تفكير المرء بنفسه باستخدام عقله الخاص دون ترك الأمور تجري وفقاً للظروف علامة على الاستنارة والشجاعة/ د زهير الخويلدي
في الفكر الإنساني، يبرز مفهوم التفكير الذاتي كأحد أبرز العلامات على تطور الوعي البشري، حيث يتحرر الإنسان من قيود التبعية والسلبية ليصبح فاعلاً في تشكيل مصيره. هذا التفكير، الذي يعتمد على استخدام العقل الخاص بشكل مستقل دون الاستسلام لتدفق الظروف الخارجية، ليس مجرد عملية ذهنية، بل هو فعل شجاع يعكس الاستنارة، أي التنوير الفكري الذي ينير دروب الحياة ويحرر الإنسان من الظلام الذي يفرضه الجهل أو الخوف. من منظور حضاري، يمثل هذا المفهوم تحولاً جذرياً في تاريخ البشرية، حيث انتقل الإنسان من كونه جزءاً من قطيع يتبع التيارات الاجتماعية أو السياسية أو الدينية دون تمحيص، إلى كائن يتحمل مسؤولية اختياراته، مما يجعله قادراً على مواجهة التحديات بوعي وجرأة. في هذه الدراسة، سنستعرض هذا المفهوم من خلال أبعاده الفلسفية، النفسية، والاجتماعية، محاولين كشف كيف أن التفكير الذاتي ليس مجرد خيار، بل ضرورة حضارية تعكس الشجاعة في مواجهة الغموض والتغيير، مع الحفاظ على تدفق مسترسل يربط بين هذه الأبعاد ليبرز أهميته كعلامة على الاستنارة.
بدءاً من البعد الفلسفي، يُعتبر التفكير المرء بنفسه باستخدام عقله الخاص دون الاعتماد على الظروف الخارجية جوهر التنوير الفكري، إذ يعني الخروج من حالة القصور الذاتي الذي يفرضه الإنسان على نفسه. هذا القصور ليس نقصاً فطرياً في القدرات العقلية، بل نتيجة للاستسلام للقوى الخارجية مثل التقاليد الموروثة، السلطات الدينية أو السياسية، أو حتى الرأي العام الذي يشكل آراءنا دون تدخل شخصي. الشجاعة هنا تكمن في الجرأة على استخدام العقل بشكل مستقل، مما يتطلب مواجهة الخوف من الخطأ أو الرفض الاجتماعي. فلسفياً، يعكس هذا النهج تحولاً من الفكر الدوغماتي، الذي يقبل الحقائق كمسلمات، إلى الفكر النقدي الذي يسأل ويحلل ويبني استنتاجاته الخاصة. على سبيل المثال، في مواجهة الظروف الاجتماعية المتغيرة، يختار الإنسان المستنير عدم الانسياق مع التيار، بل يفحص الظروف بعقله، محاولاً فهم أسبابها وتأثيراتها، مما يؤدي إلى قرارات مدروسة تعكس حريته الحقيقية. هذا التفكير الذاتي يصبح علامة على الاستنارة لأنه يحرر الإنسان من الوهم بأن الظروف تحدد مصيره، ويؤكد أن العقل هو الأداة الأسمى لتشكيل الواقع. في هذا السياق، تبرز الشجاعة كعنصر أساسي، إذ يتطلب التفكير المستقل مواجهة المجهول، حيث قد تؤدي الظروف إلى نتائج غير متوقعة، لكن الإنسان الشجاع يفضل المخاطرة بالخطأ على الاستسلام للقدرية. من الناحية النفسية، يمثل التفكير بنفسه دون ترك الأمور تجري وفقاً للظروف عملية نمو داخلي تعزز الثقة بالذات والاستقلال العاطفي. نفسياً، يعاني الكثيرون من حالة التبعية النفسية، حيث يتركون قراراتهم للآخرين أو للصدفة، خوفاً من المسؤولية أو الفشل. هذا الاستسلام يولد شعوراً بالعجز، مما يعيق النمو الشخصي، بينما يقدم التفكير الذاتي علاجاً لهذه الحالة من خلال بناء الوعي الذاتي. الاستنارة هنا تظهر كقدرة على التحليل الذاتي، حيث يستخدم الإنسان عقله لفهم دوافعه الداخلية وتأثير الظروف عليها، مما يؤدي إلى قرارات متوازنة تعكس قيمه الشخصية. الشجاعة النفسية تكمن في مواجهة التناقضات الداخلية، مثل الصراع بين الرغبة في الأمان والحاجة إلى التغيير، حيث يختار المستنير عدم الانتظار لتغير الظروف، بل يشكلها بعقله. هذا النهج يعزز الصحة النفسية، إذ يقلل من التوتر الناتج عن عدم السيطرة، ويبني مرونة نفسية تجعل الإنسان قادراً على التكيف مع التحديات دون الانهيار. في مجتمعات تفرض الظروف ضغوطاً هائلة، مثل الأزمات الاقتصادية أو الاجتماعية، يصبح التفكير الذاتي علامة على الشجاعة، إذ يحول الإنسان من ضحية للظروف إلى صانع لمصيره، مما يعكس استنارة نفسية تتجاوز الفرد لتصبح قدوة اجتماعية.
أما من البعد الاجتماعي، فإن التفكير المرء بنفسه باستخدام عقله الخاص يمثل أساس التغيير الاجتماعي والتقدم الحضاري، إذ يحرر المجتمعات من الركود الناتج عن التبعية العمياء للتقاليد أو السلطات. اجتماعياً، غالباً ما تفرض الظروف قيوداً مثل الأعراف الثقافية أو الضغوط الاقتصادية، التي تجعل الأفراد يتركون الأمور تجري دون تدخل، لكن الاستنارة تظهر في الجرأة على نقد هذه الظروف وإعادة تشكيلها. هذا التفكير الذاتي يصبح شجاعة جماعية عندما ينتشر، إذ يؤدي إلى ثورات فكرية أو إصلاحات اجتماعية، مثل تلك التي شهدتها العصور الحديثة في مواجهة الاستبداد أو الجهل. الشجاعة هنا تكمن في تحدي الرأي العام، حيث قد يواجه المفكر المستقل الرفض أو الإقصاء، لكنه يستمر في استخدام عقله لصالح المجتمع. على سبيل المثال، في مواجهة الظروف السياسية القمعية، يختار الإنسان المستنير عدم الاستسلام، بل يحلل الأوضاع بعقله ويقترح حلولاً، مما يعكس استنارة تحول المجتمع من حالة الركود إلى حالة التقدم. هذا البعد الاجتماعي يبرز كيف أن التفكير الذاتي ليس أنانياً، بل مسؤولية جماعية، إذ يساهم في بناء مجتمعات حرة تعتمد على العقل الجماعي المستقل، مما يقلل من تأثير الظروف العشوائية ويعزز الاستقرار الحضاري.
بالإضافة إلى ذلك، يتجاوز تأثير هذا التفكير الأبعاد الفردية ليصبح أداة للتقدم العلمي والأخلاقي، إذ يشجع على البحث والابتكار دون الاعتماد على الموروثات. علمياً، يعني استخدام العقل الخاص في مواجهة الظروف الطبيعية أو الاجتماعية، مثل الأوبئة أو الكوارث، عدم الاستسلام للقدر، بل تحليله بعقلانية لإيجاد حلول. أخلاقياً، يصبح هذا التفكير شجاعة في مواجهة الديلما الأخلاقية، حيث يختار الإنسان ما يراه صواباً بعقله، دون الانسياق مع الظروف أو الضغوط. هذا الجانب يعزز الاستنارة كقيمة إنسانية عامة، تجعل الإنسان قادراً على بناء عالم أفضل.
في الختام، يظهر التفكير المرء بنفسه باستخدام عقله الخاص دون ترك الأمور تجري وفقاً للظروف كعلامة أساسية على الاستنارة والشجاعة، إذ يحرر الإنسان من قيود التبعية ويجعله فاعلاً في تشكيل مصيره. من خلال أبعاده الفلسفية والنفسية والاجتماعية، يصبح هذا التفكير ليس مجرد خيار، بل ضرورة حضارية تعكس قدرة الإنسان على تجاوز الظروف نحو عالم أكثر حرية ووعياً، مما يؤكد أن الشجاعة الحقيقية تبدأ بالعقل المستقل.
كاتب فلسفي


.jpg)


















