بدوي الحاج في مائل إلى عطش/ عباس علي مراد

سأمشي اليك كل صباح / حتى أصحو بين ضلوعك، هكذا هو بدوي الحاج في ديوانه الجديد مائل إلى عطش
  يمشي مُبكراً حتى يدرك الصحو بين أضلع حبيبته، ليحكي لها حكاية عن الارض والسماء متمسكاً بها يرفض رحيلها، ليصل به الحب والعشق والهيام الى ان يهمس في أذن الريح ليخبرها عن حبيبته وأوصافها وأحاسيسها وشعورها الذي يتراءى في وهج خديها، ويتخمر الماء في يدها، وهذا ما يزيد الشاعر عطشاً ولا يريد لهذا الصخب ان يتوقف ويقول : أستطيع ان أجلس مئة عام/ وأنا أحدق في عينيك (ص18) هذا هو الولد الطائش الذي يداعب الريح، ويغفو على جفن ساقية، ويرى الضوء يتراقص على سطح غيمة، ويبقى يدور في مياهٍ لا قعر فيها ولا موانئ، ومع ذلك ما لم يضل الطريق ويلتقي حبيبته على فنجان قهوة ويقول:
 حبيبتي، المنصة خالية إلا منك ومني
فأضحى لفنجان القهوة 
طعمٌ ولون 
يطبعهما على شفتيك، قبلاً دافئة!
 وحتى وإن رحلت يبقى ظلها في باله.
الكتاب الصادر عن دار المؤلف في بيروت يقع في 111 صفحة وثلاثة عشر عنوان تعبر عن مشاعر الشاعر وتعكس صورته في القصائد التي تنبع وتتدفق من قلب الحب والمعاناة والحنين والغربة.
في 50  الصفحة يُصعدنا الكاتب معه الى الطابق الثامن حيث وجد الطمأنينة وأوصد أبوابه ليحتفظ بدفء الذكريات الموت، الحياة، العنكبوت، شجرة الليمون، دالية العنب، مسبحة جدته،الحب، الام،عن الارض، عن السماء حتى عما بقي من وحل ورماد..! (ص55)
هل اصبح الطابق الثامن تعبيراً عن الوطن الثاني! هذا التعبير الذي يتردد على ألسنة المهجرين، المبعدين، اللاجئين، المنتشرين أي المغتربين الذين تغربوا قسراً وقهراً وأخرجوا من أماكنهم الأليفة الدافئة أماكن الطفولة والأهل، الجبال، الوديان، العصافير والانهار…حيث لا يفرق وجع الذكريات هذا بين فقير وغني بين كبير او صغير او بين اي انسان وآخر، وهذا ما عبر عنه الكاتب بحرقة(ص95) لا شيءَ ثابتاً، حتى مكان الولادة والمقعد وغرفة النوم
والسرير..
ويتساءل الكاتب ص 92 قائلاً:ماذا يريد هؤلا القوم؟!
يعودون باستمرار ليتفقدوا شجرة اللوز… يعودون من سفرهم الطويل، ليجالسوا برعم الحائط…يتثاءبون ثم يرحلون..!
ومع ذلك نرى الشاعر ما زال معانداً يغضب ويثور ويقول :وما زلت معانداً كل وتدٍ 
يُدقُّ
في أرضا، في عِرضِنا، في أجسادنا..
لم أمت بعد
ما دمت أتنفس، أتكلم، أغضب وأثور..!
لقد ارخت الغربة بثقلها على شاعرنا، وتركت ندوباً لا يشفى منها وهذا ما يؤكده (ص97)حتى أضحت كل الفصول عنده خريفاً! او الضوء في إجازة رسمية(ص100) حتى انه يريد ان يعود ذلك الولد، عقله شجرة  وقلبه أسطوانة!
أخيرا، نرى ان الشاعر بدوي الحاج في استعارة يسقط تجاربه الحسية على شجرة العنب عندما يعود ويراها  ليصف لنا كيف تنهمر دموعه ويعيد رسم صور انحناءة جدته وفرح أمه وحيرة أبيه حين يقول:
تلك الدالية،
فوق منزل والدي
تنزُّ دُموعاً قديمة..
كلما رأتني عائداً
ملوحاً،
أهم بقرع الباب!
تلك الدالية، 
اقتبست:انحناءة جدتي، فرح أمي وحيرة أبي!
وكما يقول المثل: "إذا عرف السبب بطل العجب" لذلك وبعد الرحلة بين ثنايا كتاب بدوي الحاج وقصائده،  ندرك لماذا هو "مائل إلى عطش" هذا العطش الذي لا ترويه الغربة وإن كانت دافئة، ولا العودة المؤقته الى الاماكن الأليفة، لان طاحونة الذكريات لا تستكين ولا تهدأ ولا تروي عطشاً!  

CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق