قراءةٌ نقديّةٌ في قصيدةِ " على مفارقِ الزمانِ" للشاعرِ السامقِ جورج عازار/ ليلى صليبي

  



 القراءةُ النقديةُ: أمامَ قصيدةِ الشاعرِ المبدعِ جورج عازار «على مفارق الزمان» نحن أمامَ نصٍّ وجوديٍّ كثيفٍ، لا يكتفي برصدِ ألمِ الذاتِ، بل يجعلُ من الزمنِ والرحيلِ والذاكرةِ والقدرِ أسئلةً مفتوحةً على القلقِ الإنسانيِ. منذُ العنوانِ «على مفارقِ الزمانِ» يضعُنا الشاعرُ المبدعُ "جورج عازار" أمامَ عتبةٍ دلاليّةٍ شديدةِ الكثافةِ؛«فالمفارق» ليستْ مجرّدَ مواضعَ يلتقي عندها طريقان، بل هي لحظةُ الاختيارِ والضياعِ، لحظةَ الوقوفِ بين ما كانَ وما سيكونُ، بين المجيءِ والرحيلِ، وبين رغبةِ الإنسانِ في الإمساكِ بمصيرِه وعجزِه عن استعادةِ ما أفلتَ منه. تبدأُ القصيدةُ بصورةٍ خاطفةٍ ومؤلمةٍ: «تَخطِفُ الرِّيحُ أوراقي وبلا جَدوى أُهرولُ كي أستعيدَ ما قد سُرِقَ» فالريحُ هنا ليستْ ظاهرةً طبيعيةً، وإنّما قوةٌ رمزيةٌ عمياءُ تستولي على الأوراقِ، والأوراقُ يمكنُ أن تكونَ الذاكرةُ، والعمرُ، والتجربةُ، وربّما صفحاتُ الحياةِ نفسِها. أمّا الهرولةُ خلفَها فتكشفُ عبثَ محاولةِ الإنسانِ استعادةَ ما أخذَه الزمنُ. لذلك تأتي العبارةُ التاليةُ شديدةَ الدلالةِ: «عارياً دونَ ذكرياتي» فالإنسانُ لا يُعرّى هنا من ثيابِه، بل من ماضيه؛ وكأنَّ الذاكرةَ هي آخرُ ما يمنحُ الذاتَ إحساسَها بالتماسكِ والهويةِ. ومن هذا التجريدِ ينفتحُ النصُّ على اغترابٍ أكثرَ قسوةً، حينَ يقولُ: «تَقذِفُني الفَضاءاتُ إلى حيثُ لا أبتغي ولا أريدُ» فالذاتُ لم تعدْ فاعلةً في مسارِها، بل أصبحتْ مقذوفةً في فضاءاتٍ لا تختارُها. وهذا التحوّلُ من الفعلِ إلى الانفعالِ يكشفُ عن إحساسٍ عميقٍ بفقدانِ السيطرةِ أمامَ الزمنِ والأقدارِ. 

جدليةُ البدايةِ والنهايةِ: يبلغُ القلقُ الوجودي ذروتَه في السؤالِ: «أأبدأُ أم أنتهي؟ سيّانِ صارَ عندي» وهنا تتساوى البدايةُ والنهايةُ، لأنَّ الذاتَ المستنزفةَ لم تعدْ ترى في الزمنِ خطًّا مستقيمًا يقودُ من بدايةٍ إلى غايةٍ، بل دائرةً من الأسئلةِ والخساراتِ. ثمَّ تأتي المفارقةُ اللافتةُ: «يَحسَبُ مَن حولي قدومي فَرَحاً والغَصَّاتُ في الجَّوى تَستَعِرُ» إنّها ثنائيةُ المظهرِ والجوهرِ؛ الخارجُ يقرأُ القدومَ باعتبارِه فرحًا، بينما الداخلُ يحترقُ بالغصّاتِ. ومن هنا تتضحُ إحدى أهمِّ جمالياتِ النصِّ: الشاعرُ لا يقولُ إنَّ الإنسانَ متألمٌ فحسب، بل يكشفُ المسافةَ بينَ ما يراه الآخرون وما تضمرُه الذاتُ. 

الزمنُ بوصفِه قوةً سلبِيّةً: يحضرُ الزمنُ في القصيدةِ لا بوصفِه إطارًا للأحداثِ، وإنّما بوصفِه قوةً تلتهمُ الإنسانَ وتعيدُ تشكيلَ مصيرِه. ويتجسّدُ ذلك في: «أُحجياتُ الرُّوحِ في الحُلولِ عَسيرةٌ» فالروحُ نفسُها تصبحُ لغزًا، والحلولُ التي يبحثُ عنها الإنسانُ لا تأتي سهلةً. ويزدادُ هذا الإحساسُ حينَ يستحضرُ الشاعرُ " كتبَ السحرِ ورواسيَها"فيمنحُ النصُّ فضاءً غرائبيًّا يوحي بأنَّ ما يواجهُه الإنسانُ أكبرَ من قدرتِه على الفهمِ والتفسيرِ. 

وفي مقابلِ هذا العجزِ تأتي صورةٌ جميلةٌ ومفارِقةٌ: «بالأمسِ كُنتُ هُنا أتنشَّقُ عَبقَ المَلاحَةِ واليومَ أنا في الحُضورِ غيابٌ» وهذه من أكثرِ مناطقِ القصيدةِ تكثيفًا؛ إذ تختزلُ عبارةُ «في الحضور غياب» حالةَ الاغترابِ الوجودي بأقلِّ عددٍ من الكلماتِ. الجسدُ موجودٌ، لكنَّ الذاتَ غائبةٌ؛ والحضورُ الفيزيائي لا يعني بالضرورةِ حضورًا روحيًّا. الأقنعةُ والجسدُ والروحُ: يقولُ الشاعرُ: «يَرتدي جَسدي ألوانَ الأقنعةِ والرُّوحُ على مَقربةٍ تُقهقِهُ» وهنا يعودُ ثالوثُ الجسدِ/القناعِ/الروحِ ليكشفَ انقسامَ الذاتِ. الجسدُ يرتدي الأقنعةَ كي يتكيفَ مع العالمِ، بينما الروحُ تقفُ على مسافةٍ ساخرةٍ أو موجوعةٍ من هذا التمثيلِ. ومن ثمَّ يأتي فعلُ «ألملمُ»: «أُلَملمُ قَصاصاتِ عُمري وأجمَعُ ما تَبَعثَرَ على مَفارقِ الزَّمانِ» والقصاصاتُ هنا ليستْ أوراقًا فحسب، بل شظايا تجربةٍ إنسانيةٍ. إنَّ العمرَ لم يعدْ وحدةً متماسكةً ، وإنّما أجزاءٌ متناثرةٌ تحاولُ الذاتُ جمعَها قبلَ الرحيلِ. البيت القديم… 

الذاكرة التي تترك مصباحًا مضاءً من أجملِ المقاطعِ رمزيةً: «أتركُ مَفاتيحَ البيتِ الصَّدِئَةَ وكُتبَ الأدعيةِ والصَّلواتِ وبعضَ الزَّيتِ في المِصباحِ العَتيقِ كي يُنيرَ عَتمَتي حين أعودُ» هنا ينتقلُ النصُّ من سؤالِ الرحيلِ إلى احتمالِ العودةِ. المفتاحُ رمزٌ للبيتِ والذاكرةِ والانتماءِ، لكنّه صدئ؛ أي أنَّ الزمنً مرَّ عليه وأفقدَه بريقَه. أمّا كتبُ الأدعيةِ والصلواتِ فتفتحُ بعدًا روحيًّا واضحًا، وكأنَّ الذاتَ، وسطَ عجزِها عن تفسيرِ العالمِ، تتركُ خلفَها ما يمكنُ أن يكونَ سندًا روحيًّا. أما الزيتُ والمصباحُ فهما من أكثرِ الرموزِ دفئًا في القصيدةِ؛ إذ يصبحُ الضوءُ عهدًا مؤجّلًا بين الذاتِ وبيتِها القديمِ، أو بينَ الإنسانِ وذاتِه الأولى. واللافتُ أنَّ الشاعرَ لا يقولُ إنّه سيطفئُ المصباحَ عندَ الرحيلِ، بل يتركُه مضاءً «حين أعود»؛ وهنا تتسلّلُ بارقةُ أملٍ صغيرةٍ إلى قصيدةٍ يهيمنُ عليها العدمُ والقلقُ. بياضُ الثلجِ وحلكةُ الليلِ: في المقطعِ اللاحقِ تتّسعُ مساحةُ التضادِ: «بياضُ الثَّلجِ يَعتريهِ الخَجلُ وحُلكةُ اللَّيلِ بِلا وجلٍ» إنّها ثنائيةُ البياضِ/السوادِ، الضوءِ/العتمةِ، الخجلِ/الوجلِ، وهي ثنائياتٌ تمنحُ النصَّ بنيتَه الشعوريةَ. 

لكنَّ الشاعرَ لا يتركُ الليلَ في مكانِه الطبيعي، بل يمنحُه قدرةً على اقتحامِ الميادين، بينما تتحوّلُ الأناشيدُ إلى كائنٍ يتسوّلُ: «كُلُّ الأناشيدِ في الأزقةِ العَفِنَةِ تَتسوّلُ» وهنا تتجسّدُ القيمُ والمعاني الجميلةُ في صورةِ كائناتٍ فقدتْ قدرتَها على التأثيرِ، وكأنَّ العالمَ نفسَه قد أصابَه العطبُ. ثمَّ تبلغُ الصورةُ أقصى درجاتِ العنفِ: «وصَرخاتُ الشَّياطينِ تَهتكُ غِلالةَ الصُّبحِ وتُهشِّمُ» فالصبحُ الذي يفترضُ أن يكونَ رمزًا للخلاصِ، لا يصلُ كاملًا؛ إذ تُهتَكُ غلالتُه قبلَ أن يكتملَ النورُ. وهذه صورةٌ تنسجمُ مع المناخِ العامِ للنصِّ، حيثُ حتى احتمالاتِ الخلاصِ تبدو مهددةً. القدرُ الأعمى… مفارقةُ الرؤيةِ: من أبرزِ الأفكارِ الفلسفيةِ في القصيدةِ تصويرُ القدرِ بوصفِه أعمى: «والأقدارُ وإنْ كانت ضَريرةً حين تَرومُ كُلَّ المَرامي تُدركُ وتصيبُ» ثمَّ: «فلا تأمنَنَّ الأقدارَ حتّى لو كانت كَفيفةً» وهنا تقومُ المفارقةُ على أنَّ القدرَ لا يرى لكنّه يصيبُ. وهذه مفارقةٌ فلسفيةٌ جميلةٌ؛ فالإنسانُ قد يظنُّ أنَّ ما لا يرى لا يستطيعُ الوصولَ إليه، لكنَّ القدرَ في النصِّ يمتلكُ قدرةَ الإصابةِ رغمَ عماه. وبذلك يتحوّلُ العمى من نقصٍ إلى قوّةٍ، وتصبحُ الأقدارُ أكثرَ إثارةٍ للرهبةِ لأنّها غيرُ قابلةٍ للتوقّعِ. بوابات الخروج… حين يعجز السؤال عن العثور على إجابة في خاتمةِ القصيدةِ يعودُ الشاعرُ إلى الأسئلةِ الكبرى: «لِمَ المَجيءُ كانَ؟ ولِمَ الرَّحيلُ؟ وإلى أين الدَّربُ سَوفَ يَسيرُ؟» وهذه الأسئلةُ لا تبحثُ عن معلومةٍ، بل عن معنى الوجودِ ذاتِه. لذلك لا تأتي الخاتمةُ بإجابةٍ، وإنّما بمزيدٍ من الحيرةِ: «يَحارُ المَرءُ إنْ كان سوف يَمضي من جديدٍ أو يؤوبُ» وهنا تكتملُ الدائرةُ التي بدأَها النصُّ من الريحِ التي تختطفُ الأوراقَ وانتهتْ بالانسانِ الواقفِ عندَ بواباتِ الخروجِ. فالقصيدةُ لا تمنحُنا يقينًا نهائيًّا، بل تتركُنا عند المفترقِ نفسِه؛ حيثُ لا نعرفُ هل الرحيلُ نهايةٌ، أم أنَّ وراءَه عودةً أخرى. اللّغةُ والصورةُ والإيقاعُ: يميلُ الشاعرُ جورج عازار إلى لغةٍ شعريّةٍ ذاتِ حمولةٍ رمزيةٍ وفلسفيةٍ، ويعتمدُ على التشخيصِ بكثافةٍ؛ فالريحُ تخطفُ، والفضاءاتُ تقذفُ، والأقدارُ تتلمسُ، والأناشيدُ تتسوّلُ، والصرخاتُ تهتكُ وتُهشّمُ. وهذا التشخيصُ يمنحُ الجماداتِ والمجرداتِ حياةً مستقلةً، حتى يبدوَ العالمُ كلُّه مشاركًا في محنةِ الذاتِ. كما ينهضُ النصُّ على شبكةٍ من الثنائياتِ: المجيء/الرحيل الحضور/الغياب البياض/الحلكة الضوء/العتمة الجسد/الروح الذاكرة/النسيان البدء/الانتهاء المضي/الإياب وهذه الثنائياتُ ليستْ زخرفًا لغويًّا، بل هي المفاصلُ الفكريةُ التي يتحرّكُ بينها النصُّ. خلاصةُ القراءةِ: «على مفارق الزمان» قصيدةٌ تتكئ ُعلى سؤالِ الإنسانِ وهو يواجهُ وهنِ وجودِه، وفقدانِ السيطرةِ على مسارِه، ومحاولتِه المستميتةِ لاستعادةِ ما سرقَه الزمنُ. إنّها قصيدةٌ عن الذاكرةِ حين تتبعثرُ، وعن الروحِ حين تغتربُ، وعن الجسدِ حين يتحوّلُ إلى قناعٍ، وعن القدرِ حينَ يصيبُ دونَ أن يرى، وعن الإنسانِ حين يقفُ أمامَ بابِ الرحيلِ ويسألُ: لماذا جئتَ؟ وإلى أين أمضي؟ ولعلَّ أجملَ ما في النصِّ أنّه لا يفرضُ على القارئِ إجابةً جاهزةً، بل يورطُه في السؤالِ نفسِه. وهنا تكمنُ قيمةُ القصيدةِ؛ فالشعرُ الحقيقي لا ينتهي حينَ ينتهي آخرُ سطرٍ، بل يبدأُ بعدَه، حين يحملُ القارئُ أسئلةَ النصِّ معه، ويظلُّ واقفًا هو أيضًا على مفارقِ الزمانِ، بين طريقٍ لا يعرفُ إن كانَ يقودُه إلى الرحيلِ… أمْ إلى العودةِ. دُمتَ مبدعًا ودامَ يراعُكَ محلّقًا في رحابِ الأدبِ والجمالِ 

بقلم ليلى صليبي / لبنان

وإليكم نص القصيدة:

على مَفارقِ الزَّمانِ

تَخطِفُ الرِّيحُ أوراقي

وبلا جَدوى أُهرولُ

كي أستعيدَ ما قد سُرِقَ

عارياَ دونَ ذِكرياتي

تَقذِفُني الفَضاءاتُ

إلى حيثُ لا أبتغي

ولاأُريدُ

أأبدأُ أم أنتهي؟

سيّانِ صارَ عندي

فألسنةُ النَّوائبِ

على العَتباتِ تنتظرُ

مُرغماً أتيتُ

مُكرَهاً أمضي

يَحسَبُ مَن حولي قدومي فَرَحاً

والغَصَّاتُ في الجَّوى تَستَعِرُ

وأفاعي الجُّحورِ كُلَّ الفُرصِ

تَتحيَّنُ وتَحتَدِمُ

مثلَ لُفافةِ تبغٍ

أَحرقُ أيامي

وصَدى الصَّوتِ في الأعماقِ

يَكتبُ فُصولَ الخِتامِ

وستائرَ النِّهاياتِ يَسدِلُ

أُحجياتُ الرُّوحِ

في الحُلولِ عَسيرةٌ

وكُتبُ السِّحرِ شاهقةٌ

رَواسيها

فكيفَ إلى ضِفافِ الأمانِ

المَسيرُ يكونُ؟

بالأمسِ كُنتُ هُنا

أتنشَّقُ عَبقَ المَلاحَةِ

واليومَ أنا في الحُضورِ

غيابٌ

يَرتدي جَسدي ألوانَ الأقنعةِ

والرُّوحُ على مَقربةٍ تُقهقِهُ

أُلَملمُ قَصاصاتِ عُمري

وأجمَعُ ما تَبَعثَرَ

على مَفارقِ الزَّمانِ

أتركُ مَفاتيحَ البيتِ الصَّدئِةَ

وكُتبَ الأدعيةِ والصَّلواتِ

وبعضَ الزَّيتِ

في الِمصباحِ العَتيقِ

كي يُنيرَعَتمَتي

حين أعودُ

بياضُ الثَّلجِ يَعتريهِ

الخَجلُ

وحُلكةُ اللَّيلِ بِلا وجلٍ

أرضَ المَيادينِ

تقتَحِمُ

كُلُّ الأناشيدِ في الأزقةِ العَفِنَةِ

تَتسوّلُ

وصَرخاتُ الشَّياطينِ

تَهتكُ غِلالةَ الصُّبحِ

وتُهشِّمُ

والأقدارُ وإنْ كانت ضَريرةً

حين تَرومُ

كُلَّ المَرامي

تُدركُ وتصيبُ

فَلا تأمنَنَّ الأقدارَ

حتّى لو كانت كَفيفةً

تَتلمَّسُ في مَسارِ الدُهمةِ

فلا قَرٌّ يُثنيها ولا الحَرُّ

تَتزاحَمُ التَّساؤلاتُ

عندَ بوَّاباتِ الخُروجِ

وعِندَ الأقفالِ تَتلعثمُ

لِمَ المَجيءُ كانَ؟

ولِمَ الرَّحيلُ؟

وإلى أين الدَّربُ سَوفَ يَسيرُ؟

يَحارُ المَرءُ

إنْ كان سوف يَمضي من جديدٍ أو يؤوبُ

بقلم: جورج عازار


CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق