إشهار الفضائل حق/ محمود شباط


طالما كانت الكنوز على أنواع، منها المالي ومنها الأدبي ومنها الروحي. النوع الأخير هو ما نقصد كشفه والتنقيب عنه. جوهرة آدمية دفنت منذ أكثر من ستة عقود بصورة رجل صالح،  متواضعٍ بفطرته وتقيٍّ جداً.

من باب الوفاء لأريج ذكراه وإشهار فضائله توجّهتُ بصحبة ابنه الصديق أبو هادي سلمان فايق لزيارة قبر والده المرحوم الشيخ أبو علي أحمد يوسف فايق. توقّفتُ على مبعدةِ خطواتٍ من سياجِ المدفن في مزرعة الفاقعة (*) حيث بدأ شريطُ الذاكرة يسترجعُ مآثرَ الراحلِ الكريم، وما كان عليه من زهدٍ وتنسّكٍ ودماثةِ خلقٍ وتواضعٍ عَفويٍّ تلقائي، وبساطة مظهر وأصالة جوهر.

 في غَمرَةِ تلك السكينة العميقة انتابني إحساس بتموّج هسيس ناعم ينبعث كبخار مقدس من خلال شقوق حجارة جدران المدفن، ومع تصاعد الهسيس أمسيتُ أكثر قرباً لوضع المُعترِفِ بحتميةِ الأجل و"انتظار لحظة الحقّ المبين". وبينما الصَّمتُ الجليل يلفُّ المكان كان نسيم الوادي اللطيف يهفُّ خفيفا في عبوره.

 هناك، في جنّة أرضية هادئة عذراء خضراء ثَـريَّة بالسّـنديانِ والملُّول والتين والعريش وتشكيلة متنوعة من الأشجار المثمرة، أقام المرحوم الشيخ/ أبو علي أحمد يوسف فايق، الأمِّيُّ تعليماً والتقيّ النقيّ مسلكاً وإنسانيةً وخُـلُـقا ودينا، أقام هناك مع أفراد أسرته في شبه عزلة عن العالم، يعتاشون مما تنتجه حقولُهم وكرومُهم، وما يدرُّه قطيعهم من الألبان ومشتقاتها.

وُوريَ جثمانُ الشّيخ في تربةِ قَبرٍ مُتواضع (صورة مرفقة)، شُـيِّدَت جُدرانُهُ الحجرية بِـتَـقَـشُّف، وصُـبَّـت خَرسانَةُ سطحه الخشنة بمساحةِ بضعةِ أمتار مربعةٍ، بتَـقـتُّـرٍ تبرِّره وعُورةُ الطريقِ في حينه لنقل مواد البناء، وموقعه البعيد نسبياً في بقعةٍ منعزلةٍ نائية، فبدت تنسّكية مظهر المدفن تجـسيـداً حسِّيا وترجمةً أمينةً لما كانت عليه روحانية الشيخ أبي علي من تواضعٍ وزهدٍ وطيبِ معدن.

مَدفنُهُ المُسَوّرُ بسياجٍ شَـبَـكِيٍّ، يتوسطُ فضاءً تعتوره الصخورُ والشّوكُ والعشبُ البرّي والشجرُ المُعَمِّر، يتصدّره شاهدٌ رخاميٌّ يحمل اسمه: " الشيخ أحمد يوسف فايق، تاريخ الولادة 1905،وتاريخ الوفاة 1965." 

 مَيِّزات "سدق لسان" الشيخ وكَرَم نَفسِه وبياض قلبه أسهمت في تعطير صيته وسيرتهِ، منها على سبيل المثال لا الحصر:

1- اشـتُهِرَ بانتهاجه دربَ الحلال وابتعاده عن أكل الحرام، حيث كان يحلب العنزةَ التي ترعى من مزروعاتِ الغير على رجمةِ الحجارة.

2- في أحد الأيام كان مُتوجِّها من مزرعة الفاقعة صوب بركة "اليابسة" في منطقة "سهام الجبل" (بحدود الساعتين مشيا كما عرفت)، على المقلب الآخر من الجبل، حيث كان رجلان يجلسان هناك، وحين لمحه أحدهما يقترب صوبهما قال:" إذا سألنا عن ماء سوف نقول له ليس لدينا" . وحين وصل الشيخ أبو علي سأل عن مياه للشرب فقال له أحدهما: "ما معنا".طيبُ معدنهِ وطهرانيةُ سَريرتِه أقنعاهُ بصدقهم فعاد إلى الفاقعة دون أن يخبرهم وجلب لهم الماء، ظانَّـا بأنهم مقطوعون من الماء فعلاً. وحسبما عُرف بعدها فقد اكتشفا خلو الإناء من المياه فقال أحدهما للآخر نادما على ما فعل :"أخطأنا بحق إبي علي".

3- بينما كان أبو علي أحمد يحصد في حقله، جاءه من ينقل له خبر وفاة ابنه فتوقف عن الحصاد وقال بإيمان وثبات :" ألله سبحانه وتعالى أعطى والذي أعطى أخذ".

4- يندرُ وجودُ أمثالِه فعلاً في مجال الوفاء. أحد الأمثلة على ذلك تكتمه بعدم إفشائه أية معلومات للفرنسيين عن ثائر تَيميٍّ مشهور اسمه اسماعيل عبد الحق، كان يمرّ من وقت لآخر على مشتى الشيخ أحمد للإستراحة والتزوّد بالماء والتخفّي عن الفرنسيين و"عيونهم وآذانهم".  ذات يوم عرفت الدورية الفرنسية بوجود ذلك الثائر عند الشيخ أحمد فاتجه عناصرها لاعتقاله. وحين لمحهم من بعيد غادر المزرعة مسرعا. سُـئِـلَ الشيخ أحمد عن الثائر فأنكر. أوسعه الخيّالة الفرنسيون ضربا مُبَـرِّحاً، أوثقوه إلى سرج جواد أحدهم، سحلوه على التراب خلفهم إلى راشيا، لم ينبس ببنت شفة، لم يقـرّ. سجنوه في زحله وأساموه أنواع العذاب دون أن يحصلوا منه على اعتراف رغم ما عاناه من جروح وآلام.  

إلى أي مدىً تُـذكِّرنا هذه الشِـيَم العروبية الأخلاقية السامية المترعةِ بالوفاء والشجاعة والمروءة والنخوة بما يشبهها؟ لعلّ أقربها إلى الذاكرة التاريخية وفاء السَّـمَوألِ وشجاعته، رمزُ ومثال الوفاء عند العرب، وهو الذي استُـشهِدَ في سبيل حماية لاجيءٍ إلى حماه لا يعرفه ولا يعرف اسمه. 

نتيجة لشهرة لم يسعَ إليها الشيخ أحمد فايق يوماً، لا داخل المنطقة ولا خارجها، كان يزور ضريحه وفود من المشايخ الأجلاء، يضيئون الشموع على صخرةٍ مجاورةٍ لقبره. أراني بقايا الشمع ابن الراحل الكريم، الصديق الأخ أبو هادي سلمان أحمد فايق (صورة مرفقة).

 (*) : مزرعة الفاقعة هي إحدى روافد الخير اللبنانية تقع في قضاء راشيا الوادي، تقع بحدود منتصف المسافة في الوادي المُمتدّ من أراضي راشيا إلى خراج كلٍّ من بَلدَتَي عين عطا وشبعا. فيها عدد من حظائر الماشية لعددٍ من عائلات راشيا : آل فايق، شمس ، زوين، وسواهم، ومزرعة دجاج متطورة حديثة العهد لآل سيور، كان يمر عبر تلك المزرعة قديما طريق يصل بين الجنوب اللبناني ودمشق يُسَمَّى "درب الشام".

 مرفقات:

1 : صورة مدفن الشيخ أبو علي أحمد.2 : صورة الصخرة التي كان لا زال بين شقوقها بقايا الشمع.


CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق