لم يكن الدكّان الصغير، وإسمه حقّاً كبير: "محلاّت الشرق الأوسط للسمانة والخضراوات"، هو الدكّان اللبناني أو العربي الوحيد وحسب في سوق شارع ولونغونغ _ محلّة أرنكلف _ منطقة سانت جورج _ جنوب سيدني _ أوائلَ النصف الثاني من سبعينات القرن العشرين، حيث يكثر نسبيّاً ذوي الأصل اللبناني، وخصوصاً من جنوب لبنان، بل كان أيضاً الملتقى شبه الوحيد تقريباً لأبناء الجالية حيث يتمّ التعارف مع التبضّع وتبادل الأخبار والمعلومات، وكانت في ذلك العصر والأوان مشكلة إذا حدثت وفاة، فأين سيُدفن اللبناني الأصل وله رغبة بالدفن في الوطن الأمّ لبنان؟ _ وهي عموماً رغبة طبيعيّة كانت تكاد تشمل معظم أبناء الجالية اللبنانيّة في عموم أستراليا _ وفي آن مطار بيروت الدولي، بسبب من الوضع الحربي، معطّل؟.
وحدثتْ وفاة وشحّت المعلومات وقصدتُ الدكّان وتيقّنتُ، بعدما استفسرتُ واستزدت، فالمتوفّي رحمة الله عليه هو مَن هو وأولاده هم مَن هم من بلدة "كذا" الجنوبيّة اللبنانيّة، وكان في الدكّان صاحبه خليل، اللطيف جدّاً، وآخر هو زميل عمل في مصلحة سكك حديد ولاية نيو ساوث ويلز ويُدعى سمير وثالث إسمه سعدالله، كان سائق تاكسي "أيّام لبنان" وهو عاطل عن العمل الآن، وبعد أخذ وردّ وهذا يُدلي بدلوه وذاك يفعل مثله قال أخيراً عامل سكك الحديد ما لم يبتعد عن واقع المهنة أنّ القطار "النحاسي" اشتغل على "الخطّ" مئة سنة حتى أخيراً ترهّل واحتمله الناس وتدهورت حاله أكثر واحتملوه أيضاً وصار كلّه أعطاب ولا بدّ من إحالته إلى التقاعد وأحيل واستُبدل بالقطار "الفضّي"، رحم الله المتوفّي!. سائقُ التاكسي "أيّام لبنان" والعاطل عن العمل الآن استشعر إمكان أن يقول شيئاً مشابهاً لكي يبدو محدِّثاً أيضاً، قال إنّ محرّك السيّارة إذا كانت عموميّة _ تاكسي _ يتعب بسرعة بسبب من العمل المتواصل، ونصلّحه وتزيد أعطاله ونعمل له "سكمان" _ "نصف موتور" _ ولكن أخيراً لا بدّ أن يتقاعد، والرحمة على المتوفّي.
صاحب المحلّ خليل كان يسمع ولكنّه كلّما بدا في عينيه كلام ملحّ ولا بدّ أن ينطق، هو مفوّه بعيني ذاته مثل الصديقين ولا بدّ أن يدلي بدلوه، ما قالاه أنّه لا مفرّ من الموت هو يمكنه أن يأتي بمثله وبل بأبلغ منه. استوقفَنا حين رآنا نهمّ بالخروج وقال وهو على إرتباك: "أنا سمعتكم فاسمعوني"!، قلنا نسمعه. قال بعدما التفت إلى زاوية في الدكّان وبعدما توقّفتْ عيناه لسبب سندركه على صندوق كوسى "خربان" أو "مضروب" إنّ المرحوم "قُدّس سرّه" كان من الصنف الفاخر، ولكن ماذا الإنسان؟، هو مثل صحّارة الكوسى هذه، وأشار إليها في الزاوية، قال إن كوساية "تضرب" زميلتَها وزميلتُها "تضرب" زميلتَها ودواليك حتى "ينضرب" الصندوق كلّه، وماذا نفعل؟، نحمل الصندوق حملةً واحدة إلى صندوق القمامة الكبير في الخارج ونرميه فيه. رحم الله المتوفّي.
وكان سمير ينظر إلى صاحب المحلّ غير مصدّق ماذا يسمع فيما سعدالله لم يكن له من الحزم ما لصديقه، فقع ضحكة، وخليل عيناه تغزلان كأنّهما "روليت"، لماذا ينظر إليه سمير على هذا النحو ولماذا يستمرّ سعدالله بالضحك حتى يسند ظهره إلى الحائط ويضغط على صدره كأنّما خوفاً على قلبه من الإنفجار؟!. والحقّ أني صمدتُ أمام هذا المشهد صمود أبطال. وأخيراً طلبت من الزميلين أن نغادر المحلّ على عجل فقد "إبن عرب" يدخل فجأةً وقد يكون من أهل الفقيد ولا يليق أن يرانا هكذا لا نشاركه المصاب، وهذا عيب.
Shawkimoselmani1957@gmail.com




0 comments:
إرسال تعليق