منذ دراستي لشعر الانتفاضة قبل ثلاثين عاما، وأنا أعدّ رسالة الماجستير حول "السخرية في الشعر الفلسطيني المقاوم بين عامي 1948- 1993" وإلى الآن، ما زلت أصطدم بسؤال النقاد المثار حول قصيدة الانتفاضة: هل ارتقت القصيدة للفعل على الأرض؟ وكان أغلب النقاد يرون في أغلب الشعر أنه مباشر ولا يرتفع بفنيته لمقام الحجر وعبقريته، حتى قصيدة "عابرون في كلام عابر" تمّ تسفيهها، وإنزالها من مكانتها الرفيعة التي أحلّها الجمهور فيها، إلى درجة أن الشاعر نفسه أخذ يخجل منها خجلا شديدا، وربما تمنى أنه لم يكتبها، أو أن باستطاعته أن يمحوها من سجله الإبداعي، ولم يقف ناقد على جمالياتها الكثيرة، كما وقفت عندها في تلك الدراسة. إنما اعتُبرتْ غبارا ثار في معمعة تلك الأحداث الموصوفة بالكبرى، والسؤال نفسه أثير مرة أخرى مع الأدب الذي ينتجه الكتاب الأسرى، وكنت ناقشت هذه المسألة باستفاضة في كتابي "تصدع الجدران- عن دور الأدب في مقاومة العتمة".
هذا السؤال الفني، أسست له بعض الأصوات التي أرادت أن تخرج من دائرة الاستعباد الموضوعي إلى آفاق التحرر الفني، لتنعتق من حشرها في الزاوية الأخلاقية إلى أن تصبح هائمة في الفضاء بلا ركيزة، وأهمهم صاحب قصيدة "عابرون في كلام عابر" نفسه، فهو أول من همش الاهتمام النقدي بالموضوع الفلسطيني عندما قال: "أنقذونا من هذا الحب القاسي"، لقد كانت جملته قاسية ومدمرة للاهتمام الموضوعي بالأدب الفلسطيني، وصار من السهل استتفاه أي نص يتحدث بطريقة واضحة عن فلسطين أو القيم الوطنية، فصارت المباشرة سُبّة، والأيديولوجيا عاراً، لأن النقاد أخذوا بجملة كهذه، التي لم تكن كلمة حق ليراد بها باطل، وإنما كانت جملة باطل يراد بها الأكاذيب وصنعها، فوراء هذه الجملة ماتت نصوص مهمة، وهُمشت أصوات كان يمكن أن يكون لها شأن عظيم، ولكن لأن النقد غبيّ في أحيان كثيرة، فقد تبع بريق الجملة، وصار يشكّك في كل نص يقال، وينزله من عرش جماليته الشعرية والأدبية ليصيبه الإهمال، وتسيّد المشهد صوت واحد، وانطفأ ما عداه من أصوات.
الآن، وبعد ثلاث سنوات من حرب الإبادة الجماعية، يعاد السؤال نفسه: هل ارتقت الأعمال الأدبية التي خلفتها الفاجعة إلى رتبة الدم المسفوح في غزة؟ طرح هذا التساؤل وزير ثقافة فلسطيني سابق؛ من غزة، روائي، يسكن في رام الله، ويتنقل بين العواصم، وينشر في الصحف والمجلات العربية والعالمية، ويعتاش على جثث الضحايا وقصصهم، ويستبدل بكل قطرة دم دولارا في أيّ رواية ينشرها، أو مقال يكتبه، أو حرف يسطره، حتى كتب أخيرا في مجلة المجلة مقالته الرديئة جدا نقديا "أدب الإبادة ما له وما عليه"، ليصف ما يكتبه الكتاب عن هذه المقتلة العظيمة فيقول واصفا تلك الكتابات: "شهدت السنوات الثلاث الماضية ظهور كتابات لا ترتقي إلى التعبير عن مستوى الفاجعة وأثرها العميق. فاتسمت تلك الكتابات بالركاكة والضعف الفني. واحتفي بنصوص فقط لأنها قادمة من غزة أو لأن كاتبها من هناك".
هذا التعميم المصوغ بهذه الطريقة- على ما فيه من فوقية واضحة مقيتة- ليبدو كلمة حق، إلا أنه كلمة باطل أرادت التزوير والانحراف عن الحق، وعمدت إلى التهوين من كل تلك الكتابات التي أنشأتها الحرب، وكتبها أصحابها وهم يتألمون كما في كتابات كتّاب غزة الذين ما زالوا فيها، أو من كتبوا عن الأهوال بعد أن غادروها، أو نحن الذين تشبعنا بالصور عبر كل وسيلة ممكنة حتى اختلطت المشاهد الدموية بكل شيء فينا. هذه الـ (نحن) الشاملة لكل فلسطيني، وعربي، وحر عبر العالم، في أي مكان يسكنه، وفي أي تعبير يكتبه، وفي كل صورة يوظفها في التعبير عن ألمه وحزنه وقلة حيلته.
لقد أنتجت هذه المقتلة مئات النصوص المهمة موضوعا وأسلوباً، فهل اطلع الوزير السابق على كل ما أنتجه الكتاب في هذه المقتلة؟ وهل ما أنتجه هو نفسه داخل في هذا الحكم أم أنه مجرد تنظير وخبط عشواء في ضجيج الكلام العبثي؟ ولو افترضنا أنه يتحدث عن بعض تلك الكتابات، فأين في مقالته الكتابات الأخرى التي يمكن أن تشكل بديلا جيدا؟ إن مقولته الحاكمة القاطعة لا تريد إلا أن تحارب هذا الأدب حربا غير مباشرة، وكأنه يعلن الحرب على "الثقافة الفلسطينية وإنجازاتها في ظل هذه المقتلة"، وعلى ذلك فإن من حق المجتمع الثقافي أن يحاكمه ويسفّه رأيه الساذج هذا، فكيف لكاتب أن يكتب في ظل الموت؟ وبأي طريقة أو أسلوب؟ وأي الكلمات يستخدم؟ هل دلنا هذا النحرير القدير الوزير الخبير كيف يكتب الأدب في ظل هذه الأجواء القاتلة المميتة؟ فما هي معايير الجودة الفنية في وصف الدمار وتقطيع الأشلاء ونقض البيوت، وانقلاب الأرض عاليها سافلها؟
أعتقد أن من يثير سؤال الفنّ والجودة الأدبية في ظل هذه الأجواء يكون أحمق أشد ما يكون الحمق، وأنا شخصيا أتذكر في هذا السياق النكتة التي ما زالت تضحك منه ومن أمثاله، تقول تلك الطرفة: إن نحويا سقط في كنيف، فجاء رجل ليخرجه، فقال له: "ناوشني يدك"، فلم يجبه النحوي، فجاء آخر فقال له: "جيب إيدك... دا طلعك"، فلم يُجبه النحوي أيضا. فقال له أحد الحاضرين: "أعطني يَدك الشريفة... لأنقذك من الكنيفة!". فقالَ النحوي: "لو لم تُخاطبني بهذا الخطاب... لبقيتُ فيها إلى الدقة والحساب!"، فهذه النكتة صالحة لأن تكون مثالا للسخرية السوداء من الواقع المؤلم في غزة، فالوزير المشابه لحال هذا النحوي الواقع في حفرة الامتصاص، لا يريد أن يتحدث الناس ببساطة، فيكتبوا عما حدث معهم كما هو، إنما يريد أن يكتب الناس على طريقة "أعطني يدك الشريفة"، إنها نكتة ساذجة لأن الوزير هنا يتقمص دور نحوي آخر، يخاطب من كنيفه الواقع فيه بكلام ليس هو، لنعود إلى جملة الجاحظ العبقرية "البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال". يقول ذلك النحوي مخاطبا كناسا جاء لينقذه مما هو فيه: "احضر لي حبلا دقيقا، وخذ بيدي أخذا رقيقا، وشدني شدا وثيقا، واجذبني جذبا رقيقا". فقال الكناس: "امرأتي طالق إن أخرجتك".
هذا هو حال هذا الكاتب ومعه غيره من النقاد الذين يطالبون بالجودة الفنية أو يصفون ما كتبه الكتاب بالرداءة والدونية، فهم لا يضعون معايير لهذه الجودة الفنية، لأنهم لا يستطيعون وضعها، لأنه- وببساطة شديدة- لا يوجد معايير جودة فنية خاصة مفبركة في مختبرات الكتابة الفارهة، إنما لكل كتابة شروطها، ولكل ظرف أبجدياته، ولكل لحظة وجودية للبشر أحوالها وأنماطها التي تنعكس على أساليب الكتابة نفسها، وقد تحدثت عن ذلك في كتابة سابقة، فكيف لوزير لا يعرف الجوع والعطش ويلعب بالدولار وبالنساء يطالب من تلعب به الريح على شواطئ غزة أو ينخر الجوع أعصابه أن يكتب بدقة وبجودة فنية متخيلة في عقل وزير ثقافة سابق، إنه يطالب الكتاب أن يتحدثوا كما تحدث النحوي الغارق في كنيفه، إلا أن الكتاب وأهل غزة وفلسطين جميعا ليسوا واقعين في كنيف، إننا نسبح في نهر دم، ودمع، وجنون من شظايا الصواريخ والقنابل الذكية والغبية، والمبصرة والعمياء، إننا في فاجعة، فهل يطالب من ينوح على ميته ألا يلحن في تناويحه؟ أي غباء هذا يا معالي الوزير؟
لا شك في أن هذا السؤال سؤال نقدي، لكنه سؤال نقدي غبيّ جدا، فعلى سبيل المثال كُتبت آلاف من الأعمال حول الحروب العربية الكثيرة المتكاثرة، الأهلية وغير الأهلية، وحول الحرب العالمية الثانية، والإبادات الجماعية العالمية، ومنها البوسنة والهرسك، وحتى إبادة اليهود على يد النازيين، فمن الغباء طرح سؤال الفنية والأدبية إلا إذا أردنا نحن الفلسطينيين أن نحارب أنفسنا بأنفسنا حربا نفسية قذرة، ونقول إن كل ما كتبناه لا يرقى لمستوى الأعمال العالمية العظيمة، أو لا يرقى لمستوى القتل والمقتلة، ونحطم هذا الأدب، فنروج لرداءته لينفضّ الناس عن قراءته، والباحثون عن دراسته، والناشرون عن طباعته، والمترجمون يتوجسون من ترجمته إلى العالم، وبذلك تضيع الكارثة بدعوى الفنية الكاذبة. فهل أدركتَ مرامي هذا الحجر الذي أوقعته- وغيرك بالطبع، فلست وحدك يا ابن أمك- في البئر أيها المجنون؟ إن مئات العاقلين لن يستطيعوا رفعه من قعرها، صحيح أن قطرة دم واحدة مسفوحة ظلما تساوي كل الأدب جيده وممتازه، كثيره وقليله، شعره وسرده، إلا أن الربط بين الاثنين أمر غير منطقي، فالناس لم تسع وراء حصول الفاجعة لتكتبها، إنما قد وقعت تلك الواقعة، فكيف يجب أن يتصرف الكتاب؟ أما أن نضع الأدب بمقارنة مع دماء الضحايا فهذه محض مغالطة منطقية بائسة، يلعب في صياغتها الشيطان نفسه، ويذكرني ما كنت قرأته في شبابي من كتاب "تلبيس إبليس" على من يتلاعب بهم من أمثال وزيرنا هذا.
للأسف، فإن ما كتبه الوزير، تجد له من يروج له، كما حدث واستضافته فضائية عربية منحت سذاجاته مساحة للظهور، وللمناقشة، وعامَ المستضيفان على عوم الوزير، وانساقا انسياقا أهبل لدعواه، وهذه من سقطات الإعلام غير الرصين الذي لا يوجهه رجل رشيد عميق الحكمة خبير، على الرغم من أن كلامه لا يعتدّ به نقديا، فهو ليس ناقدا، وإنما مجرد كاتب منتفع من سيول الدم، ويشرب من كؤوس دموع الجوعى والمهانين والمصابين نبيذا أحمر غالياً، كأنه نخب رولان بارت على قبور الضحايا، فلكل حرب تجارها، وهذه الحرب دخل سوقها التجاري الكثيرون، من محللين سياسيين أثروا ثراء فاحشا من تحليلات سقيمة، إلى تجار البضائع والمتلاعبين بالأسعار، إلى المتحكمين بالديزل والبنزين وما تضخه شرايين السيارات البائسة في جيوب الوالغين في دمنا، وها هم الكتاب أيضا يدخلون إلى هذه السوق لعلهم ينالون نصيبا من لحم الناس ليبيعوه كلاما في صحف العالم الذي تقايضه بما يجعل الليالي كلها حمراء!




0 comments:
إرسال تعليق