رشفةٌ مِن كتاب: وأعطشهُ الظمأ لِرشفةٍ مِنكِ!/ هديل نوفل



 شاعرة من سورية مغتربة


ليس هذا كتابًا يُقرأ،

بل نافذة تُفتح على ليلٍ طويلٍ من الحنين.

هنا…

يمشي كاتبٌ مثقلٌ بمدنٍ في قلبه،

يحمل بغداد في جيبه كتعويذة،

ويُخبّئ الشام تحت وسادته،

ويترك على أرصفة الغربة

خطواتٍ لم تجد بعدُ عنوانها الأخير.

هذا الكتاب ليس أوراقًا مرصوصة،

إنّه دفقاتُ قلبٍ تعلّم أن يكتب بدل أن يصرخ،

أن يصلّي بدل أن يخاصم،

أن يعشق المدن كما تُعشق النساء،

وأن يُخاطب امرأةً

لا ندري أهي وطنٌ أم حبيبة،

أم ذاكرةٌ تأبى الرحيل.

في هذه الصفحات

يتكئ المطر على نافذة الغربة،

ويغفو القمر على كتف القصيدة،

وتنهض الكمنجة من رمادها

لتعزف اعترافًا أخيرًا

لرجلٍ أتعبه السؤال:

كيف يُطفئ العطشَ

وهو الذي يسقي الآخرين؟

إنه عطشٌ لا يُروى بالماء،

بل برشفةٍ من حضور،

بابتسامةٍ تعيد ترتيب الفوضى،

باسمٍ يُقال همسًا

فيوقظ في القلب مدائن بأكملها.

هنا ستجدون

صلاةً في لجّة الطوفان،

وشارعًا يمشي وحيدًا في الغربة،

ومطارًا يودّع أكثر مما يستقبل،

وقلبًا يركض نحو امرأةٍ

كلّما اقترب منها

ازدادت المسافات اتساعًا.

هذا كتابُ مَن تعلّم

أن يكون نقيض نفسه،

أن يحبّ حتى الاحتراق،

وأن يكتب كمن يُلقي زجاجةً في بحرٍ بعيد

لعلّها تصل ذات مساء

إلى يدٍ تعرف أن تقرأ النبض.

فإن فتحتَ هذه الصفحات،

فلا تبحث عن قصّةٍ مكتملة،

ولا عن نهايةٍ مطمئنّة…

بل ابحث عن نفسك بين السطور،

فربّما تجد عطشك القديم

يناديك باسمٍ يشبه اسمه.

وإن شعرتَ بشيءٍ من البلل في عينيك،

فلا تقل إنها دموع…

قد تكون رشفةً من ذلك الظمأ

الذي أعطشه الانتظار.

CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق