مجموعة "ضوء آخر" الشعريّة للشاعر شوقي مسلماني/ سليمان الفهد

 


 

 يستهلّ الصديق الشاعر شوقي مسلماني ديوانه "ضوء آخر" قائلاً: "تدعوه إلى العقل \ يدعوك  إلى علم الكلام"، وشتّان ما بين العقل وبين علم الكلام، فالعقل يتّسم بالحسم من خلال تثبيت قاعدة وهي ثمرة المقارنات بين الأدلّة وبين الوقوف على الأحكام، وصولاً إلى حجّة تستند إلى قواعد المنطق، بينما علم الكلام يأخذك إلى متاهات لغويّة تستند إلى اشتقاقات حمّالة أوجه، وتبدأ رحلة البحث في الوجود انطلاقا من "قطرة دمّ": 


"القبضةُ  

شديدةُ التملّك  

وقاسية. 


تدعوهُ إلى العقل   

يدعوكَ إلى عِلمِ الكلام. 


مِن مكانٍ وفي زمان 

بدأتْ قطرةُ الدمِّ تدخل في طَورٍ أوّل، 

وتماماً مثلما هذا يسبح وذاك يركض 

وهؤلاء يطيرون وأولئك يزحفون

وما بين الكلّ من تبادل في الأدوار، 

لأنّ القسوة ولأنّ الرِقّة،    

ولأنّ "اليوم الأوّل يحملُ في أحشائه اليومَ الأخير". 


من مكانٍ، وفي زمانٍ، أطلّ الموتُ أوّلاً،  

وهذا من سبب تسلّطه بهمجيّة.  


وكلّما ابتعد كلّما اقترب،     

وكلّما اقترب كلّما ابتعد".  

 

إلى ولادة الكائنات وتشكّلها وفق تميّز وخصائص، مؤكّداً بصراحة مطلقة قضيّة "الموت" الذي أناء بكلكله على الانسان ويمثّل التحدّي الكبير و"الصدفة" و"الجهد" بعد جولة مع التحديات: 


"حظُّه  

سيئ أم حسن 

إذا لا حظَّ له؟. 


الصدفةُ 

يبحثون لها عن قانون. 


الكلُّ  

خطأُ الكلّ". 


إنّه جهد فلسفي في قالب شعري يتجلّى في رحلة طويلة وشاقّة وما يعتريها علناً من قهر وتسلّط وحروب وسط ذهول وقلق وليفتح ملفّ التغوّل بحيث تتعثّر منظومات جرّاء التنافس غير الإنساني والإستغلال الطبقي ونهب حقوق العمّال والمرأة بأبشع الصور: 


"طبائعُ الإستبداد،  

السابقُ، اللاحق، قلةُ الرحمة،  

من لا يروّعهم أن تقسو قلوبُهم،  

عبيدُ النخاسةِ، ثقوبُ القديمِ البالي،    

القِيَمُ المتخثِّرة، والوجوه التي تقطر سمّاً".  

**


"وحدها القوّة 

إمكانُ المجرم". 


أينما اتّجه بصرُك،  

في السماوات الداخليّة أو الخارجيّة،  

دوائر قطرُ بعضِها أكثر عمراً مِنْ بعض. 


محاولات 

باءت كلّها بالفشل 

للجمِ هذا التردّي.   

 

الزبد  

لهاثُ البحر.  


المسألةُ متراكمة،   

سلوكٌ لا أعتقد أنّه صنيع رِقّة،  

هو صنيع آلات وخْز".  

**


تحدّثني عن جرحٍ في يدِك 

أنا طريح الفراش بسبب من جرحٍ قاتل في قلبي"؟. 


لم يغفل الشاعر شوقي مسلماني عن أنظمة تتشكّل على قاعدة الأكثرية  محكومة والأقليّة حاكمة ويقول: 


"أوّل ما تخرج 

سترى الوجه. 


أوّل ما تخرج 

سترى وجه الوجه. 


كلُّ جهة 

هي جهةُ خرائب.  


خطأ 

يتأكّد يوميّاً. 


خطأ 

هي هذه الأنياب 

والمخالب. 

 

لم يكن من يستدرك،  

ميْت مَن لا يستدرك. 

 

لا شلاّل فضّة، لا غزال،  

لا ندى _ شامة  _ على خدّ وردة،   

ولا يد من ريش النعام"؟.    


لينتقل إلى رمز وطني وعربي وأممي هو الحكيم جورج حبش الذي قال للكيان الصهيوني على أرض فلسطين العربيّة:  


"تستطيع طائراتُ العدوّ 

أن تقصف مدننا ومخيّماتنا،  

أن تقتلَ الأطفالَ والشيوخَ والنساء، 

ولكنّها لن تستطيع أن تقتل إرادة المواجهة فينا". 


وقال: 


"أنا مسيحيّ المولد،

 إسلاميّ التربية، إشتراكيّ الفكر". 


وبالحكيم جورج حبش يقول الشاعر:


"لا إخال كريماً يلفظ إسم الحكيم  

إلاّ مشفوعاً بالإحترام والبيلسان، 

إلاّ مشفوعاً ببيّارات البرتقال والزيتون   

وبالثوريين الذين لا يموتون أبداً". 


المناضلة الأمميّة "راشيل كوري" التي استشهدت وهي تمنع الجرّافات "الإسرائيليّة" من جرف بيوت سكّان البلاد الأصليين كانت مسرحيّة عنها من عمل المسرحي الكبير "ألن ركمان" ويقول الشاعر مسلماني فيهما:   


"لم ينس ألن ركمان  

ماذا حصل سنةَ 2003 في رفح – غزّة. 

  

بعينيه رأى لا بعيني أحد غيره،  

بأذنيه سمعَ لا بأذني أحد غيره،  

وكانت راشيل كوري  

بشجرتها الباسقة تقول: "لا". 

 

نحن في القرن الحادي والعشرين،    

أيضاً يُهدَم دمُ راشيل كوري وتُجرَفُ أحلام؟. 

  

لا، 

لم ينس ألن ركمان 

ولن".


وتستمرّ رحلة الكتابة مثيرةً شكلاً ومضموناً أو مختلفة بحقّ، وخصوصاً في ما ينشره مسلماني، موظِّفاً ما اختبره من الحداثة الأستراليّة، وله فيها "أنطولوجيا الشعر الأسترالي ـ عندما ينظر الله في المرآة"، وسبق وكتب عن هذه الأنطولوجيا مثنياً في جريدة "الأخبار" البيروتيّة الشاعر والناقد والكاتب اللبناني المعروف الراحل "محمّد علي شمس الدين"، مع ما اختبره من الحداثة المكتسَبَة من حداثة الشعر اللبناني  ـ العربي، فتميّز ومستحِقّاً القراءة ومجرّباً بامتياز. 

أخيراً يقول في مجموعة "ضوء آخر" الصادرة في سيدني عن "دار الفهد للنشر والتوزيع" والمنشورة الكترونياً في مكتبة "فولة بوك" الألكترونيّة وموقع "غربة" الأسترالي: 


"حتى في 

الأعماقِ السحيقة، 

حيث العتمة الموحشة،

أنامل رقيقة وعيون طفلة

وضوءٌ آخر 

ي ن ب ض".


CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق