مقدمة
في الفكر الإسلامي المعاصر، يبرز مرتضى مطهري كمفكر مجدد يسعى إلى إحياء الدين لا بالانغلاق على النصوص القديمة أو الاستسلام للتقليد الجامد، بل بإعادة صياغة الوعي الديني بما يتناسب مع عمق الإنسان وتحديات وجوده في عالم يتسارع نحو المادية واليأس. تجديد الفكر الديني عنده ليس مجرد إصلاح سطحي أو تكييف شكلي، بل هو عملية جذرية تعيد الدين إلى حيويته كرؤية شاملة للكون والحياة، تجعل منه قوة دافعة للإنسان نحو الكمال. هذا التجديد يتجلى بوضوح في التوازن الدقيق الذي يقيمه مطهري بين رؤيتين متكاملتين: الرؤية التوحيدية الكونية التي تكشف عن وحدة الوجود وانسجامه تحت إرادة إلهية واحدة، والمدد الإلهي الذي يمنح الحياة البشرية العون الغيبي في مواجهة واقعها اليومي. ويأتي الربط بينهما عبر مقاربة تيوديسية عميقة، تجيب على إشكالية الشر والمعاناة دون أن تنفي عدل الله أو توحيده، بل تكشف كيف أن الشرور ذاتها جزء من نظام كوني أفضل يدعم نمو الإنسان ويفتح له أبواب المدد الإلهي. كيف يدافع مطهري عن العدل الالهي في ظل وجود الشر في العالم؟
الرؤية التوحيدية الكونية والمدد الغيبي للحياة
يبدأ تجديد مطهري للفكر الديني من الوعي بأن الدين، في أصله، ليس مجموعة من الطقوس الميتة أو المعتقدات النظرية المعزولة عن الواقع، بل هو حياة كاملة تمنح الإنسان معنى وهدفاً ومسؤولية. في عصر يواجه فيه الإسلام تحديات المادية الغربية والتشاؤم الفلسفي، يرى مطهري أن التجديد يقتضي إعادة اكتشاف الدين كقوة عقلانية فلسفية قادرة على مواجهة الإشكالات المعاصرة. هذا التجديد يرفض الجمود الذي يحول الدين إلى تراث ماضوي، ويرفض كذلك الانهيار أمام الثقافات الوافدة التي تنكر الغيب والروح. بدلاً من ذلك، يقدم مطهري الدين كمشروع حيوي يعتمد على العقل والبرهان، ويربط بين الاعتقاد والعمل، بين النظرية والتطبيق. التجديد هنا يعني إحياء الإيمان بجعله قادراً على تفسير الكون والإنسان والتاريخ، ومنحه القدرة على تحريك الإنسان نحو بناء مجتمع يعكس القيم الإلهية. وفي هذا السياق، يصبح التجديد جسراً بين الرؤية الكونية الشاملة التي تكشف وحدة الوجود، والعون الإلهي الذي يدعم الإنسان في رحلته اليومية، حيث تتحول الإشكالات الوجودية – كالشر والمعاناة – إلى فرص للنمو لا إلى مبررات للشك. لذلك تُشكل الرؤية التوحيدية الكونية عند مطهري الأساس النظري لهذا التجديد، إذ تتجاوز التوحيد مجرد عقيدة لفظية أو إيمان قلبي سطحي، لتصبح رؤية شاملة للوجود كله. في هذه الرؤية، ليس الكون مجموعة من الكائنات المنفصلة أو الفوضى العشوائية، بل نظام متكامل مترابط يسير تحت تدبير إلهي واحد، حيث يعكس كل موجود – من الذرة إلى المجرة – صفات الواحد الأحد. التوحيد هنا ذاتي وصفاتي وفعلي وعبادي: الله واحد في ذاته، صفاته عين ذاته لا زائدة عليها، أفعاله لا شريك لها، وعبادته خالصة دون شرك. هذه الرؤية تكشف عن محدودية المخلوقات ونسبيتها وحاجتها، مما يدل بالضرورة على الواقع المطلق الغني عن كل شيء. الكون، في هذا التصور، ليس مجرد مسرح للأحداث العابرة، بل مدرسة إلهية للإمتحان والتطور، حيث يُجازى الإنسان على نيته وجهده، وتكتسب الأهداف الإنسانية قداسة لأنها مرتبطة بالهدف الكوني الأسمى. هذه الرؤية الكونية تجدد الفكر الديني بمنحه عمقاً فلسفياً يجعله قادراً على مواجهة الرؤى المادية التي تحصر الوجود في المحسوس. إنها تمنح الإنسان إحساساً بالانسجام والغاية، فالحياة ليست عبثاً، والوجود ليس صدفة، بل مسار محكم يسير نحو الكمال. التوحيد الكوني يرفض الثنائية بين الخير والشر كأصلين متساويين، ويؤكد أن الوجود كله خير في جوهره، وأن النظام المتحقق هو أحسن النظم. هكذا، تصبح الرؤية التوحيدية ليست مجرد اعتقاد، بل قوة تحريكية تحول الوعي البشري من التشاؤم إلى الطموح، ومن اليأس إلى المسؤولية. في سياق التجديد، تكشف هذه الرؤية كيف أن الدين يمكنه أن يعيد صياغة الإنسان المعاصر ككائن مسؤول أمام كون مترابط، لا كائن منعزل في فراغ مادي. غير أن هذه الرؤية الكونية الشاملة، مهما كانت عظيمة، تحتاج إلى ترجمتها إلى واقع الحياة البشرية اليومية، وهنا يأتي دور المدد الإلهي أو الغيبي كبعد عملي يربط السماء بالأرض. المدد الغيبي، عند مطهري، هو العون والدعم الذي يأتي للإنسان والمجتمع من عالم ما وراء الحواس، من الغيب الذي يتجاوز الإدراك المادي. ليس هذا المدد اعتباطياً أو سحرياً، بل هو نتيجة للجهد الإنساني المخلص والإخلاص والسعي، وهو امتداد طبيعي للتوحيد: فالله الواحد الغني يفيض برحمته الرحمانية على الكل، ورحمته الرحيمية الخاصة على المؤمنين الذين يسعون إليه. يتجلى هذا المدد في صور متعددة: الإلهام والإشراق الذي يفتح آفاق العلم والمعرفة للمفكرين، والتهيئة الظرفية التي تفتح أبواب التوفيق، والهداية التي تيقظ القلوب، وصولاً إلى البعد الاجتماعي الكبير كما في فكرة المهدي المنتظر، التي تمثل الأمل الغيبي في نهاية الظلم وملء الأرض عدلاً.
في الحياة البشرية، يواجه الإنسان صعوبات ومحن وشروراً تبدو أحياناً كأنها تنفي العدل الإلهي أو تجعل التوحيد مجرد نظرية بعيدة. هنا يبرز المدد الإلهي كقوة دافعة تحول هذه الصعاب إلى فرص. إنه يمنح الإنسان الاطمئنان والأمل، ويمنعه من الاستسلام للمادية التي تنكر أي تأثير روحي أو غيبي. المدد يربط الإنسان بالعالم الأعلى، فيجعله يرى في كفاحه اليومي امتداداً للنظام الكوني التوحيدي. هكذا، يصبح التجديد الديني عملياً: الدين ليس فقط رؤية كونية تتأمل الكون من بعيد، بل مدداً يدعم الإنسان في صراعه مع الواقع، يعطيه قوة داخلية لمواجهة اليأس والفوضى. والآن، تظهر المقاربة التيوديسية عند مطهري كالجسر الحاسم الذي يربط بين الرؤية التوحيدية الكونية والمدد الإلهي للحياة البشرية.
التيوديسيا – أي الدفاع عن عدل الله أمام وجود الشر – ليست عند مطهري مجرد حل نظري لإشكال فلسفي قديم، بل هي قلب التجديد الديني نفسه. في مواجهة تساؤلات الإنسان عن الألم والمعاناة والظلم الذي يبدو في الكون، يقدم مطهري تفسيراً عميقاً ينطلق من التوحيد نفسه. الشر، في هذه المقاربة، ليس وجوداً مستقلاً أو أصلاً متعادلاً مع الخير، بل هو عدمي في جوهره: نقص أو فراغ أو عدم كمال، كالظل الذي ليس إلا غياب النور، أو المرض الذي هو فقدان الصحة. الشر نسبي أيضاً؛ فما هو شر بالنسبة لإنسان قد يكون خيراً في سياق النظام الكلي، كسم الحية الذي يحميها لكنه يضر الإنسان.
هذا التفسير ينسجم تماماً مع الرؤية التوحيدية الكونية: الكون نظام واحد محكم، طولي (مراتب العلة والمعلول) وعرضي (الشروط المادية)، وهو أحسن النظم لأنه يعطي كل موجود ما يستحقه حسب قابليته واستعداده. الاختلافات والنقائص ليست ظلماً، بل لازمة للكمال الكلي؛ فبدون النقص لما برز الكمال، وبدون الشرور الظاهرية لما تحقق الجمال والانسجام. العدل الإلهي هنا ليس معياراً خارجياً يحاكم الله، بل هو صفة ذاتية لأفعاله: الله يفيض الوجود حسب الحكمة، ولا يظلم أحداً لأنه لا شريك له. أما حرية الإنسان – الاختيار بين الخير والقبيح – فهي التي تجعل الشرور الناتجة عن الأفعال البشرية جزءاً من المسؤولية، لا تنفياً للعدل الإلهي.
في هذه المقاربة التيوديسية، يصبح الشر جسراً نحو المدد الإلهي. المحن والشدائد ليست عقاباً عشوائياً، بل تربية وصقل للنفس، تفتح أبواب الإلهام والعون الغيبي لمن يسعى ويخلص. التوحيد الكوني يؤكد أن كل شيء من الله وإليه، والعدل يضمن أن هذا "كل شيء" يخدم الكمال الإنساني.
هكذا، يجدد التيوديسيا الفكر الديني بجعله قادراً على احتواء التناقضات الظاهرية: الإنسان يعاني في حياته اليومية، لكنه مدعوم غيبياً، والكون موحد ومنسجم رغم الشرور التي هي في الحقيقة غيابات تكمل الصورة الكلية. التجديد يتحقق إذن في هذا التوازن: الرؤية الكونية تعطي الإطار الشامل، والمدد الإلهي يمنح القوة اليومية، والتيوديسيا تذيب الشكوك وتحول المعاناة إلى طريق نحو الله.
المقاربة التيوديسية
في تجديد الفكر الديني عند مرتضى مطهري، تبرز المقاربة التيوديسية كعنصر محوري يعيد صياغة الإيمان بطريقة تجعله قادراً على مواجهة أعمق إشكالات الوجود البشري: لماذا يوجد الشر والألم والمعاناة في عالم يحكمه إله واحد قدير حكيم؟ لا تكتفي هذه المقاربة بالدفاع السلبي عن عدل الله، بل تحولها إلى رؤية إيجابية تحول الشرور ذاتها إلى محركات للكمال الإنساني، وتفتح أبواب المدد الإلهي في الحياة اليومية. إنها ليست مجرد حل فلسفي لمشكلة قديمة، بل هي تجديد جذري يربط الرؤية التوحيدية الكونية – التي ترى الكون نظاماً واحداً مترابطاً – بالعون الغيبي الذي يدعم الإنسان في رحلته الوجودية. بهذا، يصبح التيوديسيا عند مطهري ليس دفاعاً عن الله أمام الشر، بل إعلاناً عن حكمته في نظام يجعل كل نقص وكل ألم جسراً نحو الارتقاء والفيض الإلهي. يقوم مطهري مقاربته التيوديسية بإعادة تعريف العدل الإلهي نفسه، بعيداً عن المفاهيم الاجتماعية البشرية الضيقة. العدل عنده ليس مجرد مساواة أو إعطاء كل ذي حق حقه بمعنى قانوني سطحي، بل هو رعاية الاستحقاق والأهلية في إفاضة الوجود والكمال حسب قابلية كل موجود. الله، بوصفه المالك المطلق للكون، لا يمكن أن يظلم أحداً لأن كل شيء منه وله؛ فالظلم يفترض ملكية مستقلة للمظلوم، وهذا غير وارد في التوحيد الكوني. هذا التعريف يجعل العدل صفة ذاتية لأفعال الله، لا معياراً خارجياً يحاكمه. فالكون ليس موزوناً بالتساوي بين الخلائق، بل بالتناسب مع مراتبها واستعداداتها في سلسلة الوجود. التمييز في الخلق – كالذكاء أو الصحة أو الثراء – ليس ظلماً، بل هو تعبير عن الحكمة الإلهية التي تفيض حسب الاستعداد، كما أن الشمس لا تُلام على أنها لا تضيء كل مكان بنفس القدر. أما جوهر المقاربة التيوديسية، فيكمن في تحليل ماهية الشر نفسه. يرى مطهري أن الشر ليس وجوداً إيجابياً مستقلاً يقف في مقابل الخير كقطب ثانٍ، كما في الثنويات القديمة أو الماديات الحديثة. الشر أمر عدمي في أصله: هو نقص أو غياب أو عدم كمال، كالظلام الذي ليس إلا غياب النور، أو الجهل الذي هو عدم العلم. هذا الفهم ينسجم تماماً مع الرؤية التوحيدية الكونية، حيث الوجود كله خير وفيض إلهي، والنقائص إنما تظهر في المراتب الدنيا من سلسلة العلة والمعلول. فالكون نظام مترابط طولياً (من الله إلى أدنى المخلوقات) وعرضياً (الشروط والعلاقات بين الموجودات)، وهو "أحسن النظم" لأنه يحقق الكمال الكلي رغم النقائص الجزئية. بدون هذه النقائص، لما برز الجمال والتنوع والارتقاء؛ فالشرور الظاهرية ضرورية لإبراز الكمال، كما أن الظل ضروري لإبراز النور. كما يؤكد مطهري على نسبية الشر: ما هو شر بالنسبة لإنسان قد يكون خيراً بالنسبة لمخلوق آخر أو في سياق الكلي. العقرب، مثلاً، ليس شراً في ذاته؛ فسمها يحميها ويحفظ توازنها البيئي، لكنه شر بالنسبة للإنسان. هكذا، يرفض مطهري النظرة الجزئية التي تحكم على الكون من منظور إنساني ضيق، ويدعو إلى النظرة الكلية: الكون كله خير في جوهره، والشرور مجرد جوانب نسبية في نظام يخدم الغاية الأسمى. هذا يحل إشكالية الشرور الطبيعية (كالزلازل والأمراض) بجعلها لازمة للنظام الكوني، وليست اعتباطية أو مخالفة للعدل. أما الشرور الأخلاقية (الظلم البشري)، فتنبع من حرية الإنسان – الاختيار الحقيقي بين الخير والقبيح – التي هي شرط للكمال الإنساني والمسؤولية. الله لا يجبر على الشر، بل يمنح الإنسان القدرة على الاختيار، ويترك له نتائجه، مع أن العدل الإلهي يضمن الجزاء العادل في النهاية.
غير أن مطهري لا يكتفي بهذا التفسير النظري؛ بل يربط الشر بالغاية التربوية والتكاملية للحياة البشرية. الشرور والمحن ليست عقاباً عشوائياً أو دليلاً على غياب العدل، بل هي مدرسة إلهية لصقل النفس وتنمية الروح. الألم يوقظ الوعي، والشدة تبني الصبر والإخلاص، والنقص يدفع نحو السعي والجهاد. هنا يظهر الربط العميق بين التيوديسيا والمدد الإلهي: المعاناة ليست نهاية، بل باب مفتوح للعون الغيبي. فمن يواجه الشر بإخلاص وجهد يتلقى الإلهام والتوفيق والتهيئة الظرفية؛ الله يفيض رحمته الخاصة على من يسعى، فيجعل الشر نفسه وسيلة للمدد. هكذا، يتحول اليأس إلى أمل، والمعاناة إلى فرصة للارتقاء نحو مراتب أعلى في الوجود. في سياق التجديد الديني، تجعل هذه المقاربة التيوديسية الدين قادراً على مواجهة التشاؤم المعاصر والمادية التي ترى العالم فوضى أو صدفة. إنها تؤكد أن الكون موحد ومنسجم رغم الظاهر، وأن الإنسان ليس ضحية بل شريكاً في بناء مصيره تحت رعاية إلهية حكيمة. التوحيد الكوني يعطي الإطار الشامل – الكون نظام واحد يسير نحو الكمال – والتيوديسيا تذيب الشكوك حول العدل، والمدد الإلهي يمنح القوة العملية في الحياة اليومية. بهذا التوازن، يجدد مطهري الفكر الديني: لم يعد الدين مجرد اعتقاد نظري، بل رؤية تحول الشر إلى خير، والمعاناة إلى نمو، والإيمان إلى قوة دافعة للإنسان المعاصر.
الشر كعدم
في مقاربة مرتضى مطهري التيوديسية، يُعد مفهوم «الشر كعدم» أحد أعمق الأسس الفلسفية التي تربط بين التوحيد الكوني والعدل الإلهي، وتفتح الطريق أمام فهم المدد الغيبي كاستجابة حكيمة للنقص البشري. لا يرى مطهري الشر وجوداً إيجابياً مستقلاً يوازي الخير أو ينافسه، كما في بعض الرؤى الثنوية أو المادية التي تتصور الشر قوة كونية معادية. بل هو، في أصله، أمر عدمي: نقص محض، غياب للكمال، فراغ في الوجود، أو عدم تحقق لما ينبغي أن يكون. هذا الفهم ليس مجرد تحليل منطقي، بل هو تعبير عن رؤية توحيدية شاملة ترى أن الوجود كله فيض إلهي خالص، والشر إنما يظهر حيث ينقص هذا الفيض أو يُحجب بسبب محدودية المخلوق. يحرص مطهري على التمييز الدقيق بين الوجود والعدم. الوجود الحقيقي هو ما يفيض به الله تعالى، وهو خير محض لأنه صادر عن الخير المطلق. أما العدم فهو ليس شيئاً موجوداً بذاته، بل هو مجرد غياب الوجود. فالظلام، مثلاً، ليس جوهراً قائماً بذاته يحارب النور؛ إنه ببساطة عدم النور. كذلك المرض ليس وجوداً إيجابياً، بل هو غياب الصحة أو نقص في التوازن الحيوي. والجهل ليس علماً معكوساً، بل غياب العلم. والظلم ليس عدلاً مقلوباً، بل غياب العدل أو عدم تحققه في الفعل البشري. بهذا المعنى، الشر ليس مخلوقاً مستقلاً، ولا هو فعلاً إلهياً مباشراً، بل هو نتيجة حتمية للمراتب المحدودة والناقصة في سلسلة الوجود.هذا التصور ينسجم تماماً مع الرؤية التوحيدية الكونية عند مطهري. فالكون ليس مجموعة من الأشياء المنفصلة، بل نظام واحد مترابط طولياً (من الله كعلة أولى إلى أدنى المخلوقات) وعرضياً (بالعلاقات والشروط بين الموجودات). في هذا النظام، يفيض الوجود على كل شيء بحسب قابليته واستعداده. فالذرة تتلقى وجودها المحدود، والإنسان يتلقى وجوداً أرقى يشمل العقل والإرادة، والملائكة تتلقى وجوداً أنقى. حيث تكون القابلية محدودة، يظهر النقص بالضرورة. هذا النقص ليس ظلماً إلهياً، بل هو لازمة وجودية لتحقق التنوع والمراتب والكمال الكلي. لو كان كل موجود كاملاً مطلقاً، لما كان هناك كون متعدد المراتب، ولما برز الجمال في التنوع، ولما كان هناك مجال للارتقاء والسعي.ويُبرز مطهري نسبية الشر في هذا السياق. فالشر ليس مطلقاً، بل هو نسبي تماماً للمخلوق وللمنظور. ما يُعد شراً بالنسبة لإنسان قد يكون خيراً بالنسبة لمخلوق آخر أو في النظرة الكلية. سم العقرب، على سبيل المثال، شر بالنسبة للإنسان الذي يتعرض له، لكنه خير بالنسبة للعقرب نفسه لأنه يحميها ويحفظ بقاءها. كذلك، الزلزال الذي يدمر مدينة قد يكون شراً جزئياً، لكنه جزء من النظام الجيولوجي الذي يحفظ توازن الأرض ويجدد خصوبتها على المدى الطويل. هذه النسبية تكشف أن الشر ليس مخالفة للنظام الكوني، بل هو جانب من جوانب هذا النظام نفسه حين ننظر إليه من زاوية محدودة. النظرة الكلية – التي تكشفها الرؤية التوحيدية – ترى أن الكون «أحسن النظم» رغم هذه النقائص الجزئية، لأن النظام الكلي يحقق أكبر قدر ممكن من الخير والكمال بالنظر إلى طبيعة المخلوقات.
أما فيما يتعلق بالشرور الأخلاقية (كالكذب والظلم والعدوان)، فيؤكد مطهري أنها أيضاً عدمية في جوهرها. الظلم ليس وجوداً إيجابياً، بل هو غياب العدل في الفعل البشري، أي عدم تحقق العدل الذي ينبغي أن يكون. وهذا الغياب يعود إلى حرية الإنسان وقدرته على الاختيار. الله منح الإنسان الإرادة الحرة ليكون مسؤولاً، وليكون كماله اختيارياً لا جبرياً. لو أجبر الله الإنسان على الخير فقط، لما كان الإنسان إنساناً بل آلة. لذا، أتاح الله مجالاً للنقص والخطأ، لكن هذا النقص ليس من فعل الله المباشر، بل من فعل الإنسان نفسه الذي يختار العدم (الشر) بدلاً من الوجود (الخير). ومع ذلك، فإن العدل الإلهي يضمن أن كل فعل يلقى جزاءه، سواء في الدنيا أو في الآخرة، مما يعيد التوازن إلى النظام الكوني.هذا الفهم للشر كعدم يفتح الباب واسعاً أمام المدد الإلهي في الحياة البشرية. فحيث يوجد النقص (الشر)، تظهر الحاجة إلى الفيض الإلهي. المعاناة والألم والجهل ليست نهايات، بل هي نداء داخلي يدفع الإنسان إلى السعي والإخلاص والجهاد الأكبر. والله، بمقتضى رحمته الرحمانية العامة ورحمته الرحيمية الخاصة، يفيض المدد والعون والإلهام على من يسعى ويطلب. هكذا، يتحول الشر (كغياب) إلى فرصة لتحقق الوجود الأرقى. النقص يصبح محركاً للكمال، والألم يصبح طريقاً للصبر واليقين، والجهل يصبح باباً للعلم والمعرفة. المدد الغيبي إذن ليس تعويضاً عن شر إيجابي، بل هو استجابة حكيمة للنقص الذي يحتاج إلى ملء.
في سياق التجديد الديني، يجعل مفهوم الشر كعدم الفكر الديني قادراً على مواجهة التحديات المعاصرة بثقة عميقة. ففي عصر يرى فيه كثيرون العالم فوضى مليئة بالشرور المطلقة، يقدم مطهري رؤية توحيدية تكشف أن الكون ليس فوضى، وأن الشر ليس قوة مستقلة، بل غياب مؤقت أو نسبي يخدم في النهاية الكمال الكلي. هذا الفهم يحمي الإيمان من الانهيار أمام المآسي، ويحوله إلى قوة إيجابية تحول المعاناة إلى نمو، والنقص إلى سعي، والغياب إلى فيض. بهذا، يصبح الشر كعدم ليس مشكلة تُحل بالدفاع فقط، بل سراً كونياً يكشف عن حكمة الله: أن يسمح بالنقص ليفتح مجالاً للاختيار والارتقاء، وأن يجعل هذا النقص نفسه باباً للمدد الإلهي الذي يملأ الفراغ ويرفع الإنسان نحو مراتب أعلى. هكذا تكتمل الرؤية التوحيدية: الوجود كله من الله وإليه، والعدم (الشر) مجرد لحظة في رحلة العودة إليه، والمدد الغيبي هو اليد الإلهية التي تمد للإنسان في كل نقص لتعيده إلى الكمال.
خاتمة
يمثل تجديد الفكر الديني عند مرتضى مطهري نموذجاً متكاملاً للإحياء الإسلامي المعاصر. إنه لا يفصل بين النظر الكوني والعمل الإنساني، بل يجعلهما متداخلين عبر المدد الإلهي الذي يربط الغيب بالشهادة. والمقاربة التيوديسية ليست دفاعاً سلبياً عن الله، بل إعلاناً إيجابياً عن حكمته وعدله في نظام يدعم الإنسان ويرفعه. هذا التجديد يدعو الإنسان المعاصر إلى أن يرى في كونه جزءاً من كون توحيدي، وفي معاناته فرصة لمدد إلهي، وفي إيمانه قوة تحول الشر إلى خير واليأس إلى أمل. بهذا، يعود الدين حياً، قادراً على مواجهة العصر بكل تحدياته، ومؤكداً أن التوحيد ليس مجرد كلمة، بل رؤية ومدداً وعدلاً يحيي الحياة البشرية كلها. في النهاية، مقاربة مطهري التيوديسية ليست مجرد فلسفة دفاعية، بل دعوة إلى إعادة اكتشاف الإيمان كحياة كاملة. إنها تجعل الإنسان يرى في كونه جزءاً من كون توحيدي أفضل، وفي ألمه فرصة لمدد إلهي يرفعه، وفي جهده مسؤولية تكمل النظام الكوني. هكذا يعود الدين حياً، قادراً على احتواء تناقضات العصر وتحويلها إلى طاقة بناء، مؤكداً أن العدل الإلهي ليس غياب الشر، بل حكمة تحول الشر إلى طريق نحو الله.
كاتب فلسفي






0 comments:
إرسال تعليق