حِينَ انْحَنى الشّاعِرُ برفق فوق ركام الدار، لِيَهْمِسَ في أُذُنِ شَتْلَةِ الحَبَقِ المُلقاةِ عَلى عَتَبَةٍ مَكْسورَةِ الخاطِرِ في الزَّمَنِ المَوْجوعِ، لَمْ يَكُنْ يُحَدِّثُها عَنْ حُلْمٍ عابِرٍ، بَلْ عَنْ سِراجٍ يَأْبَى الانْطِفاءَ مَهْما ادْلَهَمَّتِ العَواصِفُ.
كان في تَجَلّي ذلِكَ الهَمْسِ، ابْتِسامَة تَلْمَعُ بِعِطْرٍ خَفِيٍّ، تَعِدُهُ بِاخْضِرارٍ يَليقُ بِأَحْلامٍ تَعْرِفُ كَيْفَ تَنْجو مِنَ الرَّمادِ.
وَعلى توقيت العطر ، أَقْسَمَ الشاعر لَها، فارْتَجَفَ الضَّوْءُ في وُرَيْقاتِها، نَفَضَتْ عَنْها غُبارَ القَهْرِ، وَنَهَضَتْ مِنْ تَحْتِ الأَنْقاضِ كَأَنَّها ذاكِرَةٌ تَسْتَعيدُ اسْمَها الأَوَّلَ...
لِتُعانِقَ الحُروفَ السِّتَّةَ لِلقَسَمِ العَظيمِ:
"عَيْتَرون"
القَسَمُ الشّاهِقُ صُمودًا، الرقم الصعب، المُتَأَصِّلُ في يَقينِهِ، المُمتَدُّ عَلى أُفُقِ نُبوءَةٍ لا تُخْطِئُ مَوْعِدَها
قَسَمُ اللِّقاءِ، حينَ تَتَواطَأُ الشَّهادَةُ مَعَ العَوْدَةِ، فَيَغْدو الغِيابُ طَريقًا إِلَى الحُضور...
هُناكَ، في العَتْمَةِ،
تَتَوالَدُ الكَوابيسُ مِنْ رَحِمِ الحَيْرَةِ،
تَتَشَظّى الصُّوَرُ، تَتَبَعْثَرُ الحُروفُ،
وَيَغْدو الزَّمَنُ نَفْسُهُ غَريبًا...
وَمِنْ وَسَطِ هٰذا الضَّجيجِ، يَرى الشّاعِرُ نَبْضَ التُّرابِ يَعْلو، واضِحًا كَنِداءٍ لا يُرَدُّ.
نَعَمْ، لِلتُّرابِ قَلْبٌ يَخْفِقُ… أُوافِقُكَ الرَّأْيَ، أَيُّها الشّاعِرُ عَبّاسُ مُراد.
فَقَدْ وَقَفْتُ مِثْلَكَ أَمامَ رُكامِ بَيْتِنا الَّذي دمره عَدُوِّ الإِنْسانيَّةِ،
وَرَأَيْتُ الحِجارَةَ المُتَناثِرَةَ كَذاكِرَةٍ انْكَسَرَتْ وَلَمْ تَمُتْ.
أَصْغَيْتُ مثلك إِلى أَنينِ العُمْرِ المُبَعْثَرِ،
إِلى هَذَيانِ الجُدْرانِ وَهِيَ تَرْوي ما عَجَزَتْ عَنْهُ الشِّفاهُ،
إِلى النَّبْضِ الَّذي لا يَخونُ...
نَبْضٌ يَظَلُّ يَقِظًا، يَعِدُ الأَرْضَ بِعَوْدَةِ أَبْنائِها، مَهْما طالَ الانتظار.
يَمْتَطي بِنا الشّاعِرُ بَساطَ الرِّيحِ، فَنُحَلِّقُ في مَداراتِ قَصائِدِهِ المُوَشّاةِ بِالعَتَبِ وَالقَهْرِ وَالأَنينِ وَالحَنينِ، يأخذنا نَحْوَ مُبْتَغاهُ… عِرينِ الأُسودِ.
يُخْبِرُنا بِعِشْقٍ عَنْ تَسْمِيَتِهِ...
اسْمُهُ الجَنوبُ.
أَوَّلُ الأَنْفاسِ، أَوَّلُ الضَّحِكاتِ، أَوَّلُ الخُطُواتِ، عُيونٌ ساهِرَةٌ، الَّذينَ ما بَدَّلوا تَبْديلًا.
في رُؤْيَةِ الشّاعِرِ، الجَنوبُ لَيْسَ اتِّجاهًا عَلى خارِطَةٍ،
بَلْ نَبْضُ كَرامَةٍ إِذا خَفَقَ، أَيْقَظَ أُمَّةً.
هُوَ حُدودُ المَدى حينَ تَضيقُ الأَرْضُ،
وَهُوَ الاتِّساعُ حينَ تَخْتَنِقُ الجِهاتُ..
ثُمَّ يَسْتَديرُ بِشَغَفٍ مُتَيَّمٍ نَحْوَ أَصْلِ مُدُنِهِ الثّابِتِ في الأَرْضِ، وَيُعَلِّقُ عِشْقَهُ عَلى حِبالِ فُروعِ القُرى الَّتي تُعانِقُ السَّماءَ.
يرفع الشاعر صوته ليخبرنا : في الجَنوبِ،
الأَرْضُ تَحْفَظُ أَسْماءَ أَهْلِها كَما تَحْفَظُ الأُمُّ مَلامِحَ أَبْنائِها،
وَالبُيوتُ وَإِنْ تَهَدَّمَتْ، تَبْقى واقِفَةً في القُلوبِ،
وَالأَبْوابُ وَإِنْ أُغْلِقَتْ، لا تَنْسى طَرَقاتِ أَصْحابِها.
في الجَنوبِ،
رِجالٌ إِذا وَقَفوا، اسْتَقامَتْ بِهِمُ المَعاني،
وَنِساءٌ يَعْجِنَّ الصَّبْرَ مَعَ الخُبْزِ،
وَيُرْضِعْنَ أَبْناءَهُنَّ كَرامَةً قَبْلَ الحَليبِ،
وَشُيوخٌ يَحْرُسونَ الذّاكِرَةَ كَأَنَّها آخِرُ قِلاعِ الزَّمَنِ.
هُناكَ، في جَنوبِهِ الأَشَمِّ… أَخْبَرَنا الشّاعِرُ حَكايا عَنْ أَطْفالِ غَزَّةَ، الَّذينَ يَكْتُبونَ أَسْماءَهُمْ عَلى الرُّكامِ،
يُواجِهونَ عَواصِفَ العَتْمَةِ بِصُدورٍ صَغيرَةٍ تَتَّسِعُ لِلضَّوْءِ،
فَيُشْرِقُ مِنْ بَيْنِ الدَّمارِ لَوْنُ العِزَّةِ،
نَقِيًّا كَأَنَّهُ لَمْ يُدَنَّسْ يَوْمًا بِانْكِسارٍ.
وَقَبْلَ أَنْ يُغْلِقَ الشّاعِرُ نَوافِذَ السِّنينِ،
كانَتْ تَطِلُّ الحِكاياتُ كَأَنَّها لَمْ تَغِبْ،
وَيَهْبِطُ وُضوءُ الشَّمْسِ عَلى جَبينِ جنوبه،
فَيَغْتَسِلُ بِهِ مِنْ خِذْلانِ إِخْوَةِ يُوسُفَ، لَعَلَّ الأَرْواحَ تَنْهَضُ مِنْ كَبْوَتِها.
الجَنوبُ… لَيْسَ حِكايَةَ حَرْبٍ عِنْدَ الشّاعِرِ،
بَلْ سيرَةُ حَياةٍ تُكْتَبُ بِالثَّباتِ، شَتْلَةُ تَبْغٍ أَبِيَّةٌ، شامِخَةٌ كَهاماتِ حُرّاسِها.
مَدينَةٌ تُعانِقُ البَحْرَ،
فَتَأْخُذُ مِنْهُ اتِّساعَهُ، وَتَمْنَحُهُ عِنادَها،
وَتُعَلِّمُ المَوْجَ كَيْفَ يَعودُ… مَهْما ابْتَعَدَ.
هُناكَ، يَرى الشّاعِرُ
في كُلِّ حَقْلٍ، في كُلِّ بَيْتٍ، في كُلِّ قَلْبٍ،
تُزْرَعُ سُنْبُلَةٌ،
لا تُنْبِتُ حَبَّةً واحِدَةً،
بَلْ تُنْبِتُ مائَةَ حَبَّةٍ مِنْ صَبْرٍ،
وَمائَةَ حَبَّةٍ مِنْ كَرامَةٍ،
وَمائَةَ حَبَّةٍ مِنْ انْتِماءٍ لا تَقْدِرُ عَلَيْهِ الرِّيحُ.
ذلِكَ هُوَ الجَنوبُ في عَيْنِ الشّاعِرِ عَبّاسِ مُرادٍ،
حَيْثُ لا يُقاسُ النّاسُ بِما فَقَدوا،
بَلْ بِما ظَلّوا عَلَيْهِ:
جُذورًا لا تُقْتَلَعُ،
وَنورًا لا يَنْطَفِئُ.




0 comments:
إرسال تعليق