ثلاث قصائد قصيرة/ د. عدنان الظاهر

أولاً : سقوطُ زِنادِ المِعرّي
حَرَّكتُ مقابضَ كرسيِّ الإعدامِ
لأُجرِّبَ موتي شَنْقاً محروقا
لا خوفاً من بطشٍ أو بأسِ
لكنْ دُنيانا
ـ أتحاشاها إشفاقا ـ
تُبحِرُ في فُلْكٍ إقلاعا 
لأغيبَ كما غابتْ أقوامٌ قبلا 
أسألُ مِرآةَ الغائبِ يتبعُني في ظلّي
هل أقطعُ كفّا 
صيّرَني شَبَحاً أبعدَ منّي جِدّاً جِدّا
خاضَ الكوثرَ صارَ الكوثرُ بحرا
جازَ الحدَّ لماذا يجري خلْفي
يتقفّى آثاري زّحْفا 
خَففْ غلواءكَ يا هذا
حاذِرْ نارَ الساقطِ من زَنْدِ اليدِّ
حاذرْ طَبْعاً ينقضُ طبعا
يَنفيهِ ألاّ يَحني ظَهْرا
ليَمُرَّ النوءُ الصاعقُ والمدُّ النِدُّ
إغلقْ نافذةَ الرؤيا أحكِمها إغلاقا 
هَرَباً مِنْ نهشِ الوحشِ الماسكِ أعناقا. 
    ثانيّاً : العهدُ المُطفأ
عهدٌ يبقى يبقى عهدا
يُوحي يحمي قُدْساً أُسّا
( إشلعْ ) إخلعْ رأسكَ نعْلا
شختَ وخُنتَ الزهرةَ والغُصنَ الغضّا
نُحتَ نَحَتَّ من الصخرةَ شَرْخاً أقصى  
أنعلتَ الماعزَ للهيجا أفراساً خُرْسا
إرحلْ فورا
وثنٌ شاخَ وباخَ ولملمَ طَرْفا
إرحلْ وتفسخْ في بنكٍ رقماً
نطقَ الزيتونُ جبالاً من نارٍ قُدْسا
جاشَ الصفُ وشقَّ الطفا نِصفاً نِصْفا 
خيلٌ ( تعدو توري قدْحا )
عطشى تضبحُ ضَبْحا  
تصهلُ شمساً سمتا 
ماءٌ يتلوّى يتولّى مرآتا
يتناءى أسرابا 
يتهاوى أسيافا
الحربُ " بسوسُ "
الحربُ سيوفُ مواقدِ أجفانِ الخيلِ
تقدحُ أحداقاً حُمْرا
تزّاورُ يُمنى يُسرا
" تضبحُ ضَبْحا "
تكسرُ رُمْحا.
ثالثاً : الجَدّة فهيمةُ الناصر
 1850 ـ 1956 ))
الجَدّةُ ماتتْ
لا أمٌّ لا قبوٌ لا قبرُ
أُمُّكَ ... آهٍ أُمّي آهٍ أُمّي
أُمٌّ ثانيةٌ لا أُخرى
قَطَعتَ نَوْطَ النبضةِ في عِرْقِ الشريانِ القلبي
زَهَدتْ بالدُنيا .. رَحَلَتْ
ماتوا رحلوا
أخذوكَ أسيراً مكسورَ الساعدِ والخاطرِ والرأسِ 
هل كُنتَ وحيداً في حَفرِالقبرِ
حمّالَ المِعْولِ والفأسِ ؟
كلاّ .. 
كُنتُ الكُلَّ وكنتُ الثاكلَ والباكي والآسي 
مأساةٌ هذي الدُنيا
" طُزٌّ " فيها " طُزٌّ " فيما يأتي فيها منها 
وأنا أكبرُ ـ في ضَعْفي ـ منها أضعافا
 تدنو أو تنأى
لسنا منها ... مُخْتصَرا
زَهَدوا غابوا
سدّوا الأبوابَ وناموا
كُنّا أمضينا عُمْرا
جرّبنا السُقْمَ المُرَّ أَقَمنا
صلواتِ العيدِ وضحيّنا
سافرنا للأقصى
نبكي الحظَّ على ما مرَّ ومرَّ سُدى
كانتْ تدعوني لأُصيخَ السمعَ لصوتِ أذانِ الفجرِ طويلا
وأرتّلَ آياتِ الجَسَدِ المُلتفِّ بأكفانِ الموتى 
مكسوراً مخذولا 
أُفٍّ يا دُنيا !   
أتذكّرُها يقظانا :
ترفعُ للأعلى رأسا 
تضرعُ صارخةً 
( يا قريبَ الفَرَجْ / عاليْ بليّا دَرَجْ )
تحرقُ في المَوْقدِ أثوابَ الأختِ الصغرى
[ نَفَقَتْ في الشهرِ الثالثِ في المهدِ ]
كانتْ تتوسّطُ أحفادا  
وفّتْ حاجاتِ البيتِ
حاجْاً حاجْا
وأخيراً كانتْ 
تتهجّسُ جُدرانَ الدارِ
تتلمّسها لَمْساً مسّا
كانَ الحائطُ عُكّازاً مُمتازا
كانَ الحائطُ عيناً ـ عَوْنا.


CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق