وسوسات في زمن الفايروسات/ عبد السلام العابد

في صدرك وسوسات ، لم تعتد عليها ، ولم تكن تصغي لهسيسها ، ولم تلفت انتباهك بشكل واضح ، صحيح أنك كنت حريصا على الصحة و النظافة ،واتباع وسائل السلامة ، ولكنك لم تكن في يوم من الأيام حذرا وقلقا، كما أنت الآن في زمن فايروس الكورونا. 
عندما كنت تتابع أخبار هذا الفايروس في الصين وكوريا وغيرهما ،كنت تعتقد أن هذه الجائحة بعيدة عن وطنك ،ولكنك بدأت تشعر بالقلق ، حينما وصل الفايروس سريع الانتشار إلى أهلك وأعزائك في بلادك فلسطين .
تنهض من فراشك صباحا ، تتابع آخر أخبار الفايروس، و ما تنشره وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، ثمة مبالغات وشائعات وتهويل، وكلام عاقل ومسؤول ومتوازن، في الوقت ذاته.
تستمع إلى تعليمات الوقاية من المرض .تغسل يديك بالماء والصابون ، وتغادر المغسلة ،وتنشف يديك ،فتتذكر أن صنبور الحنفية والباب ومقبضه والأشياء الأخرى غير معقمة ، تعود ثانية للماء والصابون ،وتتذكر أشياء أخرى تلمسها، ربما تكون حاملة لهذا الفايروس اللئيم الخفي ، فيعتريك الشك ، ويشملك الذهول .
تذكر أبناءك وأطفالك بضرورة الانتباه والحذر .تذهب إلى عملك ، يوسوس في صدرك الوسواس الخناس من جديد .ربما يكون باب المكتب ملوثا بالفايروس، وربما المقعد ،والطاولة، والفاكس ، والحاسوب ولوحة المفاتيح ،والستائر ،والملفات والكتب ، والأقلام والأوراق ، وغلاية القهوة ،وإبريق الشاي ،والفناجين والكاسات، والمعالق والصحون، والصواني....!! .
يا للهول....!! ، وإذا ما تجولت في شوارع وطنك الحبيب ،تحاذر أن تحتك بالجدران ، أو الأبواب ،أو الحديد ،أو الخشب ، بل إنك كنت تحاول الهروب من معارفك ؛ حتى لا تلامس كفك أكفهم ، وحتى لا تتعانق.
غريب أمرك ....!! ما الذي جرى لك ؟ ما الذي غيرك وبدل حالك ؟!.كنت قبل الكورونا تستقبل أصدقاءك ومعارفك، بوجه بشوش ،وابتسامة مشرقة ، وتسلم بحرارة وود دافيء. ما كنت حذرا ،ولا خائفا، ولا متوجسا .تتذكر : لا تسلم ،لا تعانق ،ابتسامتك تكفي!! . ومن قال إن الابتسامة لم تنطفيء؟!!.
تمسك النقود ، وتصغي إلى الوسوسة في أذنك من جديد .من أدراك ؟!.ربما تكون محفظتك ملوثة ،وكذلك النقود التي ستعطيها للبائع ، أو تلك التي ستأخذها منه .
تبحث عن هاتفك الخلوي في جيوبك، تحاول الاتصال ، فيأتيك الوسواس الخناس ، ربما يكون الجهاز ملوثا بالفايروس..!!. تواصل المشي في الشوارع ، وفجأة يعطس أحد الأشخاص، فينفض المشاة ، ويطلقون سيقانهم للريح ،ويهربون مذعورين ..!!.
يا إلهي، كم كنت محظوظا في الزمن الماضي !!. كم كانت الحياة سهلة وجميلة !!، لم تكن تعبأ بهذه الظنون ، ولم تفكر فيها . كانت نعما من الله الكريم عظيمة ، تتمتع فيها ،دون أن تحس بأهميتها .
زمن ما قبل كورونا، ولى عهده ،وأفل نجمه ، وعليك أن تعود نفسك على الانتباه والحذر و التعقيم . عليك أن تلتزم باللوائح والإرشادات الصحية ؛ للتعامل مع هذا العدو الخفي الذي هاجم البلاد والعباد ،ولم يفرق بين غني أو فقير ،ودولة نامية ،وأخرى غنية .قتل المئات ،و عطل السفن والطائرات ،والباصات والسيارات ، وأقفل المساجد والكنائس ، وحال دون عقد الندوات الثقافية ، والمؤتمرات والمعارض ، ومنع دوام الطلبة والموظفين ، والأفراح والأتراح، وحجر الناس في بيوتهم ...!!.
عليك أن تكون ملتزما وواعيا ، وأن تكون عنصرا إيجابيا إلى جانب أهلك وأحبابك وشعبك ، ليس لهذا العدو الخفي إلا المقاومة الذكية الواعية ، حافظ على نظافتك ، ومحيطك بشكل دائم ،تجنب الازدحام ،والزم وأسرتك بيتك ، وكن عنصرا إيجابيا فاعلا في بلدك ، وطاقة إيجابية تشع أملا وتفاؤلا ودعاء صادقا إلى باريء هذا الكون العظيم ، ولا تنصت إلى الشائعات والجهالات ، وأخبر مَنْ حولك أن الخوف الزائد عن الحد مرفوض ، وأن الإهمال أيضا غير مقبول ، وأن الوعي الصحي والوطني هما اللذان يوصلان إلى بر الأمان ، وينقذان الإنسان و الأوطان .
وسيأتي اليوم القريب الذي ستسمع فيه خبر هزيمة هذا الفايروس اللئيم ،إذا ما سرنا معا في هذا الطريق المؤدي إلى مقاومته، بحكمة، وصبر ، وذكاء، والتزام. 

CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق