في كتابه المفتوح الى انطون سعادة، يجري الكاتب نصري الصايغ جراحة نقدية، بدون بنج لغوي وبدون تورية، فهو متمكن من الموضوع الذي يعرفه وعايش محطات هذه المرحلة المفصلية من تاريخ الأمتين السورية والعربية، ومع ذلك كان متهيباً أن يكتب كتابه المفتوح الى انطون سعادة ويعترف بذلك قائلاً: يا أنا، من أنت لتكتب كتاباً مفتوحاً الى أنطون سعادة؟( ص 23)
قبل ان يمتشق قلمه ويحدد مساره، يزيل الحواجز، ولا تقيده قيود، ولا يعرف تهاونا او تزلفاً او تسامحاً حين يخط كلماته، يعرف الهدف ويعطيه حقه بصخب من دون مداراة وهكذا هو نصري الصايغ الباحث في كتابه عن الحقيقة دائماً.
باسلوب نقدي صريح ولاذع، لا يوفر ماضيه الشخصي او الحزبي، وكذلك هي مواقفه بالنسبة الى الحزب الذي آمن بعقيدته او امة العرب او دولها ويقول : سأقوم بكنس الذاكرة من كل أفعالي المشينة (ص38).
صريح حتى التجريح من غيرته على مستقبل امة ضحت بها أنظمة واحزاب على مذابح مصالحها الشخصية او الزبائنية
يتلو ادبيات الندم بمرارة وحرارة صادقتين وهما تنبضان بروح كلماته وتعابيره. وينتقد بشدة السيرة السياسية والنضالية للقوميين ويعتبرها "فالصو" ولولاك تشرشحوا.(ص30)
نصري الصايغ في كتابه لا يكتب عقيدة جديدة، لانه يرى في عقيدة انطون أسس تصلح للبناء عليها، لكن الكاتب يبحث عن الخلل البنوي الذي اصاب الحزب، وممارسة بعض الحزبيين والتشظي والانقسام الحزبي. ويتساءل من أين أبدأ كلامي ؟ لا رغبة عندي أبداً، بجرح غيابك بآلام "البقاء القومي الآفل"...ويصف حال الامة :"إننا على شفير الخراب الكبير.(ص27).
لكنه يؤكد على أهمية المقام الفكري لسعادة ويقول: مقامك الفكري النهضوي ما زال في فاتحة اللائحة: لقد تركت اثراً وسيرة ومساراً وفكر لا يمحى.(ص49). ويتأسف على ماكتبه سعادة :أذكر ان الانتهازية كانت فائقة...ضيعان ما كتبت وأنشات...(ص51) وفي الصفحة 63 يصف سعادة بأنه كان عدواً علنياً، للتخلف، والتجزئة، والاستعمار، والاستعباد، والتطويعن والاحتقار.
ويخاطب الصايغ سعادة: أنت، بنيت الاساس العلمي المعرفي لامتك ودورها، وتطلعت إلى أفق أنساني جديد...ولكن... الجبناء، خافوا من عقيدتك، فاغتالوك...مضيت إلى نهاية الطرق ولم تمت ولن...أنت مع الخالدين.(ص 71)
ويتطرق الى تجربته حين انخرط في جوقة الشتامين . يا إلهي كم كنت سيئاً. صرت رفيقاً أناضل بتجويد السباب والشتائم. ويعترف انه لم يكن يتوقع ان يكون الشتم والتخوين من مصدر واحد بسبب انقسام الحزب سواء في لبنان او في الشام ويصف حال الحزب ك"خرقة" نظامية، بثياب عقائدية "مبهبطة" وذات ركاكة في صدقيتها.(ص 26)
ويمضي بنفس الأسلوب ويقول: هل أبالغ؟ أؤكد، بأنني مقصر. أعتبر نفسي خائناً، إن لم أكتب بجراح أمة تقتل كل يوم.(ص 28).
وعن المحطة الأبرز في تاريخ الحزب يتحدث عن انقلاب الستينات الفاشل ويصفه بالانقلاب الهرائي التافه، والذي تبين في ما بعد أنه كان انقلاباً برعاية أميركية...(ص21). ويعود لنفس الموضوع ويتساءل: من يتحمل هذه الكارثة؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟
هل نحن منذورون للفشل؟ من هو العاقل الذي يرتكت في دمشق اغتيالاً (عدنان المالكي)؟
ثم يرتكب في لبنان انقلاباً بائساً ومفجعاً؟(41).
وعن علاقة الحزب وتموضعه ضد عبد الناصر،يقول وجدير بالذكر أنهم في ما بعد، غرقوا مع سلاحهم في الخندق الأميركي- الماروني- الرجعي، واستباحوا الناصرية وكيف كانت صحيفتهم تترجم مواقف اليمين المسيحي يومذاك. وهناك ما يشبه ذلك في الصحف السعودية والكويتية و... والعبرية. ويتطرق الى وقوف الحزب مع كميل شمعون في أحداث 1958 والمجاهرة للعداء لعبد الناصر. ويسائل نفسه لا أعراف راهناً لماذا هذا الانحراف؟ (ص 43).
وفي موقع آخر من الكتاب يتساءل الصايغ عن العداء ما بين القوميين والشيوعيين قبل ان يعودوا ويلتقوا في الحرب الاهلية اللبنانية .
وبعد سرد وضع الامة العربية والسورية الحالي والمآسي والتفت يسأل الصايغ: هل كان الحزب بعد سعادة، حزب الإنتصارات أم حزب الإنكسارات؟(ص87). ويذهب الى التوضيح في ما خص هذا النقد بأنه لا يهدف الى التشفي، بل إلى التأمل، وطرح الاسئلةالحقيقية ذات البعد العقدي المرتبط عقدياً بالإنجاز.(ص89)
بعد العرض لحال الحزب والأمة يطرح السؤال المركزي: من أين نبدأ؟ ويجيب عرفنا حتى الآن إلى اين انتهينا...(ص91).
ويعود الى تعريف دور سعادة أن يسأل ما العمل؟ سعادة في الزمن الآتي بعد؟ لم لا؟ شرط أن يستفاد من إخفاقات الماضي، وأخذ العبر...(ص97). ويضيف ان سعادة راهن على الشعب وليس على السلطة ويعدد مطال الشعب وما يريد ويضعها في أحد عشر شرطاً، ويؤكد إن تغيير مجتمع، بالثقافة والمعرفة والقدوة والنضال والشفافية أساس متين، لتغيير الانظمة الفاسدة وطرد السلطات الأكثر فساداً. (ص 98، 100،99).
لكن الصايغ يعود الى التشائم ويعنون في الصفحة 101 العبور المستحيل إلى المستقبل ويتساءل من نحن؟ من دون معرفة الهوية ولا نعرف من نحن هذه المعرفة صعبة ...وتبدو الآن في العام 2024 مستحيلة لا "نحن" لنا...نحن كل الآخرين، اتباع لا أحرار...(ص102) وفي الصفحة 111 يخاطب سعادة قائلاً: سيدي...أننا نعيش في صحراء. العقل في إجازة. باختصار: ارى المستحيل هو مستقبلنا(ص113).
وفي الكتاب جزء طويل خصصه الصايغ للمقارنة بين سعادة وماركس ويعنون أنت وماركس معاً و..ضدان(129) ويتطرق في هذه الجزء الى حال الأمة السورية والعالم العربي ويصف هذا الوضع: هناك رجعة في أمتنا وعالمنا العربي الى تحديد اولوية الدين على الحق...(ص130) ويحدد أين يلتقي مارس وسعادة ويقول: يلتقي مارس معك سيدي في رؤية النشوء وتفسيره، بيد أنك تميزت عنه بكون الإنسان كشخصية تاريخية هو الإنسان- المجتمع. ماركس قبلك رأى الإنسان مستنفذاً في التاريخ.(ص148).
متوجهاً إلى سعادة بألم وحصرة ويقول: صغت كتاباً فريداً، وحددت فيه كيف تنشا الأمم. للأسف، تمت ترجمة الواقع، بكيف تمزق الأمم. أمتك السورية لم نكتشفها بعد(ص154).
ويطلب الصايغ الاعتذار من سعادة ويكتب: سيدي، أعذرني على هذا الشطح. واعذرني لأني لا ألتزم بالسياقات الأكاديمية والمنطقية. من زمن تحررت من الدوغمائية. الحياة لا تسيرها الأفكار ولا يقودها امنطق.(ص170).
وفي ختام الكتاب يخط رسالة الإستقالة من مهامه الحزبية الى رئيس الحزب ويقول :انه قرر الاحتفاظ "بالأمانة"، أمانتي لنفسي ومع نفسي وضد نفسي، واطرد الأمين عني...أما الحزب، فيا حزني الجميل، سآخذك في مدار آخر (ص 183-184).
اخيراً، الكتاب مراجعة نقدية شاملة لتجربة شخصية وحزبية بمقاربة جريئة نابعة من حرص الكاتب على مستقبل الانسان الحر الذي يرى أن سعادة كان يراها المحور والمرتكز الاساس في كل فكره وعقيدته لنهضة الأمة.
في النهاية اتوجه بالشكر للصديق طنوس فرنسيس الذي أهداني هذا الكتاب القيم الصادر في العام 2025 عن دار كتب للنشر ويقع في 187 صفحة من الحجم الوسط والمؤلف من عدة أجزاء.




0 comments:
إرسال تعليق