يا ربّ نجِّنا/ شوقي مسلماني
الأستاذ والمربّي جورج هاشم بالأصل لبناني جاء إلى أستراليا أواخر سبعينات القرن الفائت موظّفاً لدى السفارة اللبنانيّة، تدبّر وترك الوظيفة واستقرّ في سيدني والتحقّ بإتّحادٍ ثقافيٍّ يروّج لأفكار منظّمة العمل الشيوعي ـ لبنان ـ بقيادة محسن ابراهيم.
ومرّة ـ بعد منتصف ثمانينات القرن الفائت ـ قصد العاصمة كانبرا ونزل ضيفاً عند "رفيق" أصله من شمال لبنان، وهو الأستاذ فيصل علم الدين، وكان الصالون ـ غرفة الإستقبال ـ يغصّ بالزوّار، لمناسبة وصول سيّدة قريبة أسريّاً من الأستاذ فيصل بزيارة من طرابلس، وقد كانت في غرفة مجاورة ترتِّب على عجل حاجياتها التي جلبتها معها ومنها هدايا لأقارب مقيمين.
فالمشهد هو هكذا: لبنانيّون مسلمون في دارة لبناني مسلم ـ ماركسي ـ علماني ـ لا يفرِّق بين الأديان والمذاهب، ولا قوميّة ولا مناطقيّة ولا قبائليّة، ولا غرائز، والوضع في لبنان لم يعد يقتصر على صراع بين يمين ويسار بل دخلت على الخطّ قوى لها صفة دينيّة مسلمة سبقتها منظّمات مثلها شهرت على الحواجز صليبها المشطوف ـ وبينهم مسيحي هو "جورج" إيّاه ـ الماركسي ـ الشيوعي ـ العلماني ـ مثل رفيقه، وحتى لا يقول أحد أنّنا لم نعلم و"يلطشْ شي كلمه غير مستحبّه" وقف فيصل مسرحيّاً وقال بصوت مسموع: "أهلاً، أهلاً بالإستاذ جورج" ـ أي "يا أهلي اسمعوني، لا يغلطنّ أحد منكم بحقّ المسيحيّين، واحد منهم في دارتنا"، وفهم الحضور إلاّ "الزائرة" التي لم تسمع ورجعت للتوّ من الغرفة المجاورة واستقرّت بين المرحّبين.
ولسبب غير معروف، أو لسبب هو عند الأستاذ جورج، ووسط العجقة، وهو يجلس مقابلاً للزائرة رفع صوته واثقاً وسألها وهو ينظر إليها مبتسماً: "كيفْ تركتيلنا إخوانّا المسيحيّه بطرابلس"؟. وقبل أن يغرق الحضور بوجوم كأنّ على رؤوسهم الطير، وقبل أن يهزّ فيصل رأسَه كأنّما يداري ابتسامة ماكرة، فجّرت الزائرة قنبلتَها بوثوقِ محدِّثها وأعلنتْ: "لا تشيلْ همّ، عنْ قريب بتسمعْ خبرهنْ، رح نخلِّص عليهن كلّهن"، وأضافت بالفصحى: "أجمعين".
هل هي مصادفة؟ فالقصّة السالفة تكرّرت وقائعها بالحرف ـ "فوتو كوبّي" ـ وبالعاصمة كانبرا، ولكن عوض عدد من المسلمين بينهم مسيحيّ كان المشهد عدداً من المسيحيّين بينهم مسلم، وسأعود إلى ذلك. ربّنا نجّنا من المتعصّبين في كلّ مذهب وملّة ودين، وبكَ نستعين!.
Shawkimoselmani1957@gmail.com

















