ثرثرةٌ في بغداد/ د. عدنان الظاهر

 


ثرثارُ ثرُّ

ثرثرةٌ لا طائلَ منها أو فيها

في مشفى صالةِ تجميلِ الموتى قبلَ الدفنِ

أو في قاعاتٍ أخرى لا حصرَ لها لا عدُّ

نرجيلةُ ثرثرةٍ لا تحسمُ أمرا

لا فوقَ النيلِ ولا في غيرِ النيلِ

تسألُ هل من حلِّ ؟

هل مَنْ يوقفُ نزفَ الشريانِ البغدادي

أو يكشفُ سرّا

ثرثرةٌ تتجاوزُ مألوفَ المعيارِ

يزفرُها صدرٌ معطوبٌ مخدوشٌ مِهذارُ

شَجَناً تعزفهُ آلاتُ نِحاسٍ وأنابيبُ هواءٍ مدفوعِ

 صَخَباً في بحّةِ جرحِ الأبواقِ

إغلقْ هذا التختَ الشرقيَّ وهذا المقهى أيّاً ما كانا

العزفُ عروقٌ ناتئةٌ تدمى

يختلطٌ العازفُ والنازفُ والجوقُ نشازُ فيها 

حتّى طلعةِ نجمِ الفجرِ.

يا هذا

أضحى قلبُكَ طبلاً مخروقا

يمضغُ سُمَّ الأفعى تِبْغاً تخديرا

يلعبُ حَبْلا

سقطتْ أسنانُ المشطِ جميعا

سقطَ المشطُ وكسّرها سِنّاً سِنّا

لا ترفعْ صوتا

إحملْ جازاً أو عُكّازاً واعزفْ لَحنا

الكونُ الدائرُ لا يعرفُ أرضا

يمخرُ أمواهَ بحارِ سمواتٍ عليا

ينفخُ أبواقَ الصدرِ المفتوحِ زعيقا

يقتلني صَبْراً ـ شَنْقا

كي لا أعبرَ جسرا 

للشامِ وبغدادَ وميدانِ التحريرِ وأبوابِ القدسِ

 والزابُ الأعلى قتلى قتلى قتلى 

في مخمورَ وفي " طوزِ الخُرْماتو " .

وجّهتُ رسالةَ شكوى

أدعو فيها مَنْ أدعو

أكشفُ عمّا أُخفي في صدري

أعبرُ قاراتِ الدنيا مخفيّاً زحْفا

أركبُ موجاتِ البحرِ المنذورِ لصبري

ماءُ البحرِ شرابي

ملحاً منقوعاً مصهورا

الموجُ الكالحُ يجرفني موجاً موجا

مخلوبَ اللُبِّ كسيرَ الظهرِ

هيّا قوموا

قوموا صلّوا صلواتِ الغائبِ عن جثمانِ الأمِّ

نَذرتْ جوهرها قُربانَ خلاصي من موتٍ غَرَقاً في بحرِ

ـ ها قد قُتلتْ في بابلَ قبلي ـ

كانت تبكي وَطناً يسفحُ دمعاً

يترقرقُ كالزئبقِ في أحداقِ مرايا العينِ

وتُقيمُ صلاةَ الفجرِ على صخرةِ شاهدةِ قبْرِ

تتعلّقُ بالأستارِ الخُضرِ نذورا ..

ليتَكَ ما كُنتَ وما كُنّا

لم تسمعْ صوتاً أو لَغْطا يضربُ أخشابَ الأبوابِ

الصمتُ جُسورٌ

الرايةُ لا تعبرُ جِسراً إلاّ غَصْبا

حاولْ أنْ تعبرَ جسراً حُرّاً أو قَهْرا

قهرُ الجسرِ من البابِ الخلفي

لا يُفتُحُ إلاّ سِرَا

أُعبْرْ أُعبْرْ أو خففْ

من سرعةِ مُنزَلقِ الدمعةِ في أحداقِ النهرِ

لا تأمنْ تُجّارَ وحكّامَ الأسواقِ السوداءِ

السوقُ الأسودُ مبغى !

اللقيا مَحضُ رجاءٍ

يتأرّجحُ بين الكرخِ وتمثالِ " رُصافيٍّ " يتهاوى إخفاقا

إخلعْ ثوبيكَ وقاومْ حتّى آذانِ سقوطِ الفجرِ

مدَّ اللُجةِ والموجِ

إيّاكَ وما قالَ الساقي في الباقي من كأسِ الخمرِ

والحارسُ في أبوابِ قصورٍ خُضْرِ

زمنٌ هذا ؟

قَدَرٌ هذا ؟

دُنيانا ليلٌ في شهرِ !

شاءَ الوطنُ المثقوبُ المنهوبُ

أمْ كفكفَ تحت الأجفانِ دموعا

البحرُ سريرُ الموتى غَرْقى

فلماذا تركوا أرضاً كانت وَطَناً وحِزاماً أمنيّا

 ما أنتَ ومَنْ مثلي في الأرضِ الأخرى ؟

أُمٌّ تبكي

تندبُ حظّا

تسألُ تابوتا

جسدٌ لا يتحركُ فيه

لا يسمعُ للأمِّ الثكلى صوتا

قوموا يا غرقى

قوموا يا موتى !

في الكفّةِ ميزانُ غموضِ الأشياءِ

لا حاكمَ إلاّ مطلوبُ 

لا يسمعُ صفّاراتِ الإنذارِ

تسحبُهُ نارُ الجنِّ وتُرديهِ قتيلا

لا عِظةٌ تنفعُ لا مفتاحٌ في بابٍ لا قنديلُ

القصّةُ أقوى

لا آخرَ يُنهيها .

قوموا لاحَ الفجرُ

شرقيّاً فضيّاً وضّاحا

قوموا صلّوا تأميماً

الرملُ كثيرُ.


CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق