أبو مرزوق والبغل/ سعيد نفّاع
قصّة... أيّ تشابه بالأسماء ربّما محض صدفة!
كان باديًا على "أبو مرزوق" التعبُ، والهمُ أكثر، حين دخل مكتبي، رغم البسمة العريضة التي كانت تنطلق من تحت شاربيه الكبيرين الكثّين، وتخالط تجاعيد وجهه العميقة الشاهدة الحيّة على كدّ أمثاله من فلّاحي البلد حفاظًا على ما تبقّى لهم من أرض جبليّة صعبة المراس لقمةً للعيش.
_ مسا الخير حضرة الأستاذ المحامي.. كيف أهلك عمّي.. انشالله طيبين؟
وقفت.. فمّد يده الخشنة مصافحًا شادّا بعض الشيء على كفّي. خالطتْ نعومة أصابعي خشونة كفّه، فهزّت شيئًا ما في داخلي لم أدرك كنهه.
_ مسا الأنوار عمّي أبو مرزوق.. حضرتك بِالخير.. تفضّل استريح – مشيرًا بكفّي بعد أن عفت عنها كفّه إلى كرسيّ أمام طاولة مكتبي - أهلي طيبين يسألوا خاطرك.. لكن بلاها هاي حضرتك والأستاذ.. خلّيها على عمّي!
_ لا.. الأصول أصول.. الله يعلّي مقامك ومراتبك!
قالها وقد اعرضّت بسمته وجلس.
وجدت نفسي خاسرًا في هذه المواجهة مع أبو مرزوق. كان أبو مرزوق آت برفقة مرزوق الذي اتّخذ الكرسيّ المقابل لوالده، كي يوقّع تنازلًا عن أرض الدار رهنًا للبنك ضمانًا لقرض الإسكان- مشكنتا-، كما درجت تسميته على لسان الناس حتّى الذين مثل أبو مرزوق ولا يعرفون من العبريّة شيئًا.
بعد أن استعرضت أمام أبو مرزوق بإسهاب ورويّة الموضوع، وجدته يقول:
_ الاتّكال على الله... أخذ اليهود أرظنا غصِبْ عنّا.. وهيّانا بْرِظانا عمّال نِمْظيلهم على البقيّة رهْن لبْنوكِتهم.. الله يستر من الجايات.. عمّرنا بيوتنا من عرقنا.. لا بـْ هاي اللي تسمّوها مشكنتا ولا بلّوط!
_ لا تخاف ولا تقلق يابا.. مثل ما حكيت لك في البيت ما راح أكسِر خاطرك!
_ الله يجيب اللّي فيه الخير.. ويوفقك يا ابني.. لكن أقلّك ما أنا خايف.. لا.. خايف كثير.. هات عمّي.. هات الأوراق حتّى أمظي والاتّكال على ربّ العباد!
طرحت أمامه نماذج التنازل، وياما كان أكثرها، سائلًا إن كان يعرف الكتابة أم سيستعمل "البصّامة"؟
_ علّمونا ونحن صْغار كم شهر عند "الخطيب" حتّى نفكّ الحرف.. يعني اعرف أكتب اسمي لكن زيّ فعفلة الجاج عـَ التراب.. ينفع؟
كان معروفًا عن أبو مرزوق في البلد خفّة الدم، ضحكت وضحك مرزوق.
_ ينفع!
ناولته القلم ورحت أشير له إلى الأمكنة التي يجب أن يوقّع فيها، فراح يخطّ أحرف اسمه؛ نجيب، بتأنٍّ يجمعها على بعضها كيفما اتّفق خائنة تنقيطها على الغالب. كانت النماذج المطلوب توقيعها كثيرة، أناوله إيّاها تباعًا شارحًا ماهيّة كلّ نموذج. لا أعرف لماذا رحت أتخيّل أنّه لو كان للقلم روح لملأ المطرح أنينه. حينما قلت له أنّ هذا آخر نموذج تنفّس صعداء، وبادرني:
_ عمّي.. أقول لك شي؟
_ نعم.. تفظّل!
_ هـَ التواقيع هاي على اوْراقك.. لو كاين حارث كلّ النهار أرض مِعِشْبة على بغلنا الحرون لكان أهون لي!
ضحكنا كثيرًا.. أحضرتْ السكرتيرة القهوة تناولها أبو مرزوق على عجل رغم سخونتها، في حين كنّا؛ مرزوق وأنا نرشفها رشفًا خوفًا على شفاهنا الناعمة.
_ دايمِه قهوتك عمّي.. واسأل خاطر الوالد!
_ خاطْرك مسؤول.. عمّي نجيب!
وقف فوقفت مرافقًا حتّى باب المكتب.
وما أن غادر ومرزوق المكتب وقفلت عائدًا حتّى تملّكني السؤال: ما الذي قصده أبو مرزوق بقوله الأخير هذا عن البغل الحرون والحراث.. ففي قوله أوجه؛ هل اعتبر خطّ توقيعه بهذا الكمّ من الصعوبة بمكان لهذه الدرجة؟ أم اعتبر ما وراء توقيعه هو الهمّ الصعب؟!
خمّنت.. وظلّ تخميني سيّد الموقف كلّما عدت إلى الملفّ أتابع العمل فيه.
شباط 2026


















