صدور كتاب "طيور العنقاء" للكاتبة جمانا سمير العتبة/ فراس حج محمد


عن دار الجندي للنشر والتوزيع في القدس، صدر الكتاب الأول للكاتبة الفلسطينية المقيمة في ليبيا جمانا سمير العتبة بعنوان "طيور العنقاء"، ويقع الكتاب في نحو (87) صفحة من القطع المتوسط، مشتملاً على تجربة أدبية وإنسانية مكثفة تجمع بين السرد القصصي، والشواهد النقدية، والاحتفاء بالوعي الثقافي والوطني في أوقات المحن والأزمات.

يأتي هذا الإصدار- الذي وقعته الكاتبة مؤخرا في معرض طرابلس الدولي للكتاب في ليبيا- محاولة لإعادة ترتيب الفوضى الذاتية والجمعية وإطلاق جيشٍ من الأفكار والمفاهيم الإصلاحية، حيث أهدت الكاتبة عملها إلى رفيق دربها خميس جبر، وإلى ابنها "هنيبال" وابنتها "يافا"، إضافة إلى تقديم شكر خاص لكل من الكاتب والناشر سمير الجندي، والكاتب فراس حج محمد الذي أشرف على الكتاب وحرره، وتستعير في هذا الإهداء مقطعا شعريا من قصيدة له بعنوان "الغريب": "فتقدّم يا غريب ومدّ لنا يدك/ هذا المدى الممتدّ لك". (ما يشبه الرثاء، 2019)

تفتتح المؤلفة كتابها بنص "استثناء" تروي فيه طقوساً يومية تتقاطع مع قراءتها لقصيدة رثاء صاغها الشاعر والكاتب كميل أبو حنيش عندما كان أسيراً لجدته من خلف القضبان؛ تلك السطور الشعرية التي تذكّر بالغياب والموت والتحرر والعودة، وتُسقط الكاتبة هذا النص على ذكرى رحيل والدها عام 2019، لتبحث عن الإجابة النفسية والفلسفية لسؤال استثنائية الموت.

وتستذكر الكاتبة آخر حوارٍ جمعها بوالدها الراحل عبر الفيديو هي في ليبيا والولد في نابلس؛ إذ طرح عليها فكرة تأليف كتاب يحمل اسم "الجيش الأحمر الفلسطيني"، ولم يكن المفهوم يشير إلى تشكيل عسكري تقليدي، بل إلى "جيش سلاحه الفكر وطريقة مغايرة لنظرة المجتمع لنفسه"، ومن رماد الفقد وعبر نظرة الوالد المقترنة بالتفاؤل والأمل، انطلقت الكاتبة في صياغة نصوص كتابها هذا، ليكون بمثابة تحقق لأمنية والدها وعينٍ ترى المجتمع وأفكاره وقضاياه من زوايا ومسارات جديدة.

في النص المعنون "جيش البنفسج"، تستعرض الكاتبة الأحداث التاريخية والسياسية المفصلية بعد السابع من أكتوبر 2023 وما تلا هذا اليوم من حرب وتدمير واستبسال وخذلان، وتسعى الكاتبة إلى قراءة التحولات الفكرية والاجتماعية والنفسية للجمهور الفلسطيني والعربي في ظل هذه الصدمات، وتصوغ الكاتبة في هذا السياق معادلة رمزية تتجاوز حالة السواد المطلق؛ فإذا ما مُزج اللون الأحمر- رمز دماء الشهداء والتضحية- مع اللون الأسود- رمز الخذلان والظلمة- يولد من رحم المزيج "لون البنفسج"، هذا "الجيش البنفسجي" يمثل الرمزية الفكرية والاجتماعية الواعية القادرة على انتشال المجتمع من المياه الضحلة وتصحيح مفاهيم الحرية والكرامة والمقاومة والإنسانية بعد أن طمست المعاني واختلت المفاهيم، فكأنه يمثل لوناً للأمل والعمل معاً، فلا يستسلم للسواد ولا يغرق في بحور الدم، وما يلزم ذلك من تحدٍ للصعوبات والأهوال والإصرار والعزيمة.

ويُشكل نص "طير العنقاء" النواة الرابطة والأكثر بروزاً في الكتاب؛ حيث تحول أسطورة العنقاء التي تبعث من الرماد إلى طائر يحمل الرسائل والأفكار ويكسر القضبان والحدود ليجوب البيوت والمدن والشتات، وتستعين الكاتبة باقتباسات ونصوص ونتاجات فكرية حية لعدد من الكتاب الأسرى الفلسطينيين القابعين داخل سجون الاحتلال في ذلك الوقت، وقد تحرروا بعد ذلك في صفقات الطوفان، مؤكدة دور الوعي في صياغة الفكر الفلسطيني، فاتكأت على كتاب الأسير أسامة الأشقر "للسجن مذاق آخر" للحديث عن ذوبان الذات الفردية لصالح "الذات الجماعية" التشاركية لتجاوز عثرات وتحديات الحياة والتكيف في المساحات الضيقة، ورواية الأسير كميل أبو حنيش "وجع بلا قرار" للحديث حول فلسفة القهر ومواجهة الألم وتحديد المصير الإنساني، والأسير باسم خندقجي وروايته "نرجس العزلة" لتجسيد واقع أمهات الشهداء والالتباسات الوطنية الشديدة، وحضرت رواية الأسير هيثم جابر "الأسير 1578" لإبرام التلازم بين الثورة والعشق وحب الوطن خلف الأسوار، وسردية الأسير منذر مفلح "الخرزة" للحديث عن الألم النفسي الداخلي غير المعلن وعن الهوية، وكتاب الأسير حسام شاهين "رسائل إلى قمر" لتأكيد ضرورة التنوع الثقافي والمعرفي لدى الأجيال لتجنب التهلكة والانغلاق، وأخيرا كتاب الأسير راتب حريبات "لماذا لا أرى الأبيض" من أجل التساؤل الإنساني والأخلاقي ومفاهيم البراءة والتسامح.

تتوزع نصوص الكتاب البالغ عددها خمسة وعشرين نصّاً عبر متوالية سردية تناقش إشكالات الذات، والأسرة، والمجتمع، والنضال، واللجوء، فبرزت قضايا المرأة والعنف ومفهوم الأنوثة والرجولة في نصوص مثل "اغتيال" و"كوكب المريخ"، حيث تستعرض الكاتبة صوراً من الاستبداد والعنف الأسري، مقترحة آليات لبناء وعي فكري لدى الأبناء لحماية وجودهم وشخصيتهم، وتختتم ذلك بمقولة مركزية: "لا تُغتال الأنوثة لإثبات الرجولة".

وفي نصي "لجوء" و"مكالمات" بقسميه الأول والثاني، تتقاطع تجارب الحرب والثورة في ليبيا مع الذاكرة الفلسطينية الممتدة من يافا المدينة الفلسطينية المنكوبة، وتناقش الكاتبة ظاهرة الهجرة الشاقة وقوارب الموت عبر البحر نحو أوروبا، مُفرقة بين خيار النضال والثبات، وبين واقع اللجوء والتشتت الذي يسلب الإنسان حقه في تقرير مصيره.

وتتناول في نص بعنوان "عالة" معاناة العائلات التي تُرزق بطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، وتغيّر نظرة الوالدين من التخبط والخوف إلى التعلم واكتشاف قوة الطفل، حتى تنقلب المفاهيم فيتدرّب الوالدان في عالم الطفل ويقول الأب لولده: "سامحنا يا بني إن كنا يوما عالة عليك"، أما في نصي "أم" و"يد الياسمين" ففيهما استحضار لقيم الأمومة الممتدة بين الأمهات اللواتي أنجبن واللواتي ربين، وغرس حب القراءة والفن والوطن، وتقدم في نص "استحواذ الفراغ" قراءة نقدية لطبيعة العلاقات الأسرية والعراك الصباحي اليومي بين الآباء كطقس من طقوس محاربة الوحدة بعد كبر الأبناء.

وتدعو في نص "حيوانات" للاستفادة من تنظيم القطيع في الطبيعة لتحقيق مفهوم الرضا الجماعي والمداولة السلمية للقيادة دون أنانيات فردية، ولا يفوتها أن تسترجع في نص "تفاصيل" الذاكرة المنزلية الفلسطينية، حيث التفاصيل اليومية الصغيرة التي تحمي المجتمع من الاندثار.

تعتمد جمانا العتبة في كتاباتها على أسلوب السرد المكثف، متكئة على الرمزية المقترنة بالنقد الاجتماعي والمفاهيمي، ويتضح ذلك في نصوص مثل "لوحة" و"ساعة رملية" و"ماذا لو" و"إعدام" و"ألوان"، كما استخدمت الكاتبة تقنيات الصراع الداخلي والمفارقة والتداعي الحر للذكريات.

وردت مفردة الجيش بمعانٍ مجازية متجددة في كثير من النصوص "جيش من الأفكار"، "جيش البنفسج"، "جيش الحب والياسمين"، "جيش من التفاصيل"، "جيش الأقلام"؛ ولعل هذا التكرار جاء بفعل التداعي الحرّ وعمق استذكار كلمات والدها الراحل، ليس فقط صاحب فكرة هذا الكتاب، بل أيضاً صاحب هذا التعبير "الجيش الأحمر الفلسطيني" الذي تمدد معناه في كل نصوص هذا الكتاب، ليغدو الكتاب هدية معنوية للأب الراحل وعلامة للوفاء لذكراه الباقية، وقد عملت الكاتبة على تخليده في كتاب يُقرأ حاضراً ومستقبلاً، فكأنها تكتب وفي وعيها ما قاله يوسف زيدان في رواية عزازيل "اكتب يا هيبا، فمن يكتب لن يموت أبداً"، وما دام أنها تكتب عن أبيها الراحل، فهي تعيده إلى الحياة مرة بعد مرة، كي لا تستسلم لفكرة رحيله الأبدي.


CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق