الثقافة العربية وجائزة نوبل للآداب/ د زهير الخويلدي



مقدمة

مساءلة العلاقة بين الثقافة العربية وجائزة نوبل للآداب تتجاوز بكثير حدود الإحصاء الزمني لعدد الفائزين أو منطق الشكوى من الإقصاء. فهي تلامس واحدة من أعقد إشكاليات الاعتراف الثقافي في العصر الحديث: كيف يُصنع «العالمي» في الأدب؟ ومن يملك سلطة تحديد ما يستحق أن يُرفع إلى مرتبة الكونية الرمزية؟ ولماذا يظل أدب ينتمي إلى واحدة من أغنى التقاليد اللغوية والجمالية في التاريخ الإنساني شبه غائب عن أعلى منصة اعتراف أدبي عالمي؟ منذ تأسيس الجائزة لم يتحقق للأدب العربي سوى فوز واحد يتيم، الأمر الذي يحول الغياب من مجرد واقعة إلى علامة تحتاج إلى تشخيص متعدد الطبقات. المقاربة التشخيصية هنا لا تسعى إلى حسم الجدل لصالح تفسير أحادي، ولا إلى إصدار حكم أخلاقي سريع، بل إلى تفكيك البنية المعقدة التي تجعل هذه الندرة ظاهرة مستمرة ومثيرة للتوتر، متسائلاً إن كانت ناتجة عن سوء فهم بنيوي عميق في أنظمة الأدب والتلقي والوساطة، أم عن عنف تأويلي يمارس عبر شبكات مسبقة من الأحكام والتحيزات، أم عن تداخل عضوي بين الأمرين يجعل الفصل بينهما تعسفياً. هل هذا التوتر نتيجة سوء فهم بنيوي أم عنف تأويلي ناتج عن حكم متحامل؟ وعماذا نتحصل عبر مقاربة تشخيصية؟


أولاً: الغياب بوصفه حدثاً دالاً لا مجرد نقص كمي

الغياب المتكرر للأدب العربي عن قائمة نوبل ليس فراغاً محايداً. كل غياب عن منصة رمزية كبرى يولد معنى، سواء أكان ذلك المعنى مقصوداً أم غير مقصود. في حالة الثقافة العربية يتحول الغياب إلى سؤال مضاعف: سؤال عن قيمة الأدب العربي نفسه في نظر الآخر، وسؤال عن شروط إمكانية الرؤية التي تحكم نظرة ذلك الآخر. الاعتراف الأدبي العالمي ليس عملية شفافة تلتقط الجودة حيثما وُجدت؛ بل هو عملية انتقائية تعمل داخل أفق تاريخي وجغرافي ولغوي وجمالي محدد. عندما يظل أدب بكامله تقريباً خارج دائرة الضوء لعقود متتالية، فإن ذلك يكشف عن خلل في آليات الإبصار أكثر مما يكشف بالضرورة عن خلل في المادة المبصرَة. هذا الخلل لا يمكن فهمه إلا بوضعه ضمن سياق أوسع يتعلق بتحولات مفهوم «الأدب العالمي» نفسه. فالفكرة التي تبدو كونية في ظاهرها نشأت وتطورت داخل تقاليد أوروبية ثم غربية، وحملت معها افتراضات ضمنية حول ما يشكل الإنجاز الأدبي الرفيع: شكل معين من الفردية السردية، أو معالجة خاصة للحداثة والذات والتاريخ، أو علاقة محددة بين الجمالي والاجتماعي. الأدب العربي الحديث، الذي تشكل في سياقات النهضة والاستعمار وما بعد الاستعمار والتوتر بين التراث والحداثة، ينتج جمالياته وإشكالاته بطرق لا تتطابق دائماً مع هذه الافتراضات. التشخيص يبدأ من هنا: من إدراك أن معيار الكونية نفسه مشروط تاريخياً، وأن ما يبدو غياباً قد يكون في جانب منه عدم تطابق بين أنظمة القيمة.


ثانياً: سوء الفهم البنيوي – اختلاف الأنظمة لا مجرد جهل عابر

الفرضية الأولى ترى في الندرة تعبيراً عن سوء فهم بنيوي ينبع من تباينات عميقة في البنى لا تفترض بالضرورة نية إقصائية واعية. أول هذه التباينات وأعمقها يتعلق باللغة بوصفها وسيطاً وبوصفها عالماً. اللغة العربية تمتلك نظاماً بلاغياً وإيقاعياً وتناصياً وتاريخياً بالغ التعقيد والكثافة. الشعر العربي خاصة يعتمد على طاقات صوتية ومجازية وتراثية يصعب نقلها إلى لغات أخرى دون فقدان جوهري في الشحنة الجمالية. حتى الرواية العربية الحديثة، رغم استفادتها من تقنيات سردية عالمية، تظل محملة بمرجعيات ثقافية ودينية وتاريخية وأسلوبية تجعل قراءتها الكاملة مشروطة بمعرفة سياقية واسعة. الترجمة هنا ليست جسراً محايداً؛ بل هي عملية إعادة كتابة تخضع لخيارات المترجم ولآفاق اللغة الهدف ول توقعات السوق. كثير مما يُترجم من العربية يُختار وفق معايير القابلية للفهم السريع أو الجاذبية الموضوعاتية، فيصل إلى القارئ العالمي بصورة مجتزأة أو مبسطة. كما يأتي بعد ذلك نظام الوساطة والتداول. الأدب لا يصل إلى لجان التحكيم الكبرى بمجرد وجوده، بل عبر شبكات معقدة من الناشرين الدوليين والمترجمين المحترفين والمجلات النقدية والجامعات والمؤسسات الثقافية. هذه الشبكات ليست موزعة بعدالة كونية؛ بل تتمركز تاريخياً في فضاءات معينة وتميل إلى إعادة إنتاج ما تعرفه وتأتلف معه. الأدب العربي يدخل هذه الشبكات متأخراً وبوتيرة غير منتظمة، وغالباً عبر بوابات انتقائية تفضل ما يتوافق مع صور جاهزة عن «الشرق» أو عن «العالم العربي المعاصر». النتيجة ليست رفضاً صريحاً دائماً، بل صعوبة مزمنة في بناء تراكم قرائي ونقدي يسمح للأسماء والتجارب بأن تترسخ في الأفق الذهني لصناع القرار الأدبي العالمي. كما أن الإيقاع الزمني للاعتراف يلعب دوراً بنيوياً. الجوائز الكبرى تمنح عادة بعد سنوات طويلة من الحضور المتكرر والنقاش النقدي المتراكم. الآداب التي دخلت دائرة التداول العالمي مبكراً استفادت من هذا التراكم، بينما ظل الأدب العربي يعاني من دخول متأخر ومن انقطاعات في موجات الاهتمام. سوء الفهم هنا بنيوي لأنه ناتج عن اختلاف في مواقع البداية وفي كثافة الوساطة وفي قابلية النقل اللغوي، لا عن مجرد تجاهل فردي أو قرار متعمد في لحظة بعينها.


ثالثاً: العنف التأويلي – الاختزال بوصفه شكلاً من أشكال السيطرة الرمزية

الفرضية الثانية تذهب أعمق، وترى أن الأمر لا يتوقف عند عوائق بنيوية محايدة، بل يتضمن عنفاً تأويلياً حقيقياً. العنف التأويلي يحدث عندما تُفرض على نصوص ثقافة ما شبكة مسبقة من المعاني تحدد سلفاً ما يمكن أن تقوله وما لا يمكن أن تقوله. في حالة الثقافة العربية تراكمت عبر قرون طويلة طبقات من التصورات التي تختزلها في الغرائبية أو الاستبداد أو التدين أو الصراع أو التخلف أو الإثارة السياسية. هذه التصورات لا تعمل فقط في الخطاب الإعلامي أو السياسي؛ بل تتسرب إلى الأفق القرائي الأدبي نفسه، فتجعل بعض النصوص مرئية فقط بقدر ما تؤكد الصورة، وتجعل نصوصاً أخرى غير مرئية لأنها تقاومها أو تتجاوزها. يظهر هذا العنف في الميل المزمن إلى قراءة الأدب العربي بوصفه وثيقة اجتماعية أو شهادة سياسية أكثر مما يُقرأ بوصفه إنجازاً جمالياً ومعرفياً مستقلاً. الروائي العربي يُحمل عبء تمثيل مجتمعه بأكمله، ويُسأل عن موقفه من قضايا كبرى قبل أن يُسأل عن تقنياته السردية أو رؤيته الجمالية. الشاعر العربي يُختزل أحياناً في بلاغته التراثية أو في وظيفته الهوياتية، فيُحرم من الاعتراف الكامل بتجريبه الشكلي والوجودي المعاصر. هذا الاختزال عنف لأنه يسلب النص حقه في أن يُوجد وفق منطقه الداخلي، ويجبره على الاستجابة لأفق انتظار خارجي مسبوق بأحكام.

السياقات الجيوسياسية تغذي هذا العنف وتجدده. فالعالم العربي ارتبط في المتخيل المعاصر بصور الأزمات المتلاحقة والعنف والتوترات الدينية والثقافية، مما يجعل الاعتراف الأدبي يبدو أحياناً مشروطاً باتخاذ مسافة نقدية معينة من هذه الصور أو بمواءمة ضمنية معها. المفارقة أن الأدب العربي يُطلب منه أن يكون شاهداً على مجتمعه وفي الوقت نفسه أن يتجاوز الصورة النمطية عن هذا المجتمع؛ أي أن يحقق شرطين متعارضين في آن واحد. العنف يكمن في أن المعيار نفسه غير مستقر ومتحرك بحسب الحاجة التأويلية للآخر.


رابعاً: التداخل العضوي بين البنيوي والمتحامل

التشخيص الأكثر دقة لا يقف عند الاختيار بين الفرضيتين، بل يرى أنهما متداخلتان تداخلاً عضوياً. العوائق البنيوية في الترجمة والتداول والتيارات النقدية تسهل استمرار الصور النمطية، لأن ما يصل محدود ومنتقى وفق آليات مسبقة. والصور النمطية والأحكام المتحاملة بدورها تؤثر في اختيارات المترجمين والناشرين وأعضاء اللجان، فتعيد إنتاج العوائق البنيوية وتكرسها. الحلقة ليست مفرغة فقط؛ بل هي حلقة تغذية متبادلة تغلق على نفسها وتقاوم الانفتاح. هذا التداخل يظهر بوضوح في كيفية تعامل بعض المؤسسات الغربية مع الأدب العربي: اهتمام مفاجئ في لحظات سياسية معينة، يتبعه فتور، مع تفضيل دائم للنصوص التي يمكن إدراجها بسهولة ضمن سرديات جاهزة عن الاستبداد أو الجندر أو الهوية أو المنفى. النصوص التي تفلت من هذه السرديات أو تعقدها تجد صعوبة أكبر في الاختراق. النتيجة أن ما يُعترف به جزئياً يعزز في كثير من الأحيان الصور التي تبرر عدم الاعتراف الكامل، فيُغلق الدائرة من جديد.


خامساً: أبعاد أعمق تتعلق بطبيعة المعيار الكوني ذاته

تكشف الإشكالية في مستواها الأعمق عن أزمة في فكرة الكونية الأدبية كما تُمارس عملياً. الكونية المعلنة تخفي مركزية تاريخية وجمالية معينة. عندما يُعامل الاختلاف بوصفه انحرافاً عن المعيار لا بوصفه إمكاناً لتوسيعه، يتحول الاعتراف إلى عملية إدماج مشروط لا إلى حوار متكافئ. الثقافة العربية ليست استثناء وحيداً في هذا السياق، لكن خصوصية تاريخها الاستعماري وما بعده، وخصوصية صورتها في المتخيل الغربي المعاصر، تجعلها عرضة بشكل حاد لهذا النوع من الكونية المشروطة. في الوقت نفسه لا يمكن إغفال أن الثقافة العربية ذاتها تحمل مسؤولية جزئية في تعقيد المعادلة. آليات الترجمة والترويج والنقد الداخلي والاهتمام ببناء حضور تراكمي في اللغات الكبرى ظلت في كثير من الأحيان ضعيفة أو متقطعة أو محكومة باعتبارات غير أدبية. بعض الكتابة العربية توجه نفسها مسبقاً نحو أفق انتظار غربي مفترض، فتفقد من أصالتها دون أن تضمن الاعتراف. وبعضها الآخر ينغلق على دوائره المحلية رافضاً لعبة المعايير الخارجية جملة وتفصيلاً. كلا الموقفين يضعف إمكانية فرض حضور لا يمكن تجاهله بسهولة.


خاتمة

المقاربة التشخيصية تنتهي إلى أن ندرة الفوز العربي بجائزة نوبل للآداب ظاهرة مركبة لا تُفسر بالتحيز الخالص وحده ولا بالعوائق البنيوية المحايدة وحدها. هي نتاج تداخل تاريخي بين أنظمة غير متكافئة في الوساطة اللغوية والأدبية، وبين شبكات تأويلية محملة بصور وأحكام مسبقة، وبين إيقاعات مختلفة في الدخول إلى دائرة التداول العالمي. الاعتراف بهذا التركيب يحرر النقاش من الاستقطاب العقيم بين نظرية المؤامرة ونظرية القصور الذاتي. ان التشخيص لا يبرر الغياب ولا يبرر الجائزة؛ بل يوضح الشروط التي جعلته ممكناً ومستمراً. وهو بذلك يفتح أفقاً لمسؤولية مزدوجة: مسؤولية المؤسسات العالمية في مراجعة آليات الرؤية والترجمة والتقييم باتجاه أفق أقل مركزية وأكثر قدرة على استيعاب اختلاف الأنظمة الجمالية، ومسؤولية الثقافة العربية في بناء استراتيجيات تداول وترجمة ونقد داخلي تراكمي لا تنتظر الخلاص من الخارج ولا تنغلق على ذاتها. فالاعتراف الرمزي الحقيقي لا يُهدى كاملاً؛ بل يُنتزع جزئياً عبر حضور كثيف ومتواصل يجعل التجاهل نفسه مكلفاً وصعباً. في الأخير تظل جائزة نوبل مؤشراً واحداً ضمن مؤشرات كثيرة على حيوية الأدب ومكانته. غياب الأسماء العربية عنها لفترات طويلة يكشف أكثر مما يخفي: يكشف عن حدود الكونية المعلنة، وعن عناد الصور النمطية، وعن صعوبة عبور الحواجز البنيوية، وعن حاجة ملحة إلى إعادة التفكير في كيفية صناعة الاعتراف الأدبي في عالم متعدد المراكز وغير متكافئ في الوقت نفسه. هذا الكشف هو ما يجعل المساءلة التشخيصية ضرورية، لا بوصفها شكوى، بل بوصفها مساهمة في فهم أعمق لشروط الإمكانية التي تحكم العلاقة بين الثقافات في ميدان الرمز والقيمة. فماهي آفاق التشخيص ومسؤولية الفهم؟


كاتب فلسفي

CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق