يتساءلُ البطلُ الذي رأى كُلّ شيءٍ وأعاد للبطلةِ قيمة الوجود:
"تلكَ الّتي سقتِ المحيط مِن دموعها، هل سأرى وجهي في مراياها على اليابسة؟!".
لقد أحبّها بِصدقٍ، وما كان يعلم أنَّ بعض الحبّ غرّاقٌ...
أحبتهُ البطلة ( توتي) الحُبّ الذي في منتهى الفداء! أما هو البحرُ، غرق في محيطِ غرامها!، أ لأنَّ في عينيها بحرٌ متلاطم الأسرار؟ جرفه موجه إلى ما شاء!. حقّاً وصدقاً، بعضُ الحُبِّ صلاةً كما يقول مؤلف الرواية.
عامت خلفهُ كالطفلةِ، فهو حَتّى في الغرق دليلها، أما شَعرها التمريّ... فالريحُ كالسوطِ تصفعُ به وجهها!.
أما هو، كالنّسرِ يفرش جناحيه ليغطيها ويحميها...
صرخت: ياربّ أنّنا نغرق... ومِن ثُمَّ نادت حبيبها: لا تتركني!.
يقول سبستيان البطل: "مأخذي الوحيد عليها، هي حتّى في المحيطِ كاللصِ المحترفِ... سطت عليَّ وكمحتلٍ احتلتني!. فسنّت القوانين في مملكتي على هواها"!.
مدّت يديها نحوه وهي تشهق بالماءِ، في الحالِ يده سبقته إليها! كأنَّمَا عَلى كفَّيهِ تتوثب وتطفو!. أوَليسَ أشجع الغارقينَ أجرأهم؟!. ولكن غرقها يباغته، والهادي محيطٌ يزيد غِلّته مِن المطرِ!.
فتاة ثلاثينية تنازع الغرق وهي تبتسمُ؛ وكم بسمتها في حلكة اللّيل مضيئة!. تصرخُ منهارة ببقايا صوت: "أجبني... لا تغرق...أبقَ معي"... فيمَ تحجب أنظارها عنهُ وهو يغرق! وكَم هو وسيمٌ، ولكن شكلهُ وهو يطفو غارقًا أجمل، زاده وسامةً!.
خامرها هواه بِلا مقدماتٍ، بينما هواها غدا دليل احتضاره!.
إنَّ كلًّا منهما يستحق الحياة، فالعشق يصنع الأعاجيب غير المتوقعة، هو حتّى في الغرق لا يفكر في نفسه، بل كيف ينقذها!. ملحمةُ حُبٍّ مليئة بالايثار!. فيا لها مِن ملحمة حُبٍ وحياةٍ وصراع من أجل البقاء!.
(ليلةٌ واحدةٌ في الغرق) رواية قصيرة للأب جزراوي، تحوي مُتعة طافحة بالبلاغة، وشعرٌ وعظي يدرُّ بدُررِ الصور الأدبية، واتباع السرد المشوّق باستعراض الأحداث. وما الشّعرُ إن لم يكن وصفاً حاذقاً.
عملٌ أدبي لذاتٍ خلاّقة، تناول الأسفار، الحياة والحُبّ والإيثار في أجمل التجليات؛ راقت لي تفاصيله والأحداث الطريفة واللطيفة... فلولا الحُبّ لما تفتحت أيّ زهرةٍ في العالم.
لا يريد الله أن يرهب الإنسان... لكنّها نكبات الطّبيعة!.
هل شملَ المحيطُ الأبطال بعفوهِ العام؟.
أتركُ النهاية للقارئ العزيز.
جلال إيليا
محامٍ وشاعر عراقي/ أمريكا




0 comments:
إرسال تعليق