الدروز في الـ 48 والسويداء.. نقمة أم نعمة؟!/ سعيد نفّاع
وقفات على المفارق
في هذه الوقفات؛ (1) دولة باشانستان (2) الحبّ المتفجّر (3) والسذاجة وحقيقة الموقف الإسرائيلي (4) والتنافس الإغاثيّ الـ "فخيّ"! (5) وخطاب الشيخ الهجري الرقمي لدروز "فلسطين"! (6) والحبّ الإسرائيليّ والتواصل المحرّم (7) وسقوط الأقنعة وجنبلاط وطريق الخروج (8) والإبادة والإنقاذ. والأخيرة: وعَوْد على بدء والنعمة النقمة واتّقاء الله.
الوقفة الأولى.. ودولة الـ باشانستان!
المعلومات المتواترة عديدةُ المصادر التي ترشح من الدولة التي تصحّ فيها التسمية أعلاه، مأساويّة؛ سياسيّا واقتصاديّا واجتماعيّا، ويبدو أنّ "السَكرة" قاربت على نهايتها لدى قطاعات واسعة من "مواطنيها" وقد بدأت تنضب منابعها، وبدأت تلوح "الفَكرة".
الوقفة الثانية.. والحبّ المتفجّر
كان انفجر "الربيع العربيّ" فانفجر معه حبّ إسرائيل وزلمها للدروز في الجبل. عام 2012 تحديدًا أطلقت ما تُسمّى القيادات الدرزيّة؛ المذهبيّة والسياسيّة تحت كنفها، حملة إغاثة في اجتماع خاص على أن تكون هذه الحملة دون "طنطنة إعلاميّة" وأن يكون عنوانها شيوخ العقل في الجبل، تبرّع بسطاء الناس بسخاء قلّ مثيله. ولكنّ ما فتئت أن طفقت أخبار الإغاثة الآفاق وسريعًا بدأت ترشح معلومات أنّ أكثرها وصل إلى عناصر معارضة للنظام السوريّ حينها، وقليلها للمحتاجين. لم تطُل المدّة حتى صارت تظهر على وسائل التواصل الاجتماعيّ هذه العناصر عارضة أسلحة ومعلنة أنّها من "أفضال" دروز الـ 48 وقيادتهم!
الوقفة الثالثة.. السذاجة وحقيقة الموقف الإسرائيلي
من السذاجة بمكان أن يعتقد أيّ كان أنّ هذا النشاط كان يتمّ بمعزل عن المؤسّسة الإسرائيليّة ودورها وتوجيهاتها. كانت المؤسّسة الإسرائيليّة بكلّ أذرعها تسترشد بخلاصتها الجامعة حينها والتي تمّت صياغتها في مركز أورشليم للأبحاث الاسترتيجيّة تحت العنوان: "الانتفاضة السوريّة، التأثيرات على إسرائيل"، وكالآتي اقتباسا ترجمة:
أولًا: "يجب أن نفعّل تأثيرنا؛ أن نتدخل، أن نزوّد المتمردين بالسلاح ... هنالك طرق كثيرة يمكن سلوكها وأفعال كثيرة من الممكن فعلها، ليست كلها تشمل تفعيل السلاح وليست كلها تشمل تفعيل الجيش، هنالك أدوات أخرى، وممنوع علينا أن نجلس ساكتين".
ثانيًا: «ما يجري في سورية هو تغيير إيجابي استراتيجي لإسرائيل...طوال سنوات كثيرة أوصى رجال في المؤسسة الأمنية والسياسية بصنع السلام مع سورية حتى في مقابل دفع ثمن باهظ، وهو هضبة الجولان. وكان التبرير هو إخراج سورية من المحور الراديكالي سورية - إيران. وهذا الأمر قد يحدث اليوم من دون أن ندفع الثمن..."
ثالثًا: "إن في حال صعود المعارضة إلى سدّة الحكم في سوريّة فإنها سوف تدفع باتجاه إبعاد دمشق عن إيران وحزب الله اللبناني، إضافة إلى أن رموز هذه الحركة من خلال علاقاتهم مع النخب الأردنيّة والسعوديّة والنخب التركيّة، والأميركيّة والغربيّة الأوروبيّة، سوف يعملون باتجاه بناء أفضل الروابط مع أميركا وبلدان أوروبا الغربيّة. وإذا أضفنا إلى ذلك الحقيقة القائلة إن دمشق البديلة سوف تكون دمشق الضعيفة، فإن خيار صعود المعارضة السوريّة هو الأفضل لإسرائيل."
الوقفة الرابعة.. والتنافس الإغاثيّ الـ "فخيّ"!
الدروز في فلسطين ليسوا وحدة سياسيّة واحدة فهنالك معسكران؛ الوطني المعارض وهو وإن كان يمثّل نسبة ليست ضئيلة إلّا أنّه أقليّة ومع هذا لم يوفّر جهدًا في تقديم الدعم العينيّ ولكن على الغالب العائليّ الشخصيّ، وعلى مستوى الموقف لم يوفّر جهدًا في التحذير من الركوب على حملة الإغاثة لتنفيذ أجندات إسرائيل. وأمّا المعسكر الموالي وهو الغالبيّة، غالبيّته تنضوي تحت عباءة الشيخ موفق طريف – الرئيس الروحي، ولكن جزءًا ليس قليلاً خارج هذا الانضواء وبالذات أتباع حزب "الليكود- نتانياهو"، ورغم الفوارق بينهما لكن هذا وذاك كانوا يعملون تحت مظلّة المؤسّسة وأذرعها وبالتنسيق معها وبتوجيهاتها؛ بغضّ النظر عن اعتقاد البعض منهم أنّهم بذلك يقدّمون مساعدة لأهل الجبل.
شبّك المعسكران علاقات مع فاعليّات مختلفة في الجبل ممّا انعكس سريعًا على تبلور تيارات في الجبل لكلّ علاقاته ومرجعيّته بين دروز الـ 48 وقع بعضها سريعًا في فخّ "حامي الحمى" الإسرائيلي ومنفّذي أجنداته ولعلّ وفود الزائرين من المشايخ التي تقاطرت لاحقًا لزيارة مقام النبي شعيب (ع) بيّنة من البيّنات الكثيرة، من هذه وتلك كانت الطريق قصيرة لـ "الالتفاف" على هذه العلاقة والتشبيك مباشرة مع المؤسّسة الإسرائيليّة.
الوقفة الخامسة.. وخطاب الشيخ الهجري الرقمي لدروز "فلسطين"!
سقط النظام القديم وما كاد الشرع يستقرّ في القصر الجمهوريّ حتّى غزت شبكات التواصل عشرات أفلام صادرة عن دروز إسرائيليّين وبالذات من ضبّاط متقاعدين ذوي مراكز هامّة حسبما كان كلّ يطرح نفسه، "لم يبقوا ولم يذروا" للشرع ومتوعدين إيّاه بالويل والثبور إن اقترب من الدروز. سارعت القيادة الدرزيّة لعقد اجتماع طارئ لوقف هذه الظاهرة تحت شعار "هذا يضر بجماعتنا" – ارتجاعيّا يستطيع المرء أن يقرّ عينًا أنّ هذه (إيقاف الهجوم) كانت توجيهات عليا -. في هذا الاجتماع أُسمِعت كلمة هاتفيّة من الشيخ الهجري – ودون الدخول في تفاصيلها – كلّ من يملك قليلًا من بعد نظر لاحظ إلى أين تتّجه الرياح. لم تطّل المدّة حتّى بدأت الرياح تعصف بين دمشق والجبل ووقعت مذابح الأشرفيّة، وحامي الحمى يتلذّذ فأُسقط في يد دعاة الحماية، تلاها الكثير من التطوّرات المعروفة لكلّ متابع وصولًا إلى باكو ومذابح تمّوز والدولة الباشانيّة. تعكّرت الأجواء والعلاقات بين الجبل وبعض قيادات دروز إسرائيل، وقد أتت أكُلَها في الجبل بالعلاقات المباشرة مع المؤسّسة الإسرائيليّة استغناءً عن الأداة الدرزيّة الإسرائيليّة، اللهم إلّا الأداة الموالية الليكوديّة التي استمرّت في غيّها إلى أن أتتها التوجيهات الصارمة للتوقّف عن ترّهاتها حول الدولة وتبعات ذلك، فراحت كما القطّ الذي ضُرب على رأسه تخبط خبط عشواء، وأصواتها مواء ليس إلّا!
الوقفة السادسة.. والحبّ الإسرائيليّ والتواصل المحرّم
ذكّر علّ في الذكرى منفعة.. كانت إسرائيل وحتّى العام ألفين قد أتاحت لـ "مواطنيها" من كلّ الأعراق والملل التواصل مع امتداداتهم في العالم العربيّ حتّى في الدول المصنّفة معادية – الدول التي حاربت إسرائيل في الـ 48 إضافة إلى إيران - أللّهم إلّا الدروز "المغضوب عليهم والضالين" فبقوا خارج المشهد؛ ممنوع عليهم التواصل مع ذويهم في المنطقة وعينيّا في سورية. أطلقنا معركة هذا الحقّ فوقفت المؤسّسة الإسرائيليّة وأزلامها من الدروز على أقدامهم الخلفيّة في حرب لا هوادة فيها ضدّ هذا الحقّ ورعاته، وضاع حبّها الجارف لهم حبّا بهم وبسلامتهم من "أعداء الله" في سورية ولبنان، فحرمتهم منه بعد قدّمت رئاسة وفود التواصل من المشايخ للقضاء، وحاكمت "المجرم" الموقّع أدناه بالجرم المشهود، وفرضت عليه حكمّا بالسجن سنة ونصف فعليّا ونصف أخرى مع وقف التنفيذ لثلاث سنوات وتجريده من رخصة المحاماة – مصدر معيشته - لثلاث سنوات ونيّف. هذا التواصل الإنسانيّ محرّم أمّا التواصل الذي في سياقنا فأحبّ الحلال!
الوقفة السابعة.. وسقوط الأقنعة وجنبلاط وطريق الخروج
سقطت الأقنعة وألقت الحقائق بمِزَقِها إلى حيث ألقت أمّ قشعم رحلها، وبدأت أركان دولة "باشانستان" – العائبة أصلًا – تترنّح أمام الواقع المعيشيّ لغالبيّة الناس من ذوي الضحايا والمهجّرين والفقراء، وأمام أضغاث أحلام يقظة لمغامرين فقدوا أغطيتهم – الممزّقة أصلًا - فتحوّلت أحلامهم إلى كوابيس لن يريحهم منها الفتات الذي ما زال يُرمى لهم على يد إسرائيل من حين إلى آخر فلن يشبعهم من جوع ولن يرويهم من عطش. نحن نعرف وكلّ العالم يعرف أنّه لولا ما تمدّهم به دمشق من مقوّمات حياة رغم كلّ شيء وعلى قلّتها، لكانت الأمور كثيرًا أسوأ ممّا يُرى. لن يكفّر هذا عمّ ارتكبت أيادي دمشق من جرائم، ولكنّ يبقى السؤال: ما البديل؟!
الشبع والارتواء لن يأتيا إلّا من الشام وهذا ما كان استشرفه وليد جنبلاط وكلّ مفكّر نظر أبعد من "مسرح دجاجة" فطالتهم المسبّات من كلّ جاهل أو فاسد أو عميل أو بسيط راح ضحيّة الجاهلين والعملاء والفاسدين. حقوق أهل الجبل بعدَ وعلى خلفيّة المذابح لن تأتي إلّا من خريطة عمّان الثلاثيّة ونتائج لجنة التحقيق الدوليّة في هذا الشأن – مطلب جبليّ -، ولكنّ هذا لن يتمّ إن لم تتضافر الجهود بين نُخب الجبل؛ السياسيّة والاجتماعيّة والمذهبيّة والثقافيّة وبقيّة دروز سورية تضافرًا ميدانيّا لا في المؤتمرات ولا على الشاشات ولا وسائل التواصل الاجتماعيّ، أخذًا بالاعتبار أنّ إسرائيل لن تتنازل عن "جماعتها" في الجبل وستبقيهم شوكة في خاصرة سورية وقلب الجبل.
الوقفة السابعة.. والإبادة والإنقاذ
وقع المنزلقون في شرّ أعمالهم وصاروا بحاجة لتبرير انزلاقهم وحفظ ماء الوجوه؛ وجوههم ووجه سيّدهم؛ إسرائيل. فتماديًا في الانزلاق وصعوبة الاعتراف بالمصائب التي جلبوها على الجبل وأهله، راحوا يضخّمون الهجوم على الجبل ويصنّفونه بالإبادة التي لولا تدخّل السيّد لكان الجبل في خبر كان، تبريرًا لانزلاقهم وانهال الشكر العميم على السيّد وسيّد السيّد. الدروز في الجبل تعرّضوا على مدى تاريخهم القريب لحملات أكبر عدّة وعتادًا من حملة دواعش الشرع؛ المصريّة (إبراهيم باشا) أوائل القرن التاسع عشر، والعثمانية أواخر القرن التاسع عشر، والفرنسيّة أوائل القرن العشرين وتصدّوا ودفعوا أكثر كثيرًا وبالاستغناء عن أسياد، وما أبيدوا. فكم تصحّ في حالهم المقولة: "كلام حقّ يراد به باطل" وكم بالحري إذا كان يخلو هذا الكلام من أيّ حق!؟
الوقفة الأخيرة.. وعَوْد على بدء والنعمة النقمة واتّقاء الله
عطفًا على عنوان هذه الوقفات؛ فإنّ التدخّل السافر الذي كان للمعسكر الدرزيّ الإسرائيلي الموالي وشكل هذا التدخّل لم يجلبا إلّا النقمة لدروز سورية غطّت على كلّ نعمة كانت أو تُوخّي أن تكون من ذوي النوايا الحسنة. فلعلّهم يتّقون الله في دروز سورية وقد ذاب الثلج وبان المرج!
سعيد نفّاع
أوائل أيّار 2026
الجوّال: 00972507208450
المدوّنة \ الموقع: saeid-naffaa.com




















