وذكّر علّ في الذكرى سندًا لأولي الألباب، إن كان في العقل متسّع في ظلّ هذه الحرب اللعينة، كي يقطعوا دابر المحرّضين!
من نافل القول أنّ أوسع الأبواب لأعداء الأمّة "الأزليّين" لضربها هو طوائفيّتها ومذهبيّتها، فعند كلّ مفترق في صراعها تتقيّأ الأدوات المحرّضة الموبقات. "نجمها" الساطع اليوم هو التحريض والتحريض المتبادل: "السنّيّ الدرزيّ" أو "الدرزي السنّي" على خلفيّة مقتلة غزّة ومقتلة السويداء لدرجة أن راح بعض متنوّرين من الدروز في "الدوكة".
إن كان في ايّام الحرب هذه من حسنة فهي الانكباب على القراءة، فمن الكتب التي قرأت كتاب صادر عام 1938 ومعاد طبعه عام 1973 يحمل العنوان: "تحت راية القاوقجي" للكاتب المجاهد السوري ابن سلمية على أطراف بادية حماة، تطوّع ورهط من بلدته في ثورة الـ 36 العربيّة - الفلسطينيّة، هو الكاتب: خضر العلي محفوظ - والذي كان أمين سرّ محكمة الثورة - يؤرّخ فيه من الميدان وبالوثائق معارك المثلّث الفلسطيني؛ نابلس - جنين - طولكرم، والتي بدأت في آب 1936 وانتهت بالهدنة بتدخّل الملوك والأمراء العرب في تشرين الأوّل 1936!
اختلط في معارك هذه المنطقة - كما غيرها بالمناسبة - الدم العربيّ بغضّ النظر عن الانتماءات الثانويّة المؤسف ذكرها حتّى؛ السنّي والشيعي والاسماعيلي (الكاتب اسماعيلي) والدرزي والمسيحي، وأرى أن أقتبس بعض ما كتب الكاتب عن الدروز، وحقيقة جدّد لي ما كتب علمًا أنّي كنت كتبت في دراساتي عن دورهم الواسع في الثورة، فيكتب عن المعارك:
*_ معركة بلعا 4 أيلول 1936:
"الجناح الأيمن المفرزة الدرزيّة... وعلى رأسهم المجاهد البطل حمد صعب... بنو معروف الأشاوس الذين استهانوا بالموت وهان في أعينهم، وظلّوا يتبارون في اندفاعهم الجنوني ويتناخون مهلّلين مكبّرين... وقد أسقطت طائرة وقتل أحد مجاهدي المفرزة المتحمّس الضابط الطيّار... وتمكّنت المدفعيّة الجبليّة... من إنزال ثلاث إصابات بهم... البطل الدرزيّ المعروف محمود أبو يحيى وحسن البنّا ومعهما الحاج وصفي المعطراني (ما يكتبه هنالك عن بطولات محمود أبو يحيى ودوره في المعركة حتّى استشهاده الكثير) ... وقد قام الإنجليز انتقامًا بالتمثيل في جثّته...". (بالمناسبة في المصادر الصهيونيّة كان هذا الشهيد ودوره حاضرًا بقوّة – تقرير لـ يتسحاك بن تسفي)
*_ المعركة الثانية معركة جبع 25 أيلول 1936:
"كما برع وتفنّن بنو معروف في اندفاعهم الجنونيّ على مواقع العدو... واستشهد منهم مجاهد اسمه منصور... وسليم سعيد من بعقلين - لبنان"
*_ معركة بيت أمّرين 29 أيلول 1936:
"... استشهد سليم الريّس من دروز جبل لبنان..."
*_ معركة كفر صور:
"... وقد أثار إقدام بني معروف في تلك المعركة واستخفافهم بالموت الإعجاب والإكبار، فكانوا كأنّهم في عرس أو مهرجان. ولن ننسى بطولة المجاهد الدرزي "ملحم سعيد حمادة" من بعقلين لبنان، الذي لقي وجه ربّه راضيًا مرضيّا بعدما أردى ضابطًا بريطانيّا من ثقب الدبابة..."
وينهي أنّه وبعد أن فُرضت الهدنة على يد الملوك والأمراء العرب وأُمر المجاهدون أن ينسحبوا أوّلا إلى شرق الأردن، ساد الخوف والتخوّف من اغتيال أو اعتقال القاوقجي وتسليمه للإنجليز أو الفرنسيّين (محكوم بالإعدام لديهم)، وقد كان رفض الحكام العرب استقباله "كرمى" للفرنسيّين والإنجليز، فما كان من الكاتب؛ أمين سرّ محكمة الثورة - كما قلنا - إلّا أن يعهد للمجاهد هايل النبواني بالتحفظ على أحد المشكوك بهم (هذا ما كتبه لاحقًا هايل النبواني: "فلسطين العربية الشهيدة التي تعارفنا بساحات جهادها ستظل عربية بفضل هذه العقيدة الجبارة المتأصلة في نفوس الشباب أمثالك. فإذا وقعت الواقعة وهي بلا شك عن قريب واقعة، ودعا داعي الوطن المفدى، رأيت أسود "بني معروف" يثبون من كل حدب وصوب للدفاع عن عرينهم المقدس، يُظلنا علم واحد، ألا وهو علم الحرية")، ويضيف الكاتب أنه وحفاظًا على حياة القاوقجي ممّا يحاك له توجّه إلى مفرزة بني معروف فيكتب:
"... أنبأت حمد صعب بما يجري (التآمر على القاوقجي)، حيث بادر على الفور بتخصيص مفرزة من كرام بني معروف لحراسته والسهر على حياته، دون أن يعلم من أمر ذلك شيئًا، ولم يتجرّأ بعد ذلك على الدنو منه أحد، ومن ورائه هؤلاء الأشبال."
ويظلّ هذا الشاهد الأقوى على وحدة المصير رغم التحريض والتحريض المضاد، وما على عقلاء اليوم إلّا قطع دابره كما كانت أجيالنا السابقة قد قطعته.. فهل مِن مرعوٍ؟!
12 آذار 2026






0 comments:
إرسال تعليق