عقدت ما تسمى "لجنة الأمن القومي" في الكنيست الاسرائيلية، يوم الثلاثاء الماضي، جلسة لبحث طلب الاعلان عن "اللجنة العليا لمتابعة شؤون المواطنين العرب" كتنظيم خارج عن القانون، واستدعاء قياداتها للتحقيق معهم بشبهات التحريض على الدولة ودعم الارهاب ضدها. جاءت الدعوة بمبادرة عدد من أعضاء الكنيست المنتمين لأحزاب اليمين المشاركة في حكومة نتنياهو؛ وكخطوة متممة لإجراء بادروا اليه عام 2023 ولم يستكمل، وقد "حان الوقت كي تستقيظ الجهات الموكلة بتنفيذ القانون" ، كما جاء على لسان عضو الكنيست تسفيكا فوجل، رئيس اللجنة، الذي شدّد على أنه "من غير الممكن أن نبقى، على الرغم من مرور ثلاث سنوات، بدون إجابات" وأضاف: "إن هذا استمرار لسياسة غض النظر والعودة الى التصورات التي سادت قبل السابع من أكتوبر". من يقرأ بروتوكول الجلسة يرى كيف تبارى النواب المشاركون في كيل الاتهامات الخطيرة للجنة المتابعة ولقياداتها، لا سيّما لرئيسها الحالي، النائب السابق، د. جمال زحالقة.
من المؤسف حتى الدهشة، ألا يحظى اجتماع لجنة الأمن القومي المذكور بأي اهتمام يذكر من قبل أية جهة عربية رسمية، خاصة من قبل لجنة المتابعة نفسها. ومن المؤسف أن تتجاهله صفحات الأحزاب العامة والخاصة بالقادة الناشطين على المنصات الالكترونية، وكذلك ما يسمى بوسائل الاعلام العربية المحلية.
لا يمكننا أن نفهم هذا التجاهل وهذا الاهمال إلّا بكونهما نتيجة لسوء تقدير لخطورة ما يخطط له اليمين المتطرف الفاشي، وما يعدّه من ضربات قاصمة للمواطنين العرب ولجميع مؤسساتهم الحزبية والاجتماعية المدنية ؛ أو كقصور ناتج عن إصابة معظم اولئك القياديين بمتلازمة "الثقة النرجسية المرضية" أو بنزق "نجومية حمقاء" ؛ أو كعجز شامل أصاب جميع الخلايا الحزبية والحركية وتفشى في أعضاء الجسم حتى وصل الرأس. أتمنى أن أكون مخطئا وأن يكون أولي الأمر بيننا على دراية بما يفعلون، أو على الأقل بما لا يفعلون. لقد شارك في الاجتماع المذكور ممثلون عن وزارة الأمن القومي ووزارة العدل وقدّم كل مشارك موقف وزارته. فأفادت ممثلة وزارة الأمن الداخلي، بأن الشرطة باشرت منذ عام 2023 بالتحقيق في ملف هذه "القضية" لكنها، لا تستطيع "الكشف عن تفاصيل الملف"، مؤكدة على أن "الشرطة تعمل على الملف مع جهات أخرى". أما مندوبة وزارة العدل فقامت باستعراض الامكانيات التي تتيحها منظومة القوانين للاعلان عن تنظيم ما كجسم خارج عن القانون ومحاكمة الناشطين فيه.
لقد لفت انتباهي، بالمقابل، أن اسم "جهاز المخابرات العامة -الشاباك " لم يرد ضمن من شاركوا في الاجتماع، ولم تنقل الأخبار عنهم أي موقف رسمي أو رأي قاطع ازاء طلب رفع الشرعية عن لجنة المتابعة ومحاكمة قياديّيها.
يبدو أن هنالك حاجة للتذكير ببعض المعلومات الأساسية حول "اللجنة العليا لمتابعة قضايا الجماهير العربية" كي نفهم معنى وتبعات اخراجها خارج القانون؛ فهي الهيئة التمثيلية القيادية العليا لجميع المواطنين الفلسطينيين في اسرائيل، ومن مهامها أن تعمل "كإطار سقف" سياسي يجمع مختلف القوى والتيارات السياسية والكتل البرلمانية العربية ورؤساء السلطات المحلية المنضوين ضمن إطار "اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية". من المفروض، وفق أهداف مؤسسيها، أن تشكّل ما يشبه "برلمان الشعب" الذي من خلاله تتجسد هوية هذا الشعب الخاصة، وتتوفر له أدوات نضالية وتنظيمية كفيلة بمواجهة سياسات الحكومات الاسرائيلية العنصرية.
تنبع أهمية لجنة المتابعة العليا بصفتها الجسم الموازي لأي "قيادة وطنية أقلاوية" نشطت داخل مجتمعات أصلانية واجهت ظروف قمع واضطهاد قوميين شبيهة لما واجهته الأقلّية العربية بعد النكبة داخل إسرائيل. كانت الفكرة من وراء تأسيسها، التي ساعدت على"تخميرها" أحداث يوم الأرض المجيد عام 1976، أن تعمل كذراع سياسية يتكامل دورها مع دور أختها "اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية" المكلفة بالعمل في المجالين المدني والحقوقي؛ ذراعان في جسد المجتمع، واحدة ترسم له حدود مداه القومي/الوطني وتحميه، وواحدة تهندس معالم مداه المدني /المواطني وتدافع عنه وتحميه.
لم تكتسب اللجنة العليا، منذ تأسيسها في مطلع ثمانينات القرن المنصرم، صفة التأطير القانوني( de jure)، لكنها حظيت باعتراف واقعي (de facto) من جهة مؤسسات الدولة الرسمية، وهذا ما تم التنويه إليه في اجتماع "لجنة الأمن القومي" الأخير، وحذر منه نوّاب اليمين وطالبوا بإلغائه فورا.
لقد اكتفت قيادات لجنة المتابعة، منذ تأسيسها، بالوضع القائم وبما أتاحته هوامش ديمقراطية اسرائيلية، عرجاء وضيقة، كانت مستعدة لقبول وجود "لجنة متابعة عليا" تعرف حدودها. ديمقراطية تنحني وتتعامل بحذر مع "جسم مشبوه غريب" رغم تقديمه لنفسه انه الممثل "الشرعي والوحيد" للمواطنين العرب في اسرائيل. لم يشغل بال تلك القيادات ولا أقلام الباحثين والمحللين بيننا، ما اذا كانت هنالك فرص واحتمالات لتطوير تلك العلاقة وانضاجها كي تصل الى أبعاد أخرى أو الى أشكال جديدة ومتطورة من العلاقة التبادلية مع مؤسسات الدولة، بل بقيت علاقة رهينة محبسين: حبس يديره من يحكمون الدولة، وحبس يديره من يحكمون اللجنة.
كانت المواطنة سقف تلك العلاقة وأرضها كذلك؛ وما كانت لتصمد لولا أنها كانت مدعومة بموقف المنظومة الأمنية وعلى رأسها "جهاز المخابرات العامة-الشاباك" الذي، على ما يبدو، لم يشارك مندوبوه في اجتماع يوم الثلاثاء الماضي كما تقدم، ولم نعرف ما هو موقفهم الرسمي ازاء ما تطالب به قوى اليمين. لا يمكن الرهان على موقف جهاز المخابرات في هذه القضية؛ فتاريخنا معه تاريخ الوجع والمرارة. ولكن قد يظهر لنا أن موقفه في هذه الأيام هو العائق الوحيد والأخير الذي يمنع رفع الشرعية عن لجنة المتابعة وأخواتها؛ ويمنع بالتالي اخراجنا، نحن المواطنين العرب، عن القانون ونقلنا إما في الباصات شمالا أو شرقًا، أو الى الزنازين، أو زجّنا داخل أقفاص التدجين. قد تكون هذه "الفانتازيا"، لو تحققت، أعجب المفارقات العبثية؛ فلأي هاوية وصلنا !
تصرّ القوى اليمينية الفاشية على اتمام مشروعها في السيطرة الكاملة على"أرض اسرائيل الكبرى" وتعزيز حكمها المطلق على جميع مرافق الدولة؛ وكي يتسنى لهم ذلك سيستمرون في حروبهم على جميع الجبهات وبضمنها الجبهة الداخلية، حيث نقف نحن، المواطنين الفلسطينيين، وحيث ستكون هزيمتنا التامة هي شرط من شروط انتصارهم الكامل.
يريدني أصدقائي أن أكون متفائلا، فكيف التفاؤل ونحن لا نعرف متى ستبدأ "المجنزرات" باقتحام معاقلنا وبيوتنا. لقد بُنيت معادلة المحافظة على الوضع القائم (الستاتوس كوو)، بين لجنة المتابعة العليا وما تمثله، وبين المؤسسة الاسرائيلية الحاكمة، ضمن سلة المفاهيم الرسمية التي سادت ونظمت علاقة تبادلية كانت دائما ملتبسة ومتوترة. انها علاقة مهندَسة كعملية مقايضة بين الدولة وبين مواطنيها العرب، أو كمعادلة هشة توازن بين الحقوق والواجبات ضمن وعاء مشروم اسمه المواطنة.
لو كنت اليوم في مركز اتخاذ القرار في لجنة المتابعة مثلا، لباشرت فورا بوضع برنامج عمل واضح يفترض أن اليمين الذي يقود الحكومة اليوم، لو نجح في الاحتفاظ بسيطرته بعد الانتخابات القادمة، سيمتلك الفرصة والقدرة على فرض سياساته تجاه المواطنين العرب، وأولها اخراج لجنة المتابعة وملاحقة أعضائها وغيرهم من القيادات السياسية. يجب أن تكون أولى خطوات ذلك البرنامج ترميم الوحدة المفقودة بين القيادات أنفسها وداخل أطرها وخارجها، فبدون أن يشعر الناس بهذا الإنجاز ويتيقنوا من جدّيته، لن تجد القيادات من يحميها ولا من يحمي مؤسساتها.
لقد كانت المواطنة سقف تلك العلاقة وأرضها كذلك؛ فمن أين نجيء بالتفاؤل ولا سقف فوقنا يحمينا والأرض تحتنا هاوية ؟






0 comments:
إرسال تعليق