في منتصف شهر تموز من عام 2009 أستقلينا القطار مِن محطة قطار مدينة ارنهم Arnhem الهولندية إلى مدينة دوسلدورف Duseldorf الالمانية في سفرة سريعة، كي يتسنى لنا حضور معرضًا فنيًّا، ثقافيًّا... يقام بشكلٍّ سنوي في أحد أشهر شوارع المدينة ويُدعى (الكونيك سالةKonigsallee )، شارع الملوك.
المسافةُ بين البلدينَ- المدينتين- ما يقارب الـ 45 دقيقة في القطار السريع؛ قد تويد أو تقلّ حفنة دقائق، بحيث أنّكَ لا تشعر بالوقتِ، سيّما عندما تحدق مِن وراء نافذة القطار على المساحات الخضراء الواقعة على جانبي الطريق، فتأسر قلبكَ ونظركَ جنالاً وتجعلكَ خارج الزمن.
دوسلدورف واحدة مِن المدن الجميلة التي زرتها وجعلتني في حالة مِن التوق الثري للحياة!. تتهلل أساريركَ وأنتَ تُشاهد المُتنزهات الواسعة وتتنعم بالطبيعة الخلاّبة التي تسلب الألباب.
في تلك المدينةِ تجدُ كلّ ما يحبّه السائح: الفنّ، الجمال،الثقافة، الموسيقى،مراكز التسوق وبيع الثياب، إنسانية الإنسان... وقد تصيبكَ حالة مِن الذهول حينَ تقف أمام أبنيتها العتيقة، النّاطقة والمعبرة عن عراقة الالمان المعماريّة.
تناسينا عجرفة "بعض الألمان" وتعاليهم وجفائهم في التعامل وعنصريتهم للغة، لحظة تجولنا في شارع "كونيك سالة"، وعن هذا الشارع يطول الحديث ويطول؛ حيث تُداهمكَ المنحوتات واللوحات الفنية والفرق الموسيقية المتوزعة في زوايا الشارع. تتطلع يمينًا ويسارًا لتجد نفسكَ مُساقًا خلف مناظر الأشجار الفريدة الجمال والورود المغروسة على جانبي الشارع وهي تتألق تحت الأضواء. وتتأمل نافورات مياهها مُلونة وتماثيل بشرية تتحرك وتتراقص، وزحام النّاس القادمة مِن جميع بلاد العالم، يتجمعون ويتزاحمون ويتنافسون على الرؤية، الصغار يصعدون على اكتاف أبائهم وأماهتهم ليروا ماذا يحدث.
وحين تنظر إلى الإنارة واللافتات الضوئية وتتأمل الأبنية الضخمة الشاهقة الأرتفاع وتصاميمها الهندسية الفاخرة الغاية الجمال، فأنكَ لا تملك سوى مواصلة التسكع برقبة مُتشنجة العضلات!.
في أوروبا يعمل السُكان طيلة أيام الأسبوع، ويوم الخميس و يخرجون إلى مراكز التسوق لينفقوا ما حصدوه مِن أموال في التبضع والتمتع وكذلكَ هي الحال في عطلة الاسبوع.
في هذه مدينة تظلُّ قادرًا على مُلاحقة المحلات الفخمة ومراكز التسوق الكبيرة التي تبيع أجود الماركات العالميّة، تعرض عليكَ الجديد في كلٍّ حين!. لهذا ترى النّاس يسيرون يوميًا وهم في حالة هوس وجوع إلى تبضع ليس للثياب وحسب،بل للانتيكات والتحف والكتب...! ولعلّنا كُلّنا في الهوا سوا!.
معالم المدينة وحدائقها الخضراء وتماثيل المُبدعين المزروعين فيها، تُحفزُ فيكَ الرغبة على المزيد مِن الإكتشاف والقيام بجولات سياحية مُمتعة؛ حيث تستطيع أن تُزودكَ بجديد الفنّ والثقافة والمعرفة. تتسكعُ في الدروب وفي داخلكَ احساس عارم بالحياة ورغبة كبيرة في اِكتشاف الصغيرة والكبيرة في مدينة تستهويكَ فيها المناخات الإنسانية والثقافية!.
بعضُ الكنائسِ العتيقة والمباني التاريخية والمتاحف المخضرمة والبيوت الاثرية، ريازتها تُذكركَ بعصر النهضة، خاصّة وأنتَ تستمع إلى صوت القطار الذي يلفت إنتباهكَ إلى محطة القطار التي تجمع بينَ القدم والحداثة، وفيها كانَ القطار رمزًا للوجود الإنساني والزمن الجميل!.
وقد تعتريكَ حالة مِن السعادة والغبطة كما حصل معي، حينَ تصل إلى ساحة (بوك بلتس) المُحاذية لنهر الراين، إذ يطلُّ منها المتحف البحري، فالأجواء الجميلة الفاتنة تُشجعكَ على الإسترخاء والتأمّل، لتبعث في ذاتكَ السّلام والطمأنينة، شأنها شأن حديقة دوسلدورف الرائعة المعالم؛ حيث الأزهار والأشجار والنوافير والمساحات الخضراء وتدفق النّاس إليها أشبه بليلة عيد أو تظاهرة ثقافيّة!.
وقد قيل لي من قبل أحد الأصدقاء هناكَ، والعهدة على القائل: المانيا التي شبت فيها نيران الحرب فحرقت أخضرها قبل يابسها، أصلحت حدائقها ومُتنزهاتها العامة بعد الحرب قبل أن تصلح البيوت والمراكز الحيوية!.
يومَ وقعت على مسامعي تلكَ الكلمات، غمرني أحساس مُوجع وتذكرت بغداد وكيف أصبحت المساحات الخضراء فيها تتضاءل، فرقعها الخضراء القليلة بدأت تلتهما الأبنية وتجففها قساوة الحياة والرخص الإنساني والتصحر!.
في الدروب تطرق مسامعكَ المعزوفات الكلاسيكية التي تُعزف مجانًا، وقد تروق لكَ اللوحات الفنية لرسامين طبقت شهرتهم الأفق من العصور الوسطى، عملَ على إستنساخها الفني مجموعة مِن الرسامين الهواة بواسطة ريشتهم الفنية، وهم يقبعون في كلّ حيز من المدينة لا شغل لهم ولا شاغل سوى إمتاعكَ فنيًا.
كما تجتذبكَ بعض الفرق الموسيقيّة وهي تُقدم رقصات فلوكلورية مِن التُراث الالماني، يرقصون فرحًا مُستقطبين أعدادًا مِن الناس حولهم، فتشعر لوهلة وكأن عجلة الزمن أعادتك إلى القرون الوسطى! حتّى عابر السبيل في دوسلدورف لا يملك إلاّ أن يشعر بحركة الفنّ والجمال الكلاسيكي، ليقع أسيرًا لإعجابه بالقدرة المُدهشة للإنسان الألماني على التفرد والخلق الفني المُبدع....وأحياء تراثه في الزمن المُعاصر!.
خلاصة
في هذه المدينة تجد الليل كالنهار! ولكن ليس هذا أهم وأجمل ما فيها؛ ففي قلب دوسلدورف الألمانية؛ تُشاهد ذلك البيت الذي ولد فيه الأديب هاينريش هاينه، وكيفَ حولته الحكومة الألمانية إلى متحفٍ بل قُل مزارًا، يحج إليه السواح مِن كلّ بقاع العالم لأجل تلكَ المكتبة الغنية العامرة فيه، وبعض الانتيكات وبقايا هاينريش الأدبية والفنية!. ولِمَ لا؟ فألمانيا كهولندا، مِن البُلدان التي تعد الإنسان رأس مالها، فتحترم طاقاتها البشرية مِن المُبدعين وتُقيمهم، وتعمل على تخليد فنانيها وعباقرتها ورموزها بشكلٍ لائق، على خلاف ما يحصل في بلدي!.
اللّيل هُناكَ لهُ جماليته وخصوصيته، وما أداركَ كيفَ هي المناخات الإنسانيّة التي تُحفزكَ على مواصلة فنّ التسكع ليلاً بتمتعٍ وتمهل وتأمّل، عبر رحلة اكتشاف في الأزقة العتيقة والطرقات الانيقة وأنتَ تُمتع نظركَ بمشاهد فنية مِن المدارس التجريدية رسمت على الجُدران!. وتواصل المشي قليلاُ لتطلّ عليكَ اللوحات السياحيّة وهي تلفت انتباهك إلى بيوت بعض المُبدعين التي باتت اليوم مراكزَ ثقافية ومعالمَ حضارية يؤمها النّاس مِن كلّ فج عميق؛ فالبُلدان الأوربية تحسن استغلال بيوت المُبدعين والأماكن الأثرية والمتاحق القديمة والمطاعم الفلولكورية وتحويلها إلى مناطق سياحية وثروة ثقافية ومادية.
والحال، في دوسلدورف كما في أمستردام وروما وسائر أوروبا، تُحتلكَ مناخات رائعة وتزوركَ كنوز ثقافية لا تحصى، وتطالعكَ مباهج ثقافية تطلّ عليكَ وجوهها مِن كلّ زاوية ونافذة ودربونة وحيٍّ، ولكلّ وجه حكاية!.
وتتعكر صفوة مُتعتك الفنية والسياحية والأدبية، عندما تتذكر نفس الحكاية باستمرار، حكاية بلدكَ ومقارنته مع بلدان الغرب، فتنتابكَ الحسرة وأنتَ تتذكر مصير مُبدعي العراق، وتغضّ النظر عن مصير منازلهم ومُقتنياتهم!.
أتعلمون، يوم ينتقل المُبدع الغربي إلى دار البقاء، سرعان ما تقوم حكومته وبلده بتحويل منزله مِن دار إلى مزار! لأنَّ البلدانَ الأوربيّة تعرف جيدًا كيفَ تُقيّم مُبدعيها وهم على قيد الحياة، كما تدركَ كيفَ تًخلد رموزها الثقافية والفنية والأدبية يوم يحتضنهم القبر!.
لحظة وصلنا إلى ساحل نهر الراين، سرتُ بمفردي تمامًا بخطواتٍ مُتثاقلة إلى أنْ قادتني قدمي إلى ضفافِ نهر الراين، وقفتُ على الساحلِ و َكُلّما لوّحتُ للغروبِ جاءت النوارس تأكل مِن كفي!.
جلستُ على طاولة عليها بقايا كلام لم يكتمل أو لم يُكتب بعد، تطلعتُ للضفاف وفي الحال حدّثتني باماقٍ صوتٍ، فناجيتُ ربي بالقولِ:
يَا إلهي حَتّى متى سأُجالسُ بحار الغربة وأنهارها، وأنا أبن دجلة والفرات؟! إلى متى؟!.
ولا أعلم ثمّة شيء مَا جعلني التقط كتابًا كانَ معي وارمي به في النهر..
فجأةً، هاجّ منسوب المياه وعلا الموج!. ولعلّي أصدقكم القول؛ ربُّما ليس الكتاب هو مَن حرك الأمواج، وإنّما انحاء "الراين"لي إجلالاً لسماعهِ اسم دجلة والفرات؟!.






0 comments:
إرسال تعليق