كلمة الحق يجب ان تقال/ د. بهية ابو حمد


طالعتُ مقالاً بقلم رئيس تحرير جريدة التلغراف الأستاذ أنطوان القزي المحترم بتاريخ  ٢١ من تموز  ٢٠٢٦  بعنوان: "ايفا ملحم تطلق الدراسات السريانية في جامعة غرب سيدني".

لما كان الأستاذ القزي قد عودنا دائماً على مصداقية الطرح من خلال منشوراته الثرية ومشوارِه الصحافي الشاق والمديد، وحيث إنني أمتلك حق الرد للتوضيح وتقديم النقد البناء لمحتوى المقال المذكور، مع حفظ كامل الاحترام والتقدير لشخصه، أقول ما يلي: 

الأستاذ القزي، تعلمون يقيناً أنني عكفتُ منذ سنين طوال، وبكل فخر، على صون الشعر والأدب، ورعاية الثقافة والتراث، وحراسة إرثنا الثقافي والتراثي. ولطالما بذلتُ عزمي في دعم الصروح الثقافية إنجاحاً لغاياتها. 

غير أنني أقف اليوم ثائرةً في وجه من يستخفُّ بعقول المثقفين، ويمتهن الثقافة كأداة مبتذلة لاعتلاء عروشٍ وهمية وتبوُّء مناصب كاذبة وزائلة، تملقاً لنزواتِ نفسٍ عليلة.

لقد جرى العرف يا أستاذ القزي بأن إطلاق المشاريع الثقافية والدراسات في الحرم الأكاديمي هو شأنٌ يخص الصرح الجامعي نفسه، وليس السيدة ملحم التي لا إلمامَ لها باللغة السريانية، ولا تتقنها قراءةً أو كتابةً.

بالإضافة إلى ذلك، ينبغي للشخص الذي يطلق مشروعاً ثقافياً لغةً معينة (أو لغةٍ ما) أن يكون ضليعاً فيها؛ ليتمكن من إتمام مشروعه بنجاح ويتحمل المسؤوليات الكثيرة لتنفيذه.

إذن، كيف يتسنى للسيدة ملحم، دون خلفية مسبقة في اللغة السريانية أن تتصدر منصة إطلاقها من صرح ثقافي؟ بل وتتجرأ على إنكار الحق القانوني للجامعة في إطلاق هذه اللغة.

وكيف يمكن للسيدة ملحم أن تبادر بإطلاق اللغة السريانية من منبر ثقافي رفيع، وهي لا تتقن مفرداتها ولا القواعد العائدة إليها؟

وكيف تطلق السيدة ملحم حدثاً لغوياً سريانياً من مِنبر ثقافي، وهي لا تملك أدنى معرفة بهذه اللغة؟

أتسأل حائرة يا أستاذ القزي، هل لدى السيدة ملحم الكفاءة اللغوية اللازمة لإطلاق اللغة السريانية؟ 

بالطبع كلا. 

وهل تستوفي السيدة ملحم الشروط الثقافية واللغوية في اللغةِ السريانيةِ التي تخولها لإطلاق مثل هذا المشروع ؟ بالتأكيد لا.

أنا أعلمُ بأنَّها تعملُ في مجالِ الترجمةِ في العربية والإنكليزية التي لا تَمْتُّ بصلةٍ إلى اللغةِ السريانية.

هل غدت الثقافةُ في أستراليا يا أستاذ القزي مهزلة؟ أم أن للمشهد وجهاً آخرَ؟

هل أصبح الاستهزاء بعقول المثقفين مادة دسمة للمرائين؟

هل أصبح حب الظهور والتقاط الصور مادة للازدراء بالثقافة والمثقفينَ؟ 

هل يُعد اعتماد السيدة ملحم على رجل دين لترجمة المخطوطاتِ السريانيةِ إنجازاً يُحسب لها بمفردها وهي تجهل محتواها تماماً؟ أم أن الفضل يعود كاملاً لرجل الدين باعتباره صاحب الإنجاز اللغوي والترجمي الحقيقي؟

من يقوم بمثل هذا الإنجاز يا أستاذ القزي؟ السيدة ملحم التي تجهل لغة المخطوطاتِ السريانية ومحتواها، أم رجل الدين الذي تولى ترجمتَها وفك رموزها؟ بالطبع، إن تفكيك هذا الدور يضع الإنجاز اللغوي في خانة المترجم الفعلي لا المشرف او المبادر بالطلب. 

تساؤلات حادة تطرح نفسها: هل يجوز للسيدة ملحم الإعتماد على خبراء السريانية لترجمة مشروع أطلقته صوَرياً ونسبتهُ لها دون وجه حق، متجاهلةً حقوق الصرح الثقافي الذي تَعُودُ له الملكية عرفاً؟ هذا السلوك لم يمنح المجتمع صورة زنيفة عن طلاقتها اللغوية بالسريانيةِ فحسب، بل يضعها في مواجهة مباشرة مع القانون الذي يعاقب على "السرقة الأدبية".

 كما أنك يا أستاذ القزي قد اشرتَ الى زوج السيدة ملحم بـلقب "البروفيسور" وهو كما اعلم لم يشغل هذا المنصب قط، بل كما توضح البيانات المدونة في الجامعة حول منحه لقباً فخرياً ( i.e Adjunct Professor ) ولا يحق له، ولا لأي جهة كانت، الإشارة إليه بلقب «بروفيسور» بأي حال من الأحوال لأن مثل هذا اللقب مخالف للقانون.

أطرح  هذه الأسئلة التالية بوضوح: أين مصداقية الصحافة في مثل هذا اللقب؟ ألا تتطلب المهنية الصحفية التحقق التام من صحة الألقاب والأنساب قبل نشرها، وعدم الارتهانِ للادعاءات الفردية أو الرواياتِ المزورة التي تفتقر إلى السند التاريخي والقانوني؟  وكما عودتنا يا أستاذ القزي بأن المهنية الصحفية ليست مجردَ نقلٍ للمعلومات، بل هي مسؤوليةٌ تتطلب التحقق التام من صحة الألقاب والأنساب قبل نشرها. أهي الحالُ نفسُها في المقالِ المذكورِ أعلاه؟

لو ادّعيتُ لَكَ زوراً يا أستاذ القزي بأنني طبيبةٌ مختصةٌ في جراحة الدماغ ، هل كنتَ ستقوم بنشرِ هذا اللقب في اي مقالِ لكَ دون التحقق من المؤهلات والوثائق الرسميةالعائدة إليَّ؟   

شتان بين الكفاءة الحقيقية والألقاب الفخرية المزيفة والمتداولة للأسف بين البعض من أفراد الجاليات الإثنية في أستراليا على سبيل المثال "بروفيسور، وإعلامي، وكاتب، وصحافي، ومطرب، وشاعر، وبالأخص دكتور حاملاً لشهادة الدكتوراه التي تمنح من جمعياتٍ بلا رقيب، وليس من الصرح الجامعي كما ينص العرف. 

إلى متى ستستمر هذه المهزلة والجريمة بحق الثقافة والتراث؟  

إلى متى يُترك إرثنا الثقافي والتاريخي عرضة للعبثِ والخراب؟

كفى استهتاراً بهويتنا. إلى متى هذا الابتذال في حق الثقافة والتراث؟

أؤكد لك يا أستاذ القزي، أن الشخص الوحيد المؤهل لإطلاق مثل هذا المشروع هو البروفيسور رفعت عبيد فهو أول من شغل كرسي الأستاذية في اللغات السامية بجامعة سيدني في أستراليا، فضلاً عن إتقانه التام للسريانية واللغات السامية ولغات اخرى متعددة قراءةً، وكتابةً، ومعرفةً، بالإضافة الى نشر العديد من الترجمات والكتب وتحقيق المخطوطات السريانية بجدارة، كما وقد اشرف البروفيسور عبيد على اطروحات الدكتوراه للطلبة في اللغة السريانية واللغات السامية منذ سنين عديدة. 

كفانا سخرية بعقولنا وثقافتنا لتلميعِ مثل هذه المشاريع التي لا يملك أصحابها الحق بإطلاقِها بل استبد بهم حب الظهور، والتقاط الصور، والدعاية الزائفة، وجنون العظمة، وتحقيق أهداف فردية بخيسة لجذب الأنتباه. 

أختمُ بالقولِ يا أستاذ القزي، بأن العلم والثقافة هما هبةٌ ثمينةٌ لنا من الخالق، ونعمةٌ إلهيةٌ نستمدُّ منها القوة في كل حين، ومن المستحسن أن نعمل معاً على إبعاد الأفكار البائسة عن بيادر الثقافة، ومنعها من الازدراء وألمَّسِ بأعمدة العلم والأدب والثقافة والتراث لتبقى رايتهُم مرفوعة أمام كل امرئ تاقَ إلى العلمِ والمعرفةِ وصانَ كرامة الحرفِ. 

كما أرجو يا أستاذ القزي ألا يُؤخذ موقفي الذي عبرت عنه في هذا المقال بصورة سلبية، بل إن الهدف من ورائه هو التوعية وبناء مجتمع أفضل مبني على أسس ثقافية سليمة في أستراليا، بالإضافة إلى تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة التي يتم تداولها للأسف بين البعض من أفراد الجاليات الإثنية.

وتفضلوا يا أستاذ القزي بقبول شكري وتقديري واحترامي.


CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق