ولكـنَّـه عاد .../ محمود شباط



 من مجموعتي القصصية "على صهوة حلمٍ أبيض" مع بعض التعديلات


مع انتهاء الحرب العالمية الثانية في العام 1945، كان جدي سلامه ما زال يستخدم في دكانه بعض المفردات الإسبانية التي كان يتكلمها في الأرجنتين، وبعد عودته منها بحوالي الـعشرين سنة. 

 بحركة يكررها دون ملاحظة منه ودون قصد إلى أن صارت بحكم العادة، كان جدي سلامة يَـحـسرُ العِمّة عن جمجمته الصلعاء تكراراً ويهرشها برفقٍ قبل أن يبدأ بسرد أسفار عذابات يرويها لنا في دكانه المتواضع جداً في ساحة الضيعة. 

بحسٍّ روائي فطري كان يسرد. يختلط في حكاياته الخبز بأجنحة السنونو. يسترجع مرارة زقّوم ذكرياته عن أجواء الخوف الناتج عما صار أهل الضيعة يتناقلونه عام 1914 عن لسان المختار الـمُكَلَّف من قِبَلِ أسياده، وهو، المختار، الذي كان "زلمة التراك" أي (رجل المستعمر العثماني) طبقا لما قاله لنا جدي سلامة، بأنه "على كل الذكور بين سن الخامسة عشر ولغاية الخامسة والأربعين سنة أن يلتحقوا بمركز تجنيد "السفر برلك" أي النفير العام للخدمة في جيش السلطان. 

يتمهل جدي سلامة في الحديث، ينقل نظره بيني وبين فارس ويقول لي : "15 سنة لسن الجندية ! يعني أكبر منك بسنتين، ومن فارس بسنتين إذا مش غلطان."

- أكدتُ له تخمينه وسألته: "مما كانوا يخافون يا جدي؟" .

- من الخدمة الإجبارية التي كانوا يسمونها "السفر برلك" واالتي صدرت بفرمانٍ أصدره السلطان العثماني محمد رشاد بفرمان سنة 1914.  

- سأله فارس: "كم كان عمرك حينها ؟" 

- 20 سنة، ومتزوج من عليا وعندي طفل رضيع اسمه كريم. يومها باع عمي سعيد الحقل خلف الحقل والكرم بعد الكرم يرشو بها المختار، الذي بدوره يرشو البكباشي التركي كي يؤجل التحاقي بالسفر برلك، وفي النهاية حين استعصىت محاولة التمديد الأخيرة اقترح المختار أن أسافر إلى الأرجنتين تهريباً، مقابل رشوة باهظة.

 في الحي "الفوقاني" من الضيعة، كان ذلك في منتصف الأربعينات من القرن الماضي، بعد ظهر خميس زمهريري مثلج، بينما كنا أنا وفارس نتابع الإصغاء حول مجمرة دكّـان جدّي سلامة كما كـنّا نفعل عصر كل يومٍ حين نعود من المدرسة الإبتدائية الوحيدة في قريتنا.  ابتعنا بقروشنا القليلة قطع حلوى نلتهمها بيدٍ، بينما نُـدفىء الأخرى فوق المجمرة. 

 نحن نسمع عن رسائل ترد جدي سلامه من ابنه كريم في الأرجنتين ومبالغ مالية يرسلها مع القادمين من هناك، وصور لابنه الشاب. 

سأله فارس بصوتٍ عالٍ كي يسمعه: "ما اسم زوجتك يا جدّي؟"

 - قلت لكما ، ألم أخبركما بأن اسمها "روزاليتا"، قَدّيْـشْ صارت الساعة؟  ثم يكمل: 

- قبل حرب "الأربعتش" بسنوات كان يتكرر اجتياح وباء الجدري للبلاد. كنت يتيم الأبوين وكان عمي سعيد هو "أهلي". ابتلي بالوباء وصار ضريراً . هجرته زوجته إلى جهة مجهولة مصطحبة الأبناء والمال والحلال. بقيتُ مع عمي ولم أتركه لقمة سائغة للوحدة والمرض. آليتُ على نفسي أن أكونَ معه ضد غوائل الدّهر وليس مع غوائل الدهر عليه، كما فَـعَلَتْ زوجته. لم يتزوّج بعدها. بقيت معه، أسرح بالقطيع وأساعد الراعي، أقود عمي  إلى الحقل والكرمة نعمل ونعود معاً. وحين شبَّيت سعى لتزويجي من علياء ابنة خالتي . رُزقنا بمولودٍ ذكر سمّيناه "كريم". لم أنعم باحتضانه سوى أشهر قلائل، إذ جاءنا المختار وبلَّـغ عمِّـي بوجوب التحاقي بعسكر السلطان. رجاه عمّي أن يقنع "البكباشي" بضرورة بقائي إلى جانبه لأسباب إنسانية لأنّه ليس له من معينٍ في وضعه كمعاق سواي". 

أكمل جدّي سلامه :

- "لم يكن الحسّ الإنساني لدى المختار القريب بأفضل من حس التركي الغريب. إذ طلبَ المختار من عمي أن يتنازل له عن حقل "وادي الملولة" بموجب "حجة" مقابل سفري بشكل غير قانوني إلى الأرجنتين."  

عند أصيل يوم ربيعي. بلغنا "بواناسيرس" بعد شهر من أهوال الأزرق الغدّار . 

بدأتُ هناك بالعمل من الصباح الباكر ولغاية آخر سويعات المساء. أحملُ حقائب ثقيلة تحتوي على ملابس وأدوات زينة وعطور، طول دوام العمل تسبَّب لي بألم في ظهري ورجليّ، أُدخِلتُ المستشفى فأشارت علي طبيبتي المعالجة بعدم حمل أوزان مهما كانت خفيفة، أشفقت علي وسعت لتسهيل أمري حيث اتصلت بوالدها، ثم بشقيقتها "روزاليتا" وطلبت منهما توظيفي في إحدى الشركات التابعة لهم  لدوافع صحية وإنسانية. 

أردف جدي سلامة، بعد أشهر ( ومن دون طول سيرة)، تزوّجت من ابنة مالك المحلات "روزاليتا"،  التي طلبت من شقيقها الأكبر، الضابط الكبير في الأمن كي يساعدني في الحصول على الإقامة ورخصة العمل. كانت العائلة تجتمع كل يوم أحد بجوٍ أسري وألفة ومحبة.

رُزقتُ من "روزا"  بطفل سمّيته "كريم" أيضاً، لطالما أحببتُ ذلك الطفل وأحبّني.

بقيت أراسل عمّي سعيد وأمده بالليرات الذهبية دون علم "روزاليتا"، وطلبتُ منه أن يراسلني على عنوان أحد أبناء العرب كي لا تعلم روزاليتا وتغضب منّي وتحرمني من طفلي وتنعتني بـ "التوركو الخنزير" كما كانت تفعل حين نتشاجر، وكثيراً ما حدث ذلك، خاصة بعد أن ساءت علاقتي بها بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918 ورحيل "التراك)، بعد شكوكها بأني أخطط للعودة إلى البلاد، وأخذ كريم معي.

 وصلتني رسالة من عمي يخبرني فيها بأنه مريض، ومع الرسالة صورة لكريم وأمه عليا. ناجيتُ طفلي البعيد بكلّ لغات الشّوق. بدا لي نحيلاً، أصغر سناً وأقصر قامة مما توقّعته. و عليا نحيلة، بل نحيلة جداً،خمَّنتُ وتساءلت: لعلّـه الجوع ؟ لعلّـه المرض؟.

 لم يصلني رسائل بعدها طوال أربع سنوات.  كانت "روزا" ترفض بشراسةٍ اصطحاب طفلي في زياراتي إلى أبناء العرب، لم تكن تؤمّن عليه معي.

 حين تأكدتُ بأنّ بلادنا صار اسمها "لبنان الكبير" في العام 1920 حسبما عرفت، قررت العودة إلى ربعي وأهلي بأي ثمن، وكنت حينها قد جمعت من الليرات الذهبية ما يكفي لشراء أرضٍ وقطيع ماعز والعيش بكرامة مع عمي سعيد وعلياء وطفلي كريم. كلّ ذلك دون علم روزاليتا، لأني متيقِّن بأنّها ستهدِّدني بالقتل أو السجن إن فعلت.

استنجدت باثنين من أصدقائي من "كبار التجار بين أبناء العرب" فساعداني بالعودة سِرّاً ،إنّــما دون طفلي كريم. ائتمنا البحر علي وأقلعت السّفينة على وقع نشيجي وحرقتي على كريم الذي اضطررت لتركه في بويناسسيرس، وشوقي وحنيني إلى كريم في لبنان . وحين بلغنا عرض البحر صار الموج يتراقص على أفراح مهجتي الذّبيحة المنشطرة بين "الكريمين" ويرنِّـم أنغاماً شجية أكاد أبصرها. رسَونا على بَـرِّ بيروت عند شروق شمس نهار صيفي. استأجرت حنطوراً وصل بي إلى القرية في الهزيع الأخير. 

ولجت ثغر الزقاق المفضي إلى دارنا. جذبتني الدار فرحت صوبها، طفقت أنادي أهلها : "عدت إليكم يا عمي! أين أنت ؟ عدت إليك يا علياء ...أينك يا علياء" ؟  عدت يا كريم . ناديت ثانية وثالثة وأخيرة ولم أر قبس السراج. بقي البابُ موصداً والنوافذ ساكنة ميتة مغلقة. تحسّست طين جدران الدار براحتي وبوجنتي فألفيتها حيادية باردة متلفّعة بصمتٍ حزين. بقيت أنادي واتحسّس إلى أن صاحت ديكةُ القرية دون أن يطلّ أهل الدار.. "حينها أدركت بأنّـهم رحلوا .. قد يكون الجوع هو السبب" أنهى جدي سلامة روايته بتلك العبارة.  ثم مسح عينيه بمنديله . أجل ! رحلوا " .. و أشار بيده صوب السماء .

وبينما هو يُزرِّرُ عباءته ويحمل عكَّازه إيذاناً بانتهاء الجلسة. ومضت أجمل مفاجآت العمر في حياة جدي سلامة حين أطلَّ على الباب شاب ثلاثيني هُرع نحو جدّي سلامه فارداً ذراعيه كصقور الجبال يكَـلّمه بالإسبانية وغمره بعاطفة الإبن لأبيه.


CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق