الواقعُ أغرب مِن الخيال/ تقدمة شوقي مسلماني


نقلاً عن "فايسبوك" المناضل جورج ابراهيم عبدالله نقلاً عن الكاتب رضوان مرتضى ـ عندما تكون الحقيقة أكثر قسوةً من الخيال:   

‏أمس، في بلدة طلّوسة، كان الشـ..هيد أحمد ترمس (62 عاماً) في زيارة عائلية، جلس مع زوجته في منزل شقيقها. صوتُ مسيّرةٍ في السماء، ثم مسيّرة ثانية. لم يكد يدخل ليجلس حتى رنّ هاتفه. ردّ أحمد. جاءه الصوت بارداً واضحاً: "معنا أحمد ترمس"؟، فأجاب بنعم، ليخبره المتّصل: "معك الجيش الإسر ائيلي يا أحمد، بدّك تموت إنت واللي معك أو لحالك"؟،  فأجاب على الفور: "لحالي".

‏أقفل الهاتف، تغيّر وجهه، نظر إليه شقيق زوجته سليم وسأله: "شو صار يا أحمد"؟. قالها بهدوءٍ حاسم: "هول الإسر ائيليّة، قوموا اطلعوا واتركوني هون، عم بيقولوا يا بتموتوا معي يا بموت لحالي".  

‏لم يتوسّل، لم يصرخ. طلب منهم أن يخرجوا، أن ينجوا، أن يتركوه يواجه المصير وحده. رفضوا في البداية وأخبروه أنهم لن يتركوه وأنهم سيموتون معه. هدّأ من روعهم ثم أقنعهم بالمغادرة.

‏للحظةٍ لم ينتبه أنه ليس في منزله، ثم انتبه، لا يريد أن يكون الموت في بيتٍ ليس بيته، قرّر أن يأخذ الموت بعيداً عنهم، طلب منهم البقاء ليُغادر هو. ودّعهم، صعد إلى سيارته، أدار المحرّك وقاد مبتعداً عن المنزل ثم ركن سيارته. مرّت ثوانٍ، فأطلقت المسيّرة صار وخين.

‏احترقت السيارة، تناثر جسد أحمد، احترق، لكن قصّته باقية، هو واحدٌ من أبطال أيامنا.

‏لقد ودّع أحمد ابنه حسن شهـ يداً قبل سنتين، ثمّ رآه في المنام قبل نحو سنة يخبره بأنه ملاقيه في شهر شباط. أخبر زوجة ابنه بذلك فأجابته ممازحة: "يعني باقية الحرب بعد سنة؟!، بلكي بعد خمس سنين"؟!، فأجابها أنّ ابنه حدّد شباط المقبل. 

صوّره أحدهم وهو يكرّر أنه سيُستـ شهد في شهر شباط، ثم اليوم بدأ أهل بلدته يتداولون ذلك الفيديو كما تداولوا المحادثة على الواتساب.

‏لا أحد يعرف ماذا يشعر إنسان حين يتلقى اتصالاً يخبره بموعد موته، لا أحد يعرف كيف تُوزن الحياة في ثوانٍ، ثم يُطلب منه أن يختار: أن يموت وحده أو يموت معه أحباؤه. أيُّ قلبٍ يحتمل اتصالاً يخيّره بطريقة موته وفراق أحبّته؟، أيُّ صلابةٍ وأيُّ شجاعةٍ وأيُّ إيثارٍ يحمله هؤلاء ليتمكنوا من مجرّد الوقوف على أقدامهم في هكذا لحظة؟. 

‏قبل أحمد، شابٌ آخر كان يقود سيارته وزوجته إلى جانبه، تلقّى الاتصال ذاته، أوقف السيارة، أنزل زوجته، أبعدها، ثم مضى وحده نحو الصار وخ.

‏نماذج تتكرّر في الجنوب. اتصالٌ يفصل بين الحياة والموت. شبابٌ يمشون إلى موتهم بأقدامٍ ثابتة. 

‏ما أقسى هذا الزمن وأوضح مواقفه.

‏تردّدت قبل أن أكتب، لم أعلم إذا كانت تُجدي الكتابة أمام هول ما يحصل، وسألت نفسي: هل يكون ذلك انكساراً أم إيغالاً في حزنٍ لا يمكننا دفعه؟، ثم رأيت أنّ صوتنا وكلماتنا قد تكون شكلاً من أشكال الثبات في وجه آلة القـتل الإسر ائيلية.

‏ما أنبل هؤلاء الشـ هداء فعلاً، العزُّ يبدأ من أشلا ء قـ تلانا.

ـ رضوان مرتضى. 


CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق