تشتغل نصوص هذا الديوان على جدلية الحجر والنبات، حيث يُستدعى الحجر بوصفه تمثيلاً للتاريخ المتراكم، والوجوه التي تحجرت في الذاكرة الجماعية، فيما يحضر النبات كعلامة على استمرارية الوجود وقدرته على التشكل داخل شروط القسوة والانسداد. هذه الثنائية لا تُقدَّم في إطار استعاري جمالي فحسب، بل تُفَعّل بوصفها أداة تفكير شعريّ في معنى الانتماء وحدوده (د.عماد بّرو)
وقبل أن نغوص في نصوص الكتاب وما جاء فيها من نقد اجتماعي، وسياسي، ووطني، لا بد لنا من أن نطّلع على عتباته من اسم، وغلاف، وعنوان، إذ أن النقد العربي الحديث أولاها اهتماماً خاصاً يعطيها وزناً مهماً
أما اسم الكتاب "في كل سنبلة مائة حبّة" فقد وفّر الشاعر علينا مشقة التخمين وأخبرنا أنه مستوحى من سنبلتي قمح وشتلة تبغ نبتتا بين ركام دار بيته الذي دمرّته إسرائيل، وبهذا دلالة على أن هنجهية العدو الصهيوني لا، ولن تستطيع أن تميت قوة الحياة مهما قست وتجبّرت، وبمثل ما شقت نبة القمح طريقها من قلب الدمار والخراب، هكذا ستكون قيامة اللبنانيين من جهلهم، وانقسامهم إلى قبائل وطوائف مختلفة ليتوحدوا، وينتصروا على عدوِ قضم أرضهم بتوسيع ما يسميه (المنطقة الآمنة). تماماً كما تآمرت الكولونيالية العالمية على أبناء فلسطين، إذ تغاضت بريطانيا التي كانت منتدبة على فلسطين في ذلك الوقت ،عن دخول اليهود الصهاينة إلى فلسطين، ومكّنت العصابات الإرهابية (شترن والهاغانا) من أن تتسلح، بينما حرّمت على الفلسطينيين اقتناء السلاح الفردي، الأمر الذي أدى (إضافة إلى أسباب أخرى) إلى انتصار اليهود الصهاينة على فلسطين واحتلالها.
وجاء الإهداء رسالة حب وتكريم لأبناء الغد، الأطفال أولاً، ثم للأرض، والمتجذرين فيها، ولحجارة البيوت ولرائحة الخزامى وزهر اللوز تحريض لأبناء الوطن (لبنان) كي يصمدوا في وجه الاحتلال الصهيوني البشع، ويظلّوا صامدين على أرضهم، متجذرين فيها تجذّر شجرة الزيتون التي تغوص جذورها عميقة في التربة فلا تقوى حتى الرياح العاتية على اقتلاعها
تتصدر صفحة الغلاف الخلفية صورة للشاعر ونص وجداني يعطي للألم القيمة الفضلى في التعبير عن كوامن النفس، وعن علاقة الإنسان بالأمكنة، وعمق ارتباطه بها. ثم يتساءل عن معنى فقدان وطناً، وطن "تخرج منه جسداً، ولا يخرج منك ترحل عنه لكنه يرافقك في حلك وترحالك"، وينتهي معرفاً بنصوص الكتاب حيث يقول إنها نصوص واقعية تهدف إلى إبقاء الصور والذكريات واعية في أذهان أبناء الوطن الذين تبعثروا في بقاع الأرض حاملين رواسب الحروب وما خلفته من قتل وتهجير واقتلاع وتدمير وتجويع
يتألف هذا الديوان من 43 قصيدة تنتمي إلى قصيدة النثر الحديثة المتحللة من قيود الوزن والقافية، وهذا ما مكّن الشاعر من استخدام كثير من أشكال جديدة من التعبير الأدبي، فنحن مثلاً نقرأ في القصيدة الأولى من الديوان "أيها العابثون" وفرة من الصفات التي أطلقها على هؤلاء العابثين ولم يتركنا إلا وقد اقتنعنا معه بما يريده لنا أن نقتنع به
ايها العابثون
إلى متى سيبقى هذا الليل!
إلى متى سيبقى هذا الظلم!
هذا الجور
هذا الفجور
هذا القهر
هذا العهر
إلى متى سيبقى هذا الجحود
إلى متى
هذا العبث
بكل تفاصيل إيامنا
بتفاصيل ليالينا
بسلام نفوسنا،
وإنسانيتنا ...
بهوانا،
ببحرنا،
بحريتنا
ويظل الشاعر على هذه الوتيرة على مدى خمس صفحات يفنّد فيها صفات الحكام الفاسدين الذين أذلوا الشعب بتجويعه حتى غدا شعباَ بائساً، حزيناً، مخيباً، يسير في دروب الحياة "المضرجة بالتعب والكره"
أمّا في القصيدة الثانية، فينصب غضب الشاعر على أهله وناسه، فهم – عنوة عن شعوب الأرض- شعب بلا انتماء. شعب مشرد لقيط جاهل غبي لا تُعرف له هوية، ويفاخر بعصبية جاهل، لا يقيم وزناً للعلم والناس يختلفون على هلال القمر.
وفي قصيدة بعنوان "توقيت العطر" يتراجع الشاعر عن غضبته على أهله وناسه فيناجي بلدته (عيترون)، مفاخراً بأبناء الجنوب الذين بقوا صامدين في أرضهم رغم ما مارسه العدو عليهم من مضايقات وممالاءت ليرحلوا عنها. وفيها يستخدم الشاعر ضمير الجمع المتكلم الذي يدّل على إجماع الشعب على هذه العودة، ثم يسرح به الخيال، أو بالأحرى تسرح به الذاكرة، فيتصور ما سيكون عليه الحال عندما
تتحقق هذه العودة:
سنعود...
سنلتقي على توقيت العطر
غداً يزهر الربيع فوق ركام منازلنا
وتفوح رائحة الذكريات
ويأتي طائر السنونو ويبني
ظلالاً على جدران القلوب
غداً عند
آذان الفجر
قبل أوّل شعاع شمس
موعدنا عيترون...
لشروق يوم آخر عطره كأوّل الغيث
هامات عالية وجباه
ارتفعت بارتقاء الأنقياء
لك كل الحب أيتها الرقم الصعب..
وبعد ثلة من النصوص الوجدانية كمثل: خرائب الأيام، ستائر الشوق، ذكرى تنتفض، اسمه الجنوب وغيرها، تأتي قصيدة "أطفال غزة". وأطفال غزة كما رأهم عباس مراد، صنعت المعاناة منهم أبطالاً يتحدون الموت بأجسادهم الطرية، وإذ خذلهم آبآؤهم، صعدوا دونهم ليكتبوا تاريخ الإباء والشرف. مرّة أخرى ينتصر الشاعر للأطفال ويرى فيهم مستقبلاّ واعداً؛ فهم لم ينسوا طفولتهم فقط، بل نسوا كيف يكون الدفء ، وكيف تغفى العيون، و"جلُّ غاياتهم طريق العزة والشرف... فجأة تنطلق القصيدة من أسلوب السرد إلى أسلوب التفخيم " كبير حزنهم... كبير غضبهم... عظيم كبرياؤهم..."
أطفال غزّة
يتحدون الموت بأجسادهم الطرية
ويرتقون أحضان ذويهم لحظة بلحظة
كان ينتظرون صباحاً من أحدٍ
وخذلوا
يكتبون تاريخ الإباء والشرف...
ويصعدون دون ذويهم تارة
وتارة حيارى أمام واجب الموت
نسوا كيف كان اللعب...
وكيف كان الدفء...
نسوا أوقات الطعام
نسوا كيف تغفى العيون
جلُّ غاياتهم طريق العزة والشرف...
كبير حزنهم...
كبير غضبهم...
عظيم كبرياءهم...
ولعنوا زيف المنافقين
وهم على يقين ان الحق معهم
وان الله معهم
لأنهم الصابرون لأنهم الفادون
إنهم لمنتصرون
وفي قصيدة بعنوان "ركام... طفل من فلسطين" يصوّر الشاعر عنجهية المحتل الصهيوني الذي يعتدي على الطفولة البرئية، يهدم بيوتها، ويحوّل كل ما حولها إلى ركام: أخذوه من حضن أمه، تباهوا بجريمتهم، دفنوه تحت ركام بيته ونسوا أنه كطائر الفينيق يرتقي إلى السماء ويبعث من تحت الرماد:
* * * * * *
يتميز هذا الديوان بكثافة الصور الشعرية الخلاقة، السهلة المنال حيناً والصعبة أحياناً أخرى التي لا يصل اليها القارئ/ة إلاّ بعد جهد ذلك لأن "المركوز في الطبع أن النص إذا نيل بعد الطلب له، والاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه، كان نيله أحلى وبالميزة أولى، وكان موقعه من النفس أجلّ وألطف، وكانت به أضنّ وألطف"
هشيم الأحلام: صورة شعرية خرج بها الشاعر عمّا هو متواضَع عليه عادة ذلك لأن الهشيم الذي هو اليابس من النبات والشجر، استخدمه الشاعر للأحلام التي لا تكون عادة إلا للإنسان، لذلك هي صورة صعبة المنال تستوقف القارئ/ة ولا يصل إلى فك رموزها إلا بعد لأي، فتُمتِع، وتُدهِش، وتُلِذ . وعلى هذا المنوال جاءت معظم الصور الشعرية في الديوان، كمثل:
الوقت يقود مراكبه: جعل الشاعر للوقت مراكب يقودها، فأعطاه صفات لا تكون إلا للإنسان، بهذا لا يمكن أن تكون هذه الصورة الشعرية إلا من صنع الخيال الذي يقول فيه (جورج كولوردج): "إنه يذيب ويلاشي ويحطم لكنه يخلق من جديد". قدّم الشاعر الوقت على فعل القيادة فأعلى مرتبته، ولكن الصورة الشعرية ظلّت صعبة المنال
السماء ملبدة بالخوف: ونسب الشاعر الخوف للسماء فخرجت الجملة عن المألوف حيث أن ما هو متواضع عليه في الطبيعة هو أن السماء لا تتلبد بالخوف، ولكن يمكن لها أن تكون كذلك إذا وافقنا على أنها من فعل الخيال الذي تكلمنا عنه قبل قليل...
شتاء من المرارة: بمعنى أن الشتاء الذي هو رحمة للعالمين لم يكن هنا شتاء رحمة، بل شتاء نقمة يعيدها المتيدنون إلى الله الذي يكون قد نقم على بني البشر لخروجهم عن طاعته. إلا أن ما يعنينا هنا هو التفسير الأدبي الذي تواضع عليه نقاد الأدب والفنون بحيث تكون هذه الصورة الشعرية المتشائمة قد تأتت للشاعر نتيجة خيال مبدع تأتت له وهو يرى أبناء وطنه يتناهشون بعضهم بعضاً ويأكل غنيهم فقيرهم.
تدون أنينك: والقيمة الفنية لهذه الصورة هي في أنها استخدمت تشبيهاً مستجداً غير متداول، إذ أن التدوين لا يكون للأنين وإنما للكتابة، وقد اتفق النقاد وذواقوا النقد الأدبي أن هكذا صورة شعرية لا تأتي إلا من خيال مبدع (حسب كولوردج) كما سبق وأن أوضحنا سابقاً
تتسكع على الهوامش: وجمالية هذه الصورة في أنها استخدمت معنيين سلبيين: التسكع، والهوامش فالتسكّع لا قيمة نفعيه له، فهو لا يقود إلى هدف. والهوامش هي أشياء ثانوية في المطبوعات، وإنسان يعيش على الهامش: منعزل، وهكذا نرى أن قيمة هذه الصورة الشعرية تتجلى بدعم مفرداتها لبعضها البعض لتخلق صورة شعرية مستجدة
حتى لا تتأذى حجارة الذكريات: فالشاعر هنا ضنين على حجارة الذكريات من أن يصيبها أذى. أما لماذا حجارة الذكريات وليس الذكريات فقط، فبرأيي المتواضع، فيعود لحرص الشاعر على استخدام صوراً شعرية مستجدة لم يسبقه إليها أحد
لأسمع نبض التراب: رفع الشاعرمن قيمة التراب إذ جعله ينبض، والنبض عادة يكون للقلب الذي هو أسمى ما في جسم الإنسان
متكئا على هموم أيامه: الاتكاء عادة يكون للراحة، فأن يكون الاتكاء على الهموم فهذا خروج عن المعنى المتداول، والصورة الشعرية هنا صورة مستجدة وتأويلها صعب المنال يحتاج إلى خيال واسع
الروح تحلق مكسورة الجناح: فأن تحلق الروح وهي مكسورة الجناح دلالة على العجز. وقد عمل الخيال على توظيف الجناح المكسور لجعل الروح بائسة عاجزة عن التحليق
سعت هذه الورقة إلى التعريف بديوان "في كل سنبلة مائة حبة للشاعر المبدع عباس علي مراد"، وهذه الورقة لا تدّعي الإلمام بجميع ما جاء فيه من إبداعات، وإنما اكتفت بنماذج تضيء الأفكار الرئيسية التي ركّز عليها الديوان، إضافة إلى تسليط الضوء على ما جاء فيه من صور شعرية مبتكرة ميزته عن دواوين هذه الأيام التي تكتب على عجالة دون أن تبذل مجهوداً لكتابة مميزة.
نجمة خليل حبيب
سدني أستراليا
16/10/ 2026






0 comments:
إرسال تعليق