قراءةٌ نقديّةٌ في قصيدةِ «صراع الفصول» للشاعرِ المبدعِ "جورج عازار"/ ليلى صليبي




القراءةُ النقديةُ:

ترتكزُ قصيدةُ «صراع الفصول»  للشاعر القديرِ "جورج عازار" على ثنائيّةٍ شعريّةٍ لافتةٍ ،تجعلُ من الفصولِ أكثرَ من مجرّدِ ظواهرَ طبيعيةٍ؛ إذ تتحوّلُ إلى رموزٍ للزمنِ والعمرِ، وللأنوثةِ والذكورةِ، ولجدليةِ الشبابِ والنضجِ، والحضورِ والتأخّرِ. ومن هنا فإنَّ  الصراعَ الذي يوحي به العنوانُ لا يبقى صراعًا بين الربيعِ والخريفِ، بل يتّسعُ ليصبحَ صراعًا بين مرحلتين من العمرِ، وربّما بين قلبيْنِ جاءَ كلٌّ منهما إلى الآخرِ في توقيتٍ مختلفٍ.

يفتتحُ الشاعرُ القصيدةَ بصوتٍ أنثويٍّ يعلنُ انتماءَه إلى الربيعِ:

«أنا لون الخضرة / وزرقة البحر / ولِفضاءات المدى / أنا الفيروز».

فاللونُ هنا ليس زينةً بصريةً فحسب، وإنّما علامةٌ على الخصوبةِ والانفتاحِ والحياةِ. الربيعُ يتكلمُ بلسانِ امرأةٍ تختزنُ في صورتِها الخضرةَ والبحرَ والفضاءَ والفيروزَ ، وهي كلُها مفرداتٌ ذاتُ طاقةٍ رمزيةٍ عاليةٍ، توحي بالنقاءِ والاتساعِ والتجدّدِ.

لكنَّ  هذا الربيعَ يضعُ نفسَه في مواجهةِ الخريفِ:

«أنا الربيع وأنت الخريف / محالٌ أن نلتقي».

وهنا تتبلورُ ثنائيةُ القصيدةِ الأساسيةِ: أنا/أنت، الربيع/الخريف، الذهب/الفضة، الحضور/الغياب، البداية/النهاية. إلاّ أنَّ الشاعرَ لا يجعلُ هذه الثنائياتِ مجرّدَ تناقضاتٍ سطحيةٍ، بل يمنحُها بعدًا فلسفيًّا؛ فالاختلافُ بين الطرفيْنِ هو في جوهرِه اختلافٌ في إيقاعِ العمرِ.

أمّا صوتُ الرجلِ، فيأتي أكثرَ تأملًا وخبرةً، وكأنّه لا يريدُ أن يدافعَ عن الخريفِ بقدرِ ما يريدُ أن يكشفَ حكمتَه. يقولُ:

«تحسب البراعم أن الفناء

من جنباتها لا يقترب

وأن يوم الذبول

أبدًا لا يجيء»

وهذه من أجملِ مناطقِ النصِّ دلاليًّا؛ لأنَّ الشاعرَ ينتقلُ من وصفِ الفصلِ إلى تأمّلِ قانونِ الوجودِ. فالبراعمُ، رمزُ البداياتِ، تحملُ وهمَ الديمومةِ، بينما الذبولُ حقيقةٌ لا يمكنُ تأجيلُها. ومن ثمَّ يصبحُ الخريفُ ليس نقيضًا للربيعِ، بل مرحلةً ضروريةً في دورةِ الحياةِ.

وتزدادُ شخصيةُ المتكلمِ عمقًا حين يقولُ:

«أنا جذوةٌ من لهيبٍ

أتجلّى وأبانُ

حين من أوكاره

يفرُّ الرماد»

فالرمادُ هنا استعارةٌ لما استهلكَه الزمنُ، بينما الجذوةُ هي الطاقةُ الباقيةُ تحتَ رمادِ التجربةِ. وهذا المعنى يتأكّدُ لاحقًا في قولِه:

«فالجَنانُ لا يخمدُ

والحُنوُّ في الأعماق

أبدًا لا يخيبُ»

فإذا كانَ الجسدُ يخضعُ للزمنِ، فإنَّ القلبَ، في رؤيةِ الشاعرِ، يمتلكُ زمنًا آخرَ لا تحكمُه قوانينُ العمرِ ذاتُها. وهنا يبلغُ النصُّ واحدةً من أكثرِ أفكارِه جمالًا: قد يشيبُ السالفُ، لكنَّ الجنانَ لا يشيبُ بالضرورةِ.

ويحضرُ السنديانُ كونُه رمزًا مركزيًّا للنضجِ والثباتِ:

«والسنديانُ وإنْ قستْ عليه السنونُ

سنديانًا يظلُّ»

إنّها صورةٌ تختصرُ فلسفةَ القصيدةِ كلِها تقريبًا: الزمنُ قادرٌ على تغييرِ الملامحِ، لكنَّه ليس بالضرورةِ قادرًا على اقتلاعِ جوهرِ الإنسانِ. فالصلابةُ الحقيقيّةُ ليستْ في مقاومةِ السنين، بل في الاحتفاظِ بالقدرةِ على الحبِّ والحنوِّ والحلمِ رغمَ مرورِها.

وفي القسمِ الأخيرِ تنتقلُ القصيدةُ من الحوارِ المجازي إلى اعترافٍ عاطفيٍّ بالغِ الرهافةِ. فالمتكلمُ يقولُ:

«أغافلُ الأقدارَ حين تغفو

وأسرقُ عمرًا

كي أدنوَ من السحرِ في العيون»

هنا يتكشّفُ أنَّ الصراعَ بين الفصولِ يخفي صراعًا أكثرَ إنسانيةً: رغبةً في اختلاسِ لحظةٍ من الزمنِ قبلَ أن يغلقَ أبوابَه، ويصبحُ العمرَ ثوبًا عتيقًا يحاولُ المتكلّمُ أن «يرفأه»، أي أن يصلحَ تمزقاتِه، كي لا تضيعَ منه بقايا السنين.

وتبلغُ القصيدةُ ذروتَها في سؤالِها الوجودي:

«هل أبطأتِ في القدوم

أو أنني قبل الأوان قد أتيتُ؟»

إنّه سؤالٌ شديدُ الدلالةِ؛ فالمأساةُ ليستْ بالضرورةِ في غيابِ الحبِّ، وإنّما في اختلالِ التوقيتِ. وربّما كانت هذه أعمقَ فكرةٍ في النصِّ: قد يلتقي الإنسانُ بمن يشبهُه، ويجدُ فيه السحرَ الذي انتظرَه طويلًا، لكنَّ اللقاءَ يأتي في الفصلِ الخطأِ من العمرِ.

أمّا الخاتمةُ

«ليتكِ كنتِ قد أبكرتِ

وليت قطار عمري

من أجلكِ

كان قد تأخر»

فهي خاتمةٌ موفّقةٌ عاطفيًّا؛ لأنَّها تعيدُ الزمنَ إلى مركزِ القصيدةِ. فالقطارُ استعارةٌ مألوفةٌ للرحيلِ والعمرِ، لكنَّ الشاعرَ يمنحُها هنا وظيفةً وجدانيّةً: يتمنّى لو أنَّ  الزمنَ نفسَه أعادَ ترتيبَ مواعيدِه كي يصبحَ  اللقاءُ ممكنًا.

ومن النّاحيةِ الفنيّةِ، تتميّزُ القصيدةُ  بالتّشخيصِ؛ إذ جعلَ الشاعرُ الفصولَ شخصياتٍ تتكلّمُ وتجادلُ وتحبُّ وتتألّمُ، كما تعتمدُ على شبكةٍ غنيّةٍ من الرموزِ: الربيع، الخريف، الشتاء، الذهب، الفضة، البراعم، الرماد، السنديان، القطار، الشاطئ. وهذه الرموزُ لا تأتي منفصلةً، بل تتآزرُ لتشكيلِ بنيةٍ دلاليّةٍ واحدةٍ محورُها الزمنُ.

كما أنَّ الانتقالَ من خطابِ المرأةِ إلى خطابِ الرجلِ يمنحُ النصَّ طابعًا دراميًّا حواريًّا، ويجعلُ القارئَ أمامَ مشهدٍ شعريٍّ يتطوّرُ تدريجيًّا من المجادلةِ إلى المصارحةِ  ثُمَّ إلى الندمِ. ولعلَّ جمالَ التجربةِ يكمنُ في أنَّ كلَّ طرفٍ يمتلكُ حجّتَه: هي ترى اختلافَ الفصولُ سببًا للاستحالةِ، وهو يرى أنَّ اختلافَها يمكنُ أن يكونَ تكاملًا، وأنَّ قيمةَ الإنسانِ لا تُقاسُ فقط بما تبقى من عمرِه، بل بما بقيَ في قلبِه من قدرةٍ على الحبِّ.

«صراع الفصول» في جوهرِها قصيدةٌ عن الإنسانِ حينَ يقفُ أمامَ مرآةِ الزمنِ، فيكتشفُ أنَّ الفصولَ لا تتصارعُ خارجَه فقط، بل تتعاقبُ داخلَه أيضًا. الربيعُ هو ما نحلمُ به، والخريفُ هو ما نحملُه من ذاكرةٍ، والشتاءُ هو ما يعترضُ الطريقَ، أمّا الحبُّ فهو تلك المحاولةُ الأخيرةُ لتأجيلِ الرحيلِ.

نصٌّ يزاوجُ بين الصورةِ الطبيعيةِ والتأمّلِ الوجودي والبوحِ العاطفي، ويتركُ خلفَه سؤالًا موجعًا وجميلًا في آنٍ معًا: هل أخطأْنا في الحبِّ، أم أخطأْنا فقط في موعدِ الوصولِ؟

وهنا تكمنُ قوّةُ  النصِّ الحقيقيةِ: أنْ يجعلَ من اختلافِ الفصولِ استعارةً لاختلافِ المواعيدِ، ومن الزمنِ خصمًا لا يُهزمُ، إلاَّ للحظاتٍ، بالكلمةِ والحبِّ.

كلُّ الشكرِ والتقديرِ للشاعرِ السامقِ  "جورج عازار "على قصيدتِه الجميلةِ «صراع الفصول»، بما حملتْه من صورٍ شعريّةٍ آسرةٍ ورؤيةٍ نابضةٍ بالجمالِ. دامَ حرفُكَ متألقًا وإبداعُكَ متجددًا. 

كلُّ المودّةِ والتقديرِ🌹 بقلم الاديبة والناقدة اللبنانية: ليلى صليبي


نص قصيدة الشاعر جورج عازار

صِراعُ الفُصولِ


قالت: أنا لونُ الخُضرةِ

وزرقةُ البَحرِ

ولفضاءاتِ المَدى

أنا الفيروزُ


عاريةً في عُهودِكَ

كُلُّ الأشجارِ تَصيرُ

وخيامُ الصُّفرةِ على المَسكونةِ

سُدولٌ

والأزاهيرُ في أَحكامِكَ

هلاكٌ وحُتوفٌ


أنا الربيعُ وأنتَ الخَريفُ

مُحالٌ أن نلتقي

وفَصلُ الشِّتاءِ

بين الضِّفافِ يَحولُ

ذهبٌ أنا

وأنتَ الفِضَّةُ

والذهبُ والفِضَّةُ

في كُلِّ الدُّهورِ

تنابذٌ وخِصامٌ


قال:

تَحسَبُ البَراعِم أنَّ الفَناءِ

من جَنَباَتِها لا يَقتربُ

وأنَّ يومَ الذُّبولِ

أبداً لا يَجيءُ


أنا للصقيعِ الكَانونُ

وفي العواصِفِ الهوجاءِ خبيرٌ

أنا جذوةٌ من لهيبٍ

أتَجلَّى وأَبانُ

حينَ من أوكارِهِ

يفرُّ الرَّمادُ


أنا لِجموحِ الخَيلِ المُروِّضُ

وأنا للأفراسِ خيّالٌ

إنْ تَزعُمي ولَّى زماني

والدهرُ لي ظَهرَ المِجنِ قَد أدارَ

فاعلمي أنَّ الطِّيباتِ

ما لم تكتملْ

لا تطيبُ

والسُنديانُ وإنْ قَسَتْ عليه السُّنونُ

سندياناً يَظلُّ


أنا القلبُ والُّلبُ

والبلسَمُ حينَ النَّوائبُ تَحومُ

إنْ كانَ السَّالفُ

منِّي يَشيبُ

فالجَنانُ لا يَخَمدُ

والحُنو في الأعمَاقِ

أبداً لا يَخيبُ


أُغافلُ الأقدارَ حين تَغفو

وأسرقُ عمراً

كي أدنوَ من السِحرِ في العُيونِ

أَرْفَأُ ثَوبَ العُمرِ العَتيقِ

كي لا تتوهُ مِنهُ

بَقايا سنينَ العُمرِ

على ذاكَ الطَّريقِ

أرنو إلى الشَّاطىءِ البَعيدِ

ومن غيرِمجدافٍ

والحَسَراتُ تأكلُ بنهمٍ

سَريرتي

هل أبطاتِ في القُدومِ

أو أنني قبلَ الآوانِ قَد أتيتُ؟

ليتكِ كُنتِ قد أبكرتِ

وليتَ قِطارُ عُمري

من أجلكِ 

كانَ قَد تأخَّرَ

بقلمي : جورج عازار


CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق