في عام 2020 وأنا أعد كتاب "بلاغة الصنعة الشعرية" قرأت ثلاثة كتب للناقد الثقافي عبد الله الغذامي، وهي كتبه الأساسية في التنظير لمشروعه النقدي الفلسفي، وهي كتاب "النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية"، و"المرأة واللغة"، و"تأنيث القصيدة والقارئ المختلف"، ثم رغبت أكثر في معرفة هذا المسرب المعرفي، فقرأت العدد الذي أعدته مجلة فصول المصرية عن النقد الثقافي (العدد 99، ربيع 2017)، وهو "مدونة نقدية كبرى" شارحة ومجادلة لأفكار النقد الثقافي وأفكار الغذامي بشكل خاص، فتعمقت المعرفة والتفريق ما بين النقد الثقافي والدراسات الثقافية، والنقد الثقافي في طرح الغذامي والنقد الثقافي في طروحات أخرى، خاصة بعد أن قرأت كتاب "النقد الثقافي تمهيد مبدئي للمفاهيم الرئيسية" للناقد أرثر أيزابرجر، ما جعل نظرية الغذامي بالنسبة إليّ مشروعاً نقديا مائزاً ومكتملا، ولعله المشروع الثاني بعد نظرية النظم لعبد القاهر الجرجاني الذي ولد عربيا صرفاً نابعا من صميم الثقافة العربية، نظرية لها مصطلحاتها الخاصة بمفاهيم نقدية وفلسفية عربية، ذات مرجعيات معرفية أصيلة غير مجتلبة لا بالترجمة ولا بالتأثر، وما يسرده من أمثلة من غير الثقافة العربية يبين أن هذه النظرية بمصطلحاتها وإجراءاتها التفكيكية صالحة للتعميم على كل ثقافة شرقية وغربية، لأن ما أبرزه الغذامي كان هذه القاعدة العامة "لكل شعب نسقه وما رًبي عليه في لا وعيه ويتصرف بناء عليه ويتحكم به من حيث لا يدري".
وبعد أن درست شعر المرأة منطلقا من مقولات الغذامي بخطوطها العامة في كتاب "بلاغة الصنعة الشعرية"، عدت إلى لب تلك الأفكار عندما كتبت عن الشاعرة العمانية "عائشة السيفي" مقالاً بعنوان "أمير الشعراء ومحاولة كسر النسق الثقافي" على إثر فوزها بجائزة أمير الشعراء متحدثا عن "الفحولة" و"النسق الثقافي" الذي حكم كثيراً من مفاصل تلك القضية.
وقبل أن أكتب عن السيفي قرأت كتابين آخرين للغذامي وكتبت فيهما مراجعتين وهما: "اللابس المتلبس من أوراق أبي الطيب المتنبي" وكتاب "ماذا لو كنت مخطئاً"، وأخيرا عندما كتب د. إياس الصائغ مراجعته في كتابي "الفنتازيا الإسلامية- ميتافيزيقيا السرد الإسلامي"، وبناها على مبادئ الغذامي الخمسة في النقد الثقافي، عدت إلى كتابه "إشكالات النقد الثقافي: أسئلة في النظرية والتطبيق" بعد أن أصغيت إلى الناقد نفسه وإلى المداخلات النقدية المخصصة لهذا الكتاب في اللقاء الذي بثته عبر الزوم منصة رسول عدنان للأدب (27 أيلول 2026). قرأت الكتاب وأنعش ذاكرتي النقد- ثقافية في الخطوط العريضة لمشروع الغذامي، وعليّ أن أعترف في هذا المقام أن الغذامي هو أستاذي، بكل ما تعني الكلمة من حب الطالب لمعلمه، ومن "شرف التتلمذ" على أفكاره والسير على خطاه والتأثر به، حيث إنني لم أدرس هذا النوع من النقد ولم أسمع به خلال دراستي الجامعية الأولى والثانية ما بين عامي (1991- 1999)، وتلقيته من الغذامي كتباً ومقالات ومحاضرات ولقاءات.
لم يكن الغذامي في هذا الكتاب "إشكالات النقد الثقافي" منظرا بقدر ما كان شارحاً، وأحال القارئ على كتبه السابقة كثيراً، ولذا فإنه يؤكد ما هو مؤكد، ويبرهن على ما هو كائن ومتحقق، وعلى الرغم من ذلك إلا أن الكتاب لفت انتباهي إلى مسائل مهمة، وخاصة تعريفه للجملة وتفريقه بين أنواعها التي يقترحها، وقد انقسمت عنده بشكل صريح إلى جملة نحوية، وجملة أدبية بلاغية، وجملة ثقافية، ولكل نوع مفهوم، وغاية، وحضور في الكتاب، ومن خلال ما طرحه من مسائل أيضاً فإنني لمحت أنواعاً أخرى من الجمل، يسوق أمثلة عليها دون أن يمنطقها ضمن المنطق نفسه، فقد لمحت شيئا من "الجملة الفلسفية"، "والجملة الإجرائية" و"الجملة العلمية"، وعلى المنوال نفسه فقد غابت "الجملة الدينية" و"الجملة التاريخية".
لن أتوقف كثيراً عند "الجملة التاريخية" التي ربما يدخلها الناقد نفسه في "الجملة الثقافية"، لكن عند التعمق في أفكار الغذامي، ربما استطاع الدارس أن يكوّن مفهوما عاما للجملة التاريخية التي تستمد وعيها من تجارب التاريخ عامة كمقولات أصحاب التاريخ والمغرمين بفلسفته من مثل تلك الجملة المشهورة "التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة وفي المرة الثانية كمهزلة"، أو حتى الاكتفاء بشقها الأول "التاريخ يعيد نفسه"، فما يشكل هذه الجملة هو أحداث التاريخ نفسه، لا تراكم الخبرة عند شعب من الشعوب، وكثيرا ما توظف في سياقات للتاريخ علاقة مباشرة فيها.
أما "الجملة الدينية" فلم يدخلها الغذامي ضمن تصنيفاته، وتجنب- ربما على نحو مقصود- أن يناقشها، تلك الجملة التي أراها صيغت بطريقة مذهلة متحررة من راهنيتها، ومن خضوعها للنسق الثقافي الذي جاء النص الديني ليستبدل تلك الأنساق الغائرة في الوعي ليُحل محلها أنساقا عقدية غير قبلية، وغير طبقية، وغير جنسانية كذلك.
فلعله انطلاقا من تعريفه "للجملة الثقافية" واستقرارها في الوعي العام الجمعي، لم ترقَ الجملة الدينية لأن تصبح "جملة ثقافية بديلة"، لكنها يمكن أن تعد مرجعا أخلاقيا وفلسفيا للسلوك وللقول، فهل لم يستطع النص الديني عبر أكثر من أربعة عشر قرنا أن يشكل "جملة ثقافية" للأمة؟ إنها إذاً كارثة مزدوجة، كارثة على المستوى النصي للقرآن الكريم، وعلى مستوى المتلقين لهذا النص المؤمنين به، فلم يؤثر فيهم هذا النص التأثير المطلوب، ولم يكونوا على استعداد للتغيير كما قال سبحانه "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" هذه الآية التي يمكن أن تشكل جملة دينية قوية التأثير إن لم تكن جملة ثقافية عابرة للوعي ومغيرة له.
وبقي احتمال آخر لاستبعاد الغذامي للنص الديني واعتبار ما فيه من منطلقات وعي تأسيسي هو ربما اعتبار الغذامي النقد علمانياً دنيوياً، وهذه فكرة شائعة لدى النقاد ويتصرفون بناء عليها، وسبق أن صرح بها الناقد الثقافي (حقل الدراسات الثقافية) إدوارد سعيد في كتابه " The World, the Text, and the Critic" الذي ترجم إلى "العالم والنص والناقد" في بداية كتابه هذا، وبهذا التأسيس أيضا فإن "الجملة الثقافية" هي جملة ذات إنتاج بشري تختلف اختلافا جوهريا عن "الجملة الدينية" ذات المنشأ الإلهي، وغير خاضعة للعقلية البشرية، فهي كاملة ولا تشير إلى عيب نسقي في التفكير والتصرف، عكس الجملة الثقافية التي تفضح العيب النسقي، كما يصرح الغذامي وكما هو واقع الحال في الجمل الثقافية التي تمثّل بها وشرحها، عدا جملة "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، إلا أن الجملة الثقافية أيضاً كما تعبر عن وعي المتحدث بها، يمكن أن تعبر عن وعي المخاطبين، والنص القرآني، نص خطابي وحجاجي، يفضح عقلية البشر في مستويات ثلاثة: في العادات والتقاليد، وفي التصرفات المعيشية، وفي الاعتقادات الدينية عند الفئات الثلاث: المؤمنين، والمنافقين، والكفار، وفيه الكثير من الجمل الإجرائية التي صيغت على شكل أوامر ونواهٍ كقوله تعالى: "وإن فئتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى، فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله"، وعلى الرغم من إجرائيتها إلا أنها تحمل نسقا ثقافياً "الصلح بين المؤمنين المقتتلين واجب مجتمعي"، ولكن أين النسقية في الجملة؟ إنها تراعي الممكن المتوقع من أحوال البشر حتى ولو كانوا مؤمنين فقد يقع بينهم قتال، والقتال علامة على الاختلاف، والاختلاف طبيعة البشر، فهو رجع لنسق إنساني أعم من جماعة المؤمنين المخاطبين وقت نزول الآيات، إذاً، فهذه الآية تمثل حسب نظرية الغذامي تأسيساً لوعي ثقافي ذي مرجع ديني ثابت، وتتعامل مع سلوك بشري واقعي تماماً حتى عند الأكثر مثالية من فئات المجتمع (المؤمنين).
إن أخص ما يخص النص الديني القرآني والحديث الشريف أنه نص إنساني، لا بشري، (حسب تفريق الغذامي نفسه بين المفهومين)، فعندما يقول الله تبارك وتعالى: "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم". إنها آية تؤسس لمجتمع عالمي يلغي الطبقية والعصبية القبلية ويلغي الانتماء الجغرافي، ويكون فقط الانتماء للفضيلة وحدها "تقوى الله" التي تعني أكثر من معناها الحرفي عند المفسرين- لو أردت أن أفسرها بمنطق الغذامي نفسه- فالتقوى هي اتقاء كل ما يؤدي إلى هدم الوحدة الإنسانية وإلغاء التعارف بين البشر المختلفين دينا وثقافة وموطنا وأعراقاً، وبذلك يكون النص الديني قد أسس لما طالب به الغذامي نفسه في كتابه "إشكالات النقد الثقافي" وهو "التعددية الثقافية"، هذه التعددية التي هي شرعية في النص الديني وعليها شواهد كثيرة.
لاحظوا معي مثلا قول النبي عليه أفضل الصلاة والسلام: "الخلق كلهم عيال الله، أحبهم إلى الله أنفعهم لعياله"، فلا جملة ثقافية أو فلسفية يمكن أن تتغلب على هذه الجملة التي لا اعتبار فيها إلا للمنفعة الإنسانية، وربط الناس كل الناس إلى مرجع واحد، وهدف واحد، هو نفسه في حديثين آخرين "كلكم لآدم وآدم من تراب"، و"لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى". وكثير من الجمل والأحاديث التي تضمر نسقا دينيا مؤسسيا، وأعتقد أن الإسلام قد نجح من خلالها في هدم كثير من المرجعيات المتأصلة في نفس العربي من عصبية وانغلاق أفق، ورجوع الأمة اليوم إلى ما يشبه العصبيات القبلية على شكل دول قطرية ناشئ عن أمر استعماري أولا وأخيرا الذي عمل على "قتل النسق الثقافي" ذي المرجعية الدينية المتكونة في "الجملة الدينية" التي تقول "إن هذه أمتكم أمةً واحدة، وأنا ربكم فاعبدون".
ولو أردت أن آتي بأمثلة لأتيت بمئات الأمثلة على الجمل الدينية ذات المغزى الثقافي والفلسفي الإنساني العام، حتى تلك الجمل التشريعية التي جعلتها من وحي أفكار الغذامي تحت مفهوم "الجمل الإجرائية" ومنها على سبيل المثال آية الدَّيْن، أطول آية في القرآن الكريم، الآية (282) من سورة البقرة، وآيات الميراث، وآيات القتال والجهاد، وآيات العلم والتفكر التي تؤكد مبدأ العقلنة مقابل مبدأ الشعرنة كما شرحهما الغذامي، فكل تلك الجمل الإجرائية تختزن بعدا دينيا ثقافيا اجتماعيا ذات نسق مضمر مهم للاجتماع الإنساني، حتى وهي تناقش مسائل معيشية راهنة، حسب توصيف الغذامي، فكل تلك النصوص بعيدة عن منطق "الليبرالية الجديدة"، وبعيدة عن منطق الانتهازية والاستعمار ونهب الثروات، فأساس "الغزوات والحروب الإسلامية" إن آمن المغزوّين فلهم ما لنا وعليهم ما علينا (جماعة المؤمنين)، وحتى من لم يؤمن فإنه لا يُكره على الدين، وتوفر له الدولة أو الدولة القائمة بالفتح (بتعبيرات الأمم المتحدة المعدّلة لضرورة السياق) حرية العبادة والأحوال الشخصية حسب معتقداته ولا يهان ولا تنتقص حقوقه الشخصية والمالية والدينية والثقافية والسياسية، وله حق المواطنة في أرضه، ولا يُخرج منها ولا يُهجّر عنها، وعلى الدولة حمايته ورعايته.
إن هذه الاستطرادات على مشروع الغذامي في النقد الثقافي ما هي إلا نوع من استجلاء للنظرية الأصلية والتحقق من مقولاتها، والانفتاح أكثر في مناقشتها، لأنها بعد إن استقرت نظرية نقدية لا تحفل بالجماليات التقليدية وجب علينا جميعا أن نعيدها دائما إلى بؤرة الاهتمام، كونها نظرية نابتة من لحمنا الثقافي الحيّ، ولطالما شكا البعض- ممن لا يتمتعون بالنظرة المعمقة على الحركة الأدبية والنقدية- من أنه لا يوجد لدينا نظرية نقدية خاصة بنا، كالبنيوية والتفكيكية على سبيل المثال، وينسون ويتناسون الجرجاني ونظرية النظم ونظرية النقد الثقافي اللتين أهملوهما، ميممين شطر تزفيتان تودوروف وجيرار جنيت والشكلانية الروسية ورولان بارت، فلا يكتفوا بإماتة المؤلف وحسب، بل وبقتل الناقد ونظريته المستوية على سوقها في البعدين التنظيري والتطبيقي.




0 comments:
إرسال تعليق