وقفات على المفارق
الوقفة الأولى... مع الترقّب
من نافل القول: إنّ الأمر الطبيعيّ وبعد أن "أقفِل" ملفّ قسد في سورية، وَ "ارتحلت" غالبيّة قطاعات جيش الاحتلال الأميركي عن أراضيها وعينيّا قاعدتها السرطانيّة في التّنْف آخذة معها ما تبقّى من داعش؛ صنيعتها، أن يسود الترقّب لدى دروز سورية ولدى كلّ المعنيّين؛ السويداء إلى أين؟!
الوقفة الثانيّة... مع مداخل يجب ألّا تغيب
أوّلًا: صاغ عام 2011 البروفيسور أيال زيسر، من أهمّ الخبراء الإسرائيليّين في الشأن الشرق أوسطي وتحديدا السوريّ، الموقف في بحث أجراه لصالح "مركز أورشليم للأبحاث السياسيّة" تحت العنوان: "الانتفاضة السوريّة، التأثيرات على إسرائيل"، فكتب:
"إنّ في حال صعود المعارضة إلى سدّة الحكم في سوريّة فإنها سوف تدفع باتجاه إبعاد دمشق عن إيران وحزب الله اللبناني، إضافة إلى أنّ رموز هذه الحركة من خلال علاقاتهم مع النخب الأردنيّة والسعوديّة والنخب التركيّة، والأميركيّة والغربيّة الأوروبيّة، سوف يعملون باتجاه بناء أفضل الروابط مع أميركا وبلدان أوروبا الغربيّة. وإذا أضفنا إلى ذلك الحقيقة القائلة إنّ دمشق البديلة سوف تكون دمشق الضعيفة، فإن خيار صعود المعارضة السوريّة هو الأفضل لإسرائيل."
ثانيًا: إسرائيل ولهذا الهدف ربطت خيوطا كثيرة مع "مراكز قوى" في سورية وقبل سقوط النظام السابق، لتكون خواصر ضعيفة أو دمامل في الجسد السوري. ومن هذه الخواصر جبل العرب – السويداء، وقد أتى هذا الرّبط أكُلَه مباشرة بعد سقوط النظام وَ "طاش" صوته بالـ "NO" لكلّ ما يصدر من دمشق. غير أنّ "العتمة لم تأت على قدّ يد الحرامي الإسرائيلي" إذ غلب في الجبل التوجّه القائل: "يجب ترتيب العلاقة مع النظام الجديد" وكانت ثمرة هذا التوجّه توافقات وُقّعت في دارة الشيخ الهجري يوم 12.3.25 وبُدِئ العمل بها. هذا التوجّه\ التوافقات كان يجب أن يُضرب فجاء شريط التطاول على الرسول وما تبعه في جرمانا والأشرفيّة وصحنايا من فظائع يوم 28.4.25 وانكشفت هشاشة الادعاء الإسرائيلي بحماية الدروز، ومع هذا سريعًا ما استُوعبت الأزمة بعودة على توافقات آذار إلى الواجهة والتي دام العمل بها حتّى أوائل تمّوز، وكان لجنبلاط دور فاعل لا بل أساسيّ فيها أعجب ذلك كارهوه أم كرهوا!
ثالثًا: يوم 12 تموز 25 تمّ لقاء باكو؛ توماس باراك (المندوب السامي) ورون ديرمر الإسرائيلي - الأميركي وأسعد الشيباني السوري وفيه تمّ التوافق على انتشار "قوى الأمن" في الجنوب. رحّب الشيخ الهجري بدخول قوى الأمن الجبل بإيعاز أو بدون إيعاز "ما تفرق"، وقبل أن يطلع فجر الـ 13 من تمّوز زحفت جحافل الشرع بدبابّاتها تحت مرأى "حامي الحِمى" سائرة على دماء شيوخ ونساء وعذراوات المقرن الغربيّ والشماليّ الغربيّ في الجبل. الشيخ يخرج ببيان "نخوة الدِّين"، ويقول: "لقد أُجبرت على بياني الأوّل!". تمّت المذابح خلال اليومين الأوّلين فاستفاق "حامي الحمى" من سباته العميق بعد يومين؛ الساعة 02:00 من صباح 15 تمّوز (تقرير هيومان رايتس ووتش للمعني)، وضرب دبّابة هنا وأخرى هنالك، وفي الغداة ضرب محيط القيادة العامّة في الشام ساعة خروج موظّفيها لاستراحة الغداء!
رابعًا: يستطيع المعنيّ أو المتابع أن يضيف: خامسًا وسادسًا و ... عاشرًا!
الوقفة الثالثة... ودولة الباشان وسقوطها المدوّي في باريس
ضُربت التوافقات وأُعلنت دولة "الباشان" على ثلثيّ الجبل تاركة 36 قرية لـ "الأقدار"، وخرج إلى الواجهة الإسفين الذي كان جاهزًا لدقّه بين سماحة الشيخ موفّق والشيخ الهجري، وَ "فطرشت" أزلام من سقط المتاع من هنا وهنالك تهتف بـ "النصر المبين". يكفينا بيّنة في الشريط الذي كان أطلقه السيّد صالح طريف أوائل تشرين الأوّل 2025 عن أحلام الدولة، ومن يعرف موقع السيّد طريف في المشهد الدرزي المحلّي ومركزيّته، يعرف أن هذا الشريط ليس موقفًا شخصيّا ولم يأتِ بتاتًا من فراغ.
شهدت باريس حتّى الآن خمسة لقاءات بين إسرائيل والنظام الجديد وآخرها يوم 5 كانون الثاني 2026 وهذه المرّة أُعلن عن مشاركة رئيس المخابرات السوريّة إلى جانب الشيباني؛ حسن السلامة، فماذا رشح عنها والمخفيّ أعظم!؟
مصدر سوريّ: "يأتي اللقاء تأكيدًا على التزام سوريا الثابت باستعادة الحقوق الوطنية غير القابلة للتفاوض... وتتركز بشكل أساسي على إعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما قبل خطوط الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024"... ضمن إطار اتفاقية أمنية متكافئة تضع السيادة السورية الكاملة فوق كل اعتبار، وتضمن منع أي شكل من أشكال التدخل في الشؤون الداخلية السورية".
وأمّا موقع أكسيوس الأميركي (!) فكتب: "اتفق الطرفان على تسريع وتيرة المفاوضات واتخاذ خطوات لبناء الثقة خلال المرحلة المقبلة. وأعرب الجانبان عن رغبتهما في التوصل إلى اتفاق أمني يتماشى مع رؤية الرئيس الأميركي للشرق الأوسط. وفي سياق المواقف، تمسّكت إسرائيل بالاستمرار في البقاء على قمة جبل الشيخ ضمن أي ترتيبات أمنية مقبلة، في حين طالبت الحكومة المؤقتة بإعادة تفعيل اتفاق فضّ الاشتباك الموقّع عام 1974."
"العوض بـ سلامتكم" عن دولة الباشان، مهما كبُرت صورة نتانياهو في المظاهرات وحتّى لو حَسُن شكل علم إسرائيل المشوّه الذي يُرفع فيها!
الوقفة الخامسة... مع ما خفي أعظم
من ينتظر احتفالًا رسميّا يجمع فيه ترامب الشرع ونتانياهو في حديقة البيت الأبيض للتوقيع على اتّفاق سلام أو حتّى اتّفاق أمني رسمييّن سينتظر كثيرًا، فلا حاجة بذلك في الوقت الراهن، فالاتفاق والتوافقات والتفاهمات الأمنيّة قائمة وأعمق كثيرًا ممّا قد يبدو للعيان وتتمّ في الحدائق المحليّة. وهي أكبر كثيرًا من لقاء في باريس أو غير باريس، وليس هذا مجرّد تخمين، ومع هذا يكفي المرء أن يتابع ما يجري في الجنوب السوريّ؛ جبل الشيخ عبر القنيطرة ودرعا وحتّى اليرموك، وكذا في الوضع "اللّي لا لـ قدّام ولا لـ ورا" في السويداء" كي يصل إلى النتيجة أنّ ما يخفى عن الأنظار ولا يخفى عن الألباب هو الأعظم.
الوقفة السادسة... مع الشرع والسويداء والصمت الضاجّ!
ادّعيت أكثر من مرّة أنّي من مصدّقي الشرع والشيباني أنّهما وقعا في الفخ في كلّ ما يتعلّق بدخول السويداء يوم 13 تمّوز 2025، وأردفت أن ليس معنى هذا صكّ براءة عمّا فعلت أيديهما، ولكن صمت الشرع عن كلّ ما يجري في السويداء هو صمتٌ ضاجّ (!)؛ هو، أيّ الشرع، يعرف حقّ المعرفة ما يجري هنالك في السرّ والعلن من اتّصالات خارجيّة، لا بل أكثر من ذلك، فما يبدو لنا سرّا هو سرّ ثمرة توافقات وجاوز منذ زمن الاثنين فشاع!
صحيح أنّ إسرائيل والشرع يمدّان "جيتو" السويداء اليوم "في القطّارة" ببعض مقوّمات حياة، ولدى النظام الجديد محافظ وعيّنت إسرائيل منسّقّا (لدى أبناء عمومتنا اليهود قول: "رفسة لأعلى" تُستعمل حين يُنقل صاحب منصب لمنصب آخر وتحمل تمامًا المعنى العكسيّ). وبغضّ النظر فلدى إسرائيل قضايا أكبر من السويداء وكلّ الوقت الذي في الدنيا، وهكذا لدى الشرع ولسان حاله يقول: فـ "ليُطبخ أهل السويداء في دولتهم المستقلّة بمرقتهم". إذا كان هذا ما وراء صمت الشرع، والمرجّح أن نعم، فهو يرتكب خطيئة أكبر من التي ارتكبها سابقًا، والتكفير عنها لن يكون سهلًا قبل أن يتّم التكفير عمّا كان قبلها من فظائع، وفي العجلة في هذا السياق السلامة.
الوقفة السابعة... مع إسرائيل والمنجل وماء الوجه
لا ماء في وجه نتانياهو؛ هذا إجماع إسرائيليّ، ولكنّ ترامب بلّعه منجلًا في القضيّة السوريّة حادّ النّصل، حقيقة هي إنّ منجلًا سبق ذلك بلعَه هو عن طيب خاطر ولكنّة اقلّ حدّة هو "المنجل الدرزيّ"؛ المعسكر الدرزيّ الموالي هنا من ناحية وهو الأكثريّ، ومن الناحية الأخرى "جماعته" في الجبل. (تنويه: يجب أن يعرف وبالذات الإعلام العربيّ أن الدروز في الـ 48 ليسوا قطيعًا وفيهم تعدّدية فهنالك معسكر عروبيّ وإن كان أقلّي فهو واسع وله مكانته في المشهد). ومن سخرية الأقدار أنّه حينما ينبري نتانياهو وَ "وزرائه" يطلقون حبّهم الجارف لدروز الجبل فيطلقون عليهم الوصف؛ "أخوة أخوتنا!".
إسرائيل في المرحلة المرئيّة لن تترك جماعتها في الجبل وستجد لهم بالتوافق مع النظام ترتيبًا يحفظ لهم ماء الوجه، ولكن إلى أمد قصير حين تنتهي "الصلاحيّة" كما انتهت بجيش لبنان الجنوبي وأنطوان لحد، ومع هذا البون شاسع بين أحلامهم الكابوسيّة في تقرير المصير وبين أحلامها الورديّة مع الشرع، وستجد والشرع المعادلة التي تحفظ مصالحها، وإن كانت المفاضلة أمامها بين الشرع والهجري، وهي كذلك، فحتمًا ستختار الشرع، ويخرج المراهنون في الجبل "من المولد بلا حُمّص".
الوقفة الثامنة... وما العمل؟
لا يعولنّ أحد على أنّ ما تمّ مع قسد هو حل للسويداء فهنا خلافًا عن الحسكة يوجد لاعب آخر اسمه: إسرائيل، وعُد للوقفة السابقة!
كتبت أكثر من مرّة أنّي لست في موقع الواعظ لأهل الجبل أو دروز سورية، وليس من باب "أهل مكّة أدرى بشعابها" فأهل مكّة إبّان الرسالة تاهوا عن شعابها شرّ تيه، هذا من ناحية ومن الأخرى فشعاب الجبل ليست ملكًا لهذا المكوّن أو ذاك هي ملك لكلّ عربيّ عروبيّ درزيّا كان أو سنّيًا أو شيعيّا أو مسيحيّا؛ هي شعاب "جبل العرب" شاء من شاء وأبى من أبى ومهما ادلهمّت الظلمات، ومع هذا ليس أمام دروز الجبل إلّا العودة لتوافقات ما قبل الـ 13 من تمّوز 2025 وتبنّي اتّفاق عمّان الثلاثيّ قبل فوات الأوان... ولات ساعة مندم!
سعيد نفّاع
أواسط شباط 2026
7208450- 050
Saeid-naffaa.com






0 comments:
إرسال تعليق