«إن البلاد تستحق نقاشاً واعياً حول الهجرة، لا نقاشاً يبدأ بالأرقام»
السيناتور المستقل ديفيد بوكوك
الأسبوع الماضي، أفرجت حكومة حزب العمال الفيدرالية عن برامجها بخصوص سياسة الهجرة، والتي تأخرت لأكثر من شهر بسبب الخلافات داخل الأجنحة الحزبية، خصوصاً ما يتعلق بأعداد اللاجئين والحالات الإنسانية؛ حيث تستقبل أستراليا سنوياً 20.000 لاجئ والتي عارض جناح اليسار تخفيضها.
في مؤتمره الصحافي الذي عقد في نادي الصحافة لإطلاق برنامج الهجرة الحكومي الجديد، أعلن وزير الهجرة والشؤون الداخلية طوني بورك، عن سياسة متشددة تحاكي ما قام به جان هاورد عام 2001 خلال أزمة سفينة "تامبا" حين أطلق تصريحه الشهيرعند إطلاق حملته الانتخابية: "نحن من يقرر من يأتي إلى هذا البلد، والظروف التي يأتي في ظلها".
بورك لم يستخدم طريقة هاورد المباشرة في الخطاب، ولكن في كلمته، وتحت عنوان: "إدارة برنامج الهجرة قال نحن من يقرر: من يصل، ومن يبقى، ومن يغادر" قال بورك بأن الحكومة ستطبق تدابير جديدة لضمان مغادرة الأشخاص الذين لا يحملون تأشيرات سارية للبلاد. وتشمل هذه التدابير خططاً لتحويل منشأة سابقة للحجر الصحي في ملبورن إلى مركز احتجاز، وتعيين 100 موظف إضافي لضمان الامتثال للقوانين.
وصرح بورك بأن حزب العمال سيحافظ على ضبط نظام الهجرة، مع معاملة الأفراد بالإنصاف والاحترام اللذين يتوقعهما الشعب الأسترالي. وأضاف أن الحكومة تدعم الهجرة، لكنها تعارض أي شخص يتلاعب بنظام الهجرة أو يسيء استخدامه.
واعتبر بورك أنّ هدف هذه الإصلاحات هو ضمان توجيه نظام الهجرة لدينا بشكل أفضل ليلبي الاحتياجات الراهنة لأستراليا، ووصف الغالبية العظمى ممن يأتون إلى أستراليا بأنهم ضيوف طيبون في بلادنا.
وقد كشف وزير الشؤون الداخلية، توني بورك، عن تغييرات طال انتظارها في قواعد الهجرة، متعهداً بخفض صافي الهجرة
الخارجية إلى 245 ألفاً خلال السنة المالية الحالية، وإلى 225 ألفاً في عام 2027-2028.
وقال بورك: "نحن بحاجة بالفعل إلى خفض صافي الهجرة الخارجية، علينا ضمان التعامل مع الأعداد الإجمالية، والقيام بذلك بأسلوب عقلاني ومُوجَّه يتيح المسار الأسهل عبر الاقتصاد الأسترالي.
وحسب الخطة سيتم إعطاء الأولوية لمقدمي طلبات التأشيرة الذين يمتلكون مهارات مطلوبة في سوق العمل، بما في ذلك مجالات الرعاية الصحية، والبناء، والتعليم، وإنفاذ القانون.
ستطال التغييرات التي أقرها حزب العمال بشأن الهجرة فئة الرحالة (المسافرين بحقائب الظهر) العاملين في القطاع الزراعي؛ حيث صرّح الوزير بورك بأن الحكومة ستُعدّل قواعد تأشيرات "العمل والعطلة" لتطبيق نظام القرعة فيما يتعلق بالسنتين الثانية والثالثة، وهو نظام سيتطلب كشرط مسبق إتمام العمل في المناطق الإقليمية.
وسُيعفى العمال القادمون من المملكة المتحدة في إطار برنامج "العمل والعطلة" من القيود العددية ومتطلبات العمل في المناطق الريفية، وذلك بموجب اتفاقية التجارة الحرة المبرمة مع أستراليا.
أما المواطنون الأجانب المقيمون في أستراليا دون تأشيرة سارية، والذين يُقدّر عددهم بحدود 80 ألفاً، فسيواجهون إجراءات جديدة تهدف إلى إجبارهم على مغادرة البلاد.
وسيمنع الطلاب الاجانب من تمديد إقامتهم إلى أجل غير مسمى أو تغيير نوع التأشيرة، الا إذا كان الهدف تحصيلاً علمياً أعلى، وبموجب هذه التغييرات الأخيرة، سيتعين على الغالبية العظمى من الطلاب القدوم بمفردهم، الا في حالات محدودة حيث كان في السابق بإمكانهم إصطحاب عائلاتهم، في العام الماضي أحضر45 الفاً من أصل 337 ألف طالب أفراد عائلاتهم.
تعتبر هذه الخطة أهم تحرك لحزب العمال للسيطرة على ملف الهجرة سياسياً، في وقت دخل فيه الحزب في سباق شعبوي نحو الهاوية مع حزب «أمة واحدة» بزعامة بولين هانسون، والذي ينوي تخفيض أعداد المهاجرين بمقدار 750 ألفاً خلال ثلاث سنوات، والوصول بالعدد إلى 130 ألفاً سنوياً. ويرى حزب «أمة واحدة» الذي ما زالت أسهمه الانتخابية ترتفع في استطلاعات الرأي العام أن أعداد الهجرة هي المسؤول الأول عن أزمة الإسكان في البلاد.
ولم تعلن المعارضة الفيدرالية أو الائتلاف (الأحرار – الوطني) حتى الأن عن سياسته الخاصة بالهجرة، ولكن زعيم المعارضة أنغس تايلر ربط عدد المهاجرين مباشرة بأزمة الاسكان وتتحدث المعارضة عن تخفيض العدد السنوي للمهاجرين الى 160 الفاً، والملفت في خطة بورك انه لاول مرة ربط حزب العمال بين اعداد المهاجرين وازمة الإسكان، مع تأكيده أن الهجرة ليست السبب الرئيسي للأزمة.
وقد تباينت ردود الفعل حول برنامج حزب العمال للهجرة؛ حيث أعلنت نائبة زعيم المعارضة الفيدرالية، جين هيوم، بأن سياسة الهجرة التي يتبعها الحزب تتسم بـ «الفوضى وانعدام الاتساق»، مؤكدة أنه لا يمكن تأييدها دون تقديم مزيد من التفاصيل.
وكان رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي قد سعى خلال محادثات أجراها مع زعيم المعارضة أنغوس تايلور، إلى كسب تأييد الائتلاف" لإجراء تغييرات تشريعية في ملف الهجرة، بيد أن تلك الجهود لم تُفضِ إلى اتفاق."
وقد أثارت خطوة الحكومة الفيدرالية المتمثلة في إعادة فتح مراكز احتجاز للمخالفين الذين تجاوزوا مدة إقامتهم ، ووضعهم تحت إشراف مسؤولي تنفيذ القوانين الذين اعلن بورك عن تعيينهم مقارنات من جانب حزب الخضر ونشطاء حقوقيين بحملة القمع الواسعة التي شنها دونالد ترامب ضد المهاجرين في الولايات المتحدة.
حزب الخضر هاجم الخطة الجديدة بوصفها سياسة تعود إلى «حقبة توني أبوت»، معتبراً إنها تندرج في إطار «السباق نحو الهاوية مع حزب أمة واحدة.
وكان لرئيس حكومة ولاية جنوب أستراليا العمالي، بيتر مالينوسكاس، المقاربة ذاتها؛ حيث اعتبر أن النقاش السياسي الدائر حول خفض معدلات الهجرة بات بمثابة «سباق نحو الهاوية» مع حزب أمة واحدة.
وأعتبر"مركز موارد طالبي اللجوء" أن غياب الوضوح بشأن ما إذا كانت ستُفرض قيود زمنية على طالبي اللجوء في أستراليا، يُظهر أن المهاجرين واللاجئين لا يزالون يُستخدمون كـ "أهداف سهلة للمزايدات السياسية".
الرئيس التنفيذي لمجلس الأعمال الأسترالية بران بلاك رحب بالبرنامج والتغييرات الجديدة، لكنه أعرب عن قلقه من أن النظام الجديد قد يجعل استقطاب فئات معينة من العمالة الماهرة بسرعة أمراً أكثر صعوبة.
ودعا الرئيس التنفيذي لغرفة التجارة والصناعة الأسترالية، أندرو ماكيلار ، إلى وضع حد لـ «السباق نحو خفض أعداد المهاجرين»، محذراً من أن قطاع الأعمال بحاجة ماسة إلى استقطاب العمالة الماهرة من الخارج,
وأضاف قائلاً: "نحن لا نعاني من مشكلة تتعلق بالهجرة في أستراليا؛ بل لدينا أزمة إسكان ونقص في المهارات. هذه هي المشكلات التي يتعين علينا معالجتها، ولا يمكن حل هذه المشاكل بالمقاربات قصيرة النظر التي تضر بالاقتصاد. إذ إنها تمثل خطوطاً حمراء بالنسبة لقطاع الأعمال".
وفي مقال تحليلي نشر في الغارديان 20/9/2026 قالت سانماتي فيرنا: ان العلة أعمق من صعود حزب أمة واحدة وسياسيات التظلم.
كما أشارت إلى أن جعل الهجرة كبش فداء للمظالم الاقتصادية لا يعني فقط التخلي عن اللاجئين والمهاجرين ليواجهوا دوائر لا تنتهي من اللوم، بل يعني أيضاً ترك الطبقة العاملة تواجه الظروف ذاتها التي ولّدت تلك المظالم في المقام الأول.
من المعروف أن سياسات الهجرة شكلت وما زالت ركيزة للاقتصاد الأسترالي، وكما يقول المحلل السياسي في صحيفة "كرايكي" الأسترالية، برنار كين، فإن الحرب السياسية الدائرة حول الهجرة لا تستند إلى أدلة موضوعية، بل إلى مجرد شعارات: شعارات يرددها حزب "أمة واحدة"، والإئتلاف وحزب العمال في مقاربة هي اعتماداً محضاً على دغدغة المزاج الانتخابي...
ويضيف كين قائلاً: أننا نقنع أنفسنا بتبنّي خيارات تتسم بالغباء فيما يتعلق بالهجرة، والاقتصاد، والدفاع، والميزانية، وأزمة المناخ. فالكلام سهلٌ ولا يكلّف شيئاً، أما السياسات السيئة، فلم تقم حتى على أساس من الحوار؛ ويضرب مثلاً على ذلك عن إتفاقية أوكس لشراء الغواصات العاملة بالطاقة النووية (كلفتها 368 مليار دولار) حيث رفضت الحكومة بإصرار تقديم أي مبرر أو مسوّغ لاتفاقية "أوكوس" أو الكشف عن أي تفاصيل بشأن أوجه إنفاق أموال دافعي الضرائب.
وبالمناسبة، فإن تحويل بعض مراكز الحجر الصحي إلى مراكز احتجاز من قِبل حكومة العمال لا يشكل مفاجأة؛ فحزب العمال هو أول من أرسى سياسة الاحتجاز الإلزامي لطالبي اللجوء في عهد حكومة بول كيتينغ، كما تبنى رؤساء حكومات عمالية لاحقون خيار نقل تلك المراكز إلى ناورو وغيرها من جزر المحيط الهادئ، وهو النهج الذي أسسه حزب الأحرار في البداية.
ونشير هنا إلى أن الحكومة الفيدرالية واجهت انتقادات لتعاقدها مع شركات أمنية خاصة (أم تي سي) لإدارة مراكز الاحتجاز، وسط تشبيهات بحملات الترحيل التي تقودها وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية (أيس) وعندما سُئل الوزير توني بورك عن هذا الأمر، أكد أن المقاربة الأسترالية تختلف تماماً عن مقاربة إدارة دونالد ترامب.
وختاماً، فإن سياسة الهجرة والمقاربات السياسية المتبناة من كافة الأحزاب الكبرى العمال والائتلاف (الأحرار والوطني)
وحزب أمة واحدة ما عدا حزب الخضر، تؤكد أنَّ هذه القوى تسعى، لأسباب محض انتخابية وشعبوية، إلى جعل المهاجرين كبش فداء على مذبح مصالحها السياسية.




0 comments:
إرسال تعليق