّ ( أحموا ظهري)، ونزل راكضًا مِن السطح عبرَ السّلم إلى الباحة، يلاحق اللصوص إلى سور المعهد المؤدي إلى كُلية بابل بصدرٍ مكشوف أمام الرمي المتواصل!!. كانَ بحوزته فقط بندقية الكلاشينكوف، مدافعًا عن تلامذته والبناية، دونَ خوفٍ وبتضحيةٍ بحياته وإيثار يعجز القلم عن وصفهم!. لقد شاهدتُ ذلكَ وعاصرتُ الواقعة بأمّ عيني، سبق لي وأن رويت هذه الحادثة على مسامع الآخرين.
ثمّة انطباعات في محلها:
الحوارُ معه مِيزة، والاستماع إلى خبراته وقصّصه ومواعظه مُتعة، نزيه ونظيف اليد وحسن السُّمعة، لهُ أحاديث وسلوكيات جعلتهُ لطيف المعشر، أنيس الجلسة.
مَن يعرف سيادته جيدًّا، حتّى لو عن بعدٍ، يجد إيماءته توحي بحزنٍ لا يبوح به لكائنٍ من كان!. فهو بتصوري يكبت ألمه وغُصته، ويظهر لكَ العكس، فهَو ليسَ مِن ناشري مناخ الاحباط، لا يظهر لسواه إلّا التفاؤل. مِن نبرة صوته تعرف مَا يختلج بِنفسِهِ. يُصحّح لكَ بدقةٍ وأمانةٍ إن ظلمتَ أحدًا برأيٍّ مبتورٍ. يدين المواقف والأحداث لا الأشخاص. لا يحبو وراء الأموال والمراكز، عفيف الكلمة والنفس، ذو نفس أبيةٍ. هكذا عرفتهُ.
هُو ابن بار للكنيسة الكلدانية العريقة وللعراق الذي أنجب النجباء، اجتهد ليترك بصمته، يحظى باحترام وتقدير الكنائس الشقيقة وغير المسيحيّين، رفيع الشأن. تبوأ أرفع الدرجات الكهنوتية، مع ذلكَ لم ينل منهُ الغرور أو يتعامل بفوقيةٍ، يبدو لي وللكثيرينَ مترفّعًا عَن التَّكبِّر. وقد باحَ لي ذاتَ يومٍ :" أبونا صدقني ما يهمني فقط مصلحة الكنيسة وخيرها...". يتحلى بهدوءِ القمر وجماله، صامتًا في عزةٍ وكبرياء. والحقّ كُلّما تحدثتُ معه في كلمات قليلة أو أحاديث طويلة أدركتُ، مكانة الرجل وقيمته وعزوفه عَن المناصب وابتعاده عن بريق السُّلطة. وكانَ جليًّا لي وطبيعيًا عندي، أن يستلهم خُطى سابقيه، وأنْ يكونَ قدوة لغيره و للأجيال الجديدة. كما عرفتهُ يتقن ثقافة الصّيانة للعلاقات مع النّاس، فهذه الصفة تبدو متأصلة في تفكيره وسلوكياته ومراسلاته، ومغيّبة عند الكثيرينَ.
اتسمت سلوكياته بقدرٍ كبير مِن المهارة وبقسطٍ وافر مِن الدهاء والطيبة والسّخاء؛ فالتّأريخ يُعلّمنا أنَّ الثباتَ والتفانيَّ والايثار لخير الكنيسة، جميعها مظاهر تستمر طويلاً وتُخلد المرء. ومعلوم للجميع أنَّ سيادته، لم يخض غمار جدلية الشّخصنة، تنازلَ عن المناصب وأبتعد عن الأضواء، لم يكن يومًا لاهثًا خلفها، قفز فوق الأنا وتجاوز حدودها لخير الإنسان ومجد الله ومصلحة الكنيسة والوطن.
ولا أخفيكم سرًّا في هذه العجالة للطرفةِ: هو سائقُ سيارةٍ غير ماهر! لا في أمريكا ولا في العراق، ولكنّ قد وقع على مسامعي مؤخرًا بأنّه باتَ يجيد السياقة في طرقات بغداد!. والعهدة على القائل.
بقي لي أن أقولَ: هو مُقلٌ في تصريحاته، لا يسوّق لنفسه، ليس مصابًا بتورام الذات وداء العظمة، بل العكس. ملتزمٌ بمبادئه، مؤمنٌ بالعمل الجماعي وليس بالعمل الفردي للمجد الشخصي، أمينًا لكهنوته ورسالته وكنيسته.
بالنسبة لي هو ظاهرة كهنوتية فريدة مِن الطراز المتميز؛ عابئ بصداقة أصدقائه، وبالخبز والملح والزاد وبتقلبات الأيام، ربطتني به صلة إنسانية وخدمات كهنوتية ومواقف جليلة، لا تزال لحُسن الحظ.
نكران الذات كالجندي المجهول:
يبقى سيّدنا باسليوس ( أبو البواسل) كما كان يطيب لي مناداته قبل أن يسقف كمعاون بطريركي، شخصيّة محترمة وخدومة، لها مواقف عاشت في الظلّ رغم دور صاحبها الريادي والبارز في حَلحلةِ الكثير مِن الأمور. مِن وجهة نظري التي آمل أن تكون صائبة، هو شريكٌ إلى حدٍّ كبير لمن عمل معهم في إنجازاتهم... وهُو واحدٌ مِن هؤلاءِ العاملين بصمتٍ وإيثار ونكران ذات، وقد عانى ممّا عاناه بسبب ما ليسَ لهُ فيه لا ناقة ولا جمل!!. هذه حقيقة لا ينكرها مؤمن حقّ ولا أيّ منصفٍ وعارفٍ.
ربّما لا يعرف الكثير، أنَّ سيادته لم يكن بوقًا لسِواه، هو كغيره مِن الشخصيات المسؤولة العامة، غالبًا ما وقعَ بين مطرقة انصاف الحقّ والدفاع عن شعبه، تلاميذه وكهنته أو العاملين معه وكلّ ذي حقٍّ، وبين سندان مَن أراد تبخيسهم حقوقهم المشروعة.
لا يرد الإساءة بالإساءة، فقد سعى إلى مُجارات الأوضاع التي مرّ بها البلد وعصفت بالكنيسة أو الظروف و الأشخاص الذين عاصرهم بحنكتهِ وحكمتهِ وكياسته وروحانيته المعهُودةِ. هذه كُلّها أهلته ومكنتهُ ليكون صمام الأمان ورمانة الميزان في أحلك الأزمات كنسيًا ووطنيًا وإنسانيًا.
كما مرَّ بخبرات وتجارب متنوعة، كوّنت شخصيته القوية والثرية، بهذا الشكلِّ الذي تبلور مِن خلاله دوره البنّاء، كما عُهد عنه لا يحلق بعيدًا عن السرب، ولا يخرج خارج قواعد البروتوكول والإتيكيت أو يزايد على مصلحة الكنيسة.
هو ابن الحمولة ( صاحب صاحبة) كما نقول في لهجتنا الدارجة، ذو خلق رفيع، لا يعرف الغدر أو التشمت. في حال لم يكن بوسعه مساعدة الآخرين، يعتذر بوضوح ولباقة عُهد بها وتميّز فيها.
جبر خواطر النّاس بخفيةٍ وكتمان الإنجيل:
أشهدُ أنّي تعلمتُ منهُ الكثير، لا سيّما هذه الصفات الحميدة، ولا يمكن أن أنسى بأنّي رأيته بأمّ عيني يوزع الأموال مِن حسابه الشخصي على الفقراء والمرضى والمعتازين... في كنائس بغداد، ويعطي للكهنة حسنات القداديس الممنوحة لهُ شخصيًا، ويغدق على سائق التكسي ضعف أجرته، يقول له: " اشتري طعامًا لعائلتكَ أو ثيابًا لاولادك"، وما ردّ سائلاً محتاجًا. ولقد قرأتُ كيفَ ذهبَ للفلوجة ووزعَ مع غبطة البطريرك ساكو المساعدات، وشارك في مظاهرات تشرين.
يمتلك مقدارًا كبيرًا مِن الطيبة والرحمة، هو إنسانٌ جمع بينَ دماثةِ الخلق وروحانية الأسقف في الإدارة وجدية رسالته الكهنوتية وإنسانية مثقف جبهذ. لم يرتبط اسمهُ إلَّا ببلده وكنيسته واشتغالاته في المقالات والكتب والمحاضرات وإعداد المواعظ، وقد استحسن المؤمنين مواعظه إلى حدٍّ كبير.
أراهُ دومًا لا يدس نفسه فيما لا يعنيه، يحترم ذاته بشكلٍّ ملحوظ، يضع مسافات الإحترام بينه وبين الآخرين، محافظًا على حبال الودّ، لم أسمعهُ يومًا ينتقص مِن أحد؛ وإنّما عرفته منصفًا، مُحبًا ومساعدًا للنّاس، الموضوعية يعدّها ميزان حياته وهدفًا لرسالته، يجاهر برأيه علانيةً.
سيادته كالآلى في الأصداف:
المطران باسليوس يلدو، هو مِن النُخبة المُثقّفة، لم أره أو أسمعه طيلة معرفتي به وبَّخَ شخصًا أو اساء أستخدام سلطته أو تنفعت عائلته مِن نفوذه؛ بل على العكس مِن ذلكَ. يمتلك بساطة خدمة كهنوتية. يكتب كما يحاضر ويتكلم، يمتاز بصفة التّوبيب والايجاز والمواكبة. عرفته كما الكثير مثلي: حمامةُ سلامٍ؛ حملَ العِراق وكنيسته قضية بينَ جوانحه؛ إذ لعب دورًا مؤثرا مُعلنًا وغير معلن في الغالب لتهدئة الأجواء المتوترة في كُلِّ مكان خدم فيه أو قصد إليه، ولا يزيد النّار اشتعالاً!. كانَ له دورًا في إعداد زيارة البابا فرنسيس للعراق.
ولا يفوتني أن أذكر هُنا: هو حقيبة الأسرار لثلاث بطاركة أجلاء، والصندوق الأسود للكنيسة الكلدانية منذ عام 2004 إلى يومنا هذا.
ولا يغيب عن ذهني، منذ أيامي الأولى في الأبرشية هُنا، كنتُ مع سيادة المطران عمّانوئيل شليطا فكَ الله ضيقه، في طريقنا للتبضع مِن متجرٍ للثياب الكهنوتية، فهاتف سيّدنا يلدو، فكانَ سعيدًا لحظة وقعَت على مسامعه نبرة صوتي وخبر وصولي وبداية الخدمة في الأبرشية، فشجعني وتمنى لي الخير والتوفيق قائلاً: "سنلتقي مِن جديد". مرّت الشهور والتقيتهُ فيما بعد بأمريكا سان دييغو بدار المطرانية الكلدانية، وأحتفلت معه بالقدّاس في كنيسة مار يوسف؛ فاحتفى بي بكلماتٍ قليلة مُعبّرة كثيرة المعنى أمام الملأ. حقيقةً سيادته لم يتغيّير، وجدتهُ كما هو، في تواضعه وعمقه ومصداقيته، فهو عندما يعطي المرء كلمة أو عهدًا يفي به. وقد لبى أستاذي القدير مشكورًا دعوتي في زيارتهِ اللاحقة بتقديم محاضرة لأخوية أخوة يسوع للشّبيبة، في كنيسة مار ميخا عبر تطبيق الزوم من ولاية مِشيغان، وقد حضرها جمع غفير، حظت بالاستحسان بعد أن أجاد وأفاد.
قبل أسدال الستار:
عرفتهُ مُتحلّيًا بالشجاعة والثقة بالنفس، والبذل والوفاء. رجلُ الله، كاهن وأسقف صلاة، زاهدًا عن الأمور الفانية. هو مبدعٌ مِن العِراق، وحجر الماس في التّاج اللامعة، شموسهُ دائمة السّطوع، كقصيدةٍ أو نصّ نثري، في كلاهما هو صلبُ الموضوع.
بقي لي القول :
تحيةٌ مُكلّلةٌ بالورد إلى ذلكَ الأسقف الصديق البعيد، الذي عُرف بِحُسن النية ودماثة الخُلق ونقاء القلب ورحابة الصدر وعفيف النفس وحُبّ المساعدة، مُعتزًا بقيمته، يتحدث بِلا عُقدٍ أو تصنيف النّاس. منفتحٌ على الكثيرين ومحترم لهم ولتنوعهم، المعروف بالنبل والشهامة والعطاء وحكمته السّديدة ورؤيته الثّاقِبة.
إلى نهر الإبداع، ضفتاه رسالة كهنوت ومواقف إنسانية ، تلكَ شهادة صادقة للتّاريخ أقولها للقرّاء عن أحد أستاذتي وهو سيادة المطران مار باسليوس يلدو السّامي الإحترام، رغم فارق السّن البسيط بيننا، والذي أكنُ له قدرًا كبيرًا مِن الإحترام والمحبّة، وأنسب بعض الفضل في مسيرتي الكهنوتية إليه، وبهذا أطوي صفحات ناصعة لاسم مرّ عليَّ في مراحل الدراسة والخدمة الكهنوتيّة والشّباب وصولاً إلى رحلة آواخر الأربعين مِن العمر، أقدرُ ما تعلمته منهُ راعويًا وتعليمًا...
في خاتمة مطافي، أختمُ بالعودةِ إلى مَا بدأت به: هُو السّبيكة النّادرة، التي نكاد لا نرى لها نظيرًا في زماننا هذا!، فهُو يبدو لي ولغيري كالصائغ المحترف، يعرف كيفَ ينتقي المعادن الأصيلة وفصوص الذهب الثمينة ليصوغ منها المواعظ والكتابات والمواقف البنّاءة، هو مفخرةٌ كبيرةً لكنيستنا وبلدنا.
حماهُ الله وسدَّد خطاه ونِفّعنا بصلواتهِ. الّلهمّ آمين.




















