من الظالم؟ ومن المظلوم؟ في الحرب الدائرة في الخليج والشرق الأوسط/ د زهير الخويلدي
مقدمة:
في كل صراع مسلح يبرز سؤال أزلي يمزق الضمير الإنساني: من الظالم ومن المظلوم؟ هذا السؤال ليس مجرد تصنيف أخلاقي بسيط، بل هو استكشاف وجودي يلامس جذور الإرادة الحرة، والخوف، والرغبة في البقاء. في الحرب الدائرة حالياً في الخليج والشرق الأوسط – تلك المواجهة المتشعبة التي بدأت بضربات مباشرة وامتدت إلى قواعد ومنشآت ومدن – يصبح هذا السؤال أكثر تعقيداً، لأن الحدود بين الجاني والضحية تتلاشى في دوامة الردود والردود المضادة. ليست الحرب هنا مجرد مواجهة بين دولتين أو تحالفين، بل هي نسيج من الخوف المتبادل، السيادة المهددة، والمصالح المتداخلة التي تجعل كل طرف يرى نفسه مظلوماً ويُتهم الآخر بالظلم. هذه الدراسة لا تسعى إلى إصدار حكم قاطع، بل إلى غوص فلسفي وأخلاقي مسترسل في أعماق الثنائية، مستعرضة المنظورات المتنوعة التي تتشكل حولها، لنصل إلى فهم أن الظلم في مثل هذه الحروب ليس ملكية حصرية لطرف واحد، بل هو جرح مشترك يصيب الإنسانية جمعاء. فالظالم قد يكون في لحظة مظلوماً، والمظلوم قد يتحول إلى ظالم في سعيه للدفاع، وهذا التشابك هو ما يجعل السؤال نفسه يدعونا إلى تجاوز التصنيفات نحو البحث عن سلام يعيد بناء الثقة المفقودة. فمتى يتم فك الشفرة وفهم تعقيد الثنائية في زمن الحرب الإقليمية؟
مفهوم الظلم والمظلومية: جذور فلسفية ووجودية
الظلم، في جوهره، هو انتهاك للتوازن الطبيعي والأخلاقي بين الكائنات. هو ليس مجرد فعل عنفي، بل هو إنكار لكرامة الآخر ككائن يستحق الحياة والسيادة. أما المظلوم فهو من يُحرم من هذا التوازن، سواء كان فرداً أو شعباً أو دولة، فيشعر بأن وجوده نفسه مهدد. في سياق الحروب الإقليمية، يصبح هذا المفهوم متعدد الأبعاد: هناك الظلم العسكري المباشر (الضربات الأولى)، والظلم الاقتصادي (الحصار على الطاقة والممرات)، والظلم النفسي (الخوف اليومي الذي يعيش فيه المدنيون). لكن التعقيد يكمن في أن كل طرف يبني سرديته الخاصة: فالذي يبدأ الضربة يراها دفاعاً وقائياً عن نفسه، والذي يرد يراها عدواناً يستحق الرد. هكذا تتحول المظلومية إلى أداة سياسية وأخلاقية، حيث يدعي كل طرف أنه يدافع عن الضعفاء أو عن السيادة المقدسة. في الحرب الخليجية-الشرق أوسطية الحالية، يظهر هذا التشابك بوضوح: الضربات الأولى تُرى من منظور طرف كتهديد وجودي يستدعي الرد، بينما تُرى من منظور آخر كعدوان يفتح أبواب الجحيم على المنطقة بأسرها. هنا لا يوجد بريء مطلق، بل كائنات بشرية محاصرة في دائرة من الخوف الذي يولد المزيد من الظلم.
منظورات الطرف المباشر: الدفاع عن السيادة أم العدوان الوقائي؟
من منظور أحد الأطراف الرئيسية في هذه الحرب، يُرى الفعل الأولي كضرورة وجودية لمنع خطر أكبر. فالتهديدات النووية أو البالستية أو الوكلاء المسلحين تُفسر كخطر يهدد الاستقرار الإقليمي والعالمي، فيصبح الضرب المباشر ليس ظلماً بل عدلاً وقائياً. هنا يدعي هذا الطرف أنه المظلوم تاريخياً من سنوات من الاستفزازات والانتشار الإقليمي، وأن ردّه ليس بداية ظلم بل إنهاء لظلم محتمل. المدنيون الذين يسقطون في هذا السياق يُقدمون كضرر جانبي في معركة البقاء، والمظلوم الحقيقي هو الشعوب التي كانت ستعاني لو استمر التهديد دون مواجهة. هذا المنظور يستند إلى منطق «العدالة الوقائية»، حيث يصبح الظالم المزعوم هو من يرفض السلام ويبني قوته على الخوف.
في المقابل، يرى الطرف الآخر نفسه مظلوماً بامتياز. الضربات المفاجئة على العمق الوطني، بما فيها استهداف قيادات عليا، تُفسر كعدوان سافر ينتهك السيادة والكرامة الوطنية. هنا يصبح الرد على الدول المجاورة أو القواعد الأجنبية ليس ظلماً بل دفاعاً مشروعاً عن الوجود نفسه. الطرف يدعي أنه يحمي المنطقة من هيمنة خارجية، وأن الضحايا في المدن والمنشآت المدنية هم شهود على ظلم الآخرين. المظلومية هنا تتسع لتشمل ليس فقط الدولة بل الشعب بأكمله، الذي يرى في الحرب امتداداً لسنوات من الحصار والعزلة. هكذا يتحول الرد إلى رواية بطولية، والظالم هو من بدأ الدائرة ويرفض إغلاقها.
دول الخليج: الضحايا الجانبيون أم الشركاء المضطرون؟
تظهر دول الخليج في هذه الحرب كطرف ثالث فريد: ليست هي المبادرة، بل تجد نفسها هدفاً للصواريخ والمسيرات بسبب استضافة قواعد أو مصالح خارجية. من منظورها، الظلم مزدوج: أولاً من الضربات التي تنتهك سيادتها وتدمر منشآتها الاقتصادية والمدنية، وثانياً من الضغط للانخراط في حرب ليست حربها. هنا يشعرون بالمظلومية كدول سلام تريد الاستقرار، لكنها تدفع ثمن صراعات الآخرين. المنشآت النفطية التي تُضرب، والمدن التي تتعرض للصدمات، والاقتصاد الذي يترنح، كلها تجعلها ضحية لدائرة لا دخل لها في بدايتها. لكنهم في الوقت نفسه يُتهمون من بعض الأطراف بأنهم شركاء غير مباشرين، مما يعقد الرواية: هل هم مظلومون حقاً أم أنهم يدفعون ثمن تحالفات اختاروها؟ هذا المنظور يبرز كيف أن الحرب تحول الجيران إلى أهداف، والسلام المأمول إلى حلم بعيد.
التعقيد الأخلاقي: دورة الظلم والمظلومية المتبادلة
عندما نغوص أعمق، نكتشف أن الثنائية «ظالم-مظلوم» تفقد معناها في الحروب الإقليمية الحديثة. فكل طرف يبني مظلوميته على تاريخ حقيقي من التهديدات والانتهاكات، لكن هذا التاريخ نفسه يصبح ذريعة للظلم الجديد. الضربة الأولى تولد الرد، والرد يولد الضربة المضادة، فتتحول المنطقة إلى ساحة يسقط فيها المدنيون من كل جانب دون أن يُسأل أحد عن كرامتهم. هنا يبرز الظلم الحقيقي: ليس في الطرف الفلاني، بل في فقدان القدرة على الحوار والاعتراف بالآخر كإنسان. المظلومون الحقيقيون هم الأطفال والنساء والعمال الذين يعانون من الجوع والنزوح والخوف، بغض النظر عن علم الدولة التي يعيشون تحتها. والظالم الحقيقي هو المنطق نفسه الذي يرى الحل في القوة بدلاً من العدالة. في هذه الحرب الخليجية-الشرق أوسطية، تتداخل المصالح الدولية مع الإقليمية، فتصبح الدول الكبرى شريكة في الظلم غير المباشر من خلال الدعم أو الصمت، بينما تدفع الشعوب الثمن. هكذا يصبح السؤال «من الظالم؟» سؤالاً عن الجميع وعن لا أحد في الوقت نفسه.
آفاق تجاوز الثنائية: نحو عدالة إنسانية مشتركة
إذا كانت الحرب تكشف عن تعقيد الثنائية، فإن السلام يتطلب تجاوزها. المنظورات المتنوعة – سواء تلك التي ترى الدفاع الوقائي مبرراً، أو تلك التي ترى الرد السيادي مشروعاً، أو تلك التي تنادي بحياد الجيران – تؤكد جميعها على حاجة واحدة: وقف الدائرة قبل أن تبتلع المنطقة بأسرها. الظلم لا ينتهي بالمزيد من الظلم، والمظلومية لا تُشفى بالانتقام. بل يتطلب الأمر اعترافاً مشتركاً بأن كل طرف يحمل جزءاً من الحقيقة وجزءاً من الخطأ. في الخليج والشرق الأوسط، حيث تتلاقى الطاقة والممرات والثقافات، يمكن أن يصبح السلام نموذجاً للعالم: سلام يعيد بناء الثقة من خلال الحوار الإقليمي، ويحمي المدنيين كأولوية مطلقة، ويرفض تحويل أي دولة إلى ساحة لصراعات الآخرين. هذا التجاوز ليس ضعفاً، بل قوة أخلاقية تعيد للإنسان كرامته.
خاتمة:
في النهاية، يظل سؤال «من الظالم ومن المظلوم؟» في الحرب الدائرة في الخليج والشرق الأوسط سؤالاً مفتوحاً يدعونا إلى التأمل لا إلى الحكم. كل رواية تحمل صدقاً جزئياً، وكل مظلومية حقيقية، لكن الظلم الحقيقي يكمن في استمرار الدائرة التي تحول الإنسان إلى ضحية دائمة. الخروج منها يبدأ بالاعتراف بأن الجميع يعاني، والجميع يحتاج إلى رحمة. فالحرب لا تنتج منتصراً أخلاقياً، بل جروحاً مشتركة تحتاج إلى شفاء جماعي. وفي هذا الشفاء تكمن إمكانية أن يصبح الخليج والشرق الأوسط، مرة أخرى، مهداً للسلام لا للصراع، وشاهداً على أن الإنسانية تفوق أي ثنائية ضيقة. هكذا يبقى السؤال معلقاً، لكنه يدعونا إلى الإجابة بالفعل: وقف الظلم بكل أشكاله، وحماية المظلومين في كل مكان. فكيف يمثل الظلم جرحا بشريا مشتركا؟
كاتب فلسفي
















