مقدمة : تقعُ هذه القصة في 24 صفحة من الحجم الكبير، تأليف : الكاتبة والاديبة شهربان معدي، رسومات: الفنانة التشكيليَّة ألاء مارتيني، تدقيق لغوي:الأستاذ صالح احمد كناعنة.. وإصدار: أ دار الهدى عز زحالقة للطباعة والنشر. والموضوعُ الرئيسي في هذه القصةِ هو المحبةُ والسلامُ والتعايش السلمي والتفاهم بين جميع الطوائف والديانات .
مدخل : هذه القصةُ سرديةٌ من بدايتها إلى النهايةِ، ولا نجدُ عنصرَ الحوار ( دبالوج ) فيها بين شخصيات وأبطال القصة.. والأسماء التي تضعها وتوظفها الكاتبةُ تنتمي إلى عدةِ طوائف وديانات في الداخل ( أسماء مسلمين ومسيحيين ودروز ويهود - مثل: ( فاطمة ، إسماعيل، إيتان، تمار ومريم وميخائيل وحنا وإستر وأبو أحمد وميساء وبيسان وأبو سلمان ... إلخ ). وتسعمل ُالكاتبةُ في قصتها أسلوبَ السجع حيث تلتزمُ بوضع قواف في نهايةِ الجمل، بيدَ أنها لا تتقيدُ بقافيةٍ واحدة فقط.. وهذا الأسلوبُ والطابع يُضيفُ جماليَّةً خاصّة ورونقا مُميّزًا وموسيقى وجرسا خلابا حيث يجذبُ القارئَ والمستمعَ، ( وخاصة الطفل الصغيرالذي كُتِبَتْ وَوُضِعَتْ له هذه القصَّةُ) لسماع القصة والإصغاء إليها بشغفٍ واستمتاع، أو لقراءتها دون توقف. وهذه القصَّةُ تصلحُ بمستواها وأبعادِها وفحواها لجميع مراحل الطفولة (المبكرة والمتقدمة)..وللكبار أيضا،ولأن موضوعَها وفحواها هامٌّ جدا، وهو : التعايشُ السلمي والمحبَّة والمودة والتقارب بين جميع شرائح المجتمع على محتلفِ انتماءاتهم العائلية والطائفيّة والعرقيَّة .
تتحدثُ القصَّةُ على لسانِ أهالي الحارةِ ومن خلالِ المؤلفة (الراوية إذا صحَّ التعبيرُ) ... تتحدَّثُ بشكل تلقائيٍّ سرديٍّ عن حارةٍ جميلةٍ آمنة وادعةٍ هادئة تُسمَّى حارة السلام ( إسم على مُسمّى )، ويسكُنُ ويقطنُ هذه الحارة خليطٌ من السكان من محتلفِ الطوائف والديانات والعائلات، ولكن يجمعُ ويُوَحِّدُ العلاقة بين الجميع شيىءٌ واحدٌ إسمهُ ( إنسان) على حدِّ تعبير الكاتبة. والمقصودُ بالإنسان هنا القيمُ والمثل والأخلاق والمبادئ والإحترام المتبادل وإحترام وقبول الشخص الآخر حتى لو كان من قوميةٍ أو جنسية أخرى، والتعامل معه بمحبة وتقدير وبإنسانيةٍ ( فالإنسان هو أخ الإنسان ) في المحبّةِ والتسامح والتفاهم وبالقيمِ والمبادئِ المشتركة .. وهذا ما تدعُو لهُ وتنادي بهِ جميعُ الدياناتِ السماوية وجميع الأعرافِ والمبادئ الإنسانيةِ التقدميّة الحضارية . فهذه الحارةُ الوادعةُ الهانئةُ بحياتها الجميلةِ التي تسودُها وَتُترعُها أجواءُ السلام والأمنِ والهدوء والإلفة والمحبَّةِ يجمعها وَيُقَوِِّي وَيُوطدُ وشائجَ المحبةِ بينها دائما هو ( الإنسان ) ... أي الإنسان الذي يحترمُ الإنسانَ الآخر ويعترفُ بوجودِ الآخر وحقهِ في الحياةِ والعيش بكرامة ..إنسان يحترمُ وَيُقدِّسُ الإنسانية ولا بفكرُ إطلاقا في الإعتداءعلى تخوم وحدودِ غيره وسلب حقوقهِ وتعكير أجوائه ونزع سعادته .
تستهلُّ الكاتبةُ حديثهَا السّرديَّ المباشر في بدايةِ القصة فتقول : في حارتنا الجميلةِ ، تسكنُ فاطمةُ وإسماعيلُ، إيتان وتمار ومريمُ وميخائيلُ ( أسماء من عدة ديانات )، ورغم الإختلافِ جميعهم أصدقاء، يدركون أنَّ الحياة "هدية " وَيُؤمنون بالتعاشِ السلمي والجيرةِ الحسنة. تريدُ الكاتبةُ أن تُوضّحَ وتُؤكّدَ أنه رغم الإختلافِ في الديانات فجميعهم أصدقاء ويدركون جيدا أن الحياة منحنا إياها الخالقُ هديَّةً ثمينة ويؤمنون جميعا بالتعايش السلمي والجيرة الحسنة .. وهؤلاء الجيران الودعاء والأنقياء دائما في المناسباتِ يتبادلون الزيارات ويسلمون على بعض، وحتى لو التقوا بالصدفةِ يتبادلون التحيَّات ويُسلّمون على بعض .
وتتابع الكاتبةُ حديثها وسرها فتقول ( صفحة 10 ) : (( في حارتي الجميلةِ يسكنُ العمُّ " حَنَّا النجَّار"، العمُّ حنا النجار، يعرفُ كلَّ البيوتِ، ويحفظُ جميعَ الأسرار !. العمَّ حَنَّا يُحبُّ جميعَ الصغار، وهو يريدُ أن يصنعَ لنا سلّمًا عاليًا...يتَّكِئُ على الغيوم، لنصعدَ عليه نحنُ الاطفالُ، ونقطفُ النجومَ ...)) .
أي في هذه الحارةِ الجميلة أيضا يسكنُ العمُّ حنَّا النجَّار، وهذا العمُّ الخلوق والمُحبُّ والمحترمُ يعرفُ جميعَ البيوت من خلال مهنتِهِ واختلاطهِ اليوميِّ بالناس والمجتمع .. وهو بدورهِ يحفظُ كلَّ الأسرارِ ،والعمُّ حنا للنجار يُحبُّ جميع الأطفالِ الصغارالودعاء، ولهذا يريدُ ان يصنعَ لهم سلَّمًاعاليا جدا يتكِئُ على الغيوم لنصعد الأطفال عليه ونقطفَ النجوم ..( تتحدثُ الكاتبةُ هنا بصيغةِ نحنُ - الجميع -على لسان الأطفال)..وبظهرُ هنا في هذه الجملةِ العنصرالخيالي الفانتازي المُشِعُّ بجماليةٍ ورومانسيةٍ وسحر خاص.
وتقولُ الكاتبةُ : ( في حارتنا الجميلةِ تسكنُ "العمَةُ أستير"، وأستيرُ إسمٌ يهودي، وهي خياطة ماهرة جدا، وفي عيد الفطر صَمَّمَتْ وخاطت فستانا ( للكاتبة على لسانها ) ، وفي "عيد المساخر " وهو عيد لليهود، خاطت لحفيدها بدلة سوبرمان . والعمةُ إستير تحبُّ الأطفالَ الصغار كثيرا، وهي تريدُ أن تغزلَ وتُحيكَ لنا ( على لسان الكاتبة للأطفال ) واقعا جديدا يدفئهُ الحنان ويغمرُهُ الأمان.. وهذه الجملة البلاغيَّةٌ والشاعريّة فيها البعدُ الفلسفي والإنساني..( أي عمل ونسج واقع جديد يدفئهُ الحنانُ ويعمرهُ الأمان) .
وتتابع الكاتبةُ كلامها وسردها، فتقولُ ( صفحة 13) : ( في حارتي الجميلة يسكنُ العمُّ "أبو احمد " العم أبو أحمد " معلم عمار" يداهُ من ذهب،وهو يُردِّدُ دائما: "بناءُ الإنسان قبل بناء البنيان". العم أبو أحمد يحبُّ الصغارَ وقد وعدنا أن يبني لنا بيتا كبيرا، سقفهُ من محبَّةٍ، وحجارتهُ من صوَّان، بيتا متينًا لا يوجدُ لهُ مفتاح، مفتاحهُ قبوبنا الكبيرة ...) .
تريدُ أن تقول الكاتبةُ : إن العمَّ أبو أحمد إنسان فاضل، وهو يعملُ بالعمار ويبني البيوتَ والمنازل، يؤمنُ بالمحبَّةِ والتعايش السلمي ويُدافع عنها.. وحسب مبادئه السامية وتطلعاتهِ المثالية الملتزم بها أنهُ يجبُ أن نبني الإنسانَ أوّلا وبشكل سليم ونطعمه ونُغذّيه التربيةَ الصالحة والفاضلة، ويكون مترعا بالمبادئ والقيم والمثل والأخلاق الحميدة، ويُحب الناس والمجتمع .. وهذا يجبُ أن يكون أولا وقبل بناء وتشيد البيوت . والعمُّ أبو احمد أيضا يحبُّ جميعَ الناس ويحبُّ الأطفالَ الصغار، وقد وعدنا ( للأطفال وعلى لسان الكاتبة- صفحة 13) أن يبني بيتا كبيرا سقفه من محبَّةٍ وحجارته من صوان ، بيتا يكونُ متينا جدا ولا يوجدُ لهُ مفتاح، ومفتاخهُ هو قلوبنا الكبيرة ... وهذه الجملةُ الأخيرة للكاتبة هي بلاغية شاعريَّة وفيها تورية.. والمقصود والفحوى هنا هو بناء المجتمع السليم والمعافى الذي تيسودهُ والمحبَّة والتآخي والسلام والوداد، والمفتاح الوحيد لهذا البيت هو القلوب المحبّة الوادعة التي تصبو دائما للسلام والإستقرار وتنشدُ المحبة المثالية المطلقة .
وتتابعُ الكاتبةُ حديثها فتقولُ : (في حارتِنا الجميلةِ تسكنُ الخالةُ ميساء، الخالة ميساء خبَّازة ماهرة، تخبزُ لنا المناقيش والبيتزا، في الصباح توقظنا نقراتُ أصابعها على الطبليَّة... العمَّةُ ميساء تحبُّ الصغار، وهي في الأعياد والمناسبات تُوزِّعُ الفطائرالمُحَلَّاةَ لجميع الأطفال بالمجَّان . الخالةُ ميساء للكرم عُنوان - " صفحة 16 ") . تريد الكاتبة القول : الخالة ميساء تجسِّدُ كلَّ امراة عربية كادحة ونشيطة وربَّة بيت ممتازة تُحبُّ عائلتها وأبناءَها وتحبُّ المجتمعَ وتجيدُ وتُتقنُ بمهارةٍ وشغفٍ ومحبةٍ جميعَ الأمور والاعمال المنزلية كالعجين والخبز وغيرها. وهذه الخالةُ الطيِّبةُ والحنونةُ هي للكرم مثل وعنوان على حدِّ تعبيرالكاتبةِ .
وَتُتابعُ الكاتبةُ حدثها فتقول: وفي حارتنا أيضا تسكنُ الفنانةُ ( بيسان)، وهي مطربةٌ موهوبةٌ ومتالقة تؤمنُ من أعماقٍ قلبها بالأنسان وبالسلام .. وعندما تبدأُ بالغناءِ بصوتِها المخمليَِّ الجميل يُغنِّي معها الزيتونُ والليمون وأسرابُ الحمام.. وإنهُ لتعبير شاعري جميل إشادة بموهبةِ هذه الفنانة وقدراتِها الفنيَّة وبصوتِها الخلاب، وحتى الشجر والجماد والطيور تطربُ لصوتِها الرائع وتبدأ في الغناء معها. والفنانةُ بيسان تحبُّ جميع الصغار، وفي عيد رأس السنة تلبسُ بدلةَ بابا نويل لتنشرَالبهجة وتدخلَ الفرحَ والسرور في قلوب الجميع .
وتتابعُ الكاتبةُ حديثَها السردي ( صفحة 2 ) : في حارتي الجميلةِ يسكنُ العمُّ أبو سلمان، وهو فلاح نشيط وعنده حقلٌ بعيدعن البيوت يزرعُهُ قمحا،وإن الرَّفش (المنكوش) دائما يبتسمُ على كتفيهِ، والخبزُ يفيضُ من كفيهِ ( تعبيرٌ وتشبيهٌ بلاغيٌّ ) يدلُّ ويُؤكّدُ على نشاطه الدؤوب في مجالِ الزراعةِ والفلاحةِ وعلى المحصول الوافر والخير الذي يجنيه من تعبهِ وكدِّهِ وجهدِه . ( فالخير بفيضُ من كفيهِ ). والعمُّ أبو سلمان إنسانٌ متواضعٌ جدا ودائما يلقي التحيَّة والسلام على الجميع وحتى على الصغار قبل الكبار، وهو يُرَدِّدُ دائما هذه العبارة وهذا المثل:( السنبلة الفارغة تتطاولُ والمليئة تنحني)..وكما قال الشاعر :
(ملأى السنابلِ تنحني بتواضع والفارغاتُ رؤوسُهنَّ شوامخُ )
وفي نهايةِ القصَّةِ تقول الكاتبةُ : هذه هي حارتي الجميلةُ الوادعةُ التي قلوب سكانِها بيضاء، وجميعُ دروبها خضراء، وفي كلِّ قلب تشرقُ شمسٌ ( والمقصود هنا شمس الحقيقة والمعرفة والنور والهدي والإيمان ). وفي كلّ درب يُزغردُ عُرسٌ (أي أن هذه الحارة تعيش دائما بفرح وسعادة وحبور وأمن وسلام، وكلُّ أيامِها أعيادٌ ومناسباتٌ سعيدة، ولا يوجدُ فيها حقدٌ وضغينة ومشاكل وخصومات. .. وتقولُ : ( فهل حظيتُم مثلي، بحارةٍ جميلةٍ كحارة السلام ؟؟ ) .
الخاتمة : هذه القصةُ الصَّغيرةُ بمساحتِها والعريضةُ والواسعة بفحواها وبقيمتِها وأهدافهِا وأبعادها الجماليةِ والفنيَّةِ والمعنوية،والتي كُتِبت ونُسجت بأسلوب سرديٍّ سجعيِّ بحت هي قصّةٌ مميَّزةٌ وناجحة جدا للأطفال تحوي كلَّ عناصر الإبداع، وتحملُ في طياتها وصفحاتها أبعادا واهدافا عديدة قيِّمة وهامّة ، وهي تصلح للصغار وللكبار أيضا.
وأهمُّ المواضيع والأهداف التي تُرَكّزُ عليها القصة :
1 - موضوع المحبّة والسلام والتعايش السلمي بين جميع الطوائف والعائلات والقوميات، واحترام وقبول الآخر بغض النظرعن هويته وانتمائهِ العائلي أوالديني أوالعرقي...وأن الإنسان هو أخُ في المحبة والمودة والإحترام والتعاون المشترك . وكما قال أحد الشعراء :
(ما دُمتَ محترمًا حقِّي فأنت أخي = آمنتَ بالله أو آمنتَ بالخحرِ)
وهذا الموضوع والجانب هام جدا الآن وفي هذا الوقت والزمن الذي كَثُرَ فيه العنفُ والقتلُ والتسيُّبُ والفوضى والإرهابُ، وخاصة في مجتمعنا العربي في الداخل والذي أصبحت فيه ظاهرةُ العنفِ والقتل مؤخّرا متفشيةً بشكل رهيبٍ ومذهل وفي مختلفِ قُراه ومدنهِ وبشكل شبه يومي . وهذه القصةُ تُدخلُ إلى نفسيةِ وعقلِ ووجداِن الطفلِ المحبةَ والوداعةَ، وَتُذكي في ضميرهِ ولواعجهِ الطاقات والمشاعرَالإيجابية البنَّاءة، وتُعلّمُهُ وتُوَجِّهُهُ الى الطريقِ والمسار الصحيح والإيجابي وإلى السراط المستقيم - حاضرا ومستقبلا -..وسيكونُ دائما بعيدا كلَّ البعدعن أيِّ شيىءٍ إسمه عنف واعتداء وحقدٍ وضغينة وعن أيّةِ أفكارٍ ونوايا شرّيرةٍ... وكلُّ قصةٍ من هذا النوع وتنبشقُ من هذا المنطق الإنساني المثالي البنَّاء، والمتسربلة بالقيم والمبادئ المثلى والسامية فبكلِّ تأكيد لها دور إيجابي كبير نيِّر ومشرق - حاضرا ومستقبلا - في تثقيف الطفلِ وتعليمه وتربيتهِ تربية صالحةٍ صحيحةٍ وفاضلة.
وحسب رأيي المتاضع يجبُ أن تُدرَّسَ وتُعَلَّمَ هذه القصةُ للأطفال في المدارس، ويجب أن تكونَ موجودةً ومتوفرةً في جميع المكتبات.
ومن أهم الحوانب والعناصر في القصةهذه أيضا :
2 - الجانبي والعنصر الفني
3- العنصر الخيالي الفانتازي .. فبالرغم من كون القصَّة واقعية نجدُ فيها بعضَ اللمساتِ والومضات الفانتازية المشعة والتي تضيفُ إليها جمالية ورونقا مميزا وساحرا .
4 - الطابع الأدبي والبلاغي . لقد كُتبت القصة بأسلوب أدبي جميل ومنمق وساحر، وبلغة فصحى سهلة وجميلة وسلسة ومفهومة حتى للطفل الصغير. وتضعُ الكاتبةُ قواف متشابهة في نهايةٍ الجمل ( أسلوب السجع ) فتزداد القصةُ جمالا وتألّقا .
5- الجانب والعنصر الترفيهي .. إنَّ هذه القصة تُسَلّي الطفل وتُشَغِّلُ وتحفّزُ فكرَهُ وذهنَهُ إيجابيًّا وتدخلُ إلى نفسهِ الفرحَ السرور والتفاؤل.
وأخيرا وليس آخرا نُهنِّئُ الكاتبةَ والأديبة القديرة والمبدعة المربية شهربان معدي على هذا الإصدارالقيم، ونحن في انتظار إصداراتٍ أبداعةٍ أخرى جديدة لها في الوقت القريب .






0 comments:
إرسال تعليق