حينما يفقد العقل البراغماتي جودة التمييز بين ما ينفعه وما يضره أو لامعقولية القرارات المصيرية للامبراطورية الامبريالية/ د زهير الخويلدي

 


في رحم كل إمبراطورية إمبريالية تكمن مفارقة عميقة تكاد تكون قانوناً تاريخياً لا يُخطئ: القدرة على حساب المكاسب البراغماتية بدقة متناهية في مراحل الصعود، ثم فقدان هذه القدرة نفسها تماماً في لحظات القرار المصيري. إنها ليست مجرد أخطاء تكتيكية أو سوء تقدير عابر، بل هي تحول جذري في طبيعة العقل الإمبريالي نفسه: عقل يبدأ براغماتياً بارداً يزن كل خطوة بميزان المصلحة الخالصة، ثم يتحول فجأة إلى كائن أعمى لا يستطيع أن يميز بين ما يبنيه وما يهدمه. هذا التحول هو الدرس الأكثر إيلاماً في تاريخ الإمبراطوريات، لأنه يكشف أن البراغماتية، حين تُطلق من عقالها دون ضابط أخلاقي أو بُعد نظر وجودي، تصبح أخطر أشكال الجنون المنظم.


لنبدأ من اللحظة التي يبدو فيها العقل الإمبريالي في أوج براغماتيته. في مرحلة التوسع الأولى، يحسب الإمبراطور أو النخبة الحاكمة كل شيء: تكلفة الجيوش، عوائد المستعمرات، توازن القوى، حتى الرأي العام الداخلي. يبدو الأمر كأنه لعبة شطرنج كبرى يُدار فيها العالم بمعادلات رياضية باردة. هنا يتخذ القرار باحتلال أرض جديدة لأن «الفائدة» واضحة: موارد، أسواق، قواعد عسكرية، هيبة. ويبدو هذا القرار مثالياً في المدى القصير. لكن هذا البراغماتية القصيرة النظر هي بالضبط البذرة الأولى للانهيار. فالإمبراطورية لا تكتفي بالحساب، بل تُقنع نفسها أنها «الاستثناء التاريخي»، أن قوانين الجاذبية السياسية والاقتصادية والثقافية لا تنطبق عليها. ومن هذه اللحظة يبدأ فقدان جودة التمييز.


إن أخطر قرارات الإمبراطوريات ليست تلك التي تبدو مجنونة منذ البداية، بل تلك التي تبدو «عقلانية» تماماً في سياقها الداخلي. حين تقرر إمبراطورية أن تحتل أرضاً بعيدة لأنها «ضرورية للأمن القومي»، فهي لا ترى أن هذا الاحتلال سيولد مقاومة لا تنتهي ستكلفها أضعاف ما ستجنيه. حين تقرر أن تفرض نظاماً اقتصادياً يستنزف المستعمرة حتى النخاع، فهي لا تدرك أنها بذلك تقتل السوق الذي كانت تطمح إليه. حين تقرر أن تُدخل قواتها في حرب لا نهاية لها دفاعاً عن «مصالح حيوية»، فهي لا تلاحظ أن هذه الحرب ستحول جيشها من أداة سيطرة إلى مصدر نزيف دائم. كل هذه القرارات تُتخذ تحت ستار البراغماتية، لكنها في الواقع تعبر عن لحظة انهيار القدرة على التمييز بين المنفعة الحقيقية والوهم الذي أصبح يُلبس لباس المنفعة.


ما الذي يحدث للعقل البراغماتي حتى يفقد هذه الجودة؟ الجواب يكمن في آليتين مترابطتين: آلية التراكم الذاتي للقوة، وآلية العزل الإدراكي. أما الأولى فهي أن الإمبراطورية، حين تكبر، تصبح أسيرة بنيتها نفسها. الجيش يطالب بمزيد من الحروب ليبرر وجوده، الشركات تطالب بمزيد من الأسواق المفتوحة بالقوة، النخبة الحاكمة تطالب بمزيد من الهيبة لتحافظ على شرعيتها. كل مؤسسة داخل الإمبراطورية تبدأ تعمل ككائن حي يدافع عن بقائه، فيصبح القرار المصيري ليس قراراً مركزياً مدروساً، بل نتيجة توازن قوى داخلي بين مصالح متضاربة كلها تُقدم نفسها على أنها «المصلحة الوطنية». هنا يفقد العقل البراغماتي قدرته على النظر من خارج المنظومة، فيصبح عاجزاً عن رؤية أن ما ينفع جزءاً من الإمبراطورية قد يدمر الكل.


أما آلية العزل الإدراكي فهي أشد فتكاً. الإمبراطورية تبني حول نفسها جدراناً من الخطاب والإعلام والمخابرات والأكاديمية الرسمية. يُعاد صياغة الواقع بحيث يبدو كل مقاومة «إرهاباً»، وكل انسحاب «خيانة»، وكل إصلاح «ضعف». البراغماتيون أنفسهم يبدأون يصدقون أساطيرهم. يصبحون غير قادرين على قراءة الإشارات التي كانوا في الماضي يقرأونها بدقة: الاستنزاف الاقتصادي، الكراهية المتزايدة، التآكل الأخلاقي داخل الجيش، الانهيار الثقافي للمركز. العقل الذي كان يحسب التكلفة والعائد بدقة المهندس يتحول إلى عقل يحسب فقط «النصر النهائي» الذي أصبح وهماً. وهكذا يتخذ قرارات مصيرية – مثل إعلان حرب شاملة، أو فرض عقوبات تدمر الاقتصاد العالمي نفسه، أو دعم أنظمة فاسدة حتى آخر رمق – وهو مقتنع تماماً أنها «الخيار الوحيد العقلاني».


إن تاريخ الإمبراطوريات مليء بهذه اللحظات التي يبدو فيها القرار «براغماتياً» في اللحظة، ثم يتكشف أنه انتحاري في المدى الطويل. الإمبراطورية التي كانت تعرف كيف تُدير التوازنات الدولية بدقة تصبح فجأة غير قادرة على رؤية أن احتلالها لأرض صغيرة سيشعل حريقاً إقليمياً يلتهم نفوذها كله. الإمبراطورية التي بنت ثروتها على التجارة الحرة (حين كانت ضعيفة) تصبح، حين تكبر، عاجزة عن فهم أن إغلاق الأسواق أمام الآخرين سيولد منافسين أقوياء ينهون هيمنتها. حتى في إدارة الشؤون الداخلية، يفقد العقل البراغماتي بوصلته: فيُنفق المليارات على الجيوش والقواعد في الخارج بينما يتآكل البنية التحتية في الداخل، ويُقمع الصوت الناقد داخلياً باسم «الأمن القومي» فيصبح المجتمع عاجزاً عن تجديد نفسه. كل هذا يحدث تحت شعار «الواقعية السياسية»، لكنه في الحقيقة أقصى درجات فقدان التمييز.


الأمر الأعمق هو أن هذا الفقدان ليس عرضياً بل هو نتيجة حتمية لطبيعة الإمبراطورية نفسها. الإمبراطورية لا تعيش إلا بالتوسع المستمر، وكلما توسعت ازدادت الحاجة إلى المزيد من التوسع للحفاظ على التوازن الداخلي. هكذا تصبح البراغماتية أسيرة منطقها الخاص: ما كان يُحسب سابقاً «مكسباً» يصبح «ضرورة وجودية»، ثم يصبح «خطراً وجودياً» إذا توقف. في هذه الدائرة المفرغة يفقد العقل قدرته على السؤال البسيط: هل هذا الفعل يخدم البقاء الحقيقي أم أنه مجرد استمرار لآلية التراكم التي أصبحت أكبر من الغاية؟ حين يختفي هذا السؤال، يصبح كل قرار مصيري لامعقولاً، حتى لو كان يبدو مدعوماً بأرقام وتقارير ودراسات استراتيجية. ولا يقتصر الأمر على الإمبراطوريات القديمة. في كل عصر، نرى الإمبراطورية الجديدة تكرر نفس الخطأ بدقة مخيفة. تبدأ بسياسة خارجية «براغماتية» تقوم على التدخل الذكي والحروب المحدودة، ثم تجد نفسها غارقة في مستنقعات لا قرار لها، ثم تقرر مضاعفة الرهان بدلاً من الانسحاب، ثم تُقنع شعبها أن الانسحاب سيكون «كارثة». وفي كل مرحلة تفقد المزيد من قدرتها على التمييز بين المنفعة والضرر، حتى تصبح غير قادرة على رؤية أن ما تسميه «دفاعاً عن المصالح» هو في الواقع تدمير لهذه المصالح نفسها. الشعب الذي كان يؤيد التوسع في البداية يبدأ يشعر بالإرهاق، الاقتصاد الذي كان يزدهر يبدأ يتآكل، الحلفاء الذين كانوا يتبعون يبدأون يبحثون عن بدائل. ومع ذلك يستمر العقل الإمبريالي في اتخاذ قراراته «البراغماتية» حتى اللحظة الأخيرة.


في النهاية، إن لامعقولية القرارات المصيرية للإمبراطورية الإمبريالية ليست مجرد ظاهرة سياسية، بل هي ظاهرة وجودية. إنها تكشف عن هشاشة العقل البشري حين يُطلق من عقاله تحت ستار المصلحة. البراغماتية التي تبدو في البداية أرقى أشكال العقلانية تصبح، حين تفقد الضابط الأخلاقي والنظرة الكونية، أكثر أشكال الجنون تنظيماً وخطورة. الإمبراطورية لا تسقط لأن أعداءها أقوى، بل لأنها فقدت القدرة على أن تفهم أين يكمن نفعها الحقيقي وأين يكمن ضررها الحقيقي. وهذا الفقدان ليس خطأً فردياً، بل هو مصير كل مشروع يجعل من القوة غاية في ذاتها.


لذلك، حين ننظر إلى أي إمبراطورية في أوج قوتها وهي تتخذ قراراً مصيرياً يبدو لها «ذكياً»، يجب أن نتذكر أن هذا القرار قد يكون بالضبط اللحظة التي بدأ فيها انهيارها. لأن العقل البراغماتي، حين يفقد جودة التمييز بين ما ينفعه وما يضره، لا يصبح مجرد غير عقلاني، بل يصبح أداة لتدمير نفسه بأناقة ودقة وإصرار يثيران الدهشة. وهذه هي المفارقة الأخيرة والأعمق: أن أعظم الإمبراطوريات لا تموت مقتولة، بل تموت منتحرة، وهي مقتنعة حتى الرمق الأخير أنها تمارس أرقى أشكال البراغماتية. فكيف يخرج العقل الفلسفي السياسي المعاصر من الدائرة البراغماتية المغلقة؟


كاتب فلسفي

CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق