قراءة لقصيدة - حَيِّ المُكيِّفَ – للشاعر الدكتور حاتم جوعيه 11-8-2026 كهفُ الثلجِ المُشتعل: حين تَكَلَّمَ الجَسدُ الجَمعيُّ بِلِسانِ النّار

 


- بقلم: طه عبد الرحمن – قرية البعنة – الجليل– فلسطين – 


 في البَدءِ لم تَكُنِ الكَلِمَةُ، بَل كانَ العَرَق. كانَ الجَسدُ البَشريُّ أوَّلَ نَصٍّ كَتَبَتهُ الشَّمسُ بِلُغَةِ المِلحِ والجَمر. وحينَ يَفتَتِحُ شاعِرٌ جَمعيٌّ قَصيدَتَهُ بِـ "حَيِّ المُكيِّفَ بُكرَةً وأصيلا"، فإنَّهُ لا يَكتُبُ شِعرًا، بَل يُسَجِّلُ انتِحارَ الجَسَدِ البَشَريِّ على مَذبَحِ الحَضارَة. إنَّها أوَّلُ مَرَّةٍ في تاريخِ البَشريَّةِ يُصبِحُ فيها التَّحيَّةُ لِجِهازٍ لا لِإله، لِفِكرَةٍ لا لِكائِن، لِبُرودَةٍ مَصنوعَةٍ لا لِحَرارَةٍ مَقدورَة. "بُكرَةً وأصيلا" – تِلكَ هي أَوقاتُ الصَّلاةِ نَفسُها، أوقاتُ الاتِّصالِ بِالمُطلَق، وقد سُرِقَت مِنَ السَّماءِ لِتُوهَبَ لِصَندوقٍ أبيَضَ يُطلِقُ هَواءً بارِدًا في وُجوهِ العابِدينَ الجُدُد.

لِنَتَأمَّل هذا التَّحويلَ العَميق. لقد كانَ الإنسانُ الأوَّلُ يَخافُ البَردَ فَاختَرَعَ النّار، وكانَ يُجِلُّها لأنَّها سِرُّ بَقائِه، ثُمَّ صارَ يَخافُ الحَرَّ فَاختَرَعَ المُكيِّف، وأَلَّهَهُ لأنَّهُ سِرُّ هُرُوبِه. في الانتِقالِ مِن عِبادَةِ النّارِ إلى عِبادَةِ ضِدِّها تَختَبِئُ مَأساةُ الانتِقالِ مِنَ الكِفاحِ إلى الاستِسلام، مِنَ الخُروجِ إلى العالَمِ لِتَرويضِه، إلى الانكِماشِ في شَرنَقَةٍ تُعزِلُنا عَنه. إنَّ "الأنا الجَمعيَّة" في هذه القَصيدَةِ لا تَتَحَدَّثُ عَن شاعِرٍ مُفرَد، بَل عَن جَسَدِ الأمَّةِ الَّذي يَكتَشِفُ فَجأَةً أنَّهُ استَبدَلَ جِلدَهُ الطَّبيعيَّ بِجِلدٍ صِناعيّ، وأنَّ مَسامَّهُ الَّتي كانَت تَتنَفَّسُ الحَقيقَةَ قَدِ انسَدَّت بِمادَّةٍ بلاستيكيَّةٍ مِن صَنعِ اليَأس.

وهُنا يَكمُنُ أَوَّلُ تَناقُضٍ كَبير: الشّاعِرُ يُحَيِّي المُكيِّفَ، لَكِنَّ القَصيدَةَ كُلَّها تَشتَعِل. كُلُّ بَيتٍ فيها يَنِزُّ حَرارَة، كُلُّ مَقطَعٍ يَتطايَرُ شَرَرًا. كَأنَّما الشِّعرُ نَفسَهُ هُنا هُوَ الجَسَدُ الَّذي يَرفُضُ التَّبريد، هُوَ الحُمَّى الَّتي تَأبى أن تَنخَفِض، هُوَ العَرَقُ الأخيرُ الَّذي يَتَمَسَّكُ بِالحَياةِ في لَحظَةِ المَوتِ السَّريريِّ لِلأُمَّة. إنَّ التَّحيَّةَ لِلمُكيِّفِ لَيسَت إِلَّا مَكرًا شِعريًّا: أن نَبدَأَ بِالسُّجودِ لِنَنتَهِيَ بِالثَّورَة. أن نَلبَسَ قِناعَ العابِدِ لِنَطعَنَ الصَّنَمَ في لَحظَةِ السُّجودِ نَفسِها. هذا هُوَ المَكرُ الأَسطوريُّ الَّذي تَعلَّمَتهُ الشُّعوبُ حينَ اضطُرَّت لِمُخاطَبَةِ طُغاتِها بِلُغَةِ المَديحِ لِتُفَجِّرَهُم مِنَ الدّاخِل.

وعِندَما يَستَدعي النَّصُّ بَيتَ أحمَد شَوقي الخالِد "قُم للمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَّبجيلا" لِيُحَوِّلَهُ إلى "قُم للمُكيِّفِ وَفِّهِ التَّبجيلا"، فإنَّهُ يَفتَحُ جُرحًا في خاصِرَةِ الحَداثَةِ العَرَبيَّةِ نَفسِها. لِنَتَذَكَّر: شَوقي كَتَبَ بَيتَهُ في لَحظَةِ نَهضَة، لَحظَةِ إيمانٍ بِأنَّ العِلمَ هُوَ طَريقُ الخَلاص. فَماذا حَدَثَ بَينَ شَوقي وَبَينَنا حتَّى تَحَوَّلَ "المُعَلِّمُ" إلى "مُكيِّف"؟ ماذا حَدَثَ لِمَشرُوعِ النَّهضَةِ كُلِّهِ حتَّى تَحَوَّلَ مِن مَشعَلٍ إلى ثَلّاجَة؟ إنَّ الجَوابَ يَكمُنُ في الصَّدمَةِ الحَضاريَّةِ الَّتي جَعَلَتِ العَرَبِيَّ يَفقِدُ الثِّقَةَ في العِلمِ كَمَشروعِ تَحرير، وَلَم يَبقَ لَدَيهِ مِنهُ سِوى استِهلاكِ مُنتَجاتِه. لَم نَعُد نَصنَعُ المُكيِّفات، بَل نَعبُدُها. لَم نَعُد نَكتَشِفُ قَوانينَ الطَّبيعَة، بَل نَحتَمي مِنها. هذا هُوَ الانكِسارُ الحَقيقيّ: ليسَ في عَدمِ امتِلاكِ التِّكنولوجيا، بَل في تَأليهِ ما لا نَستَطيعُ صُنعَه. 

وهنا، في هذا المقطع الذي يستدعي شوقي، يصبح من الواجب النقدي استدعاء أولئك الشعراء العظام الذين تنبأوا بهذا الانكسار، والذين جسّدوا الأمة لا كفكرة مجردة، بل "جسدًا جمعيًّا" ينزف جراحه على ورق القصيدة. في هذا المقطع من القصيدة، يقف محمود درويش كظلٍ مقابلٍ لـ "المكيّف" لا يراه القارئ مباشرة، لكنه يملأ فضاء المعنى. فحين يقول الشاعر: "وأنا العروبةُ صوتُها ونشيدُهَا"، نتذكر أن درويش هو من صاغ في "جدارية" ميثاق الجسد الجمعي: "أنا هُنا، أنا هُناكُ، أنا ضميرُ الغائبينْ". هذه "الأنا" ليست أنا متضخمة، بل هي "الأنا الجمعية" ذاتها التي تتكلم بلسان القبيلة، بلسان من لا صوت لهم. درويش، الذي طالما حاور أنداده الكبار، لم يكتب عن البرودة بل عن المنفى كصقيع وجودي، وعن الاحتلال كآلة لتبريد الذاكرة. ولكن، في الوقت نفسه، رفض أن يتحول شعره إلى "مكيّف" يُريح الضمائر، فأصرّ على أن يكون شوكة في خاصرة النسيان: "سأقاومُ كي أحيا، ولستُ أُقاومُ كي أموتْ". هذه الحرارة في شعر درويش، هذا الرفض للركون إلى برد اليأس أو استهلاك العواطف الجاهزة، هي ما يجعل استدعاءه هنا ضرورة رمزية. إنه يمثل الشعر الذي ظل "حارًّا" بمعنى كونه شهادة على دم الأمة ووجعها، لا مجرد أغنية للراحة في ظل "المكيّف".

بينما يقودنا إيقاع الغضب والثورة في النص إلى محمد الماغوط، حيث يلتقي التجديف بالقداسة. الماغوط، الذي لو قرأ هذه القصيدة لابتسم ابتسامته الساخرة وهو يرى العالم "كهف ثلج مشتعل". ففي شعره، كان الجسد الجمعي مهانًا، مسحوقًا، لكنه لم يطلب مكيفًا، بل كان يصرخ بمرارة النبي المصلوب على أرصفة المدن العربية: "أنا المُقَيَّدُ إلى كُرْسِيٍّ خَشَبِيّ، أَيُّهَا العَالَمُ.. أَطْلِقُوا سَرَاحِي، فَقَدْ بَرَدَ جَسَدِي كَثِيرًا". هنا، البرودة ليست رفاهية "المكيف"، بل هي موت الجسد الجمعي الذي يستشعره الماغوط. صرخته "فقد برد جسدي كثيرًا" هي الوجه المأساوي الآخر لتحية "حيّ المكيف". إنها اعتراف بأننا قد بردنا حتى النخاع، لا من حرارة الطقس، بل من خيبات التاريخ، من المنافي، من السجون، ومن تحويل الإنسان إلى ظل بارد لنفسه. إن "غضب المدفونين في المقابر الجماعية" الذي تتحدث عنه هذه القراءة، هو ذاته غضب الماغوط الأسود الذي حوّل القصيدة إلى سكين في خاصرة البديهيات.

أما بدر شاكر السياب، فيأتي ليمنحنا المفتاح الموسيقي لهذه المأساة. حين يكتب السياب قصيدته "أنشودة المطر"، فهو يصنع أسطورة الخصب البابلية في مواجهة الجدب والموت. "وَعَينَاكِ غَابَتَا نَخِيلٍ سَاعَةَ السَّحَرْ، أَو شُرْفَتَانِ رَاحَ يَنْأَى عَنْهُمَا القَمَرْ"، هنا الحرارة في عيني الحبيبة، في النخيل، في الطبيعة البكر التي ترفض الموت. ولكن، ما الذي حدث؟ لقد استبدلنا "عينيكِ" بـ "المكيف"، واستبدلنا دفء الطبيعة الأسطوري ببرودة الآلة. السياب، الذي عاش في جحيم المرض والغربة، كان يعرف أن الحياة هي قدرة على الاشتعال الداخلي حتى في عز المطر والبرد. قصيدته "المومس العمياء" ليست سوى صرخة في وجه عالم فقد دفء الإنسانية وتحول إلى جثث تتعامل بالجسد فقط. "المكيف" هنا هو العدو اللدود لـ "أنشودة المطر"، إنه الآلة التي تلغي الفصول، تلغي الدورة الحيوية من جدب وخصب، وتجعل كل شيء في درجة حرارة واحدة هي درجة الموت المريحة.

ويأتي إبراهيم طوقان ليكمل دائرة الفعل والمقاومة. حين نقرأ "أنا رافض التطبيع" في القصيدة، نسمع صدى طوقان في "الثلاثاء الحمراء": "يا شعبَنا، هَبَّتْ رياحُ الموتِ، هَبَّتْ لِتَحْصُدَ الأزهارَ والأغصانَ". طوقان لم يكتب عن التطبيع كمصطلح سياسي حديث، لكنه كتب عن الخيانة، عن بيع الأرض والعرض، وكتب عن الشعب الذي "يرضى الهوانَ". وفي حين يقول شاعرنا "أنا نخلةٌ شمّاءُ في دربِ الفِدا"، فهو يردد نشيد طوقان الخالد: "سأحيا كما شاءَ لي ضميري، وفكري، وأموتُ حرًّا كَشَجرِ الزَّيتون". النخلة الشماء وشجر الزيتون كلاهما رمز للثبات والتجذر في الأرض الحارة، رفض للاقتلاع، ورفض لأن يكون الجسد الجمعي مجرد "هواء بارد" يذروه الريح. إن نخلة الجليل في قصيدة حاتم جوعيه، وشجرة زيتون فلسطين في شعر طوقان، كلتاهما تقفان في وجه "المكيّف" كآلة للتبريد والنسيان، وتعلنان أن الجذور لا تبرد، بل تظل تنبض بالنسغ الحار حفرًا في جوف الأرض حتى قيام الساعة.

وبهذا الاستدعاء نقول: إن شعراء الأمة الكبار لم يكونوا مجرد أصوات جميلة، بل كانوا "مدافئ روحية" في عز شتاء الضياع، أتوا ليذكروا الجسد الجمعي بأن الحياة حرارة، وأن "المُكيّف"، بكل حمولاته الرمزية من الاستهلاك إلى التطبيع، ليس سوى سراب بارد يقودنا، بخطى وئيدة ومريحة، إلى كهف الثلج المشتعل الذي لا يحرق ليُطهر، بل يحرق ليُخفي الجثة ولا يترك أثرًا خلفه.

ثُمَّ تَتَشَعَّبُ القَصيدَةُ إلى ما يَبدو أنَّهُ مَوضوعاتٌ مُتَفَرِّقَة: الفَساد، الصَّحافَة، ضَياعُ المَقاييس، التَّطبيعُ، الخِيانَة. لَكِنَّ العَينَ الفاحِصَةَ تَكتَشِفُ أنَّها جَميعًا تَجَلِّياتٌ لِلمَرَضِ نَفسِه: مَرَضِ استِبدالِ الجَوهَرِ بِالمَظهَر، الحَقيقَةِ بِالوَهم، الحَرارَةِ بِالبُرودَة. حِينَ يَقولُ الصَّوتُ الجَمعيُّ "ونَرى القَميءَ على المَنابِرِ مُنشِدًا"، فإنَّهُ لا يَصِفُ حالَةً عابِرَة، بَل يُشَخِّصُ نِظامًا كامِلًا قائِمًا على تَربيعِ الدَّوائِر: الأرذَلُ في القِمَّة، والأنبَلُ في القاع. هذا النِّظامُ هُوَ نَفسُهُ الَّذي جَعَلَ "المُكيِّفَ" إلهًا، لأنَّ المَنطِقَ واحِد: تَغييبُ الحَقيقَةِ لِصالحِ الرّاحَة، ولَو كانَت راحَةَ المَوت.

لَقَد كانَ كِبارُ الشُّعَراءِ في عَصرِنا – أولئك الَّذينَ لَم يَصِفوا الواقِعَ بَل رَمَزوا إلَيه – يَعلَمونَ أنَّ قَصيدَةَ المَأساةِ الجَمعيَّةِ لا تَكونُ مُباشِرَةً ولا تَقاريريَّة، بَل تَكونُ كَالطَّوفانِ الَّذي يَحمِلُ كُلَّ شَيء: الطِّينَ والذَّهَب، الجُثَثَ والبُذور، العَفَنَ والعِطر. وهَكَذا تَجيءُ هَذِه القَصيدَةُ طُوفانًا لُغَويًّا يَجرُفُ في طَريقِهِ كُلَّ ما صادَفَهُ مِن تَناقُضاتِ العَصر، لا لِيُحَلِّلَها، بَل لِيَغمُرَها بِماءِ الغَضَبِ المُقَدَّس. الغَضَبُ هُنا لَيسَ شُعورًا فَرديًّا، بَل هُوَ غَضَبُ المَدفونينَ في المَقابِرِ الجَماعيَّة، غَضَبُ الأَجدادِ الَّذينَ ماتوا عَلى حَرارَةِ المَبادِئ لِيَأتيَ الأَحفادُ وَيَعبُدوا البُرودَة.

وفي قَلبِ هذا الطُّوفان، تَنهَضُ "الأنا" مِرارًا وتَكرارًا: أنا شاعِرُ الأَحرار، أنا رائِدُ التَّجديد، أنا العُرُوبَة، أنا صَوتُ شَعبي. إنَّها لَحظَةُ التَّجَلِّي الأَخيرَةُ لِلجَسَدِ الجَمعيِّ قَبلَ أن يَتَحَلَّل. عِندَما تَصِلُ الأمَّةُ إلى حافَّةِ الانقِراضِ الرُّوحيّ، عِندَما يَصيرُ النِّسيانُ هُوَ القاعِدَة، لا يَبقى إلّا صَوتٌ واحِدٌ يَجمَعُ كُلَّ الأَصواتِ المَقتولَةِ في حَنجَرَتِه. هَذا الصَّوتُ لَيسَ شَخصًا، بَل هُوَ ضَرورَةٌ تاريخيَّة. لَو لَم يوجَد لَوَجَبَ اختِراعُه. إنَّ إِلحاحَ الشّاعِرِ على تَعظيمِ ذاتِه هُوَ في الحَقيقَةِ إِلحاحٌ على تَعظيمِ فِكرَةِ الشّاعِرِ نَفسِها، فِكرَةِ الحارِسِ الأَخيرِ لِلذّاكِرَة. "أنا حارِسٌ تاريخَ شَعبي دائِمًا" – هذا لَيسَ افتِخارًا، بَل إعلانُ استِنفار، إعلانُ أنَّ الحارِسَ قَد بَلَغَ مِنَ التَّعَبِ مَبلَغًا يَجعَلُهُ يَصرُخُ اسْمَهُ في الظَّلامِ لِيَتَأَكَّدَ مِن أنَّهُ ما زالَ مَوجودًا.

ثُمَّ تَنتَقِلُ القَصيدَةُ إلى مَقطَعِ التَّطبيع، وهُنا يَحدُثُ أَعمَقُ تَحوُّلٍ في النَّصّ. فَجأَةً يَصيرُ المُكيِّفُ استِعارَةً سِياسيَّةً كامِلَة. التَّطبيعُ هُوَ أَيضًا تَبريد: تَبريدُ الغَضَبِ القَوميّ، تَبريدُ الذّاكِرَةِ التّاريخيَّة، تَبريدُ الدَّمِ الَّذي يَغلي في العُرُوق. "باعَ الكَرامَةَ أَتقَنَ التَّطبيلا" – التَّطبيلُ هُنا ضَجيجٌ أَجوَف، والعَجَبُ أنَّ الأَجوَفَ هُوَ ما يَملأُ الفَضاءَ في زَمَنِ التَّبريد. الحَقيقَةُ صامِتَةٌ لأنَّها ساخِنَة، والزَّيفُ صاخِبٌ لأنَّهُ بارِد. إنَّ المُمَرِّرينَ لِلتَّطبيعِ، في رُؤيَةِ الأنا الجَمعيَّة، هُم "مُفَشِّكونَ" و"مُكَبسِنون"، أي أَنَّهُم يُحَوِّلونَ الكَرامَةَ إلى أَزرارٍ تُضغَط، والعِزَّةَ إلى ضَوءٍ يَنطَفِئُ ويَشتَعِلُ بِريموت كُنتُرول. هَذا هُوَ مَصيرُ الإنسانِ في عَصرِ الأَجهِزَة: أن يَصيرَ هُوَ نَفسَهُ جِهازًا، يُشغَّلُ وَيُطفَأ.

وهَكَذا نَصِلُ إلى التَّناصِّ الأَخيرِ غَيرِ المَذكورِ في القَصيدَةِ لَكِنَّهُ يَظَلُّ يُحَلِّقُ فَوقَها كَطَيف: "أَلا في سَبيلِ المَجدِ ما أَنا فاعِلٌ" – لَكِنَّ المَجدَ هُنا لَم يَعُد فُتُوحًا وَلا قِتالاً، بَل صارَ مُقاوَمَةَ البُرودَةِ نَفسِها، صارَ رَفضَ التَّكيُّفِ (بِكِلا مَعنَيَيِ الكَلِمَة: التَّكيُّفِ مَعَ الحَرارَةِ الطَّبيعيَّة، والتَّكيُّفِ مَعَ الأَمرِ الواقِعِ السِّياسيّ). "أنا رافِضُ التَّطبيعِ" لَيست مَوقِفًا سِياسيًّا فَحَسب، بَل هِيَ امتِدادٌ عُضوِيٌّ لِرَفضِ عِبادَةِ المُكيِّف. إنَّها ثَنائِيَّةٌ عَميقَة: إِمّا أن تَكونَ حارًّا فتَحيا، وإِمّا أن تَكونَ بارِدًا فَتَموت. لا وَسَط. الحَياةُ حَرارَة، والمَوتُ بُرودَة، وكُلُّ ما بَينَهُما وَهمٌ مُكَيَّف.

والنَّصُّ لا يَكتَفي بِتَشخيصِ المَأساة، بَل يَصوغُ بَديلَهُ الجَماليَّ الخاصّ. في مُواجَهَةِ عالَمٍ يَعبُدُ البُرودَة، يَخلُقُ الشّاعِرُ شِعريَّةَ الحَرارَةِ المُضادَّة. "شِعرِي مَدى الأَزمانِ فَجرٌ ساطِع"، "آياتُ نورٍ رُتِّلَت تَرتيلا"، "أنا نَخلَةٌ شَمّاءُ في دَربِ الفِدا"، "وُرُودُ عُمري لا تَنالُ ذُبولا". في كُلِّ هَذِهِ الصُّوَرِ هُناكَ رَفضٌ لِلبُرودَة: الفَجرُ حارّ، النُّورُ حارّ، النَّخلَةُ صامِدَةٌ في حَرارَةِ الصَّحراء، الوُرُودُ تَتَعَنَّتُ في وَجهِ الذُّبولِ الَّذي هُوَ بُرودَةُ المَوت. حتّى "التِّرياقُ" الَّذي يَشفِي العَليلَ هُوَ سائِلٌ يَجري في العُرُوق، لا جامِدٌ يَتَكَسَّر. إنَّ البَديلَ الَّذي تَقتَرِحُهُ الأنا الجَمعيَّةُ هُوَ الحَياةُ نَفسُها في وَجهِ مَدِّ التَّجمُّد، هُوَ الدَّمُ في وَجهِ الفِريون، هُوَ القَصيدَةُ في وَجهِ الصَّمتِ الأَبيَضِ البارِد.

أَمّا خِتامُ القَصيدَةِ فَيَأتِي لِيَختِمَ دائِرَةَ الرُّمُوز: "أنا صَوتُ شَعبي، سَوفَ أَبقى لِلمَدى، غِرِّيدَهُ ونَشيدَهُ المَعسولا". الغِريدُ هُوَ الطَّيرُ المُغَرِّد، والطَّيرُ دَمُهُ حارّ، وَصَوتُهُ حارّ، وَحَرارَتُهُ هِيَ سِرُّ غِنائِه. وفي مُقابِلِ "المُكيِّف" الَّذي يَصُبُّ بُرودَتَهُ على الجُثَث، يَأتِي الغِناءُ كَيَفعَةِ حَياةٍ لا تَعرِفُ الكَهرباء. "المَعسول" – أَيِ المَمزوجُ بِالعَسَل، والعَسَلُ مادَّةٌ لا تَفسُد، لا تَتَجَمَّد، لا تَستَسلِمُ لِلبُرودَة. إنَّها رِسالَةُ القَصيدَةِ الأَخيرَة: لَقَد مَلأوا العالَمَ أَجهِزَةَ تَبريد، فَكونوا أَنتُمُ العَسَل. كُونوا ما لا يَجمُد. كُونوا ما لا يَموت.

وهَكَذا، ما بَينَ تَحيَّةِ "المُكيِّفِ" في البِدايَةِ ونَشيدِ "المَعسولِ" في النِّهايَة، تَقطَعُ الأنا الجَمعيَّةُ رِحلَتَها الكامِلَة: مِنَ الاستِسلامِ السّاخِرِ لِلوَهم، إلى استِعادَةِ الجَوهَر. إنَّها رِحلَةُ الجَسَدِ الَّذي اَكتَشَفَ أَنَّهُ ماتَ بِالتَّدريج، فَقَرَّرَ أن يَبعَثَ نَفسَهُ بِنَفسِه. والقَصيدَةُ في جَوهرِها لَيسَت إِلّا طَقسَ البَعثِ هذا: كَلامٌ يَرفُضُ التَّبريد، غَضَبٌ يَرفُضُ التَّجميل، حَقيقَةٌ تَرفُضُ التَّكيُّف. وإذا كانَ لِلقَصيدَةِ مِن رِسالَةٍ أَخيرَة، فَهيَ أَنَّ الشُّعوبَ مِثلَ الأَجساد: إِمّا أن تَظَلَّ ساخِنَةً بِالحَياةِ فَتَحيا، وإِمّا أن تَستَريحَ في بُرودَةِ المَوتِ فَتَموت. لا شَيءَ بَينَهُما سِوى وَهمِ المُكيِّف، ذاكَ الصَّنَمِ الأَبيَضِ الَّذي يَستَقبِلُ تَحايا العابِرينَ إلى العَدَم. 

طه دخل الله عبد الرحمن 

البعنه == الجليل 

11/08/2026 

****************** 

القصيدة: 

-  حَيِّ المُكيِّفَ - 


حَيِّ     المُكيِّفَ    بُكرةً    وأصيلا      عن   قولِ  حقِّ   لا  تكُنْ   مغلولا

( قُمْ     للمُكيِّفِ    وَفِّهِ     التَّبجيلا      لولاهُ   تقضي  في  الهجيرِ   قتيلا

" قُمْ    للمُكيِّفِ    وَفِّهِ    التَّبجيلا "      من  قالها  ما   كانَ   قطّ   جهُولا

قد   قالها  من   قبلِ  قوليَ   شاعرٌ      تركَ   القِلَى   والقالَ    ثمَّ    القِيلا 

هوَ   عالمٌ    بل   جَهبَذٌ   مُتمرِّسٌ       ما   قالهُ   بالصِّدقِ   كانَ    جميلا 

إنَّ     المُكيِّفَ    غايةٌ     مَنشودَةٌ       وبهِ    ننالُ     الخيرَ    والمَأمُولا 

إنَّ     المُكيِّفَ   مُنعِشٌ    لِنفوسِنا       لولاهُ   هذا   العيشُ    كانَ   وبيلا

في  موجةِ  الحرِّ  الشَّديدِ  وَخطبهِ       يحيي  النفوسَ  وَيُنعشُ  المَصْطُولا

والنّقصُ  في طبقاتِ  أوزون ٍ غدا      هذا    الوجودُ    جَهنَّمًا     مرذُولا

عصرُ  التَّقدمِ  والحضارةِ  قد  غدَا      العيشُ      فيهِ      نيرُهُ      لثقيلا 

ولكلِّ  خطبٍ  إنَّ  شعري   ساطعٌ       وبهِ    سأوقظ     أنفسًا     وَعقولا 

أنا  شاعرُ الشعراءِ   دون  منازعٍ       الشعرُ  من   بعدي   يُطيلُ   عويلا  

أنا شاعرُ الأحرارِ صوتُ  كفاحِهِمْ       ومناقبًا    مِنِّي    استقوا   وأصُولا 

أنا رائدُ التَّجديدِ  في العصرِ الحَدي      ثِ،  ومثلَ شعري لا  يرونَ  مثيلا  

شعرُ   الحداثةِ   لا    كلامٌ    مُبهَمٌ      بل    يوقظ    القِعديدَ    والمَخمُولا 

وَيُحرِّكُ  الثوراتِ   ضدَّ   الظالِمي      ن ... وَيرجعُ  المَسلوبَ  والمَأكُولا

شعري مدى الأزمانِ  فجرٌ ساطعٌ        آياتُ      نورٍ    رُتِّلتْ      ترتيلا

شعري  هوَ  الترياق  يبقى  للمدى       يشفي    المُتيّمَ      دائمًا    وعليلا

من  بعدِ  موتي  لا  كلامٌ  يُرتجَى       الفنُّ     يُصبحُ     زائفًا     مَنحُولا

تبقى عذارى الخُلدِ بعدي  في أسًى       تبكي على  فقدي .. تنوحُ   طويلا

واليومَ  أضحى كلُّ  مَسخٍ  شاعرًا       جعلوهُ     زيفًا    جَهبذًا    وَمَهُولا 

وصحافة ٌ صفراءُ أضحَتْ  عندنا       .. كمْ   تنشرُ   التَّدجيلَ   والتَّضليلا 

والداخلونَ  على  الصَّحافةِ   إنَّهُمْ        لا    يعرفونَ    النَّحوَ   والتَّشكيلا 

كم  من  حمارٍ  أخرقٍ  من  بينِهِمْ       رفعَ   المُضافَ    إليهِ    والمَفعُولا

هذي  نوادي العُهرِ تنضحُ  بالخَنا        وَتُكرِّمُ      المأفونَ      والمَخبُولا

هي  للمآبقِ   والمَخازي   والأذى       تستقطبُ     المَعتُوهَ      والمَهبُولا  

هيَ    مَعقِلٌ     لنذالةٍ     وعمالةٍ       تدعُو    إليها     أخرقًا     وَعميلا  

مِنِّي    ستلقى  كلَّ   هولٍ   عارمٍ       ما  زالَ  سيفي   صارمًا   وَصقيلا

سيفي   يُداوي  كلَّ  وغدٍ   أحمَقٍ       وَبهِ    سَأنهِضُ    خاملًا   وكسُولا

إنِّي أنا الرِّئبالُ  في  ساحِ  الوَغى       الكلُّ     يهربُ    خائفًا     مَذهُولا 

في  عصرِنا الآياتُ كم  قد  بُدِّلتْ       أضحَى   العميلُ   مُناضلًا   وَنبيلا   

في عصرِنا الأنذالُ صاروا  سادةً        أمَّا     الكرامُ      فنكّلوا     تنكيلا

هذا   زمانٌ   للأراذلِ    قد   غدَا       وَتمرَّغُوا في  نتنِ  الوُحولِ  طويلا

ونرى القميءَ  على المنابر مُنشِدًا       أضحَى  المُناضلُ   صيتهُ  مجهُولا

ونرى السَّفيهَ هُنا  لقد  جعلُوهُ   فنَّا       نًا      لإفسادٍ     وَضَلَّ      سبيلا

أضحى الشُّوَيعرُ   مُبدعًا  وَمُبجَّلًا      ( ركبَ   العميلُ   جوادَهُ   مَشكولا)

من    طينةٍ   فالكائناتُ   جميعُهَا       وأرى  المُمَخْرَقَ   بالخرَا   مجبُولا

بلْ عصرُ لكع وابنِ  لكع عصرُنا      عمَّ     الفسادُ     وأتقنوا     التَّدجيلا 

اللهُ      يُمهلُهُمْ،    يكونُ    مآلُهُمْ       حَطبَ   الجحيمِ    وُقودَهَا    وَفتيلا

قد سارَ  في  التَّطبيع  كلُّ   مُسَخَّمٍ      باعَ    الكرامةَ      أتقنَ     التَّطبيلا 

وجوائزُ   التّطبيعِ    تُمنحُ    للذي      خاضَ    العمالةَ     نابحًا    وذليلا 

تُعطى  لكلِّ " مُفشِّكٍ"  و"مُكَبسِن ٍ"     عاشَ     الحياةَ     مُنكَّسًا    ورذيلا

كلُّ   الوظائفِ  دون  نعلي   إنَّما      تُعطى  لِمَنْ  تحتَ الحضيضِ  نزولا

إنِّي أنا  العربيُّ  لا أخشَى  الرَّدى      أحيا   الكفاحَ   ولا   اطيقُ   خُمولا 

أنا  رافضُ  التَّطبيع.. نهجَ  حثالةٍ      تجدُ     العمالةَ    مسلكًا    وَوُصُولا 

أنا  حارسٌ  تاريخَ   شعبي  دائمًا       وَبقيتُ   وحدي  الناطقَ   المَسؤُولا

وانا  الكرامةُ  والمروءةُ   والنَّدى      وَعنِ   المبادئِ   لا   أرومُ   عدولا

في   ذمَّةِ   الأجيالِ  نهضة   أمَّةٍ       كنتُ     المنارَ    لمجدِهَا     وَدليلا

أنا شاعرُ الأحرارِ صوتُ كفاحِهِمْ      شعري  الحداثةُ  ما   بكيتُ   طلولا 

كم    فَدفَدٍ   وَحدي   بليلٍ   جُبتُهُ      وَلكم    قطعتُ    مفاوِزًا    وَسُهُولا

أنا  للأراذلِ  رُعبُهُمْ   ولهُمْ   هنا      جهَّزتُ   رمحي    سيفيَ   المَسلولا

وأنا  العروبةُ   صوتُها  ونشيدُهَا      وأرى   المعامعَ    مسرحًا    وَمقيلا

إنِّي أنا  الدُّوريُّ  في  وطنِ  الإبا      وأنا    المُقيمُ    وأرفضُ    التَّرحيلا 

أنا   نخلةٌ  شمَّاءُ  في دربِ  الفِدا       صدَّتْ  عواصفَ  قد  أتتْ  وسيولا

لمزابلِ   التاريخ     كلُّ    حُثالةٍ       وأنا       أظلُّ     مُبَجَّلًا     وجليلا 

ولشعبيَ   المَكلومِ   كنتُ   منارةً       دومًا     يراني    حلمَهُ     المأمُولا

فأنا      شبابٌ     خالدٌ     مُتألّقٌ       وورودُ   عمري  لا   تنالُ    ذبولا

مثلُ    الطبيعةِ     إنَّني    مُتجدِّدٌ       وأظلُّ    دومًا     فارسًا    وَجميلا 

إنِّي أنا  الصَّوتُ الذي  بهرَ الدُّنى       من  نورِ  فكري  كم  يرونَ  حُلولا

أنا صوتُ شعبي، سوفَ أبقى للمدى     غرِّيدَهُ       ونشيدَهُ       المَعسُولا

CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق