مقدمة
تصريح– «أن تدبير أحوال الناس ومعاشهم ومعادهم هو الهدف الأسمى لكل نشاط فلسفي» – ليس مجرد شعار معاصر، بل هو إعادة صياغة جذرية لجوهر الفلسفة العربية الإسلامية في مواجهة تحديات العصر. يجمع هذا التصريح بين «التدبير» (الإدارة العقلية الاستراتيجية) و«المعاش» (الحياة الدنيوية والاقتصادية والاجتماعية) و«المعاد» (المصير الأخروي والخلاص الروحي)، مما يحوّل الفلسفة من تأمل نظري مجرد إلى ممارسة عملية تهدف إلى إصلاح الإنسان والمجتمع في الدارين. هذا الهدف ليس جديداً، بل هو امتداد لتقليد فلسفي يمتد من أفلاطون وأرسطو إلى الفارابي وابن خلدون، مروراً بأدب الآداب السلطانية العربية. غير أن خويلدي يُعطيه بعداً تنويرياً نقدياً معاصراً: الفلسفة ليست ترفاً فكرياً، بل أداة مقاومة للانحطاط، ووسيلة لبناء الإرادة الجماعية والمواطن الحر الذي يعتمد على العقل في تسيير شؤونه الدنيوية والأخروية. في هذه الدراسة، سنتتبع تطور هذا المفهوم تاريخياً، ثم نُبرز دلالته النقدية في سياق الفكر العربي المعاصر، مع الاستناد إلى النصوص الأصلية لإظهار كيف أن الفلسفة الحقيقية هي دائماً «تدبير» للإنسانية جمعاء. فما الهدف الأسمى لكل نشط فلسفي؟ وهل يمكن أن ينحصر في معالجة ماهو عمومي؟
الجذور اليونانية: الفيلسوف كمدبّر للمدينة والنفس
يبدأ مفهوم «التدبير» كغاية فلسفية مع أفلاطون في «الجمهورية» (كتاب السياسة). يرى أفلاطون أن الغاية العليا للفلسفة ليست التأمل المجرد، بل «تدبير» المدينة الفاضلة (kallipolis) لتحقيق العدالة التي تُكمل النفس الفردية. الفيلسوف-الحاكم هو الذي يدبّر أحوال الناس بفضيلة الحكمة (sophia)، فيجمع بين المعاش (توزيع الواجبات والاحتياجات المادية) والمعاد (ترقية النفس نحو عالم المثل والخلود). يقول أفلاطون: «إن المدينة لا تكون سعيدة إلا إذا حكمها الفلاسفة». هنا يظهر التدبير كعمل مشترك بين النظري (معرفة الخير) والعملي (تنفيذه في المجتمع).
أرسطو يُكمل هذا التصور في «الأخلاق النيقوماخية» و«السياسة». السعادة (eudaimonia) ليست متعة فردية، بل كمال الإنسان في المدينة من خلال الفضائل الأخلاقية والفكرية. يربط أرسطو التدبير بالعقل العملي (phronesis)، الذي يدبّر المعاش (الاقتصاد المنزلي والسياسي) ليُمهّد للكمال الأخلاقي الذي يمتد إلى ما بعد الموت. الفلسفة هنا ليست علمًا نظريًا فحسب، بل «فنّ الحياة» الذي يُصلح أحوال الناس في الدنيا ليُحقّق لهم الخير الأعلى.هذا الجذر اليوناني يُشكّل الأساس الذي سينتقل إلى الفلسفة العربية الإسلامية، لكن مع إضافة بعد ديني عميق يجعل «المعاد» غاية أخروية لا تنفصل عن «المعاش».
التدبير في الفلسفة الإسلامية: من الفارابي إلى ابن خلدون
يُعدّ أبو نصر الفارابي (المُعلّم الثاني) أول من صاغ هذا الهدف صياغة فلسفية متكاملة في كتابه «تحصيل السعادة». يرى الفارابي أن الإنسان خلق ليبلغ «السعادة القصوى» في الدارين، وأن الفلسفة هي السبيل الوحيد لذلك. الفلسفة ليست تأملاً، بل «تدبير» للمدينة الفاضلة التي تُعاون مواطنيها على نيل السعادة الدنيوية (من خلال الفضائل الخلقية والصناعات العملية) والسعادة الأخروية (من خلال الفضائل النظرية والكمال العقلي). يقول الفارابي: «الفضائل الفكرية والخلقية والصناعات العملية... حصلت لهم بها السعادة الدنيا في الحياة الأولى والسعادة القصوى في الحياة الآخرة». هنا يصبح التدبير عملياً: الملك الفيلسوف يدبّر أحوال الناس سياسياً وأخلاقياً ليجمع بين المعاش (الاقتصاد والأمن) والمعاد (التقرب إلى الله بالعقل والفضيلة).ابن رشد (أفيروس) يُعمق هذا التصور في «فصل المقال» وتعليقاته على أرسطو. الفلسفة والشريعة يتفقان في الغاية: تدبير مصالح العباد في المعاش والمعاد. الشريعة تُصلح الجمهور بالرموز، والفلسفة تُصلح الخواص بالبراهين، لكن الهدف واحد: إصلاح الإنسان والمجتمع.
أما ابن خلدون في «المقدمة»، فيُقدّم «علم العمران» كتجسيد عملي لهذا الهدف. الملك أو الخليفة يدبّر أحوال الرعية ليحقق العدل في القضاء والعمل، فيُصلح المعاش (الاقتصاد والأمن والازدهار الحضاري) ويُمهّد للمعاد (حراسة الدين). يقول ابن خلدون: «الخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية». التدبير هنا ليس سلطة مطلقة، بل علم اجتماعي يُصلح أحوال الناس ويمنع انهيار العمران. في أدب الآداب السلطانية (مثل رسائل أرسطو إلى الإسكندر، وعبد الحميد الكاتب، وعهد أردشير)، يتطور «التدبير» من معنى الحكمة الشخصية إلى الإدارة السياسية: التفكير في عواقب الأمور، تنظيم الرعية، الزهد في الملذات، والتوازن بين الدنيا والآخرة. هكذا أصبح التدبير جوهر الفلسفة العملية في التراث العربي.
الإستعادة التنويرية النقدية للفلسفة في سياقنا
يُمكن اعادة صياغة هذا التقليد في سياق معاصر يعاني من «عصور الانحطاط». في تصريحه المباشر، يجعل التدبير غاية فلسفية فوق المذاهب والفرق: «الاعتماد على العقل في تدبير الناس في معاشهم ومعادهم». هذا ليس تقليداً تاريخياً فحسب، بل نقد للذهنية القديمة والخيال السياسي الذي ينتظر «المنقذ» أو «الموعود». الفلسفة هي «براكسيس» مقاوم: نقد الخيال العربي، تفكيك الذاكرة الجمعية، وتحميل الشعوب مسؤوليتها في تقرير مصيرها. كما يمكن ربط التدبير بالحرية والمواطنة: الفرد الإنسان الحر هو الذي يدبّر أحواله بنفسه، بعيداً عن الطائفية والتبعية. هذا يُحوّل الفلسفة إلى «استراتيجية مقاومة» تحتاج إليها الشعوب العربية «كحاجتها إلى الهواء النقي». هكذا يصبح الهدف الأسمى للفلسفة ليس النظر في الكون فحسب، بل إصلاح الوجود البشري في الدنيا والآخرة، بما يُحقّق الاستفاقة الكبرى واليقظة الحاسمة.
الأهمية النقدية المعاصرة: الفلسفة كتدبير للأزمة الإنسانية
في عصرنا الراهن، يُكتسب هذا الهدف أهمية حاسمة. الفلسفة التي تبتعد عن تدبير أحوال الناس تصبح ترفاً أو أيديولوجيا فارغة. أما الفلسفة الحقيقية فهي التي تُواجه الأزمات الاقتصادية (المعاش)، الاجتماعية (الأحوال)، والروحية (المعاد). هي تُعيد بناء الإرادة الجماعية، تُقاوم التوحش والجشع (كما في بعض الرؤى المعاصرة للفلسفة الموجهة إلى الناس)، وتُحوّل العقل إلى أداة للعدل والإحسان. هذا التصور يتجاوز الثنائية بين الفلسفة النظرية والعملية؛ إنه يجعلهما وحدة واحدة، كما عند الفارابي. النقد هنا تنويري: الفلسفة لا تُحرّر العقل فحسب، بل تُدبّر الواقع ليصبح أفضل.
خاتمة
إن تدبير أحوال الناس ومعاشهم ومعادهم ليس شعاراً، بل هو الاختبار الحقيقي لأصالة أي نشاط فلسفي. من أفلاطون إلى الفارابي، ومن ابن خلدون إلى اليوم، تظل الفلسفة «فنّ الحكم» و«علم الإصلاح» الذي يجمع بين الدنيا والآخرة. في زمننا، نتذكر أن العرب يحتاجون إلى هذه الفلسفة «كحاجتهم إلى الهواء»، ليخرجوا من الانحطاط ويبنوا مواطنة حرة تعتمد على العقل. هكذا تبقى الفلسفة حيّة: ليست تأملاً في النجوم، بل تدبيراً لمصير الإنسان في الأرض والسماء. فكيف يتحول الهدف الأسمى للفلسفة عندنا الى مقاومة ماهو سائد من استبداد واستعمار والقطع مع التخلف والتشتت وتحقيق التوحد والتقدم؟
كاتب فلسفي






0 comments:
إرسال تعليق