التشابهات التاريخية بين الضغوط على إيران المعاصرة والغزو الأمريكي للعراق فاعل مشترك، مستفيد واحد، وذريعة فلسطينية متكررة/ د زهير الخويلدي



في سياق الجيوسياسة الإقليمية للشرق الأوسط، يبرز نمط تاريخي يعكس كيفية استخدام القوى الدولية الكبرى للذرائع السياسية لتبرير التدخلات العسكرية والاقتصادية ضد دول معينة، مع التركيز على إيران في الفترة الحالية (حتى فبراير 2026) مقارنة بما حدث للعراق في العقود السابقة، خاصة في الفترة السابقة لغزو عام 2003. هذا النمط يتمثل في وجود فاعل رئيسي مشترك، وهو التحالف الأمريكي-الإسرائيلي، الذي يعمل كمحرك أساسي للتصعيد، بينما يظهر مستفيد واحد بارز، غالباً ما يكون إسرائيل في سياق تعزيز أمنها الإقليمي وتوسيع نفوذها، وتكون الذريعة الرئيسية هي مساندة فلسطين، التي تُستخدم كغطاء لاتهامات أوسع تتعلق بدعم "الإرهاب" أو "التهديدات الإقليمية". هذه الدراسة تسلط الضوء على هذه التشابهات بشكل معمق ومسترسل، مع التركيز على الديناميكيات السياسية والعسكرية والاقتصادية، لتكشف كيف أن التاريخ يعيد نفسه في المنطقة، ليس كصدفة، بل كاستراتيجية مدروسة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. فمن هو الفاعل؟ ومن المستفيد؟ وماهي الذريعة التي يلوح بها الطرف المستقوي؟


لنبدأ بالعودة إلى السياق التاريخي للعراق، الذي يمثل نموذجاً كلاسيكياً لهذا النمط. في الثمانينيات والتسعينيات، كان العراق تحت قيادة صدام حسين يُنظر إليه كقوة إقليمية صاعدة، خاصة بعد حربه مع إيران (1980-1988)، التي تلقت دعماً غربياً ضمنياً لاحتواء الثورة الإيرانية. ومع ذلك، سرعان ما تحولت الصورة بعد غزو الكويت عام 1990، حيث بدأت حملة دولية بقيادة الولايات المتحدة لعزل العراق اقتصادياً وسياسياً. هنا، برزت الذريعة الفلسطينية كعنصر مركزي في الخطاب الغربي والإسرائيلي ضد بغداد. كان صدام حسين قد أعلن دعمه الصريح للقضية الفلسطينية، خاصة خلال انتفاضة الأقصى الأولى (1987-1993)، حيث أطلق صواريخ سكود على إسرائيل خلال حرب الخليج الأولى عام 1991، مما جعله بطلاً شعبياً في العالم العربي كمن يواجه "العدو الصهيوني". كما قدم مكافآت مالية لعائلات الشهداء الفلسطينيين، ووصف نفسه كمدافع عن فلسطين ضد الاحتلال الإسرائيلي. هذا الدعم لم يكن مجرد خطاب، بل كان جزءاً من استراتيجية صدام لتعزيز شرعيته الإقليمية، لكنه أصبح ذريعة مثالية للولايات المتحدة وإسرائيل لتصويره كداعم للإرهاب. في الواقع، كانت الاتهامات الرسمية تشمل أسلحة الدمار الشامل، لكن الخطاب الإعلامي والسياسي غالباً ما ربط دعم العراق لفلسطين بدعم "الإرهابيين"، مما ساهم في بناء الرأي العام الدولي لتبرير العقوبات الاقتصادية الخانقة التي أدت إلى معاناة إنسانية هائلة، وصولاً إلى الغزو عام 2003. هذا الغزو، الذي قادته الولايات المتحدة بدعم إسرائيلي قوي، لم يكن فقط عن الأسلحة، بل عن إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط لصالح مصالح غربية، مع إضعاف أي قوة عربية قد تهدد إسرائيل.الآن، ننتقل إلى الوضع الراهن في إيران، حيث يتكرر النمط نفسه بشكل مذهل. في فبراير 2026، تواجه إيران تصعيداً عسكرياً وسياسياً غير مسبوق، مع بناء عسكري أمريكي هائل في المنطقة، يُعتبر الأكبر منذ غزو العراق عام 2003. تشمل هذه التحركات نشر حاملات طائرات مثل يو إس إس جيرالد آر فورد، وطائرات مقاتلة، وتعزيز القواعد في الخليج، في سياق فشل المحادثات النووية واتهامات باستمرار إيران في برنامجها النووي. ومع ذلك، تبرز الذريعة الفلسطينية كعنصر أساسي في هذا التصعيد. إيران، منذ ثورتها عام 1979، جعلت دعم القضية الفلسطينية جزءاً أصيلاً من هويتها السياسية، معتبرة إسرائيل "الكيان الصهيوني" عدواً مشتركاً. هذا الدعم يتجلى في مساندة حركات المقاومة مثل حماس وحزب الله، اللذين يقاتلان الاحتلال الإسرائيلي في غزة ولبنان. في السنوات الأخيرة، خاصة بعد هجوم 7 أكتوبر 2023 وما تلاه من تصعيد في غزة، زادت إيران من دعمها لهذه المجموعات، مما أدى إلى هجمات إسرائيلية مباشرة على أهداف إيرانية، بما في ذلك ضربات على منشآت نووية مثل تلك في بارشين عام 2024، وصولاً إلى حرب قصيرة مدتها 12 يوماً بين إيران وإسرائيل عام 2025، انضمت إليها الولايات المتحدة. اليوم، مع قمع الاحتجاجات الداخلية في إيران، التي أسفرت عن آلاف القتلى والاعتقالات، يستخدم التحالف الأمريكي-الإسرائيلي هذه الأحداث لتعزيز الضغط، لكن الخطاب الرسمي يربط دائماً بين دعم إيران لفلسطين وبين "التهديد الإقليمي"، مما يجعل مساندة فلسطين ذريعة لتبرير الضربات المحتملة. تقارير حديثة تشير إلى أن الولايات المتحدة، تحت قيادة الرئيس دونالد ترامب، تدرس ضربات "محدودة" على إيران لإجبارها على اتفاق نووي جديد، لكن هذه الضربات قد تكون "واسعة النطاق" و"طويلة الأمد"، كما وصفها مصادر إسرائيلية، مع تركيز على تدمير قدرات إيران الصاروخية والنووية، التي تُعتبر ضرورية لدعمها للمقاومة الفلسطينية.


عند مقارنة الوضعين، يتضح أن الفاعل هو نفسه: الولايات المتحدة، بدعم إسرائيلي مباشر. في حالة العراق، كانت واشنطن تقود التحالف الدولي، مع لوبي إسرائيلي قوي في الكونغرس والإعلام الأمريكي، يدفع نحو الغزو لإزالة تهديد محتمل لإسرائيل. اليوم، يجتمع ترامب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لمناقشة إيران، حيث يقدم الأخير "أدلة" على قمع الاحتجاجات الإيرانية، ويضغط لعدم التفاوض على الصواريخ الباليستية الإيرانية، التي تهدد إسرائيل مباشرة. هذا التحالف ليس جديداً؛ إنه امتداد لاستراتيجية أمريكية ترى في إسرائيل حليفاً استراتيجياً للسيطرة على الشرق الأوسط، مستخدمة القوة العسكرية لإضعاف أي دولة تتحدى هذا التوازن. أما المستفيد، فهو نفسه أيضاً: إسرائيل، التي استفادت من غزو العراق بإضعاف جيش عربي قوي، وتوسيع نفوذها في المنطقة، حيث أصبح العراق بعد 2003 أقل تهديداً، بل وأكثر انقساماً، مما سمح لإسرائيل بتركيز جهودها على جبهات أخرى. في إيران اليوم، يُتوقع أن يؤدي أي تصعيد إلى إضعاف "محور المقاومة"، الذي يشمل حماس وحزب الله، مما يعزز أمن إسرائيل ويسمح لها بمواصلة سياساتها في غزة، مثل خطط ترامب لـ"لوحة السلام" التي تحول غزة إلى منتجع سياحي، مع نزع سلاح حماس، وهو ما يعني فعلياً تعزيز الاحتلال. هذا الاستفادة ليست اقتصادية فقط، بل جيوسياسية، حيث تقلل من التهديدات الإقليمية وتعزز السيطرة على الموارد النفطية والممرات البحرية.


أما الذريعة، فهي الأكثر تكراراً: مساندة فلسطين. في العراق، كانت هذه المساندة تُستخدم لربط صدام بدعم "الإرهاب"، مما ساهم في عزله دولياً، رغم أن الذريعة الرسمية كانت الأسلحة. اليوم في إيران، يُستخدم دعمها لفلسطين، من خلال "شبكة الحلفاء" في المنطقة، كغطاء للاتهامات النووية والصاروخية. إيران تقوي منشآتها مثل بارشين ونتانز ضد الهجمات، لكن الخطاب الغربي يركز على كيفية استخدام هذه القدرات لدعم المقاومة الفلسطينية، مما يجعل أي هجوم مبرراً كـ"دفاع عن السلام". هذا الربط ليس عفوياً؛ إنه جزء من استراتيجية لتحويل القضية الفلسطينية إلى أداة للضغط على أي دولة تتحداها، مع تجاهل الاحتلال الإسرائيلي نفسه كمصدر للتوتر.


في الختام، يعكس ما يحدث لإيران اليوم تكراراً لتجربة العراق، ليس كحادث تاريخي، بل كدليل على استمرارية الاستراتيجيات الإمبريالية في الشرق الأوسط. الفاعل المشترك، المستفيد الثابت، والذريعة المتكررة تكشف عن نمط يهدف إلى إضعاف الدول المستقلة، مع الحفاظ على هيمنة إسرائيلية-أمريكية. هذا النمط لا يؤدي إلى السلام، بل إلى مزيد من الاضطرابات، حيث يولد مقاومة جديدة ويفاقم الصراعات الإقليمية، مما يطرح تساؤلات عميقة حول إمكانية كسر هذه الدورة في المستقبل. الا تعد آثار العقوبات الاقتصادية أشد خطورة من الغزو العسكري؟


كاتب فلسفي

CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق