الأستاذ المربّي "العبد حسن عواضه" من عيترون ـ جبل عامل ـ جنوب لبنان، عربيّ الوجه واللّسان واليدين، وفلسطين عقله الإنساني وقلبه النابض.
هو حزين لحزن فلسطين ومرفوع الرأس بعروبتها، ببأسها، بإرادة أهلها، بصمودهم الأسطوري قرناً ضدّ الأبستينيين الفاشيين النازيين شرقاً وغرباً، وبالطليعة الصهاينة.
كيفما قلّبتَ في كتبه الثلاث وهي "دار يا دار"، "عندما تتعرّى الذاكرة"، و"جذورك هناك يا بنيّ"، ستجدكَ وجهاً لوجه أمام نكبة 1948، وجهاً لوجه مع مناضلي فلسطين الذين يخطّون النضال، لاسترجاع الحقوق، بدمهم الأحمر القاني، وجهاً لوجه مع المشرّدين ومع الأوجاع التي لا تنتهي ويفرضها خصم معتلّ له شهيّة حدودها "من الفرات إلى النيل"، كما لا يوفّر فرصة إلاّ ويؤكّد ذلك بلا مواربة، وكثير من العرب إلى اليوم ينطبق عليهم أنّهم لا يقرأون وإذا قرأوا لا يفهمون أو كما في القرآن "لا يكادون يفقهون قولا".
وأبناء جنوب لبنان المنكوب بحكّام لا للعير، كما يُقال، ولا للنفير ـ هم أبناء الأرض الطيّبة التي يقدّسها أهلها، وأيضاً هم تحت جبروت جغرافية قاسية، يعيشون عند جرف متشبّثين بحقّهم في الحياة الكريمة رغم أنف أي طامع أكان خارجيّاً متمثّلاً بالغرب الذي لا يزال كولونياليّاً ـ إستعماريّاً ـ بربريّاً ـ أم كان داخليّاً متمثلاً بسلطات تكشف الوثائق المسرّبة أو المُفرج عنها والعديد من الكتب الإسرائيليّة ومنها "المتاهة اللبنانيّة" إن معظمها مسربل بالصفقات، تركتْ أبناء جنوب لبنان لمصيرهم العاري في مواجهة عدوّ لا يردعه رادع لا أخلاقي ولا إنساني ولا ديني دون ارتكاب كلّ جريمة حرب ممكنة، تركتهم بلا جيش يحميهم، بلا مياه، بلا مشاريع تنمية لا زراعيّة ولا صناعيّة، وكلّ ذلك بالتعاون مع إقطاعيّين محليّين ذاتهم أكرهوا الأستاذ المربّي العبد حسن عواضة ذاته أن يغادر بلدتَه حيث يعمل مدرّساً إلى بلدة "بتاتر" مرّة، ومرّة إلى "الورهانيّة"، ومرّة إلى غيرهما من جبل لبنان بعيداً أكثر من 100 كلم، ومع 23 مدرّساً آخرين، لأنّهم وطنيّون، لأنّهم يحبّون الأرض، لأنّهم ينافحون عن أهلهم ضدّ الظلم.. واستمرّ النفي ـ العقاب ـ من سنة 1971 حتى عام 1976 عندما تقلّصت الدولة ورجع إلى بلدته جَسُوراً يدرّس فيها النشء الجديد، شاحناً فيه روح العروبة الثقافيّة لا العروبة العنصريّة المرفوضة.
والكتب الثلاث هي بانوراما حياة، هي حياة الكاتب بأسرته وأهله، بزملائه، بأصدقائه الخلّص، ويذكرهم بالأسماء، ويثمّن عالياً تضحياتِهم ووفاءهم وتطلّعاتهم إلى المستقبل الزاهر، حياتُه بحلوها ومرِّها، بالمصاعب والتحديات وبالدموع والإبتسامات، حياته طفلاً مرّة هارباً من الضبع الضبع وفتى هارباً من الضبع الإسرائيلي مع أهله إلى بلدة كونين، إلى بلدتي كونين، والحقّ إن الكثير من أهالي عيترون فرّوا مرّتين من بلدتهم بسبب الوحشيّة الإسرائيليّة باتّجاه كونين، مرّة سنة 1948 حين تمّ قصف عيترون بالطيران ومرّة سنة 1967 خلال عدوان حزيران 67، وكانوا في كلّ مرّة يبقون فيها أسابيع أو أشهراً، وهم دائماً بالإستقبال والرعاية بين أهلهم، بين أصدقائهم وأحبّتهم.
الكتب الثلاث هي شِعر وقصص وخواطر ورسائل وبوح وتأمّلات، سيرة حياة جعلتها ممكنة، على رغم الصعاب، أسرة مكافحة، كريمة ـ أبناء وبنات نجباء احتضنوا الوالد بالرقّة كما احتضنهم أطفالاً بحاجة إليه، ووقفوا على خاطره في كلّ ما يطلب كما وقف على خاطرهم مجاهداً من أجل لقمة العيش، والأبلغ أنّه أنشأهم على حبّ الأرض والإنسان ولبنان والعروبة وفلسطين وما خاب الظنّ بأسرة تنبذ الطائفيّة والمذهبيّة وتتمسّك بالحقّ والخير.. والعيش الكريم.
باقة ورود للكاتب الأستاذ المربّي العبد حسن عواضة بما أنجز وبما خطّه اليراع من مشاعر نبيلة، وإلى المزيد من العطاءات في الشِعر والنثر، ومتحلّياً دائماً بأثمن نعمتين مجهولتين ـ كما منسوب مرّة للرسول محمّد ومرّة للإمام علي ومرّة للموروث ـ وهما: الصحّة والأمان.




0 comments:
إرسال تعليق