قبل أن نتحدث عن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، وعن فرص إسقاط حكومة بنيامين نتنياهو، وعن واجب المواطنين العرب في المشاركة والتأثير، علينا أن نتوقف عند واقعة لا يجوز المرور دون التوقف عندها. ففي مطلع أكتوبر الجاري، كُشف النقاب عن قضية محاضر الرياضيات في جامعة بار إيلان، الذي اتهمته النيابة الإسرائيلية بإعداد مخطط إرهابي استغرق أكثر من ثلاث سنوات، استهدف قتل مئات المواطنين العرب والفلسطينيين وتهجير آخرين، من خلال هجمات متزامنة ومنظمة على بلدات عربية. لم يكن الأمر تصريحاً تحريضياً عابراً أو منشوراً متطرفاً على شبكات التواصل الاجتماعي، بل مخططاً تفصيلياً، تضمّن، وفق لائحة الاتهام، تجنيد أشخاص وتقسيمهم إلى خلايا، وإجراء جولات استطلاعية وتحديد أهداف ووسائل التنفيذ. نحن أمام قضية بالغة الخطورة تكشف إلى أي مدى وصل التطرف العنصري وانتقل من عالم الأفكار والشعارات إلى عالم التخطيط الإرهابي والتنظيم والاستعداد للقتل.
إلى جانب خطورة القضية ذاتها، يجب أن يستوقفنا حجم الصمت السياسي والاجتماعي والإعلامي الذي رافق هذه الواقعة في اسرائيل. فباستثناء بعض البيانات المتواضعة التي استهجنت الحادثة أو شجبتها، لم نشهد ردود فعل رسمية أو شعبية تضع القضية في سياقها الحقيقي وتعطيها حجمها الطبيعي ضمن المشهد الفاشي الذي يتفشى داخل المجتمع الإسرائيلي. على كل مواطن عربي في الدولة أن يسأل نفسه: كيف يمكن أن تمر قضية تتعلق بمخطط لقتل المئات منا من دون أن تتحول إلى قضية رأي عام، أو حدث تتناوله إدارات الجامعات ومعاهد الدراسات التي تتابع التطورات السياسية والتحولات الجارية داخل المجتمع وتأثيرها على مستقبل الدولة؟ إن الخطر الذي جسدته هذه الواقعة لا يكمن فقط في وجود أفراد يحملون أفكاراً إجرامية، بل أيضاً في المناخين السياسي والاجتماعي اللذين يسمحان لهذه الأفكار بأن تنمو وتتخمر، وفي السياسات الرسمية التي تمنحها شرعية وغطاء، وفي الصمت شبه التام الذي يحيط بها أو يتعامل معها باعتبارها شأناً هامشياً.
لا يمكننا فصل هذه الواقعة عن المشهد الأوسع الذي نعيشه منذ سنوات؛ فتحجيم هوامش الحريات الأساسية وسنّ منظومة من القوانين العنصرية، خاصة بعد كارثة السابع من أكتوبر 2023، أدّيا إلى ملاحقة مئات الموظفين والمحامين والصحفيين والنشطاء السياسيين، وتقديم بعضهم إلى محاكم الطاعة أو المحاكم النظامية بتهم التحريض والنشاط ضد أمن الدولة. وأدّى ذلك كذلك إلى اتساع حالات الاعتداء على المواطنين العرب، حتى أصبحت، للأسف، خبراً يومياً وعادياً. لا تستثني هذه الاعتداءات أحداً: لا طلاب الجامعات وطالباتها، ولا الأطباء والممرضين في المستشفيات، ولا العمال في أماكن عملهم في المدن اليهودية أو المختلطة، ولا سائقي الحافلات ولا الركاب فيها إذا "انكشف" أنهم عرب. كل العرب مستهدفون، بعد أن أوصلتنا حكومات نتنياهو، ولا سيما الحكومة الحالية التي تتبنى "سياسة الحسم" وتمعن في تطبيقها بمنهجية يحركها "الشر المطلق"، إلى "المأزق القاتل" وارتطام هويتنا القومية بمواطنتنا في الدولة.
على هذه الخلفية، ومن وسط هذا الركام والمعطيات السوداء، علينا أن نواجه الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، وأن نقر بأنها لا تشبه جميع الجولات التي سبقتها. قد يقول قائل: لقد قالوا لنا قبل كل جولة سابقة هذا الكلام؛ فأجيبه: هذا صحيح، لكن علينا أن نعطي كل مواجهة حقها وأن نضعها في سياق حياتنا العام؛ فكل جولة انتخابات جرت ونحن نواجه ظروفاً معيشية شاذة أو حالة من "الأنوماليا" السياسية والاجتماعية الشاذة التي فُرضت علينا. صحونا منكوبين في حضن دولة اكتشفت هي الأخرى أنها لم تنجح في "تنظيف" البلاد من جميع سكانها الأصليين، فرضيَت بمن بقوا مواطنين، لكن بشروطها التي عانينا منها طيلة السنين، وواجهناها وصمدنا حتى وصلنا إلى هذا الزمن و"أسياده" الذين يهددوننا بنكبة جديدة، صرنا قريبين منها قاب قوسين ومعركة انتخابات واحدة. لا يجوز لأي مواطن عربي الاستهانة بما يخططه بحقنا أصحاب نظرية "الفوقية اليهودية"، أو التعامل مع ما نشهده باعتباره جولة أخرى من جولات السياسة الإسرائيلية المعتادة. إننا نقف على مفترق طرق تاريخي: فإما أن تنتج هذه الانتخابات قوة سياسية كافية لتشكيل نظام حكم فاشي راسخ ومتين، وإما أن تفرز قوى يهودية لا تتبنى هذه المفاهيم والسياسات العرقية، وتفتح أمامنا نافذة، ولو صغيرة، لتغيير سياسي ممكن، قد يكون محدوداً، لكنه ضروري لوقف الانزلاق الكارثي الحالي.
بعض المواطنين العرب يساوون بين جميع الحكومات الإسرائيلية التي تعاقبت على الحكم، ويتخذون من ذلك ذريعة لامتناعهم عن المشاركة في التصويت. وبرأيي، فإن هذا التعميم "دوغماتي" وخاطئ، ويعطل قدرة المواطن العربي على قراءة واقعه وتقييم خطورة المرحلة، ويحرمه من محاولة التأثير فيها. من الطبيعي ألا نعفي الحكومات الإسرائيلية السابقة، من دون استثناء، من مسؤوليتها عن ترسيخ الاضطهاد القومي والتمييز العنصري، وحرمان المواطنين العرب من حقوقهم الأساسية، ومصادرة أراضيهم، والتعامل معهم بوصفهم "أجساماً مشبوهة" ومواطنين من درجة ثانية. لقد كان التمييز العنصري جزءاً ثابتاً من سياسات الدولة منذ قيامها؛ ولكن هناك فرقاً جوهرياً بين حكومات مارست العنصرية ضمن نظام يعترف بحق المواطنة، وإن كانت مواطنة عرجاء، عومل المواطن العربي فيه معاملة غير متكافئة مع المواطن اليهودي، وبين حكومات تبنت فكر "الفوقية اليهودية" عقيدة سياسية معلنة، واتخذت من إقصاء العرب عن مواطنتهم برنامجاً سياسياً، وجعلت التحريض عليهم نهجاً ووسيلة لتثبيت سلطتها، ورسخت ملاحقتهم والاعتداء الجسدي عليهم بوصفهما ممارسة شرعية، ومضت في تنفيذ انقلابها من خلال إضعاف القضاء والمؤسسات الرقابية والضوابط الديمقراطية. حكومة فاشية جديدة ستنجز مشروع تعريفها للدولة اليهودية النقية، وترفع الشرعية عن حق العرب في المواطنة، وتتعامل مع من سيبقى منهم في الدولة بوصفهم رعايا وحسب.
لقد علمنا التاريخ أن الفاشية لا تصل دائماً إلى الحكم بعد إلغاء الانتخابات العامة، بل قد تستخدم الصندوق الانتخابي للوصول إلى السلطة، ثم تبدأ بتقويض المؤسسات والضمانات التي يفترض أن تحمي المجتمع من تغوّلها، وهذا ما بدأت بتنفيذه حكومة نتنياهو الحالية تحت عنوان "الإصلاح القضائي". وتاريخ الشعوب مليء بحكومات وصلت إلى الحكم مستخدمة أدوات الديمقراطيات البرلمانية، ومستفيدة من تجاهل الضحية واستخفافها، ومن صمت الأكثرية التي يتعامل بعضها مع التطرف ومظاهر الفاشية باعتبارها أحداثاً عابرة أو مجرد اختلافات سياسية يمكن التغلب عليها لاحقاً.
نحن أمام معركة حاسمة؛ فإذا أعيد انتخاب حكومة نتنياهو، أو تشكلت حكومة تستند إلى المشروع الأيديولوجي نفسه، فلن يقتصر الأمر على استمرار التمييز في الميزانيات والتخطيط والإسكان وفرص العمل، بل سيمتد إلى اشتداد الملاحقات السياسية، وتضييق أكبر على حرية التعبير والتنظيم والاحتجاج، ومحاولات إضافية لتجريم المواقف الوطنية الفلسطينية، وشرعنة أوسع للتحريض والعنف ضد العرب. كل ذلك سيكون تحصيل حاصل، لأنهم يعدّون لنا الضربة القاضية. إنهم لا يخفون نواياهم، بل "ينصحوننا" بأن نتابع ما فعلوه في غزة وما يجري في الضفة الغربية.
يقلقني أصحاب «الضمير الكسول»، العازفون عن ممارسة حقهم في التأثير في مصائرهم، كما يقلقني نداء المقاطعين للانتخابات.. أعرف أن دوافع المقاطعين ليست واحدة؛ فبعضهم ينطلق من موقف أيديولوجي أو وطني مبدئي، وبعضهم أصابه الإحباط من أداء الأحزاب والقيادات، وبعضهم فقد ثقته بجدوى المشاركة بعد تجارب متراكمة من الخيبات. ولكن اختلاف الدوافع لا يلغي مسؤولية الموقف ونتائجه الخطيرة في هذه الظروف السياسية الاستثنائية. من حقنا أن نسألهم عن بدائلهم السياسية، وكيف سيواجهون حكومة انتُخبت وهم خارج اللعبة؟
إنني لا أتوهم أن الانتخابات ستنهي العنصرية، أو أن إسقاط حكومة نتنياهو سيحقق لنا المساواة والعدالة اللتين نناضل من أجلهما. لكنني أعرف أن إعادة انتخاب هذه الحكومة، أو ما يشبهها، ستضاعف خطورة مأزقنا الوجودي، وأن ترك الساحة للغوغائية الفاشية قد يجعل مواجهة المرحلة المقبلة أكثر صعوبة وكلفة.
لا يجوز لشعب أن يراهن على الكارثة، ولا يمكن أن يتحول اليأس إلى سياسة. ولن تُصدّ وحوش الفاشيين بـ"الطهرانية السياسية" وحدها، أو بـ"الرومانسية الثورية"، أو بـ"النقاوة العقائدية". ومن دون أن نشارك من يعارضونهم من أبناء جلدتهم، ستكون معركتنا خاسرة، وسيكون الرهان على المستحيل قاتلاً. قد لا يكون صندوق الاقتراع كافياً لتحقيق ما نريد، لكنه بالتأكيد أحد الوسائل السياسية المتاحة لنا للدفاع عن حقوقنا النبيلة، وأهمها الحق في العيش بحرية وكرامة وسلام.
لا أملك مفتاح اليقين والمعرفة، وأحترم من لا يؤمن مثلي؛ لكنني أشعر بأنياب الوحوش قريبة من رقابنا، ويتوجب علينا مواجهتها. فلنجرب صناديق الانتخابات، ومن لديه "قطران" آخر فليزده قبل أن "نخسر بعيرنا" !




0 comments:
إرسال تعليق