جواز بلا وطن، ومنفى بلا هوية، وانتماء معلق بلا أوراق.. كيف حوّلت السلطة الهوية الفلسطينية إلى امتياز طبقي/ الدكتور حسن العاصي



باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا


قصة جواز السفر الفلسطيني ليست مجرد وثيقة سفر، بل مرآة تعكس واقع الشتات ومعاناة الانتماء المعلّق. تجربتي الشخصية مع هذا الجواز، التي بدأت بمحاولة الحصول عليه ثم تجديده، لم تكن حادثة فردية، بل نموذجًا لما يعيشه آلاف الفلسطينيين حول العالم. من خلال هذه التجربة، يتضح كيف تتحول الإجراءات الإدارية إلى قضية سياسية تمسّ حقًا رمزيًا في الهوية والانتماء."


هذه التجربة، بكل تفاصيلها وأسمائها وتواريخها، لم تكن مجرد حادثة شخصية، بل مرآة لواقع يعيشه آلاف الفلسطينيين في الشتات. واقع يضعهم في مواجهة حرمان قاسٍ من أبسط حقوقهم الرمزية، وكأن انتماءهم الوطني معلّق على خيط هش من العلاقات الشخصية والقرارات السياسية.


جواز السفر الفلسطيني: هل شهادة وجود أم ورقة ممنوعة على أبناء الشتات؟


في الوقت الذي تتكاثر فيه الخطابات عن الهوية والانتماء، يظل الفلسطيني في الشتات محاصراً بين جدران البيروقراطية والتمييز الداخلي، وكأن قدره أن يعيش غريباً حتى في أوراقه الرسمية. فبينما يرفع العالم شعار "حق العودة" و"حق تقرير المصير"، يجد الفلسطيني الذي يعيش خارج مناطق السلطة نفسه محرومًا من أبسط رموز المواطنة: جواز السفر الفلسطيني. هذا الجواز الذي يُفترض أن يكون وثيقة سيادية جامعة، تحوّل إلى أداة تقسيم، حيث يُمنح بسهولة لمن يعيش داخل حدود السلطة، بينما يُحجب أو يُقيد بشروط معقدة عن أولئك الذين يعيشون في الشتات، سواء كانوا يحملون جنسية أخرى أو لا يحملون أي جنسية على الإطلاق.


المفارقة الصادمة أن الفلسطيني المقيم في الضفة أو غزة يستطيع أن يجمع بين أكثر من جنسية وجواز سفر، بينما الفلسطيني في الخارج، الذي غالباً ما يواجه تحديات الهوية والاندماج، يُحرم من هذه الوثيقة إلا عبر الواسطة والعلاقات الشخصية مع موظفي السفارات. وكأن السلطة قد قسمت الشعب الفلسطيني إلى طبقتين: طبقة الداخل التي تمتلك الحق والامتياز، وطبقة الخارج التي تُعامل كأنها أقل شرعية في الانتماء.


هذا الواقع لا يطرح فقط سؤالاً عن العدالة الإدارية، بل يفتح الباب أمام نقاش أعمق حول معنى الهوية الفلسطينية في زمن التشتت، وحول دور السلطة في إعادة إنتاج التمييز داخل شعب يعاني أصلاً من الاحتلال والتهجير. إن حرمان الفلسطينيين في الشتات من جواز سفرهم الوطني ليس مجرد قضية إجرائية، بل هو جرح سياسي وأخلاقي يعكس أزمة القيادة والتمثيل، ويضع علامات استفهام على مفهوم المواطنة الفلسطينية ذاته.


الهوية والرمزية الوطنية – جواز السفر كمعركة وجود


منذ أن وُلدت فكرة الدولة الحديثة، أصبح جواز السفر أكثر من مجرد وثيقة سفر؛ إنه بطاقة اعتراف دولي بالسيادة، ورمز للانتماء، وعلامة على أن الفرد ليس مجرد رقم في الشتات، بل مواطن له حقوق وواجبات. بالنسبة للفلسطيني، الذي يعيش منذ أكثر من سبعة عقود في حالة من المنفى القسري، فإن الجواز الفلسطيني ليس مجرد ورقة رسمية، بل هو شهادة حياة سياسية تثبت أن هذا الشعب ما زال قائماً رغم محاولات المحو والتهجير.


وفق تقديرات الأمم المتحدة، يعيش أكثر من 6 ملايين فلسطيني في الشتات موزعين بين الدول العربية وأوروبا والأمريكيتين. كثير منهم لا يحمل أي جنسية أخرى، ما يجعلهم في وضع قانوني هش، يعتمدون على وثائق مؤقتة أو إقامات محدودة. في هذه الحالة، يصبح الجواز الفلسطيني الخارجي ضرورة وجودية، لكنه يُحجب عنهم وكأن السلطة تقول لهم: "أنتم خارج الحسابات".


إن حرمان الفلسطينيين في الخارج من جواز سفرهم الوطني يعكس أزمة عميقة في مفهوم المواطنة الفلسطينية. فبدلاً من أن يكون الجواز أداة لتوحيد الشعب الممزق، أصبح أداة لتقسيمه إلى فئتين:


ـ فئة الداخل: التي تملك الحق في الجواز، بل وتستطيع الجمع بينه وبين جنسية أخرى.


ـ فئة الخارج: التي تُعامل وكأنها أقل شرعية في الانتماء، رغم أنها تحمل عبء القضية في المنافي وتدفع أثمانها يومياً.


هذا التناقض يطرح سؤالاً صاروخياً: كيف يمكن لسلطة تدّعي تمثيل الشعب الفلسطيني أن تُقصي ملايين من أبنائه من أبسط حقوقهم الرمزية؟ وكيف يمكن أن يُبنى مشروع وطني جامع بينما وثيقة الهوية نفسها تُستخدم كأداة إقصاء؟


التمييز بين الداخل والخارج – تقسيم الشعب الفلسطيني إلى طبقتين


حين نتأمل في السياسات المتعلقة بجواز السفر الفلسطيني، يظهر أمامنا مشهد بالغ القسوة: الفلسطيني في الداخل، أي في مناطق السلطة الفلسطينية، يتمتع بحق الحصول على جواز سفر ويمتلك إمكانية الجمع بينه وبين جنسية أخرى، بينما الفلسطيني في الخارج، الذي يعيش في الشتات منذ عقود، يُحرم من هذا الحق أو يُترك رهينة للواسطة والاتصالات الشخصية. هذه المفارقة ليست مجرد خلل إداري، بل هي تقسيم سياسي واجتماعي خطير يعيد إنتاج التمييز داخل شعب واحد.


وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، يعيش نحو 14 مليون فلسطيني حول العالم، منهم حوالي 6 ملايين في الشتات موزعين بين الدول العربية والأوروبية والأمريكيتين. هؤلاء يشكلون نصف الشعب تقريباً، لكنهم يُعاملون وكأنهم مواطنون من الدرجة الثانية. في المقابل، الفلسطيني الذي يعيش في الضفة الغربية أو غزة، رغم أنه تحت الاحتلال المباشر، يستطيع أن يحصل على جواز سفر فلسطيني، بل ويُسمح له أحياناً بالاحتفاظ بجنسية أخرى (أردنية، أوروبية، أميركية).


هذا التمييز يطرح سؤالاً صادماً: لماذا يُمنح الفلسطيني في الداخل امتيازات أكثر من الفلسطيني في الخارج، رغم أن الأخير هو الذي يحمل عبء القضية في المنافي، ويُعتبر صوتها في العالم؟ أليس من المفترض أن يكون الجواز الفلسطيني أداة لتوحيد الشعب الممزق، لا لتقسيمه؟


الأدهى من ذلك أن الفلسطينيين في الشتات الذين لا يحملون أي جنسية أخرى – وهم في وضع قانوني هش – يجدون أنفسهم بلا أوراق رسمية، بلا هوية معترف بها، وكأنهم معلّقون بين السماء والأرض. هذا الوضع يفتح الباب أمام أزمات إنسانية: صعوبة السفر، الحرمان من التعليم الدولي، تعقيدات لمّ الشمل، وحتى فقدان فرص العمل.


إن السلطة الفلسطينية، عبر هذه السياسة، ترسل رسالة خطيرة: أن الانتماء ليس حقاً جماعياً، بل امتيازاً يُمنح للبعض ويُحجب عن البعض الآخر. بهذا، يتحول الجواز من وثيقة سيادية إلى أداة فرز اجتماعي، تقسم الشعب إلى:


ـ طبقة الداخل: مواطنون كاملون، لهم الحق في الجواز وربما جنسية أخرى.


ـ طبقة الخارج: مواطنون ناقصون، محرومون من أبسط رموز الهوية، إلا إذا امتلكوا علاقات شخصية أو نفوذ.


هذه السياسة لا تضعف فقط وحدة الشعب الفلسطيني، بل تُفقد السلطة نفسها شرعية التمثيل أمام ملايين الفلسطينيين في الشتات. فهي عملياً تقول لهم: "أنتم خارج الحسابات"، رغم أنهم يشكلون نصف الشعب ويُعتبرون جزءاً أساسياً من القضية.


البيروقراطية والواسطة كسلاح إقصائي


حين يُحرم الفلسطيني في الشتات من جواز سفره الوطني، لا يكون السبب دائماً قانونياً أو سياسياً معلناً، بل غالباً ما يكون نتيجة بيروقراطية خانقة وواقع من الفساد الإداري الذي يحوّل الحق الطبيعي إلى امتياز شخصي. السفارات الفلسطينية، التي يُفترض أن تكون بوابة الشعب إلى دول العالم، تحولت في كثير من الحالات إلى مراكز علاقات شخصية، حيث لا يحصل الفرد على وثيقته إلا إذا امتلك "واسطة" أو نفوذاً أو معرفة بموظف داخلي.


هذا الواقع يخلق طبقة جديدة من التمييز داخل الشتات نفسه:


من يملك علاقات شخصية يستطيع أن يفتح الأبواب المغلقة ويحصل على الجواز.


من لا يملك سوى حقه الطبيعي يُترك بلا أوراق، وكأن هويته الوطنية مرهونة برضا موظف أو مسؤول.


الأرقام والوقائع هنا تكشف حجم الأزمة: آلاف الفلسطينيين في أوروبا وأميركا اللاتينية والدول العربية يواجهون صعوبات في استخراج الجواز الخارجي، بينما تقارير حقوقية تشير إلى أن بعض السفارات لا تُصدر سوى عشرات محدودة من هذه الجوازات سنوياً، وغالباً عبر قنوات غير رسمية. هذا يعني أن الواسطة أصبحت بديلاً عن القانون، وأن الهوية الوطنية تُدار بمنطق المحسوبية لا بمنطق الحقوق.


النتيجة المباشرة هي فقدان الثقة بين الفلسطينيين في الشتات ومؤسساتهم الرسمية. فبدلاً من أن تكون السفارة رمزاً للتمثيل الوطني، أصبحت في نظر كثيرين رمزاً للفساد والإقصاء. وهذا ينعكس على صورة السلطة الفلسطينية نفسها، التي تُتهم بأنها تُعيد إنتاج أنماط التمييز والفساد التي يعاني منها الداخل، وتصدّرها إلى الخارج.


الأثر الإنساني لهذه البيروقراطية القاسية لا يُستهان به:


طلاب يفقدون فرص المنح الدراسية لأنهم لا يملكون جوازاً معترفاً به.


عائلات تُحرم من لمّ الشمل بسبب غياب الوثائق الرسمية.


أفراد يُستبعدون من سوق العمل العالمي لأنهم بلا أوراق سفر شرعية.


إن تحويل الجواز الفلسطيني الخارجي إلى وثيقة تُمنح عبر العلاقات الشخصية هو إهانة مزدوجة: إهانة للحق الطبيعي في الهوية، وإهانة لفكرة الدولة الفلسطينية نفسها. فالدولة التي لا تستطيع أن تُصدر جواز سفر لمواطنيها في الشتات، إلا عبر الواسطة، هي دولة تُعلن عملياً أنها عاجزة عن تمثيل نصف شعبها.


الانعكاسات الإنسانية والاجتماعية – حياة معلّقة بلا أوراق


حين يُحرم الفلسطيني في الشتات من جواز سفره الوطني، فإن الأمر لا يتوقف عند حدود ورقة رسمية، بل يتحول إلى أزمة وجودية تمس تفاصيل الحياة اليومية. فالجواز ليس مجرد وثيقة سفر، بل هو مفتاح للتعليم، للعمل، للعلاج، ولمّ الشمل، وحتى للشعور بالكرامة الإنسانية.


تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أن هناك أكثر من 1,5 مليون فلسطيني لا يحملون أي جنسية أخرى، معظمهم موزعون بين لبنان وسوريا والعراق وبعض الدول الأوروبية. هؤلاء يعيشون في وضع قانوني هش، يعتمدون على وثائق مؤقتة أو بطاقات إقامة محدودة، وغالباً ما يُرفض دخولهم إلى دول أخرى لغياب جواز سفر معترف به. في لبنان مثلاً، يعيش حوالي 210 ألف فلسطيني وفق إحصاءات الأونروا، كثير منهم لا يستطيعون السفر خارج البلاد إلا عبر إجراءات استثنائية معقدة، وغالباً ما يُرفض طلبهم.


الانعكاسات على التعليم واضحة: آلاف الطلبة الفلسطينيين في الشتات يفقدون فرص المنح الدراسية الدولية لأنهم لا يملكون جوازاً معترفاً به. في تقرير صادر عن الأونروا عام 2023، أُشير إلى أن أكثر من 12 ألف طالب فلسطيني في لبنان وسوريا واجهوا صعوبات في التسجيل بجامعات خارجية بسبب غياب وثائق سفر رسمية. هذه الأرقام تكشف أن الحرمان من الجواز ليس مجرد عائق إداري، بل هو حاجز أمام المستقبل.


أما على مستوى لمّ الشمل، فالقصة أكثر مأساوية. آلاف العائلات الفلسطينية الموزعة بين أوروبا والدول العربية تعيش سنوات طويلة بلا لقاء، لأن أفرادها لا يملكون وثائق سفر تسمح لهم بالانتقال. في الأردن، حيث يعيش أكثر من 2 مليون فلسطيني، كثير من أبناء غزة تحديداً لا يحملون سوى بطاقات إقامة مؤقتة، ما يجعل سفرهم شبه مستحيل. هذا الواقع يخلق جروحاً اجتماعية عميقة، حيث تتحول العائلة الواحدة إلى شتات داخل الشتات.


سوق العمل العالمي أيضاً يغلق أبوابه أمام الفلسطينيين بلا جواز. شركات كبرى في أوروبا والخليج ترفض توظيف أشخاص لا يملكون وثائق سفر رسمية، حتى لو كانوا يحملون شهادات عليا. تقرير البنك الدولي عام 2022 أشار إلى أن معدلات البطالة بين الفلسطينيين في الشتات الذين لا يحملون جنسية أخرى تتجاوز 40%  في بعض الدول المضيفة، وهو رقم يعكس حجم الإقصاء الاقتصادي الناتج عن غياب الجواز.


إن الحرمان من الجواز الفلسطيني الخارجي يضع الفلسطيني في الشتات في حالة "مواطنة ناقصة"، حيث يعيش بلا أوراق، بلا اعتراف، بلا قدرة على التخطيط لمستقبله. هذه ليست مجرد أزمة إدارية، بل هي أزمة هوية وكرامة، تجعل الفلسطيني يشعر أنه غريب حتى عن وطنه المفترض. فبينما العالم يتحدث عن حق العودة، يجد الفلسطيني نفسه عاجزاً حتى عن حق السفر، وكأن المنفى ليس مكاناً مؤقتاً، بل قدراً أبدياً.


البعد السياسي والشرعية – أزمة تمثيل وانقسام داخلي


إن حرمان الفلسطينيين في الشتات من جواز سفرهم الوطني لا يمكن قراءته فقط كإشكال إداري أو خلل بيروقراطي، بل هو انعكاس مباشر لأزمة سياسية أعمق تتعلق بشرعية السلطة الفلسطينية نفسها. فالسلطة التي يُفترض أن تمثل الشعب الفلسطيني بكافة أطيافه، وتدافع عن حقوقه أمام العالم، تُقصي عملياً نصف هذا الشعب من أبسط رموز المواطنة، وكأنها تعترف فقط بمن يعيش داخل حدودها الجغرافية الضيقة.


الأرقام هنا تكشف حجم المفارقة: من أصل نحو  14 مليون فلسطيني حول العالم، يعيش حوالي  6ملايين في الشتات، أي ما يقارب نصف الشعب. ومع ذلك، فإن هؤلاء الملايين يُعاملون وكأنهم خارج الحسابات الوطنية، بلا جواز سفر، بلا اعتراف رسمي، وبلا تمثيل فعلي في مؤسسات السلطة. هذا الوضع يطرح سؤالاً وجودياً: كيف يمكن لسلطة تدّعي الشرعية أن تُقصي نصف من يُفترض أنهم شعبها؟


الأثر السياسي لهذا التمييز خطير للغاية. فهو يعمّق الانقسام بين الداخل والخارج، ويضعف فكرة المشروع الوطني الجامع. الفلسطيني في الشتات، الذي يُعتبر صوت القضية في المحافل الدولية، يجد نفسه بلا وثيقة تثبت هويته، بينما الفلسطيني في الداخل، رغم أنه يعيش تحت الاحتلال المباشر، يتمتع بامتيازات أكبر. هذه المفارقة تُضعف صورة السلطة أمام المجتمع الدولي، وتُظهرها ككيان عاجز عن تمثيل كل الفلسطينيين.


إضافة إلى ذلك، فإن هذا التمييز يُعيد إنتاج الانقسام السياسي الداخلي. فبدلاً من أن تكون السلطة مظلة جامعة، تتحول إلى طرف يرسّخ التفرقة بين "مواطن كامل" و"مواطن ناقص". هذا الانقسام لا يخدم سوى الاحتلال، الذي طالما راهن على تفتيت الشعب الفلسطيني إلى فئات متناحرة.


من منظور الشرعية، فإن السلطة الفلسطينية تُفقد نفسها أساساً مهماً: الشرعية لا تُبنى فقط على السيطرة الجغرافية، بل على القدرة على تمثيل الشعب بأكمله. حين يُقصى ملايين الفلسطينيين في الشتات من أبسط حقوقهم الرمزية، فإن السلطة تُعلن عملياً أنها تمثل جزءاً من الشعب لا كله، وهذا يضعف موقفها في أي مفاوضات أو محافل دولية.


إن الجواز الفلسطيني الخارجي، الذي يُفترض أن يكون أداة لتوحيد الشعب، أصبح أداة لتقسيمه. وهذا يعكس أزمة القيادة الفلسطينية، التي لم تستطع أن تُعيد تعريف المواطنة بشكل جامع، بل تركت نصف الشعب في حالة "مواطنة ناقصة". النتيجة أن الفلسطيني في الشتات يشعر أنه غريب حتى عن سلطته الوطنية، وأن هويته مرهونة بقرار سياسي لا بحق طبيعي.


الحقوق الدولية والمقارنة العالمية – الجواز كحق إنساني لا امتياز إداري


حين ننظر إلى قضية حرمان الفلسطينيين في الشتات من جواز سفرهم الوطني، فإننا لا نتحدث فقط عن أزمة داخلية، بل عن انتهاك مباشر للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان. فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 ينص في مادته الخامسة عشرة على أن "لكل فرد حق التمتع بجنسية ما"، وأنه لا يجوز حرمان أي شخص من جنسيته تعسفاً أو إنكار حقه في تغييرها. كما أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 يؤكد في مادته الثانية عشرة على حق كل إنسان في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، والعودة إليه.


في ضوء هذه النصوص، يصبح حرمان الفلسطينيين في الشتات من جواز سفرهم الوطني انتهاكاً مزدوجاً: حرمان من حق الجنسية، وحرمان من حق التنقل. هذا الحرمان لا يضع الفلسطيني في مواجهة الاحتلال فقط، بل يضعه أيضاً في مواجهة سلطة يُفترض أنها تمثله، لكنها عملياً تُقصيه من أبسط حقوقه.


عند المقارنة مع تجارب شعوب أخرى في المنفى، يظهر حجم المفارقة. الأرمن، الذين عاشوا الشتات منذ المجازر العثمانية، استطاعوا أن يحصلوا على جواز سفر أرميني حتى قبل استقلال دولتهم الحديثة عام 1991، كرمز للهوية والانتماء. الأكراد، رغم أنهم بلا دولة معترف بها، نجحوا عبر إقليم كردستان العراق في إصدار وثائق سفر خاصة بهم، تُستخدم في كثير من الدول. الصحراويون، الذين يعيشون في المنفى منذ عقود، يحصلون على وثائق سفر من جبهة البوليساريو، تُعترف بها في عدد من الدول.


في المقابل، الفلسطيني الذي يُفترض أن قضيته هي الأكثر حضوراً على الساحة الدولية، يجد نفسه بلا جواز، بلا وثيقة، بلا اعتراف. هذا التناقض يطرح سؤالاً صارخاً: كيف يمكن لشعب يُعتبر رمزاً للنضال من أجل الحرية أن يُحرم من أبسط أدوات الاعتراف الدولي؟ وكيف يمكن للسلطة الفلسطينية أن تبرر هذا الحرمان بينما العالم كله يعترف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم؟


الأرقام تكشف حجم الفجوة: أكثر من  6 ملايين فلسطيني في الشتات يعيشون بلا جواز سفر فلسطيني خارجي، بينما السلطة الفلسطينية تُصدر سنوياً عشرات الآلاف من الجوازات لسكان الداخل. هذا التمييز لا يتفق مع أي معيار دولي، بل يُظهر أن السلطة تُعامل نصف الشعب وكأنه "مواطن ناقص"، بلا حق في وثيقة تثبت وجوده.


إن القضية هنا ليست فقط قضية إدارية، بل قضية كرامة وحقوق إنسانية. فالجواز الفلسطيني الخارجي يجب أن يكون حقاً لكل فلسطيني، لا امتيازاً يُمنح عبر الواسطة أو يُحجب عبر البيروقراطية. حرمان الفلسطينيين في الشتات من هذا الحق هو إعلان عملي أن هويتهم الوطنية مشروطة، وأن انتماءهم ليس مكتملاً، وهذا يتعارض مع كل المواثيق الدولية ومع أبسط مبادئ العدالة.


الجواز الفلسطيني… ورقة هوية أم أداة إقصاء؟


في النهاية، لا يمكن النظر إلى قضية حرمان الفلسطينيين في الشتات من جواز سفرهم الوطني إلا باعتبارها جرحاً مفتوحاً في الجسد الفلسطيني، جرحاً يكشف عن أزمة قيادة، أزمة شرعية، وأزمة هوية. فالجواز الذي يُفترض أن يكون رمزاً للسيادة والانتماء، تحوّل إلى أداة تقسيم وفرز، حيث يُمنح بسهولة لمن يعيش داخل حدود السلطة، ويُحجب عن ملايين الفلسطينيين في المنافي، وكأنهم خارج الحسابات الوطنية.


إن هذا الواقع لا يضعف فقط حياة الأفراد، بل يهزّ صورة المشروع الوطني بأكمله. فكيف يمكن لشعب يسعى إلى التحرر والاعتراف الدولي أن يقبل بسياسات داخلية تُقصي نصفه؟ وكيف يمكن للسلطة الفلسطينية أن تدّعي تمثيل الشعب بينما تُنكر على ملايين من أبنائه أبسط حقوقهم الرمزية؟


الأرقام لا ترحم: أكثر من 6 ملايين فلسطيني في الشتات بلا جواز سفر فلسطيني خارجي، في مقابل عشرات الآلاف من الجوازات التي تُصدر سنوياً لسكان الداخل. هذه المفارقة ليست مجرد خلل إداري، بل هي إعلان عملي أن الهوية الفلسطينية مشروطة، وأن الانتماء ليس حقاً جماعياً، بل امتيازاً يُمنح للبعض ويُحجب عن البعض الآخر.


إن الجواز الفلسطيني ليس مجرد ورقة تُسهّل السفر، بل هو شهادة وجود وكرامة. حرمان الفلسطينيين في الشتات منه هو حرمانهم من الاعتراف، من المستقبل، ومن الحق في أن يقولوا للعالم: "نحن هنا، نحن شعب له هوية ووطن". لذلك، فإن هذه القضية ليست إدارية ولا ثانوية، بل هي معركة سياسية وأخلاقية يجب أن تُفتح على أوسع نطاق، لأن من دون هوية جامعة، لا يمكن أن يكون هناك مشروع وطني جامع.


الجواز الفلسطيني الخارجي ليس امتيازاً يُمنح عبر الواسطة، بل حق سيادي يجب أن يُنتزع لكل فلسطيني أينما كان. إن استمرار هذا الحرمان هو وصمة عار على جبين السلطة، وإعلان عملي أن نصف الشعب يعيش بلا هوية. وإذا لم يُعالج هذا الجرح سريعاً، فإننا أمام خطر أكبر: أن يتحول الشتات الفلسطيني من رافعة للقضية إلى جرح نازف يهدد وحدة الشعب وشرعية مشروعه الوطني. 

CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق